الاحتساب وحرمة الحياة الخاصة

الاحتساب وحرمة الحياة الخاصة (حدود الرقابة)*

قراءة في تراث الفكر الإسلامي

 إعداد: أ. د. محمَّد كمال الدين إمام

 (أستاذ الشريعة بكلية الحقوق، جامعة الإسكندرية)

 

تمهيد:

الانسحاب والعودة من مقوّمات الحياة الإنسانية، بغيرهما لا يستقرّ الوضع البشري طبيعة وشرعا وعقلا، وإذا كان الانسحاب يؤكّد حاجة الإنسان إلى الانفراد باعتباره جوهر “الخصوصية” فإنَّ العودة تجسّد الحقيقة الاجتماعية للكائن الإنساني.

والخصوصية لا ترادف العزلة التي هي رفض للآخر ونفي له، إِنَّمَا الخصوصية جزء من ماهية الإنسان الذي لا يحيا بغير الحرِّية، حرِّية الانسحاب عن الآخرين، وحرِّية الاندماج في الآخرين، والخصوصية وهي تتّجه إلى الانسحاب عن الآخرين تقتطع من عالمنا مساحة تعتبرها مستودع أسرارها، و”جغرافيا” خلوتها، مطالة الآخرين باحترام الحياة الخاصة للإنسان في هذه المساحة، بحيث لا يدخلها أحد بغير دعوة أو استئذان، وجغرافيا الخلوة عند الإنسان لها جانبان:

-جانب مادي هو حرمة المسكن بما فيه ومن فيه.

-وجانب معنوي هو حرمة أسرارها وما خفي من أفكاره.

وقد عرف الإنسان منذ كان “جغرافيا الخلوة” بما لها من حرمة وحماية، يشير إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾([1]).

فالمسكن في الْمَفهوم القرآني يعني: الأمن والحماية والحرمة، ويأتي قيدا على وليّ الأمر والأفراد على السواء، وإذا كانت الخصوصية ضرورة إنسانية فإنها مثل كثير من الضرورات عرض لها الانتقاص والحرمان، إلا أنّ العقود الأخيرة شهدت تطورات علمية ضخمة جعلت خصوصية الإنسان تتعرض لجزر لا مدّ وراءه، وأصبح تشاؤم “أورويل”([2]) في روايته الشهيرة “1984” واقعا مريرا، واغتيلت الخصوصية بأيدي “التكنولوجيا” الحديثة بِما خرجت به من أجهزة التصنّت والتسجيل والاقتحام، حتَّى تعرّض الإنسان المعاصر ـ أمام أساليبها المتطورة ـ وربما لأول مرة في تاريخه الطويل ـ إلى التعرِّي الكامل، وبالمعني الدقيق للكلمة، التعرِّي نفسيا وفكريا وجسديا، وأصبحت جغرافيا الخلوة وهما، ففقد الإنسان أمنه وأضاع راحته، وصدق قول الشاعر:

    وهل راحة في أمَّة نصف أهــــلــــها على نصفه الثاني عيون تطــلـــع؟

وإذا كان إهدار الخصوصية يعني: حرمان الإنسان من وجوده السويّ، فإنَّ تصوير الخصوصية على أنَّها من الحقوق المطلقة ينطوي على إنكار بالغ للوجود الجماعي وفعاليته، الأمر الذي يستدعي الموازنة الحكمية بين الحياة الخاصة وحقيقة الإنسان الاجتماعية.

وقد جاء الإسلام ــ باعتباره الدين الخاتِم ـ ليحدث هذا التوازن في صيغة مرنة ورصينة، ذلك أنَّ حقوق الإنسان في الإسلام هي فَرع من أصل هو نظرته لقضايا المبدأ والخلافة والمصير، وفي إطار هذه النظرة العامة يأتي حديثنا عن “الاحتساب وحرمة الحياة الخاصة ـ قراءة في تراث الفقه الإسلامي” محاولة منَّا لرصد جوانب من البناء الفقهي الشامخ الذي أقيم على أساس من النصوص التي تتناهى ليحكم الوقائع اللامتناهية، واهتمامنا بالفقه ينطلق من رفضنا لمقولات مطروحة ترى في النصوص الإسلامية ـ قرآنا وسنَّة ـ مُجرَّد توجيهات خلقية لا تقوى على رفع نظام تشريعي أو بناء فقهي، وهو ما يرخصه التاريخ العقلي والتشريعي للمسلمين، وهذه المقولات المطروحة لُحمَتها وسداها تنحية الإسلام عن دائرة التطبيق، وحصره في نطاق العقيدة دون الشريعة، ومن نكد الدنيا في يوم الناس هذا أن يتطرف العلمانيون في دعوة قَومنا إلى تَمجيد الغرب تاريخا وفكرا، وفقها وتشريعا، وفي المقابل يدعوننا إلى أن نلقي في البحر بكلِّ تراثنا الفقهي لنبدأ اجتهادا مزعوما ينسخ الأصول بدعوى حرِّية العقول.

وينقسم حديثنا إلى مبحثين:

المبحث الأوّل: الإسلام وحرمة الحياة الخاصة:

وهو بِمثابة خلفية تضع بحثنا في إطار الرؤية الشاملة لنظرية الإسلام العامة في مجالي الحقوق والواجبات.

المبحث الثاني: الاحتساب وحرمة الحياة الخاصة:

ويأتي من النظرية بمثابة النموذج التطبيقي، ومنهجنا فيه تركيبي، يضع أقوال الفقهاء ـ التي تَمّ رصدها دون استقراء ـ في مكانها المتصوّر، بقصد تقديم الرأي الفقهي بأكبر قدر من الوضوح.

 *           *               *

 المبحث الأوَّل:
الشريعة الإسلامية وحرمة الحياة الخاصة

الإنسان في الإسلام مكرم ومسئول، ومن موجبات تكريمه ومسئوليته أن يحافظ له على ضروراته وأن تصان حرماته، لهذا جاءت النصوص الإسلامية في القرآن والسنَّة ـ وهما أعلى مصادر الفقه ـ آمرة بدعم الحياة الخاصة، وهو أمر يوجب صيانتها ويمنع هتكها، ويحظر كل ما يؤدِّي إلى ذلك، وتأتي عناية النصوص الإسلامية بالمسكن ـ وهو محور الخصوصية ـ دليلا على الحماية الكاملة التي يوفرها الإسلام للحياة الخاصة للإنسان.

وجاء الفقه الشرعي ـ في صياغته للنظرية العامة للحقوق والواجبات ـ وسبل حمايتها مدنية وجنائية ـ ليقدم التفاصيل التي تجعل مبدأ الحماية قواعد تحكم الممارسة في دنيا الناس.

ولا خلاف عند فقهاء جميع المذاهب الإسلامية على حرمة الحياة الخاصة، بل إن الفقه الشرعي يقيم بعض فروعه على أساس من هذه الحرمة، فلو لم يكن المسكن وحرمته لما كان للحرز معنى، وَلَما كان للاستئذان أثره في بعض العقوبات، ويعدّ الاستئذان عند بعض الفقهاء دارئا لحدّ السرقة لتكمن الشبهة في الحرزية، فلا يقطع السارق من امرأة ابنه أو زوج أمّه أو امرأة أبيه إذا سرق من المنزل المضاف إليه؛ لأن له أن يدخل عليهم بغير استئذان، فلا يتم معنى الحرزية في حقه فلا يلزمه القطع([3])، والضيف إذا سرق من بيت المضيف لا يقطع؛ لأنه مأذون بالدخول في الحرز([4]).

والسكن ـ كما يقول الراغب الأصفهاني ـ: السكون وما يسكن إليه، ومن معانيه الأمن وزوال الرعب والمسكن اسم ومكان، والجمع مساكن([5])، وعنصر الاختصاص ضروري هنا؛ لأنّه سبيل الانفراد والخصوصية، وقد أشار القرطبي([6]) إلى ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا…﴾([7])، يقول: “لَمَّا خصّ الله ابن آدم الذي كرمه وفضله بالمنازل، وسترهم فيها عن الأبصار، وملكهم الاستمتاع بها على الانفراد، وحجز على الخلق أن يطلعوا على ما فيها أو يلجئوها دون إذن أربابها، أدبهم بما يرجع إلى الستر عليهم لئلا يطلع أحد منهم على عورة”.

فالمكان هنا يندمج في الإنسان ليكون شاهدا على تكريمه، ودليلا على ضرورة انفراده بالمنزل الذي يستر العورة ويحجب العيون، ويملك الاستمتاع به على الانفراد ـ على حدّ تعبير القرطبي ـ وهذا قمّة الخصوصية.

وحماية للمسكن ينهى الإسلام عن أمرين:

أولهما: دخول المسكن بغير استئذان.

ثانيهما: التجسّس على المسكن بما فيه ومن فيه.

والنهى في قوله تعالى: ﴿لاَ تَدْخُلُواْ﴾ يفرض حكمه على الجميع ولاة وعامة، والإذن الوارد في الآية إِنَّمَا يقوم على رضا صاحب المسكن ـ مالكا أو مستأجرا أو منتفعا به بإذن دون معاوضة ـ رضاً غير مشوب بعيب، وجاء القرآن بتعبير ﴿ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ﴾ لإبراز هذا المعنى، فلا يعد إذن وليّ الأمر بتفتيش المسكن إذنا في معنى الآية بل هو أمر لا إذن.

فحرمة المسكن إذن ـ وهو مستودع الحياة الخاصة ـ تأتي قيدا على كل من وليّ الأمر والأفراد. ويمنع كلّ ما يؤدِّي إلى هتك هذا السياج سواء كان اقتحاما أو تجسّسا أو فتح مطلاّت، وفي الجملة كلّ ما يؤدِّي إلى كشف المحجوب؛ فالإذن أمر لازم في مواجهة الجميع “فلا يجوز دخول بيت شخص إلا بإذنه مالكا، كان أو مستأجرا أو مستعيرا، وسواء أكان الباب مغلقا أو مفتوحا”([8]).

ومفهوم السكن محلّ الحماية يتسع فلا يتخصّص بالبناء، بل بكل ما يأوي إليه الإنسان على سبيل الاختصاص، سواء كان مؤقتا أو دائما، وسواء كانت الإقامة على سبيل التأقيت أو الديمومة، يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾([9])، لهذا قال الفقهاء: إنّ الخيمة في الصحراء كالبيت في البنيان([10])، وهو ما يمكن تعميمه اليوم على السيارات والطائرات الخاصة، وغرف الشواطئ وكلّ ما يمكن أن يتحقق فيه ما اشترطه ابن حزم من مواصفات، وهي أن يقي شتاء من المطر، وصيفا من الشمس، ودائما من عيون المارة([11]).

والحماية التي تقرّرت للخصوصية هنا ـ مجسدة في المسكن ـ جنائية ومدنية، وتوجب على صاحب المسكن الدفاع عن حرمة بيته، ولا ضمان عليه في الرأي الراجح عند الأحناف والشافعية والحنابلة، وقال به بعض المالكية، وسندهم حديث رسول الله صلعم: «من اطَّلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حلّ لهم أن يفقئوا عينه، فإن فقؤوا عينه فلا دية له ولا قصاص»([12]).

أساس الحماية:

فالشريعة الإسلامية إذن تقرّر حماية الحياة الخاصة، وتفرض حرمة المسكن، فتحظر التفتيش، والتطلع واستراق السمع، وأدلة ذلك في الكتاب والسنَّة لا تحتاج إلى مزيد، فما هو أساس هذه الحماية. يرجع أساس هذه الحماية إلى أن من مقاصد الشريعة: حفظ المصالح وصيانة الضروريات، يقول الجويني: “فأمّا المساكن فإنّي أرى مسكن الرجل من أظهر ما تمس إليه حاجته، والكنّ الذي يؤويه وعائلته وذريته، مِمَّا لا غناء عنه… فإذا تقرّر إلحاق المساكن بالحاجات، بطل النظر إلى المملوك والمستأجر لعموم التحريم”([13]).

ويقول الشاطبي: “تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون ضرورية… ومعناها: أنّه لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد وتهارج وفوت حياة، الحفظ لها يكون بأمرين: أحدهما: ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها من جانب الوجود، والثاني: ما يدرأ عنها الاختلاف الواقع أو المتوقع فيها، وذلك من جانب العدم… فأصول العادات راجعة إلى حفظ النفس والعقل من جانب الوجود، وأيضا تناول المأكولات، والمشروبات، والملبوسات، والمسكونات ـ وما أشبه ذلك”([14]).

واعتبار المسكن من الضرورات لا يعني إطلاق يد الإنسان فيه، ذلك أن الحرِّية في الإسلام: “وضع مقيّد موصوف في حدود النصوص والمقاصد الشرعية”([15]).

فالإنسان في نظر الإسلام لم يمنح حرِّية مطلقة حتَّى في خاصة نفسه “فليس له التسليط على نفسه ولا على عضو من أعضائه بالإتلاف… فالعادات يتعلق بها حقّ الله من وجهين: أحدهما: من جهة الوضع الأولى الكلّي الداخل تحت الضروريات، والثاني: من جهة الوضع التفصيلي الذي يقتضيه العدل بين الخلق وإجراء المصلحة وفق الحكمة البالغة”([16]). وتأسيسا على ذلك قال بعض ـ بِحقّ ـ إنّ نظرية التعسّف في استعمال الحقّ في الفقه الإسلامي تشمل في نطاق تطبيقها الحقوق والحريات العامة على سواء، وقد كان الصحابة “في فقهم وفتاويهم لا يفرقون بين تقييد الحقّ وتقييد الرخصة، إذا أفضى أي منهما إلى الإضرار بالغير من الفرد أو الجماعة، كما رأينا في قضاء عمر على محمَّد بن مسلمة، وفي أمره بمنع التزوّج من الكتابيات، والأوَّل: استعمال لحقّ الملكية، والثاني: استعمال لحرِّية التزوّج([17])، وقد حرّم الإمام “القرافي” التصرّف في حقّ الحياة على وجه يؤدّي إلى الهلاك في غير مقصد شرعي كالانتحار، أو التصرّف في المال على وجه التضييع والعبث([18]) ، والأول: تصرّف في حرِّية عامة، والثاني: تصرّف في حقّ الملكية.

ورأينا أن الشمول في نظرية التعسّف يمتدّ إلى غالب النظريات العامة في الفقه الإسلامي، مثل: نظرية الضرورة الشرعية، ونظرية دفع المحظور بما يحدّد نطاق الإباحة والتحريم… وهو ما يترك أثره في مجال الحقوق والواجبات عامة أو خاصة، ذلك لأنّ طلب الإنسان لحظّه حيث أذن له لابد فيه من مراعاة حقّ الله وحق المخلوقين([19]).

وخلاصة القول:

إنّ اعتبار المسكن من الضرورات هو أساس حماية الشارع للمسكن بوجه خاص، ولحقّ الخصوصية بوجه عام؛ لأنّ حماية المسكن إِنَّمَا قصد بها حماية الانفراد والخصوصية، لا الملكية التي قرّر الشارع لصيانتها حدّا في العقاب على السرقة، بالإضافة إلى التعازير وضمان المتلفات، ولو كانت الحماية للملكيّة لما قررها الفقهاء للمستأجر والمستعير وكلاهما ليس مالكا([20]).

 *            *               *

المبحث الثاني:
الاحتساب وحرمة الحياة الخاصة

في معنى الاحتساب:

يَميل الفقه الشرعي إلى بحث الحسبة باعتبارها ترادف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما تواتر عليه كثير من الباحثين في القديم والحديث، بل إنّ بعضا قال باعتبار كلّ الولايات الإسلامية من قبيل الحسبة، وهو ما لا يمكن التسليم به إلا إذا قلنا: إنّ الحسبة هي احتساب الأجر عند الله، وهو أحد معانيها اللغوية، ولكنه لا يصلح حدّا لها في إطار الدراسة العلمية.

والرأي عندنا أنّ الاحتساب لا يرادف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وَإِنَّمَا هو أحد تطبيقاته باعتباره أصلا إلهيا عاما،وهذا التحديد للاحتساب يجعلنا نستوعب وظيفته الاجتماعية، وصياغته الفقهية، ولعلّ في اشتراك الحسبة مع مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السند الشرعي ـ كتابا وسنّة ـ ما يبرز الصلة الوثيقة بينهما دون حاجة إلى القول بالترادف، والاحتساب في الإسلام فرض على كلّ مسلم قادر، وهو نظام لم يفرض وليّ الأمر في الأخذ به أو تركه، بل إنّ مضمونه واجب تأثم الأمّة المسلمة بتقاعسها عن القيام به، ولا يلزم لوجوب الحسبة قيام الدولة المسلمة؛ لأنّ الاحتساب على نوعين:

ولاية الحسبة: ويقوم بها موظّف معين من قبل الدولة المسلمة، ولا يوجد إلاّ معها.

الاحتساب الفردي:  ويقوم به المسلمون في كلّ مجتمع متى تحقق موجبه، وجدت الدولة أم لا، ودون إذن من السلطة في حالة وجود الدولة([21]).

فالاحتساب إذن واجب شرعي يحفظ للأمّة الإسلامية فاعليتها، وعلى الشريعة الإسلامية علوّها، فيوجد بوجود الإسلام والمسلمين، دون ارتباط بالكيان السياسي الذي يحمل اسم الدولة، أو بالسلطة السياسية وهي وليّ الأمر، يقول الجويني: “لا يتخصّص بالأمر بالمعروف الولاة، بل ذلك ثابت لآحاد الناس”([22]).

غاية الاحتساب:

يرى البعض في الاحتساب أنه “الوسيلة العملية للإرادة الشعبية في النظام الإسلامي”([23])، وهو رأى لا يلملم أطراف الاحتساب التي أمرها إلى الولاة والأفراد على سواء، والرأي عندنا أن الاحتساب له غاية أساسية هي المحافظة على ما يسمّى في مصطلح الفقه الوضعي بسيادة القانون([24])، يؤكّد ذلك ما يراه الشاطبي من أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يرجع إلى حفظ الجميع ـ أي كلّ الضروريات ـ من جانب العدم([25]).

وموجب الحسبة هو المحظورات الشرعية متى ظهرت، وتتمثل في أمرين: ترك المعروف، وفعل المنكر. وهنا يجب المنع حتَّى لا يضيع المعروف ولا يقع المنكر، على حدّ تعبير القاضي عبد الجبار([26]).

ومعناه اللغوي: البدوّ،وقد جاء في حديث الرسول صلعم: «من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله، فإنّه من يبد لنا صفحته، نقم الحدّ عليه»، وإبداء الصفحة يتعلق بالفعل كما يتعلّق بالفاعل،ولا يشترط لقيام الموجب أن يظهر الفعل مع فاعله، فالظهور وصف في الموجب ذاته، مؤدّى هذا أن الظهور يتحقق إذا ظهر المنكر ولو كان مرتكبه غير ظاهر([27]).

ولا يتحقق الظهور الموجب للحسبة فيما إذا سمع المحتسب عيارا ناريا أعقبته استغاثة، دون أن يرى من أطلق العيار ولا من استغاث، وقد سئل الإمام أحمد بن حنبل: عن الرجل الذي يسمع صوت الطبل والمزمار، ولا يعرف مكانه؟ فقال: وما عليه لا يعرف مكانه؟!. وسئل عن الرجل الذي يسمع حسّ الطبل والمزمار ولا يعرف مكانه؟ فقال: وما عليك؟ وقال: ما غاب لا تفتّش([28])، فالسماع في ذاته مجردا عن المكان والإنسان لا يتحقق به الظهور الموجب للحسبة.

والظهور الموجب للحسبة لا ينفصل عن الحلول، فهو في حقيقته يتضمن الحلول، وإلا تخلف الموجب، ذلك أن الاحتساب لكلّ مسلم ويقتضي الفورية، يقول ابن نجيم: “لكلّ مسلم إقامته ـ أي الاحتساب ـ حال مباشرة المعصية، وأما بعد الفراغ منها فليس ذلك لغير الحاكم”([29]).

ويقول العزّ بن عبد السلام: “إِنَّمَا وجب النهي عن المنكر على الفور؛ لأنّ الغرض منه زوال المفسدة، فلو أخّر النهي لتحققت المفسدة والمعصية، وكذلك يجب على الفور الأمر بالمعروف كيلا تتأخر مصلحته عن الوقت الذي وجب فيه”([30]).

ولا يتحقق الظهور الموجب للاحتساب بالتوقّع ولو كان من أصحاب التهم ذلك “أن المتعلقين بضبط الأحوال ـ وهم الولاة ـ قد يرون ردع أصحاب التهم قبل إلمامهم بالهنات، والسيئات، والشرع لا يرخّص بذلك”([31]).

والحلول بهذا المعنى متّفق عليه، قال به الأحناف والشافعية والحنابلة، وهو ما يقوله المالكية حيث يرون أنّه “إذا لم يطّلع على المنكر حتَّى انقضى فعله، وفات مَحله فسبيل النظر فيه للقضاة والحكام؛ لأنّه من باب الأحكام لا التغيير لفوات دفع المنكر”([32]).

فإذا انتفى الحلول انتفى الظهور الموجب للاحتساب لفوات مَحلّه.

الظهور ليس هو العلانية:

وإذا كانت العلانية تعني لغة: الإظهار والجهر والإشهار بما يوحي أنها ترادف الظهور المشترط في موجب الاحتساب، فحقيقة الأمر خلاف ذلك، فإن فكرة العلانية([33]) تتصل على نحو ما بالقانون في كلّ فروعه، وفي المجال الجنائي تأتي العلانية في صور عدّة، فقد تكون العلانية جريمة، وقد تكون عقوبة، وقد تكون ركنا في الجريمة، وقد تكون ظرفا مشددا، وفي كلّ الأحوال قد تكون العلانية فكرة قانونية، أو حالة واقعية، والعلانية فكرة أو حالة بشروطها في التشريع الجنائي أضيق نطاقا من الظهور؛ فمن رأى منكرا في مكان خاص فقد تحقّق الظهور المشترط في موجب الحسبة ولم تتحقق العلانية، ومن اغتاب أحدا عدّ صديقا له فقد تحقق الظهور، رغم غياب العلانية، والمكان عاما أو خاصا لا أثر له في الظهور المشترط في موجب الاحتساب، وخصوصية المكان تنفي العلانية في المجال الجنائي؛ لأنّ العلانية مناطها الإدراك الحسي المباشر، أما الظهور المشترك في موجب الاحتساب، فمناطه العلم سواء تَمّ بالمباشرة أو بالأخبار أو بالاستخبار، وقد اتّجه رأي فقهيّ معاصر إلى القول بأن الظهور لا يتحقق إلاّ بالإدراك الحسي([34])، وهذا الرأي ـ على الرغم من دقّته المنطقية ـ يكاد يطابق بين العلانية والظهور، وسنده قول الرسول صلعم: «من رأى منكم منكرا فليغيره… » علّق الأمر بالتغيير على “رؤية المنكر لا على العلم”، وعندنا أن الفعل “رأى” ورد في القرآن الكريم بمعاني عدَّة منها: الرؤية البصرية، ومنها الرؤية الحسيّة، ومنها الرؤيا، ومنها العلم، وورد الفعل “رأى” في السنّة بمثل هذا التعدّد، وإن جاء استعماله الغالب بمعنى “العلم”، ومنه قوله صلعم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» والرؤية هنا بمعنى العلم([35])، وإن اتسعت لغيره في عمومها، وقد قيل: “لو كان الشرع يقتضي الخصوص، واللفظ يقتضي العموم اعتبرنا خصوص الشرع”([36]).

العلانية لا تؤثّر في الاحتساب:

والعلانية في المفهوم القانوني غالبا ما تؤثر في انحسار الحماية، فانتفاء العلانية يترتّب عليها انحسار الحماية متى أوجب القانون إشهار بعض التصرّفات، وفي المجال الجنائي فإنَّ المرأة التي تتجول على الشاطئ برداء البحر، أو في الطريق العام بثوب شفاف أو قصير لا يمكن أن تفرض على الآخرين غضّ البصر عن ما كشفته من العورة، وفي المفهوم الإسلامي لا تلازم بين العلانية وانحسار الحماية، فأيّما رجل أو امرأة تعرّى في الطريق العام فلا يباح النظر إلى عورته، وفعل الناظر والمتعري كليهما منكر ظاهر يقوم به الاحتساب، بل إنّ الناظر يفسق عند جمهور الفقهاء، واستثنيت حالة نصت عليها بعض المذاهب وهي تعمد النظر إلى العورة للشهادة بالزنى “فإذا شهدوا عند القاضي أنهم تعمدوا النظر إليه وهو يجامعها ليشهدوا عليه بالزنى فشهادتهم جائزة؛ لأنّ النظر لإقامة الحسبة فلا يصيرون به فسقة”([37])، وفي هذه الحالة يشترط لإباحة النظر اكتمال العدد اللازم لإثبات الزنى، والراجح عند الشافعية أنّ من هتك حرمة نفسه، له منع من نظر إليه وهو مكشوف العورة([38])، ذلك أن الأمر بالستر اجتمع فيه حقّ الله وحقّ العبد.

الظهور والتلبس:

عرضت المادة 30 أ.ح للتلبس بقولها: “تكون الجريمة متلبسا بها حال ارتكابها، أو عقب ارتكابها ببرهة يسيرة، ويعتبر متلبسا بها إذا تبع المجني عليه مرتكبها، أو تبعته العامة مع الصياح أثر وقوعها، أو إذا وجد مرتكبها بعد وقوعها بوقت قريب حاملا آلات أو أسلحة أو أمتعة أو أوراقا يستدلّ منها على أنه فاعل أو شريك فيها، أو إذا وجدت به في هذا الوقت آثار أو علامات تفيد ذلك”.

أوّل ما يلاحظ على التلبس في هذا النصّ هو تحديد حالاته على سبيل الحصر، والظهور المشترط في موجب الاحتساب لا ينحصر.

ثانيا: يلاحظ على هذا النصّ أنه يحصر “التلبس” في الجرائم، وهذا أمر طبيعي؛ لأن المشرع الجنائي يدور مع الجريمة، أما الظهور في مجال الاحتساب فيتعلق بكلّ المحظورات الشرعية ومفهومها يتسع ليشمل الجرائم وغيرها.

ثالثا: أهم آثار التلبس هي السلطات الممنوحة لمأموري الضبط القضائي، وهي سلطات تَمسّ خصوصية الإنسان وحرياته الفردية، أما الظهور فله أثر شرعي وحيد هو وجوب الاحتساب على الجميع السلطة والفرد.

رابعا: حالات التلبس التي أوردها النصّ لا يوجد منها ما يتحرك له المحتسب إلاّ ما يتعلق بمشاهدة الجريمة حال ارتكابها، أمَّا الحالات الأخرى فيمنع فيها الاحتساب لانتفاء شرط الحلول.

وأهم ما ينبغي الإشارة إليه في هذا الصدد، أن ظهور المنكر ـ وبغض النظر عن وسائله ـ يوجب الاحتساب، أما التلبس فإنّه لا يصحّ إلا إذا تمت المشاهدة بطريق مشروع، وعدم المشروعية يترتّب عليه بطلان إجراءات التفتيش واقتحام المنازل والقبض، والتلبس في واقع الأمر يقصد به تنحية كثير من الضمانات التي منحت للفرد في مواجهة السلطة، والحسبة لا تعرف ذلك ولا تستهدفه، والظهور في موجب الاحتساب إنما يفرض واجبات لابد من أدائها قدر المستطاع.

ضرورة استمرار الظهور:

الظهور في موجب الاحتساب شرط ابتداء وشرط بقاء؛ لأنه عندنا يعني العلم، والعلم متى وجد ينبغي أن يستمر حتَّى لا يسقط واجب الاحتساب، والظهور ـ وهو العلم ـ ثابت في حق من تعلق به، سواء رئي المنكر بعد ذلك أو احتجب([39]).

الظهور والتجسّس:

الظهور باعتباره شرطا في موجب الحسبة يقيد المحتسب، ويحدد نطاق الاحتساب، فحرمة الحياة الخاصة تمنع المحتسب من هتكها، سواء كان ذلك بغية التطلع المجرد أو بهدف الاحتساب، والتجسّس الممنوع لا يتعلق بحرمة المسكن فحسب، بل يستوعب حرمة الاتصالات وحرِّية المراسلات.

ومعنى التجسّس: هو طلب الأمارات المعرّفة كما يقول الغزالي([40])، ونصوص القرآن والسنّة صريحة في النهي عن التجسّس، أو طلب الأمارات المعرفة بقصد الاحتساب، وعلى ذلك فقه الصحابة، قال عمر بن الخطاب: “من ملأ عينيه من قاعة بيت قبل أن يؤذن له فقد فسق”، أما فقه المذاهب الفقهية فقد اجتمع على منع التجسّس، يقول المالكية “ويشترط ظهور المنكر من غير تجسّس ولا استراق سمع، ولا استنشاق ريح، ولا بحث عما أخفي بيد أو ثوب أو حانوت فإنه حرام”([41]).

يقول الغزالي الشافعي: “لا ينبغي أن يسترق السمع على دار غيره لسمع صوت الأوتار، ولا أن يستخبر من جيرانه ليخبروه عما يجري في داره”([42]).

يقول ابن الجوزي الحنبلي: “لا ينبغي له أن يسترق السمع على دار غيره ليسمع الأوتار، ولا يتعرض للشمّ ليدرك رائحة الخمر، ولا يمس ما قد ستر بثوب ليعرف شكل المزمار، ولا يستخبر جيرانه ليخبروه بما جرى”([43]).

ومنع التجسّس يشمل نطاق الخصوصية كله ولا يختصّ المنع بالمسكن، وحديث الرسول صلعم عن ابن عباس يتوعد المسترق السمع «فمن استمع إلى حديث قوم صبّ في أذنه الآنك»، وهو الرصاص الخالص المذاب، كناية عن العقاب الأخروي الشديد.

وقد قال الأوزاعي: “يدخل في التجسّس سماع قوم وهم له كارهون”([44]).

والتجسّس الممنوع يستوعب التطلع المباشر والاستخبار من الغير، يقول الصنعاني: “ولا يجوز له استخبار صغار أهل الدار عما يقوله الأهل والجيران من كلام، وما يعملون من أعمال”([45]).

هل تسقط الحسبة بالتجسّس؟

لا خلاف ـ كما سبقت الإشارة ـ في النصوص الشرعية وفي المذاهب الفقهية على حرمة التجسّس حماية للحياة الخاصة، ولا خلاف في منعه سواء قام به الأفراد أو وليّ الأمر، ولكن واجب الحسبة لا يسقط بالتجسّس حتَّى بالنسبة لفاعله؛ لأن الاحتساب واجب، والواجبات في الشرع لا تسقط إلاّ بالأداء،وأثر التجسّس على فاعله لا يتعلق بإسقاط حسبته وَإِنَّمَا ببطلان شهادته لفسقه، وليس كونه فاسقا أو مِمَّن يفعل المنكر يخرجه عن خطاب التغيير؛ لأنّ طريق الفرضية متغاير “وحرمة الإقدام على ذلك ـ أي التجسّس ـ لا تمنع وجوب النهي بعد ذلك”([46]).


متى يحلّ التجسّس؟

لا يعرف التشريع الإسلامي فكرة الإطلاق في الحقوق، ذلك أنّ الحقوق منح من الشارع رخص في استخدامها دون تعسّف أو تجاوز.

بداية لا خلاف على أن اتّصال الآخرين ـ خارج الدار ـ بالمنكر بأي طريقة من طرق العلم يعد ظهورا يوجب الاحتساب، فالخلاف ليس على وجوب الاحتساب، وَإِنَّمَا على حلّ الاقتحام للدار بقصد الاحتساب وإتمام المنع؟

والأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ـ على تباين في التفاصيل ـ يرون الاقتحام، فهذا قدر متّفق عليه عندهم، بل وفي غير مذاهب أهل السنّة، ثُمَّ يختلفون في التفاصيل؛ فبعض الفقهاء يشترط لحلّ الاقتحام خطورة في المحظور بحيث يصل إلى درجة المصلحة التي يفوت تداركها([47])، وبعضهم لا يشترط ذلك([48])، ويتجه آخرون ومنهم الأحناف والمالكية إلى التمييز بين والي الحسبة والمحتسب الفرد، فيجيزون الاقتحام للأول ويمنعونه بالنسبة للثاني ـ وهم هنا يمنعون الاقتحام فحسب لا مطلق الاحتساب؛ لأنّ ذلك مرهون بموجبه([49])، فإذا سمع الحاكم غناء في بيت إنسان هجم عليه.

وبعض فقهاء المذاهب يفرّقون بين من اعتاد الفسق وأنواع الفساد وبين المستور الحال، الأول لا بأس من الهجوم على بيته، أمّا المستور الحال فلا([50]).

ثُمَّ هم بعد ذلك يختلفون ـ بعد حلّ التجسّس بوجود مَحلّه ـ هل يجوز أم يجب؟

ووجهة نظري أن الماوردي ـ وهو على رأس القائلين بالجواز ـ كان منطقيا مع نظريته الفقهية، فهو لا يرى الاقتحام إلاّ في حالة الضرورة، أي عندما تكون هناك مصلحة يفوت تدراكها، مثال ذلك من خلا برجل ليقتله، أو امرأة ليفسق بها. أما غيره من القائلين بالوجوب؛ فبعضهم أقامه مثل الماوردي على حالة الضرورة، وقولهم بالوجوب هنا محل نظر، وآخرون أقاموه على أساس الدفاع الشرعي ـ العام والخاص ـ فتحتم القول بالوجوب.

ورأينا أن الاقتحام هنا مصدره الدفاع الشرعي لا الضرورة، ولا نقصد بالدفاع هنا دفع الصائل فحسب، بل منع كلّ محظور، فالاقتحام واجب سواء خلا رجل بآخر بقصد القتل أو اختلى رجل بنفسه بقصد الانتحار، سواء كانت الخلوة بغير الزوجة بقصد الفسق مطاوعة أو بإكراه، والقول بالوجوب هنا يأتي تابعا لوجوب الاحتساب، فإذا كان الاحتساب واجبا وهو لا يتم إلا بدخول المنزل وجب ذلك؛ لأنّ ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب([51]).

ومتى ثبت الوجوب فلا نرى انفراد الولاة بالاحتساب في هذه الحالة، بل هو للأفراد والولاة، والقول بغير ذلك معارض لعموم الأدلة من ناحية، ويوقع المكلّف في الحرج من ناحية ثانية، حيث يلزمه برفع الأمر إلى الحاكم، بينما هو مخير بين الستر والإبلاغ، والستر أولى “فكل ما تقبل فيه شهادة الحسبة مِمَّا هو من حدود الله تعالى فالمستحب للشاهد ألا يشهد به؛ لأنه مندوب إلى ستره”، وإنّ في ذلك معارضة لقوله تعالى في سورة البقرة ﴿وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾، وتقييد المطلق بِخبر الواحد لا يجوز، فالجواب ـ كما يقول العيني ـ أن الآية محمولة على حقوق العباد([52]).

وأساس حلّ الاقتحام هنا ليس ظهور موجب الحسبة وَإِنَّمَا لزوم الاقتحام، فلا يمتد ذلك إلى الدليل المترتّب عليه، فالتجسّس يوجب الحسبة ويبطل الدليل، والتجسّس المبرر والمنوع في ذلك سواء، وهو قول عدد من الرعيل الأول من الفقهاء، قال إبراهيم الحربي والشعبي: “لا تجوز شهادة المختبئ”([53]). وقال المالكية: “إنّ استراق السمع وطلب التعرف لما عليه الناس ولو أوصله تعرفه إلى دليل من أدلة السوء كنغمات الملاهي، وأصوات السكارى، وانتشار رائحة الخمر؛ فما كان من ذلك على وجه التجسّس… يجب تغييره؛ لأنَّه منكر في نفسه”([54])،فوجوب الحسبة لا يتعدّى فيثبت مشروعية الدليل.

هل يكفي الظنّ لحلّ الاقتحام والإنكار؟

على الرغم من قيام كثير من الأحكام الشرعية على الظنّ الغالب إلاّ أن بعض الفقهاء حرصا على حرمة الحياة الخاصة ذهب إلى ضرورة العلم والقطع، يقول أبو يعلى الفراء ـ شيخ الحنابلة في القرن الخامس الهجري ـ: “إنكار المنكر لا يجب إلا بعد العلم والقطع بحصول المنكر، فأما إذا ظن وقوعه منه، لم يجب عليه إنكار، خلافا لمن قال: يجب إذا غلب على الظن حصول المنكر؛ لأنّه لا يأمن أن يكون الأمر على خلاف ما ظنه، فوجب ترك ذلك”([55])، وهذا يعني من باب أولى أن الاقتحام والإنكار كلاهما لا يَجبان بالتوقع.

وإذا كان التجسّس يحلّ متى لزم، فإنه يحرم اقتحام المنازل، وهتك الحياة الخاصة بقصد الوصول إلى المنكرات، فحلّ الاقتحام هنا لمنع المحظور لا لكشف المستور. وقد صرح الفقهاء بذلك فقالوا: “ما إخفاء المختفي ولو كان معلنا بالفسق فلا يجوز كشفه لمعرفة حقيقته ما هو؟”([56]).

وخلاصة القول: “أن الشريعة الإسلامية تحظر تفتيش الشخص والمسكن واستباحة الحياة الخاصة بغرض التحقق من وقوع الجريمة، وَإِنَّمَا هي تسمح بذلك فحسب إذا قامت القرائن والدلائل على وقوع الجريمة، وهذا الحكم من صميم الشرع”([57]).

الاحتساب والضمان:

الاحتساب إذن ـ داخل هذه الحدود ـ يدور مع موجبه في الابتداء والانتهاء، فلا يبدأ قبله ولا يبقى بعده لفوات محله في الحالين، فإذا تجاوز المحتسب حدّ اللزوم كان مسئولا مسئولية جنائية ومدنية.

أما مسئوليته الجنائية فبلا خلاف، وقد صرّح ابن نجيم من الأحناف بذلك فقال: “للمحتسب ـ يقصد الوالي ـ أن يعزر المعزر إن عزره بعد الفراغ منها”([58])، والتعزير هنا ليس إلا نتيجة لقيام المسئولية الجنائية، ومناط ذلك ما رآه الفقه من شروط في الموجب حتَّى يجب المنع، ومن اشتراط للترتيب حتَّى يقبل الدفع، فإذا بدأ بالمنع بعد فوات محله عزر، وكذلك إذا لم يراع الترتيب، فيجب المنع بالأخف، فإن أمكن بكلام واستغاثة حرم الضرب، أو يضرب بيد حرم سوط، أو بسوط حرم عصا، أو بقطع عضو حرم قتل([59])، فالمحتسب مأمور بمنع المحظور بالأهون فالأهون، والأمر بالترتيب هنا للوجوب كما يفهم من كلام الفقهاء، إلا إذا انسد الأمر عن الضبط سقط مراعاة الترتيب([60])، وهذا يعني أن حلّ اقتحام الحياة الخاصة مرهون بتناسب الفعل ومراعاة الترتيب.

أما المسئولية العامة في حالة الاحتساب فلها جانبان:

ضمان متلفات، وضمان تجاوز.

أما ضمان المتلفات: فهو يتعلق بمالية الشيء المتلف وتقومه، وإليهما يعود اختلاف الرأي في ضمان إتلاف الخمر وكسر أوانيها، وكسر آلات اللهو مِمَّا تحفل به كتب المذاهب.

أما ضمان التجاوز: وهو ما يعنينا في الاحتساب فقد قال الفقهاء:”إنّ المدافع متى خالف وعدل إلى رتبة مع إمكان الاكتفاء بما دونها ضمنه وحرم عليه”.

وقال الزيدية: “إن عدل إلى الأشدّ وهو يندفع بالأخفّ ضمن([61])، والحكم عند الشيعة الإمامية([62]) والضمان يستوعب المسئولية المدنية والجنائية.

تأصيل واجب الاحتساب:

إذا كان الاحتساب على هذا المستوى من الأهمية وتراثه الفقهي ـ كما وضح ـ بالغ الثراء والخصوبة فما هو تأصيله النظري؟

لقد طرح الفقهاء ـ في مجالي الشريعة والقانون ـ نظريات عدَّة لتأصيل الدفاع الشرعي ـ العام والخاص منه ـ وكليهما وضعت تحت المجهر تشريحا ونقدا، ومن أحدث ما طرح في الفقه المعاصر نظريتان:

النظرية الأولى([63]): تؤسس الدفاع الشرعي على فكرة الإباحة الأصلية، ونقدنا الرئيس لهذه النظرية أنها لا تفسر لنا وجوب الاحتساب.

النظرية الثانية([64]): وتؤسّس الدفاع الشرعي، وبالتالي الاحتساب على فكرة بطلان العصمة، ونقدنا الرئيس لهذه النظرية أن بطلان العصمة حكم، والأحكام سبيلها إلى الحكام لا الأفراد، فهي ليست من التغيير الذي يلتزم به المحتسب.

والرأي عندنا أنّ الاحتساب يجد أصله في قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد، وهي قاعدة عامة تفسّر لنا الاحتساب ونطاقه، وتفسر لنا في مجال بحثنا لماذا نطالب المحتسب بالإقدام في حالة ولو ترتّب عليها استباحة حرمة الحياة الخاصة، بينما نطالبه في حالة أخرى بالإحجام والوقف.

إنّ وجوب المنع في مجال الاحتساب يتعلق بكلّ المحظورات الشرعية، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتساويان في الوجوب، ومنع الصغائر مثل منع الكبائر، والكلّ مطلوب منعه، فإذا تعددت وجب المنع على الجمع، فإذا قدر على منع المنكرين دفعة واحدة لزمه، وإن قدر على دفع أحدهما دفع الأفسد فالأفسد([65])، وإذا اجتمعت مصلحة ومفسدة، درئت المفسدة؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فكلما كانت مصلحة إنكار المنكر أرجح من مصلحة ترك التجسّس وجب، وكلما كانت مفسدة ترك إنكار المنكر أقل من مفسدة التجسّس امتنع، وعلى ضوء هذا التأصيل يفهم ما جاء به تراثنا الفقهي من الفروع والتأصيل.

والحمد لله رب العالمين.


[1]) النمل، الآية: 18.

[2]) روائي إنجليزي شهير له عدد من المؤلفات الروائية في تصوير مِحنة الإنسان والعدوان على حرماته الشخصية والعامة مثل “1984”، أو “طغيان السلطة” و”مزرعة الحيوانات”. في هذه التطورات وأثرها يراجع ما يلي: أ/ د.  حسام الأهواني: الحق في احترام الحياة، الخاصة، ط1، 1978. ب/  د. مبدر الويس: أثر التطور التكنولوجي على الحريات العامة، الإسكندرية، منشأة المعارف.   جـ/ د.  ممدوح خيل بحر: حماية الحياة الخاصة في القانون الجنائي، دار النهضة العربية 1983.

[3]) السرخسي: المبسوط، جـ9 ص188.

[4])، المرجع السابق، ص141.

[5]) الراغب الأصفهاني: المفردات، تحقيق: محمَّد سيد الكيلاني، ص236،237.

[6]) الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب تصوير بيروت، جـ12 ص212 وما بعدها.

[7]) النور، الآية: 27.

[8]) الخطيب الشربيني: مغني المحتاج، جـ4 ص199.

[9]) النحل، الآية: 80.

[10]) الخطيب الشربيني: مغني المحتاج، المرجع السابق، جـ4 ص189، القرطبي: أحكام القرآن، جـ10 ص153، حيث تمتد الحماية إلى كلّ المساكن دائمة ومؤقتة، فعدم التأقيت ليس صفة في المسكن محل الحماية.

[11]) ابن حزم: المحلى، ط بيروت، جـ6 ص156.

[12]) الفتاوى الهندية، جـ6 ص89، روضة الطالبين، جـ10ص 197، المغني، جـ10ص 355، شرح منح الجليل، جـ4 ص561. والرأي الراجح عند المالكية وبعض الأحناف يقول بالضمان، ودليلهم قوله e: «لا يحل دم امرئ يشهد أن لا اله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: قتل النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة».

[13]) الجويني: الغياثي، تحقيق: د. عبد العظيم الديب، قطر ، ط1400 ص486،487 باختصار.

[14]) الشاطبي: الموافقات، تحقيق: عبدالله دراز، جـ2 ص322-323 مع الاختصار.

[15]) د. مصطفى كمال وصفي: الإسلام والنظام الإداري، ط1974، ص147.

[16]) الموافقات، المرجع السابق، جـ2 ص223.

[17]) د. فتحي الدريني: نظرية التعسف في استعمال الحقّ، ط2/ بيروت، 1977، ص285-286.

[18]) القرافي: الفروق، جـ2 ص140 وما بعدها.

[19]) الشاطبي: الموافقات، المرجع السابق، جـ2 ص188.

[20]) الخطيب الشربينى: مغني المحتاج، جـ4 ص199.

[21]) وقد بدأت ممارسة الاحتساب، ونشأ التفكير الفقهي فيه، منذ عصر الرسالة، فحسب الرسول، وكلف بعض أصحابه بالاحتساب، وقيام الصحابة به خلفاء وولاة وأفرادا، إلا أن التأليف في الحسبة جاء متأخرا، وفي مرحلته الأولى، إلا أن التآليف في الحسبة جاء متأخرا، وفي مرحلته الأولى لم يفرد للكتابة عن الاحتساب، بل ورد مختلطا بالمباحث الفقهية، وعلى شكل إشارات في كتب الفقه، ثم جاءت المرحلة الثانية لتقدم دراسات مستقلة عن الاحتساب تؤكد تطوره باعتباره مؤسسة حكومية، وقد أشارت المراجع إلى أن الرسول e رحل إلى الرفيق الأعلى وسعيد بن العاص على سوق مكة، وعمر بن الخطاب على سوق المدينة، إلاّ أن أول إشارة عن الحسبة والمحتسب باللفظ جاءت في أوائل القرن الثاني الهجري فيما كتبه وكيع بن الجراح عن تعيين مهدي بن عبدالرحمن،  ثم إيّاس بن معاوية محتسبين في واسط، وعاصم الأحول محتسبا في الكوفة، وأول كتاب وصلنا مِمَّا أفرد عن الحسبة هو كتاب “أحكام السوق” للفقيه المالكي يحيى بن عمر، فعنوانه يحمل مسمّى الحسبة في المغرب العربي والأندلس، إلاّ أن أواخر القرن الثالث الهجري شهد مؤلفا عن الحسبة عنوانه: “الاحتساب” كتبه الإمام الزيدي ناصر الحقّ الأطروش، وأهمية الكتاب تأتي من كونه أول مؤلف مستقل ترد فيه مصطلحات الاحتساب والحسبة والمحتسب.

[22]) الجويني: الإرشاد، تحقيق: محمَّد بن يوسف موسى، ط الخانجي، ص368.

[23]) د. مصطفى كمال صفي: النظام الإداري في الإسلام، المرجع السابق، ص117.

[24]) د. صلاح الدين الناهي: نصوص قانونية وشرعية، بغداد 1969 ص183.

[25]) الشاطبي: الموافقات، جـ2 في 9.

[26]) القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، تحقيق: د. عبد الكريم عثمان، ط أولى ص741، ويرى جانب كبير من الفقهاء “أن المنكر هو موجب الحسبة”، وقد انتقد أستاذنا الدكتور عوض محمَّد ـ بحق ـ هذا الرأي وانتهى إلى أن موجب الحسبة هو المفسدة عموما، وقسمها بالنسبة إلى مصدرها إلى منكرات ونوازل، والرأي عندنا أن موجب الحسبة هو ترك المعروف، وفعل المنكر وكلاهما محظورات شرعية. راجع د. عوض محمَّد موجب الحسبة، بحث مخطوط، 3-4.

[27]) د. عبدالفتاح الصيفي: شرط الظهور الموجب للحسبة، مجلة “هذه سبيلي”، الرياض، عدد3 ص254، د. عوض محمَّد، المرجع السابق، ص29.

[28]) أبو بكر الخلال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيق: عبد القادر عطا، ط1، 1975 ص115، وعكس هذا الرأي راجع أستاذنا الدكتور عبد الفتاح الصيفي: شرط الظهور الموجب للحسبة، المرجع السابق، ص254، وقد ضرب لرأيه المثال المذكور بالمتن.

[29]) ابن نجيم: البحر الرائق، جـ5 ص42.

[30]) العز بن عبدالسلام: قواعد الأحكام، ط دار الجيل، جـ1 ص250.

[31]) الجويني: غياث الأمم، المرجع السابق، ص229، قارن الغزالي إحياء علوم الدين، جـ2 ص2843.

[32]) أبو عبد الله التلمساني: تحفة الناظر وغنية الذاكر، تحقيق: علي الشنوفي، ص19.

[33]) د. محيى الدين عوض: العلانية في قانون العقوبات، رسالة حقوق، القاهرة، 1955.

[34]) وهو رأي أستاذنا الدكتور عوض محمَّد في بحثه القيم عن موجب الحسبة، راجع ص32.

[35]) خاصة وأنّ اللمس والشم والذوق ـ كما يقول الجويبي ـ عبارة عن الاتصالات وليست هي الإدراكات. راجع الإرشاد، المرجع السابق، ص185،186.

[36]) الحموي: غمز عيون البصائر، جـ1 ص204. والعبارة وردت أصلا في الأشباه والنظائر لابن نجيم.

[37]) الصدر الشهيد: شرح أدب القاضي للخساف، تحقيق: د. هلال سرحان، جـ4 ص242.

[38]) أبو زكريا الأنصاري: أسنى المطالب، جـ4 ص169.

[39]) قارن أستاذنا د. عوض محمَّد، المرجع السابق، موجب الحسبة حيث يرى أن الظهور شرط لوجوب الحسبة لا لاستمرار وجوبها، ولكنه ينتهي إلى رأي قريب من الرأي المذكور في المتن عندما يقرر أن طروء الاحتجاب لا ينافي الظهور؛ لأن احتجاب المنكر بعد ظهوره لا يعني زواله، ولا ينفي استمرار العلم بوجوده، فإن شرط الظهور يظل متحقّقا بحكم الاستصحاب بالنسبة لِمن رأى المنكر رغم طروء الاحتجاب.

[40]) إحياء علوم الدين، المرجع السابق، جـ2 ص286.

[41]) الخرشي على مختصر خليل، المرجع السابق، جـ3 ص110.

[42]) الغزالي: إحياء علوم الدين، المرجع السابق، جـ2 ص374، وأيضا ابن حزم: الفصل جـ2 ص174، أبو يعلى الفراء: المعتمد في أصول الدين، ص196-197.

[43]) المقدسي: الآداب بالشرعية والمنح المرعية، ص1،1349هـ، جـ1 ص320.

[44]) القاسمي: محاسن التأويل، جـ5 ص121.

[45]) الصناعي: سيل السلام، جـ4 ص199.

[46]) حاشية العدوى: على هامش الخرشي، جـ3 ص110.

[47]) ابن نجيم: الرسائل ص128-130. الماوردي: الأحكام السلطانية، ص252، الغزالي: إحياء علوم الدين، جـ2 ص324، أبو عبدالله التلمساني: غنية الذاكر، المرجع السابق، ص20،21، المقدسي: الآداب الشرعية، المرجع السابق، جـ1 ص320.

[48]) الماوردي: الأحكام السلطانية، ص253.

[49]) الغزالي: إحياء علوم الدين، المرجع السابق، ص324، المقدسي، المرجع السابق، ص320.

[50]) ابن نجيم: الرسائل، ص129-130.

[51]) الشوكاني: السيل الجرار، جـ4 ص590 وما بعدها.

[52]) ابن أبى الدم: أدب القضاء، تحقيق: هلال سرحان جـ2 ص103.

[53]) البناية شرح الهداية: المجلد السابع، ص121-122.

[54]) السمناني: روضة القضاء، المرجع السابق، جـ1 ص205، قانون الخطيب الشربيني: مغني المحتاج، جـ4 ص196

[55]) أبو عبدالله التلمساني: غنية الذاكر، المرجع السابق، ص21.

[56]) المعتمد في أصول الدين، المرحع السابق، ص197.

[57]) غنيمة الذاكر، المرجع السابق، ص20. د. عوض محمَّد: دراسات في الفقه الجنائي الإسلامي، ط2 ص123.

[58]) ابن نجيم: البحر الرائق، جـ5 ص42.

[59]) الشربيني: مغني المحتاج، جـ4 ص196.

[60]) أبو زكريا الأنصاري: أسنى المطالب، جـ4 ص167.

[61]) أحمد قاسم: التاج المذهب، جـ4 ص315.

[62]) المحقق الحلي: شرائع الإسلام، جـ4 ص190 والذي يتأمل نصّ أهل السنة ونصّ الزيدية يرى اهتمام أهل السنة بإبراز المجال الديني في النصّ على التحريم الذي يصبح به المحتسب إما قضاء أو ديانة، بينما اكتفى الزيدية بالضمان أي بالإثم قضاء.

[63]) د. داود سليمان العطار: تجاوز الدفاع الشرعي، رسالة حقوق، القاهرة، 1977، مطبوعة على الآلة الكاتبة ص26، حيث طرح هذه النظرية بديلا عن النظريات المنتقدة.

[64]) د. محمَّد سيد عبد التواب: الدفاع الشرعي في الفقه الإسلامي، رسالة، ط1 سنة 1982م، ص133. وقد طرح فيها هذه النظرية.

[65]) –  العز بن عبد السلام: قواعد الأحكام، المرجع السابق، جـ1 ص128.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان ” الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك