القواعد الفقهية لفقه العمران

القواعد الفقهية لفقه العمران*

 إعداد: آية الله أحمد مبلغي

 (مدير معهد الفقه والحقوق، ومسؤول مجمع التقريب بين المذاهب بقم، الجمهورية الإيرانية)

 

تقديم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا مُحمَّد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين.

يعدّ فقه الحضارة من بين الفروع الفقهية أكثر أهمية وخطورة وحساسية، ذلك أنه ليس هو فقط مقولة علمية تشغل الباحثين المهتمين بالفقه، وَإِنَّمَا هو مشروع فقهي كبير لو استقرت دعائمه، وتنقّحت منهجيته وتوسعت أبعاده، فسوف يتحوّل إلى أكبر وأعظم فرع فقهي يتخصص في تنظيم وتنسيق وترشيد سائر الفروع الفقهية، وإعطاء طابع عولمي إليها، حتى يتمكن من إدارة حضارية وواعية للمجتمع المعقّد المعاصر.

يحتلّ فقه العمران داخل منظومة الفقه الحضاري مكانة مركزية تأخذ على عاتقه مهمة بثّ روح العقلانية والواقعية والنشاطية والاستشرافية في كيان هذه المنظومة، مِمَّا يجعلها تتحرك وتتوسع وتنمو في كلّ اتِّجاه إنساني واجتماعي حسب المنطق الإسلامي دون أي توقّف.

هذه الورقة تتناول كشف وبحث وعرض القواعد الفقهية في مجال العمران، من منطلق أن القواعد الفقهية في هذا المجال لو تنشطت عملية كشفها وتأسيسها، ثمّ تفعيلها في الاستنباط فسوف تُفتَح الأبواب العريضة أمامنا نحو الوصول إلى واقع العمرانية الإسلامية، وأحكامها الفقهية.

من الجدير ذكره أن جملة مِمَّا سنذكره من قواعد، تتم في إطار محاولة هذه الورقة لاصطياد القواعد الفقهية العمرانية على أساس الرجوع إلى النصوص والفتاوى للفقهاء الماضين. وغني عن البيان أن محاولتنا في هذا المجال يمثل نقطة الشروع في مثل هذا المشروع الذي يتعطش إلى أن تتواصل الأبحاث العلمية حولها.  وقد انتظم طرح هذه القواعد والبحث عنها وعرضها في هذه الورقة ضمن المحاور الرئيسية التالية:

1-القواعد المتكفلة لتعيين وتحديد الملكية في موضوع العمران.

2-القواعد الناظرة إلى حفظ وإبقاء صلاحية الأرض للعمران.

3-القواعد الناظرة إلى نوعية وكيفية العمران.


1-القواعد المتكفلة لتعيين وتحديد الملكية

نواجه هذا السؤال: هل عملية العمران لا بد أن تتمّ مسبوقة بالملكية؟ أم الملكية هي التي لابد أن تكون مسبوقة بهذه العملية؟ أم الحقّ هو التفصيل في ذلك؟

وللإجابة نقول: هناك قواعد فقهية، تنظر إلى قضية العلاقة والصلة بين الملكية والعمران، وبالرجوع إليها نتمكن من الوصول إلى جواب السؤال المذكور أعلاه. ونحن ـ وانطلاقاً من الهدف الذي ترمي إليه هذه الورقة ـ نلقي نظرة بحثية سريعة إلى هذه القواعد، ونعرضها عرضاً يحقّق الخطوة الأولى في هذا المجال المهم.

هذه القواعد تُقسم إلى قسمين، هما:

أولاً: القاعدة الكبرى ذات موضوع واسع النطاق يشمل جميع البشر.

وثانياً: القواعد المتعددة التي في طول تلك القاعدة الكبرى.

وإليك البحث عن القسمين:

1) القاعدة الكبرى التي لها موضوع واسع يشمل كل البشر

هذه القاعدة أمكن تسميتها بقاعدة ملكية البشر، وهي تتضمن ملكية البشر كلهم (سواء الجيل الحاضر أم الأجيال الآتية) للأرض كلها، ولكي يتبيّن المقصود من القاعدة، نلفت النظر إلى النقاط التالية:

النقطة الأولى: الملكية المبحوث عنها هنا هي ملكية ذات شمولية كاملة، بحيث تتعلق بجميع الأشياء التي تتعلق بها أنواع الملكية المتصورة، وإليك توضيح أكثر:

هناك أنواع للملكية كما يلي:

-الملكية الخاصة: وهي تعني اختصاص شخص ـ سواء كان حقيقياً أو حقوقياً ـ بمال معين، مِمَّا يجعله يمتلك حقاً في أن يحرم غيره من جميع أشكال الانتفاع به.

-ملكية الدولة: وهي تعني تملّك الدولة الإسلامية للمال، على نحو يخوّل لها التصرف في رقبة المال نفسه في إطار رعاية المصالح التي هي مسؤولة عنها؛ كتملكها للمعادن.

-ملكية الأمة: وهي تعني تملك الأمة الإسلامية لمال من الأموال؛ كملكيتها للأرض العامرة المفتوحة بالجهاد.

-ملكية الناس: وهي تعني ملكية عموم الناس لمال من الأموال؛ كملكيتهم للبحار مثلاً.

وقد وضّح المفكر الكبير مُحمَّد باقر الصدر هذه الأنواع في كتابه اقتصادنا، معتبراً أنّ ملكية الناس تعني ثبوت أثرين: أحدهما سلبي: وهو عدم السماح للفرد أو الجهة الخاصة بتملك المال، والآخر إيجابي: وهو السماح للجميع بالانتفاع به([1]).

والذي نريد أن نقوله هنا إنّ الملكية التي افترضناها حسب هذه القاعدة غير الأنواع المذكورة أعلاه وأنها رغم ذلك لا تتنافى مع الأنواع المشار إليها. ووجه عدم التنافي أن هذه الملكية ليست في عرض تلك الأنواع، بل تكون فوقها، فتتعلق بجميع ما كان متعلقاً لها، ذلك من جهة أنّ حقيقة هذه الملكية تتكّون في إطار النظر إلى أفق البيئة التي تعم الناس وتشمل الأجيال، فهي لذلك ملكية تشمل حتى مثل الغابات أو الأراضي أو المياه التي تمتلكها جهات خاصة أو دول خاصة.

النقطة الثانية: وهذه الملكية ـ ونظراً إلى كونها في طول الأقسام الأخرى ـ ليس أثرها حرمان الأشخاص عن تملّك ما كان واقعاً تحتها، بخلاف ما طرحه كملكية للناس، حيث كان أثرها عدم السماح للفرد أو الجهة الخاصة بتملّك المال، كما قلنا، وَإِنَّمَا كان أثر هذه الملكية عدم السماح للأشخاص أو الجهات أو الدول بالتصرفات التي تؤدي إلى تخريب أجزاء من البيئة وإن كان ما يُتصرّف فيه ملكاً لهؤلاء الأشخاص أو تلك الجهات أو الدول.

النقطة الثالثة: إنّ النوع الرابع من الملكية (أي: ملكية الناس) يراد من «الناس» فيه الذين كان الانتفاع من البحار والأنهار و… مسموحاً لهم حسب الفرض ـ هم هؤلاء الموجودون من البشر حالياً، بِخلاف ما طرحناه في إطار النظر إلى البيئة، فإنّ المقصود من الناس فيه: كلّ من الجيل الحاضر والأجيال القادمة، ومن هنا لا يسمح حسب هذه الملكية للجيل الحاضر أن تكون استفادته من البيئة على نحوٍ لا يبقى مجال الاستفادة من مواهبها ومعادنها للأجيال القادمة.

والجدير بالذكر أن قضية كون الطبيعة ملكاً للأجيال مِمَّا احتلّ مكانة بارزة في الأدبيات البيئية، وتمثّل بصورة واضحة مفهوماً تشكل الإطار الفكري البيئي على أساسه، مِمَّا جعل علماء البيئة يلغون في رؤيتهم العلمية حيثية تملّك الأفراد أو الجهات أو الدول.

ومثل هذه الملكية تشير إليها الآية الشريفة ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾([2])، بل وربَّما أمكن القول بأن هذه الملكية تفيد بها بعض الأحاديث، مثل الحديث النبوي الشريف الذي رواه ابن عباس «الناس شركاء في ثلاث: الماء، والنار، والكلأ»([3])، وعدم أخذنا لهذا المفهوم من الملكية من هذه النصوص ناجم عن تعوّد أذهاننا على المفهوم الرائج من الملكية، فكانت النتيجة أنّنا عندما نواجه مثل لفظة «الشركاء» مثلاً في الرواية النبوية المشار إليها، نمرّ عليها مرور الكرام، أو نحملها على معنى غير جدّي من الشركة، مع أنّ المشكلة تكمن في وجود حالة النقص في ذهنياتنا من جهة عدم الالتفات إلى خطورة القضايا البيئية، وإلى نظرة الإسلام إلى البيئة.

وهذه النظرة فوق الزمنية إلى ملكية الأرض أو بعض ما فيها، قد ظهرت بأدبيات بارزة في التراث الديني، فقد قال الإمام الصادق عندما سئل عن السواد ما منزلته؟ “هو لجميع المسلمين لِمن هو اليوم، ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم، ولمن لم يخلق بعد”([4]).

لا نريد من ذكر ذلك، إثبات القاعدة، حيث إنّ الملكية المفترضة حسبها تضاف إلى جميع البشر، لا إلى المسلمين (كما في كلام الإمام الصادق) بل المقصود رفع الاستغراب الذي يمكن أن يثار بسبب ما قلناه على أساس القاعدة من ثبوت ملكية فوق الزمنيّة للبشر.


2) القواعد التي تطرح في إطار المجتمع الإسلامي

ويمكن تصنيفها إلى صنفين:

1- ما ينظر إلى الأرض غير المعمورة:

والأرض غير المعمورة منقسمة إلى قسمين:

أ) الأرض غير مسبوقة بالعمارة: 

هناك قاعدة معروفة وردت في هذا القسم، وهي “قاعدة من حاز ملك” وإليك توضيحها:

هذه القاعدة من القواعد التي يعتمد عليها لإثبات الملكية في موارد شتى، وتدلّ على اختصاص كلّ حائز بما حازه، وقد يعبر عنها بقاعدة سببية الحيازة للملكية. وقد جرى البحث في حقيقة الحيازة المسببة للملكية، فظهرت اتجاهات ثلاثة، هي:

-كونها عبارة عن مُجرد القبض على الشيء وإن كان غير مقرون بالقصد.

-كونها عبارة عن عملية قصدية بضميمة حصول عمل خارجي، وهو القبض على الشيء.

-كونها عبارة عن عملية القبض على الشيء، ولكن بضميمة اقترانها بالقصد.

هناك موارد شتى أمكن اصطياد القاعدة من مجموعها (أو إثبات القاعدة على أساسها) نشير إلى ثلاثة منها وندع البقية إلى مجالها التفصيلي:

-الرواية النبوية «من أحيى أرضا مواتا فهي له»([5]).

-قول الإمام علي بن أبي طالب في الدابة إذا سرحها أهلها، أو عجزوا عن علفها أو نفقتها: “هي للذي أحياها”([6]).

-قول الإمام الصادق “من أصاب مالا أو بعيرا في فلاة من الأرض قد كلت وقامت وسيبها صاحبها مِمَّا لم يتبعه، فأخذها غيره فأقام عليها، وأنفق نفقته، حتى أحياها من الكلال، ومن الموت، فهي له، ولا سبيل له عليها، وإنما هي مثل الشيء المباح”([7]).

والقاعدة وإن كان الكثير من الموارد الداخلة في دائرة تطبيقاتها، لا ترتبط بقضية العمران، (إما أصلاً أو بشكل مباشر) غير أن لجملة عظيمة من هذه الموارد صلة أساسية بها، بحيث لو طبّق عليها لنتجت من هذا التطبيق نتائج لا يمكن إنكار أهميتها في فضاء فقه العمران، ومن جملة هذه التطبيقات:

– تطبيقها على الأراضي.                  – تطبيقها على المناجم.

– تطبيقها على الثروات.                    – تطبيقها على المصادر.

– تطبيقها على المياه الطبيعية.

وكما أشرنا سابقاً لا نريد في هذه الورقة إلاَّ طرحاً أولياً لكل قاعدة، وإلاَّ فإنّ لكلّ قاعدة تفاصيل، لا يصحّ الانتهاء منها، والاعتماد عليها في الوصول إلى الحكم إلاَّ عبر المرور على هذه التفاصيل والبحث الدقيق عنها، فمثلاً فإنَّ لهذه القاعدة (أي: من حاز ملك) مباحث من قبيل هل أنها عند تطبيقها على الأراضي تختص بالأراضي الموات أو تشمل الأراضي العامرة أيضاَ؟ وما إلى ذلك من المباحث.

ب) الأرض التي كانت معمورة ولكنها خربت: 

أمكن ذكر قاعدتين في ذلك:

1- قاعدة: إن الملكية الحاصلة بالعمارة تزول بالترك المؤدّي إلى الخراب: 

يستفاد من صاحب المسالك ذهابه إلى ذلك، حيث صرّح بصيرورة الأرض مباحة فيما إذا خربت بسبب ترك صاحبها لها الذي تملكها بعمارتها، وقال في توجيه ذلك: “إنّ العلَّة في تملك هذه الأرض الإحياء والعمارة، فإذا زالت العلة زال المعلول، وهو الملك، فإذا أحياها الثاني فقد أوجد سبب الملك، فيثبت الملك له” ([8]).

وقد استدلّ لذلك بما ذكره معاوية بن وهب بقوله: “سمعت أبا عبد الله (أي الإمام الصادق) يقول: أيّما رجل أتى خربة بائرة فاستخرجها وكرى أنهارها وعمرها فإن عليه الصدقة، فإن كانت أرض رجل قبله غاب عنها وتركها فأخّر بها ثم جاء بعد يطلبها فإن الأرض لله ولمن عمرها”([9]).

وجاء في المغني: “ما ملك بالإحياء ثُمَّ ترك حتى دثر وعاد مواتا فهو كالذي قبله سواء، وقال مالك: يملك هذا لعموم قوله «من أحيا أرضا ميتة فهي له»، ولأن أصل هذه الأرض مباح، فإذا تركت حتى تصير مواتا عادت إلى الإباحة كمن أخذ ماء من نهر ثُمَّ رده فيه”([10]).

2- قاعدة: انتزاع الأرض من صاحبها إذا خربت بسبب تعطيلها وامتناعه عن إعمارها: 

وهذا ما قد ذهب إليه المفكر السيد مُحمَّد باقر الصدر، قال في ذلك: “حكم الإسلام بانتزاع الأرض من صاحبها، إذا عطّلها وأهملها حتى خربت، وامتنع عن إعمارها، وعلى هذا الأساس يستولي ولي الأمر في هذه الحالة على الأرض، ويستثمرها بالأسلوب الذي يختاره؛ لأنّ الأرض لا يجوز أن يعطل دورها الإيجابي في الإنتاج، بل يجب أن تظل دائما عاملا قويا يسهم في رخاء الإنسان، ويسر الحياة، فإذا حال الحق الخاص دون قيامها بهذا الدور، ألغي هذا الحقّ وكيفت بالشكل الذي يتيح لها الإنتاج”([11]).

ومن جملة ما أمكن تطبيق هذه القاعدة عليه: ما إذا اقتصر على التحجير وأهمل العمارة؛ فقد ذهب جملة من الفقهاء بعض الفقهاء إلى أنّه يجبره الإمام على أحد أمرين: إما الإحياء وإما التخلية بينها وبين غيره، ولو امتنع أخرجها السلطان من يده لئلا يعطلها، معللين له بقبح تعطيل العمارة التي هي منفعة الإسلام”([12]).

قال النووي: “وينبغي أن يشتغل بالعمارة عقيب التحجر. فإن طالت المدة ولم يحي، قال له السلطان: أحي أو ارفع يدك عنه. فإن ذكر عذرا واستمهله، أمهله مدة قريبة يستعد فيها للعمارة. والنظر في تقديرها إلى رأي السلطان، ولا تتقدر بثلاثة أيام على الأصحّ، فإذا مضت ولم يشتغل بالعمارة، بطل حقه. وليس لطول المدة الواقعة بعد التحجر حد معين، وَإِنَّمَا الرجوع فيه إلى العادة. قال الإمام: وحقّ المتحجر يبطل بطول الزمان وتركه العمارة وإن لم يرفع الأمر إلى السلطان ولم يخاطبه بشيء؛ لأنّ التحجر ذريعة إلى العمارة، وهي لا تؤخر عن التحجر إلا بقدر تهيئة أسبابها، ولهذا لا يصح تحجر من لا يقدر على تهيئة الأسباب، كمن يتحجر ليعمر في السنة القابلة، وكفقير يتحجر ليعمر إذا قدر، فوجب إذا أخر وطال أن يعود مواتا كما كان، هذا كلام الإمام. وحكى الشيخ أبو حامد مثله عن أبي إسحاق”([13]).

وقال العلامة الحلي: “وينبغي له أن يشتغل بالعمارة عقيب التحجير حذرا من التعطيل، فإن طالت المدة ولم يجئ أمره السلطان بأحد أمرين، إما العمارة أو رفع يده ليتصرف غيره فيها فينتفع بها، فإنّ عمارتها منفعة لدار الإسلام”([14]).

وأيا كان فإنّ هذه القاعدة أمكن إرجاعها إلى سابقتها، إمّا بِمعنى أنّها تعطي نفس مضمون السابقة ـ ولو في قالب بياني آخر ـ وإما بمعنى أنّ الانتزاع، والذي تدل عليه هذه القاعدة، سببه هو زوال الملكية، والذي تدلّ عليه القاعدة السابقة.

2- ما ينظر إلى الأرض المعمورة:

هناك قاعدة أمكن ذكرها تحت هذا الصنف، وهي قاعدة “أنّ كلّ شيء يتلف بترك العمل يجب إلزام تاركه به”، وهذه القاعدة وإن كان موضوعها كل شيء، إلا أنه أمكن تطبيقها على ما يتعلق بعمران الأرض تعلقاً مباشراً، كأن كانت لشخص أرض معمورة من حيث الزراعة مثلاً، فأراد أن يتركها مِمَّا يجعلها عرضة للخراب. وقد ذهب إلى ذلك بعض الفقهاء كالعلامة الحلي في التحرير([15]).

وَإِنَّمَا جعلنا هذه القاعدة تحت هذا الصنف من أجل أن الأرض لم تتلف ولم تخرب بعدُ حسب الفرض، فيتمّ إلزام صاحبها بهدف المحافظة عليها.

*               *               *

 

2-القواعد الناظرة إلى حفظ وإبقاء صلاحية الأرض للعمران:

ويندرج تحتها صنفان:

1) القواعد المانعة عما يسبب زوال صلاحية الأرض للعمران.

2) القواعد الآمرة بما يحافظ على صلاحيتها للعمران.

1) القواعد المانعة عمّا يسبب زوال صلاحية الأرض للعمران:

1 – قاعدة عدم الإلقاء في الهلكة:

يمكن أن يستدل بهذه الآية ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾([16]) لإثبات حرمة تخريب البيئة، بأن يقال: إنّ التهلكة ليس لها حقيقة شرعية لكي يتوجّب الرجوع إلى الشرع في تعيين معناها وتحديد دائرة مدلولها سعة وضيقاً وتشخيص مصاديقها ومواردها، بل يلاحظ للتهلكة الواردة في الآية ذلك المعنى العرفي الثابت لها، فالمتعين الرجوع إلى العرف واللغة، وعندما نرجع إليهما نجدهما يعتبرون لها المعنى الذي يراد من كلمات مثل الهَلاك وهَلَك والهُلْك، وبما أنّ التصرفات المدمّرة للتوازن البيئي ـ والتي يفعلها أبناء البشر بأيديهم ـ تجعل الحياة عرضة للزوال القطعي، وعليه أنّ مثل هذه التصرّفات تمثّل أبرز مصاديق الإلقاء في الهلكة.

2- قاعدة حرمة الإفساد في الأرض: لهذه القاعدة تغطية عامة تشمل كلاً من:

-الإفساد المتوجه إلى كل الكرة الأرضية، كالذي ينجر إلى ظهور كارثة الاحتباس الحراري.

– والإفساد المتوجه إلى جزء من الأرض ولو كان جزءا صغيراً منها.

ومستند هذه القاعدة الآية الشريفة: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾([17]).

3 – قاعدة التجنب عن إفساد المياه:

إن فساد المياه يعني زوال صلاحيتها للاستخدام، وزوال صلاحيتها تترك آثاراً سلبية على الحياة في الطبيعة، سواء حياة النباتات أم حياة البشر.

بالرجوع إلى ما ورد في الشرع والفتاوى حول الماء، نجد أن هناك إمكانية غير قابلة للإنكار لاصطياد قاعدة التجنب عن إفساد المياه.

وهذه القاعدة لو أردنا تطبيقها على الموارد المستجدة لإفساد المياه، لواجهنا عرضاً عريضاً، ذلك من جهة أن المياه تتعرض لمجموعة ضخمة وأساسية من الملوثات، أهمها ما يلي:

-الملوثات الصناعية: وهي الملوثات الكيميائية والحيوية والفيزيائية.

وهذه الملوثات تضر بنوعية الماء فتجعله يفقد صلاحيته للاستخدام، أو تجعله تقل صلاحيته له.

– الملوثات الصناعية: هي عبارة عن المنتجات النفطية والمعادن الثقيلة (والتي قد تدخل الماء عن طرق) والنفايات الخطرة التي هي نفايات كيميائية قد تلوّث إمدادات المياه.

– الملوثات البيولوجية: وهي الميكروبات والكائنات الدقيقة الممرضة، مثل الفيروسات والبكتريا والطفيليات.

2)  القواعد الآمرة بما يحافظ على صلاحية الأرض للعمران:

والمقصود ما إذا كانت القاعدة، يشكّل موضوعها فعلاً من الأفعال، تمثّل رعاية ذلك الفعل حفظاً للطبيعة، وبالتالي حفظاً وإبقاءً لصلاحيتها لقبول العمران.

1 – قاعدة حرمة الروح:

ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ للبهائم والدوابّ حرمة الروح، نظير ما يكون للإنسان بحيث يوجب حرمة إتلافها ووجوب حفظها عن التلف، والقاعدة يمكن تسميتها كذلك بقاعدة حرمة الحيوان.

وكما هو معلوم، فإنّ احترام الحيوان ـ والذي هو موضوع القاعدة ـ يمثّل فعلاً كانت رعايته والقيام به، سعياً في سبيل الحفاظ على ما يشكّل جزءا كبيراً من الطبيعة، والذي هو الحيوان، حيث إن الحيوانات تعد من الكائنات الحية التي تتضمنها هذه المساحة الكونية، فالطغيان عليها يؤدي إلى بروز الاختلال في النظام البيئي، إذ هذا النظام قائم على التفاعل الحاصل بتجانس دقيق بين مكونات الطبيعة الحية، منها: كالنباتات والحيوانات، وغير الحية منها: كالماء والضوء والحرارة.

والحرمة التي تعطي هذه القاعدة لزومها ووجوب رعايتها بالنسبة إلى الحيوان، تقتضي أموراً أربعة، وهي:

– حفظه من التلف.                     – وجوب نفقته.

– عدم إيذائه.                          – عدم الإضرار به.

والقاعدة يمكن اصطيادها من جملة من النصوص والفتاوى، وفيما يلي إشارة إلى بعض هذه النصوص أو الفتاوى:

-عن ابن عمر أنّ النبي صلعم قال: «عذّبت امرأة في هرّة حبستها حتّى ماتت جوعاً، فلا هي أطعمتها ولا أرسلتها تأكل من خشاش الأرض»([18]).

– عن أبي هريرة عن رسول الله صلعم قال: «دخلت امرأة النار في هرّة ربطتها، فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتّى ماتت»([19]).

– روي عن رسول الله صلعم أنّه قال: «من نقّى شعيراً لفرسه ثمّ قام به حتّى يعلفه عليه كتب الله له بكلّ شعيرة حسنة»([20]).

– ما روي عن النبيّ صلعم أنّه قال: «لعن الله من مثّل بالحيوان» وفي رواية: «لعن الله من اتّخذ شيئاً فيه الروح غرضاً» ([21]).

– عن الإمام جعفر بن مُحمَّد عن آبائه قال: «قال رسول الله صلعم: للدابّة على صاحبها ستّ خصال، يبدأ بعلفها إذا نزل، ويعرض عليها الماء إذا مرَّ به، ولا يضرب وجهها فإنّها تسبّح بحمد ربّها، ولا يقف على ظهرها إِلاَّ في سبيل الله، ولا يحملها فوق طاقتها، ولا يكلّفها من المشي إلا ما تطيق»([22]).

– ما رواه الصدوق مرسلاً، قال: وقال رسول الله صلعم في قول الله عزّ وجل: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾([23]) قال: «نزلت في النفقة على الخيل»([24]).

– عن الإمام جعفر بن مُحمَّد، عن آبائه قال: «ونهى رسول الله صلعم عن ضرب وجوه البهائم، ونهى عن قتل النحل، ونهى عن الوسم في وجوه البهائم»([25]).

– عن الإمام الصادق قال: «أقذر الذنوب ثلاثة: قتل البهيمة، وحبس مهر المرأة، ومنع الأجير أجره»([26]).

– عن الإمام جعفر بن مُحمَّد، قال: “إنّ امرأة عذّبت في هرّة ربطتها حتّى ماتت عطشاً”([27]).

– في نهج البلاغة: “والله لو أُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت”([28]).

– في نهج البلاعة: كتابه لمن استعمله على أخذ الصدقات: “… فإذا أخذها أمينك فأوعز إليه ألا يحول بين ناقة وبين فصيلها، ولا يمصّر لبنها فيضرّ ذلك بوليدها، ولا يجهدنّها ركوباً، وليعدل بين صواحباتها في ذلك وبينها، وليرفّه على اللاغب، وليستأن بالنقب والظالع، وليوردها ما تمرّ به من الغُدُر، ولا يعدل بها عن نبت الأرض إلى جوادّ الطّرق، وليروّحها في الساعات، وليُمهلها عند النطاف والأعشاب حتّى تأتينا بإذن الله بُدَّناً مُنقيات غير مُتعبات ولا مجهودات…»([29]).

– قال بعض الفقهاء: لا يجوز الحلب إذا كان يضر البهيمة لقلة العلف([30]).

– وأن يقصّ الحالب أظفاره لئلا يؤذيها([31]).

– ورد في بعض الفتاوى الفقهية: يبقى للنحل شيء من العسل في الكوارة، فإن كان أخذه العسل في الشتاء وزمن تعذر خروج النحل كان المتبقي أكثر، وإن أقام شيئاً مقام العسل لغذائها لم يتعين إبقاء العسل([32]).

– ورد في بعض الكتب الفقهية: دود القز يعيش بورق التوت فعلى مالكه تخليته لأكله([33]).

– ورد في بعض الكتب الفقهية:لا يجوز نزف لبن الدابة بحيث يضر ولدها، وَإِنَّمَا يحلب ما فضل عن ريّ ولدها، قال الروياني: ويعني بالريّ ما يقيمه حتى لا يموت([34]).

– قال بعض الفقهاء: “ومن ملك بهيمة لزمه القيام بها، والإنفاق عليها ما تحتاج إليه من علفها، أو إقامة من يرعاها”([35]).

2- قاعدة اختلال النظام:

بالاستناد إلى هذه القاعدة أمكن إثبات حرمة التصرفات المخلّة بنظام البيئة، ولتوضيح أكثر نقول: إن قاعدة اختلال النظام تتصور لها مجالات ثلاثة:

-المجال الفردي.    -المجال الاجتماعي.           -المجال الحيوي.

فالذي راج في الفقه هو التمسك بهذه القاعدة في المجالين الأولين، فقد تمسك الفقهاء في موارد كثيرة لنفي وجوب أو حتى مشروعية العمل الذي يستلزم فعله اختلالا لنظام المعيشة لفرد ما أو لمجتمع ما، أما المجال الحيوي فالحقيقة عدم صحّة قياس الاختلال الحاصل فيه بالاختلال الحاصل في المجالين الأولين من حيث عظم وخطورة نتائجها السلبية التي تتركها على البشرية، والتي تمتلك أبعادا هي فوق التصور، فهذا الاختلال في الواقع يمثل اختلالا في كيان البشر وحياته بجميع ما لها من جوانب. والنظام الذي يختل هنا هو النظام الأيكولوجي المتكون من النباتات والحيوانات والكائنات المجهرية والجمادات من الكيماويات والظروف الطبيعية والجيولوجية،  وواقع هذا الاختلال ـ كما هو معلوم ـ هو توقف العمليات المعقدة والمتشابكة والمترابطة الجارية بين هذه الموجودات والكائنات التي تمتلك العديد من المسارات المؤدية إلى تغير معدلات نمو الجماعات الحية والموصلة لها إلى حالة مستقرة من التوازن.

ومن هنا يعلم أنه لا مجال لأن يقال: إنَّ اختلال التوازن البيئي أمر يحدث في الطبيعة كوضع كونيّ، فلا يصحّ اعتباره موضوعاً للقاعدة الفقهية! حيث لا يصح التحدّث عن القواعد الفقهية وتطبيقها في قضية، إلا فيما إذا كان موضوع تلك القضية فعلاً من أفعال الإنسان أو مرتبطاً به وحاصلاً منه، وذلك انطلاقاً من أنّ الفقه جاء لكي ينظّم فعل المكلّف وتصرفاته.

والجواب: أنّ اختلال التوازن البيئي وإن كان في واقعه أمراً حادثاً في الكون، غير أنّه يحدث فيه كنتيجة لفعل الإنسان، ولذلك نجد أنّه قد ركز تركيزاً شديداً في علم البيئة على اعتبار الإنسان كمسئول عن اختلال التوازن البيئي، وقد شغلت هذه الفكرة حيّزاً محورياً في الأدبيات البيئية. وإذا كان الإنسان هو العامل الذي يقف وراء اختلال التوازن البيئي، فجعل التوازن البيئي موضوعاً للمنع، يعني جعل الإقدامات التي توجد الاختلال في التوازن البيئي موضوعاً له.


3 – القواعد الناظرة إلى إيجاد العمران:

ويندرج تحتها صنفان:

1)   القواعد الناظرة إلى فعل العمران، أو تركه.

2)   القواعد الناظرة إلى نوعية وكيفية العمران.

1) القواعد الناظرة إلى فعل العمران، أو تركه:

أما القواعد الناظرة إلى فعل العمران فهي ما يلي:

1- قاعدة الإعمار: هذه القاعدة موضوعها الإعمار ومحمولها الوجوب، فيطرح بهذا الشكل “عمران الأرض واجب” وهي تستفاد من الآية الشريفة ﴿ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾([36]) ودلالة الآية على الوجوب إِنَّمَا من جهة أنّ الظاهر من الطلب المتوجه من الله سبحانه إلى الإنسان، كونه حاصلاً على وجه الإيجاب([37]).

وهذه القاعدة تمثّل أهمّ وأوسع القواعد القابلة للتطبيق على القضايا البيئية والعمرانية، من جهة توفّر ثلاثة أنواع من الشمولية فيها، وهي الشمولية المكانية والشمولية المراتبية والشمولية الأزمانية. والمقصود من الشمولية المكانية: هي شمول واستيعاب دائرة ما أُمِر بإعماره في الآية لجميع سطح الكرة الأرضية. كما أن المقصود من الشمولية المراتبية، شمولية الأمر بالإعمار لجميع المراتب والمستويات من الإعمار، في حين أنّ الشمولية الأزمانية: تعني عموم الخطاب لكلّ الأجيال، وأن من خوطب بها ليس جيلاً دون جيل، وعليه ليس عمران الأرض في زمان دون زمان هو المطلوب للشارع.

2- قاعدة إخراج العاطل من حيز العطلة: 

 وقد ذكرها العلامة الحلي وصاحب المسالك مستدلَّيْن بها على إثبات كون إخراج الأرض من حيز العطلة ـ والتي هي حالة مواتها ـ إلى حيز العمارة، أمراً راجحاً شرعاً ([38]).

ونقترح أن يضع الباحثون هذه القاعدة على طاولة البحث ويدرسونها دراسة معمقة، حيث يبدو أن لها قابلية عظيمة لتغطية الكثير من القضايا البيئية التي أصبحنا متحيرين كيف نعالجها معالجة فقهيةً، كأن نطبّقها ـ مثلاً ـ على قضية لها أهمية خاصة في المجال البيئي، وهي “إعادة التصنيع”([39])، والتي تعني عملية استرجاع بعض المواد من المخلفات من خلال فصلها أوّلاً، وإعادة تصنيعها ثانياً([40])، أو تطبيقها على قضية مكافحة التصحّر ومحاولة إعادة الأرض على ما كانت عليه من الصلاحية للزراعة.

3 – قاعدة صرف الأرض فيما خلقت له: 

ذكرها صاحب المسالك، معتبراً أنّ الأرض لما خلقت للانتفاع بها وبما تشتمل عليه من المعادن وغيرها، فكان ترك عمارتها صرفاً لها في غير ما خلقت له([41]). وهذه القاعدة بإمكانها معالجة الكثير من القضايا البيئية، من خلال تطبيقها عليها، كقضية التصحّر([42])، وقضية التشجير في المناطق الجافة، وعملية تحسين وإعداد الأرض([43]).

* وأما ما ينظر إلى ترك العمارة، فنشير إلى قاعدة وهي ما يلي:

4 – قاعدة عدم جواز تعطيل الأرض: 

وقد استدل الفقهاء بها في موارد من الفقه، وإن حصل الاختلاف بينهم في حكم بعض متعلقات هذا التعطيل من حيث إنَّه الحرمة أم الكراهة، فمثلاً: قال الشوكاني حول تعطيل الزراعة: “وقد كره بعض العلماء تعطيل الأرض عن الزراعة؛ لأنّ فيه تضييع المال([44])”.

وفي قبال هذا القول، يوجد القول بعدم جواز تعطيل الأرض بنحو مطلق، يقول أحد الفقهاء في قضية تعطيل الأرض: “من الواضح أنه لا يجوز تعطيلها؛ لأنَّ غرض الشارع عمارة الأراضي، وأنها ليست كسائر الأملاك كالكتب ونحوها حتى يفعل مالكها فيها ما يشاء، ولو عطّلها خمسين سنة، بل في بعض الروايات: لا يجوز تعطيل الأرض أزيد من ثلاث سنوات، فإن طبع الأرض تقتضي أن تعطل سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات للتقوية”([45]).

* وهذه القاعدة قابلة للتطبيق في مجالين:

المجال الأول: إثبات وجوب الإعمار على من يملك أرضاً.

المجال الثاني: زوال ملكية من يمتنع عن إعمار أرضه أو جواز انتزاعها منه، وهما قاعدتان أشرنا إليهما ضمن “القواعد المحدّدة للملكية في مجال العمران” سابقاً، وعليه تكون هذه القاعدة أعمّ منهما، إذ يشمل كلتيهما، بالإضافة إلى ما لها من شمول أكثر مما يجعلها قابلة للتطبيق في المجال الأول.

2) القواعد الناظرة إلى نوعية وكيفية العمران: 

والمقصود من ذلك تلك القواعد التي تعطينا نوعاً خاصاً لعمران الأرض، أو تعطي حكماً خاصاً حول نوع من أنواعه، أو تتكفّل لبيان الكيفية الشرعية للعمران أو نوع منه. والبحث عن هذا المحور مهم جداً، وتعميقه والتوسع في أبعاده والتعرف على قواعده الفقهية بحاجة إلى لجنة علمية تقوم به من منطلقات تخصصية وتنموية، والذي سنعرضه هنا لا يعدو عن كونه نماذج يبدأ بها هذا البحث، وإليك هذه النماذج:

1 – قاعدة: أنّ كل عملية عمرانية مقيدة بعدم انتهائها إلى حرمان الأجيال القادمة:

إذا قبلنا أنّ الخطاب القرآني في العمران متوجه إلى جميع الأجيال ـ أي قلنا بثبوت الشمولية الأزمانية للآية ـ فيثبت أنّ العمران الذي يقوم به كلّ جيل، مقيد بأن لا ينتهي إلى حرمان الأجيال القادمة من التمكن من العمران، وبتعبير آخر: إنّ الذي قد أمر الله سبحانه به في الآية المشار إليها هو العمران المستدام، لا كلّ ما يطلق عليه العمران، والمقصود من العمران المستدام: ما كان بحيث لو حقّقه جيل فإنّ تحقيقه هذا لا يُعدم الأرضية للأجيال التي تأتي من بعده، بل الأمر أكثر من ذلك؛ أي: ليس فقط يفسح المجال للأجيال القادمة في أن يقوموا بالعمران، بل يلعب دوراً إيجابياً للمستقبل، ويمهّد الأرضية للقادمين في القيام بعمرانها. والعمران المستدام في واقعه هو ما يسمّى اليوم بالتنمية المستدامة، وقد عُرّفَت التنمية المستدامة بأنها هي التي تلبّي حاجات الحاضر دون التفريط في تأمين حاجات أجيال المستقبل. إنّ التنمية المستدامة هي الطريق الوحيد للجمع بين متطلّبات واقتضاءات عملية رفع ومكافحة الفقر من جهة، وبين احتياجات ومتطلّبات حماية البيئة ومحافظتها من التخريب من جهة أخرى. أمّا التنمية غير المستدامة، فهي على العكس من ذلك؛ إذ توقِع الضرر بالبيئة وتسبّب تلوث مواردها وتنتج مشكلات عديدة فيها.

 وقضيَّة “تقيّد كلّ عملية عمرانية بعدم انتهائها إلى حرمان الأجيال القادمة” لو اعترفنا بها وقبلنا مشروعيتها، فإنّها لا مَحيص عن اعتبارها من القواعد، ذلك أنّها قابلة للتطبيق على مختلف ما نحقّقه على الأرض من العمليات العمرانية، الأمر الذي ينتهي بنا إلى الحكم بمشروعية بعض العمليّات وعدم مشروعية بعضها الآخر.

2 – قاعدة عدم جواز تعطيل المال:  

 وهذه القاعدة وإن استدلّ بها الفقهاء على إثبات موارد مثل: حرمة زخرفة السقوف والحيطان بالذهب، من جهة ما فيه من تعطيل المال([46])، وعدم انفساخ عقود المشاركات كالمضاربة بفسخ المضارب ـ حتى يُعلم ربّ المال والشريك ـ من جهة أنه ذريعة إلى عامة الأضرار، وهو تعطيل المال عن الفوائد والأرباح الإنصاف([47])، إلا أنه بالإمكان استفادة بارزة وقوية من القاعدة في مجال القضايا العمرانية، كأن يُحكَم على أساسها بحرمة تعطيل الأموال التي أمكن صرفها في مجال التنمية والعمران.

وهذه القاعدة أمكن استفادتها من قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾([48]).

يقول ابن خلدون: “اعلم أنّ الأموال إذا كنزت في الخزائن لا تنمو، وإذا كانت في صلاح الرعية وإعطاء حقوقهم وكفّ الأذى عنهم نَمت وزكت، وصلحت بها العامة وترتبت بها الولاية، وطاب بها الزمان، واعتقد فيها العز والمنفعة، فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله”([49]).

3 – قاعدة عدم جواز تضييع المال في غير الأغراض الصحيحة:  

وقد عبر بعض الفقهاء([50]) عن ذلك بتضييع المال من غير فائدة، والقاعدة نفس القاعدة السابقة مع اختلاف، وهو أن تلك السابقة أعمّ من هذه، إذ تلك تشمل الموردين: ما إذا لم يستفد من المال أصلا، وما إذا استفيد منه ولكنه كان بشكل غير صحيح، بينما هذه الثانية يكون موضوعها المورد الثاني فقط، أي الاستفادة غير الصحيحة من المال.

4 – قاعدة كون تعطيل الثروات الطبيعة من مصاديق الكفران بالنعمة:

وهذه القاعدة قابلة للإثبات على أساس المنطق الشرعي كما هو معلوم، وقد أشار إلى مضمونها المفكّر مُحمَّد باقر الصدر([51]).

5- قاعدة لزوم رعاية الستر في بناء الأبنية:

وهذه القاعدة لو اعترفنا بها وأثبتناها على أساس الشرع([52])، فأمكن تعيين حكم موارد متعددة على أساسها، ومن جملتها ما يلي:

-بناء الأبنية مشرفة على دور الآخرين.

– فتح الكوّة من حائط بحيث أمكن النظر منها إلى داخل الجار.

– ما طرحه بعض الفقهاء من فرع فقهي، وهو أنه إذا كان الحائط بين دارين وكان ملكاً لصاحب الدار الواحدة، فانهدم وامتنع مالكه من بنائه وطلبه مالك الدار الأخرى بنيانه، وقال له: قد كشفت أهلي فاستر بيني وبينك، فهل كان عليه أن يستر بينهما إما ببناء أو غيره مِمَّا لا يتم معه كشف أهل صاحب الدار الأخرى، أم لا؟ وقد صرح البعض هنا بلزوم البناء([53]).

– ما طرحوه من فرع فقهي آخر من أنّه إذا لم يكن الحائط بين الجارين، ولم يكن ملكا لأحدهما، وطلب أحدهما من الآخر أن يبنيه وامتنع من ذلك، فإن كان مما ينقسم، قسم بينهما وبنى كلّ واحد منهما ما يختص به منه، أو تركه إن لم يكن في ذلك ضرر على الآخر، وإن كان مِمَّا لا ينقسم، لزم البناء أو البيع أو تسليمه إلى الآخر ليبنيه، ويكون له دونه إن رضي بذلك([54]).

6 – قاعدة حرمة ترك الزراعة إذا كان تركها مضرّاً بالأرض:

ذهب بعض الفقهاء إلى أنَّه لو ملك الشخص أرضاً يحرم ترك زراعتها فيما لو كان هذا الترك مضراً بحال الأرض، وذلك للتضييع([55]).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1]) اقتصادنا: 213.

[2]) سورة الرحمن: 10.

[3]) جامع أحاديث الشيعة، 18: 469، المجموع، محي الدين النووي، 15: 242.

[4]) وسائل الشيعة، 25: 435.

[5]) صحيح البخاري، 3: 70، وسائل الشيعة، 25: 412.

[6]) وسائل الشيعة، 25:458.

[7]) وسائل الشيعة، 25:458.

[8]) مسالك الأفهام الشيخ زين الدين بن نورالدين العاملي، 12: 400.

[9]) وسائل الشيعة، 25: 414.

[10]) المغني، عبد الله بن قدامه 6: 148.

[11]) اقتصادنا، محمد باقر الصدر: 620.

[12]) جواهر الكلام، الشيخ الجواهري 38: 59.

[13]) روضة الطالبين، محيى الدين النووي 4: 352 – 353.

[14]) تذكرة الفقهاء، العلامة الحلي 2: 411.

[15]) تحرير الأحكام، العلامة الحلي 4: 46.

[16]) سورة البقرة: 195.

[17]) سورة الأعراف: 56.

[18]) صحيح البخاري 3: 77.

[19]) سنن ابن ماجه، 2: 1421، السنن الكبرى، ج5، ص214.

[20]) بحار الأنوار، ج61، ص177، ذيل ح 37.

[21]) المصدر، ص282، ذيل ح43.

[22]) المصدر،:478.

[23]) سورة البقرة:274.

[24]) وسائل الشيعة، الباب 3 من أبواب أحكام الدوابّ، ح2، ج11، ص470 وسائل.

[25]) المصدر، ح5، ص483.

[26]) المصدر، الباب 53 منها، ح2، ص544.

[27]) المصدر، ح1؛ وراجع في هذا المجال: بحار الأنوار، ج62، ص65، ح24.

[28]) نهج البلاغة، خطبة 224.

[29]) المصدر، رسالة 25.

[30]) روض الطالبين وعمدة المفتين، 3 / 310.

[31]) جواهر الكلام، ج31، ص397،روض الطالبين وعمدة المفتين، 3 / 310.

[32]) روض الطالبين وعمدة المفتين، 3 / 10، مسالك الأفهام، ج8، ص503 و504 كشف اللثام، ج7، ص612.

[33]) روض الطالبين وعمدة المفتين، 3 / 310.

[34]) روض الطالبين وعمدة المفتين، 3 / 310، اللمعة الدمشقيّة، ص191، الروضة البهيّة، ج5، ص486 ـ مسالك الأفهام، ج8، ص503.

[35]) المغني ويليه الشرح الكبير، ج9، ص317 و 318.

[36]) سورة هود: 61.

[37]) أنظر: التفسير النسفي 2: 31، تفسير النيسابوري 4: 313.

[38]) تذكرة الفقهاء، 2: 400، مسالك الأفهام12: 389.

[39]) recycling.

[40]) وكما هو معلوم تلعب إعادة تصنيع الفضلات والنفايات، دوراً مؤثّراً في عملية التجنب عن التلوث البيئي، وذلك من جهة: أ) أنّها تبعد البيئة من المواد السامة ب) أنّها تقلّل انسياب المواد واستهلاك الطاقة ج) أنّها تحمي أماكن رمي المخلفات والنفايات د) أنّها استرجاع كميات من المخلفات. والجدير بالذكر أنّ مثل البلاستيك والألومنيوم والورق والحديد، من أكثر المواد التي يتم إعادة تصنيعها.

[41]) مسالك الأفهام 12: 389 – 391.

[42]) وقد عُرّف التصحّر بأنّه ظهور حالة النقص في قدرة الإنتاج البيولوجي للأرض، من خلال ما يحصل فيها من فقدان التربة الفوقية ابتداء، وفقدان القدرة على الإنتاج الزراعي نهايةً. والتصحّر من المشكلات التي تترك نتائج خطرة على الحياة الاقتصادية للعالم، سيما البلدان التي تعاني منها؛ إذ هو في واقعه عبارة عن تداني الطاقة الحيوية للأرض وانخفاض التنوع البيئي فيها، ومثل هذه المشكلة تؤثّر تأثيراً سلبياً كبيراً على الحياة الحيوانية، وإعالة الوجود البشري. وبالالتفات إلى نكتتين تتضح أبعاد فداحة وعمق خطورة مشكلة التصحر:. الأولى: أنّ ثلث الأراضي من كرة الأرض عرضة للتصحر، فما من عام إلا وأن تتحول فيه مساحات واسعة هي حوالي 691 كيلومتر مربع من الأراضي الخصبة إلى مساحات جافة، وتبلغ أبعاد هذا الخطر إلى حدّ أصبحت حوالي الثلث من أراضي الأرض عرضة للتصحر. الثانية: بطء عملية تكوّن التربة، وهذا البطء يكون بالغاً إلى حدّ قد يستغرق تكوّن طبقة من التربة ما يقرب من 1000سنة أو أكثر.

[43]) Afforestation ، improvement land.

[44]) نيل الأوطار، الشوكاني 6: 15.

[45]) مصباح الفقاهة، السيد الخوئي 3 -:409.

[46]) مدارك الأحكام،السيد محمد العاملي 2: 382.

[47]) المرداوي 5:374.

[48]) سورة التوبة: 34-35.

[49]) أنظر: مقدمة ابن خلدون.

[50]) تكملة البحر الرائق، الشيخ محمد بن حسين بن علي الطوري القادري الحنفي 2، شرح: 210.

[51]) اقتصادنا، السيد محمد باقر الصدر: 619.

[52]) والبحث عن إثباتها موكول إلى فرصة أخرى، ولسنا هنا إلا في مقام عرض أوّلي للقواعد، لا يعدو عن كونه خطوة أولى تبدأ بمثل هذه المباحث.

[53]) المهذب، القاضي ابن البراج 2: 575 – 577.

[54]) المصدر نفسه.

[55]) كشف اللثام، الفاضل الهندي 7: 613.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك