فقه النوازل في العالم الغربي

فقه النوازل في العالم الغربي * 

إعداد: أ. د. الحسين بن محمَّد شواط

 (رئيس الجامعة الأمريكية العالمية، بواشنطن)

 

 

المقدمة

يعود الوجود الحديث للمسلمين في الغرب إلَى حوالي قرن من الزمان، حيث بدأ بهجرات فردية متعددة الأسباب خلال سنوات الاستعمار الغربي للكثير من بلاد المسلمين، ثُمَّ بدأت الهجرات الجماعية تتكثف، و بخاصة مع توالي النكبات والجوائح و الكوارث على بلاد المسلمين، فكان لحروب فلسطين أبعد الأثر في هجرة آلاف من أهلها إلَى الغرب، و كذا أحداث اليمن و الصومال وكردستان وأفغانستان والعراق التي نجم عنها ارتحال عشرات الآلاف من أهلها إلَى الغرب، حتى إنك لتجد في المدينة الواحدة أكثر من عشرة آلاف كردي، و تجد في الأخرى أكثر من خمسين ألفا من الصوماليين.

و قد تفاوتت الأقليات المسلمة في بلاد الغرب في مستوى المجهودات التي بذلتها للمحافظة على دينها و هويتها و تربية أبنائها، و لكسب قوتها في مجتمعات مادية يحتد فيها التنافس على الدنيا، فمنهم من أضاع نفسه و ضيع من يعول، و منهم من أدى الأمانة على وجهها، و منهم وسط بين ذلك. وإذا كان المهاجرون الأوائل لا يتجرؤون على الإعلان بشعائرهم الدينية، فضلا عن أن يفكروا في مؤسسات دينية يمارسون من خلالها شعائرهم أو يطالبون بحقوقهم، فإن الأمر قد آل بأبنائهم وأحفادهم إلَى تأسيس آلاف المساجد و المدارس و المراكز الإسلامية، و المؤسسات الثقافية والسياسية، ففي أمريكا وحدها يوجد حوالي عشرة مليون مسلم، لهم أكثر من خمسة آلاف مسجد و مركز إسلامي، و ألفا مدرسة ذات دوام كامل، فضلا عن مدارس نهاية الأسبوع التي لا يكاد يخلوا منها مسجد إضافة إلَى بعض الجامعات و مراكز البحث و الإفتاء و مؤسسات السياسة وحقوق الإنسان، وتمكن كثير من أبنائهم من التفوق العلمي، و عملوا في مجالات الطب والهندسة بأنواعها، والتجارة، والتعليم الجامعي… و أصبح للمسلمين أثر في مجرى الحياة الثقافية و السياسية في كثير من مواقعهم.

ونظرا لعيش تلك الجاليات في بلاد ذات منظومات عقدية واجتماعية وثقافية مختلفة؛ فإنهم واجهوا كثيراً من مستجدات الحياة وقضاياها ونوازلها، ومست حاجتهم إلَى معرفة أحكامها من حيث الحلال و الحرام، هذا بالإضافة إلَى من اعتنق الإسلام من أهل البلاد الأصليين، و من ولدوا فيها ونشأوا وتربوا على أرضها من أبناء المسلمين، فقد اشتدت حاجة هؤلاء و أولائك إلَى معرفة تعاليم الشريعة الغراء و فقهها و أحكامها في نوازل عديدة و أحداث جديدة تخالط حياتهم يوميا في مجالات المواطنة وحقوق الإنسان والأسرة والاقتصاد والإعلام و الثقافة و الطب و غيرها.

وكانت هذه القضايا تعالج في البداية بطرق عشوائية غير منظمة، و مِمَّن ليسوا أهلا للنظر والإفتاء فيها، فوجدت أخطاء كثيرة، و تجاوزات خطيرة، ثم تحسن الحال نسبيا مع دخول بعض أهل العلم إلَى تلك البلاد واستقرارهم فيها، وثم تأسيس بعض مراكز البحث و الإفتاء، ونشط التواصل مع العلماء و المجامع الفقهية في العالم الإسلامي غير أن الوضع لا يزال بحاجة إلَى جهود جادة و متميزة و قاصدة، فإن القضايا المعضلة التي يتعرض لها المسلمون في بلاد الغرب تحتاج أن يكون المفتي فيها جامعا بين الفقه في الدين في أعلى مستوياته، و بين فهم الواقع و إدراك ملابساته، كما أن تلك الفتاوى ينبغي أن تصدر عن مؤسسات و هيئات لها وزنها، و ليس عن أفراد كثيرا ما تتناقض مقولاتهم، و تختلف الجاليات بسببهم، و لعل مثالا واحدا يكفي لإدراك جانب من ذلك، فالخلاف حول طريقة إثبات دخول شهر رمضان وخروجه و دخول شهر ذي الحجة أفقد الناس الشوق إلَى شهر المغفرة وموسم الخير والبركات، و حرمهم بهجة الأعياد، و تسبب في زرع بذور الفرقة والاختلاف بينهم،حيث قد يصلّى لعيد الفطر في المدينة الواحدة، و ربما في المسجد الواحد في يومين أو ثلاثة، و يكون بعض هؤلاء يتعبد الله بصيام ذلك اليوم، بينما يكون الآخرون في عيد، كما أن كثيراً من المسلمين في الغرب أصبحوا يخالفون الحجيج في يومي عرفة و النحر، و الله المستعان.

ونظرا لكثرة نوازل المسلمين في الغرب، و تنوعها و تشعب فروعها، فقد اقتصرت على نماذج منها في مجالات المجتمع والمال والطب.

وفي الختام: أهنئ وزارة الأوقاف و الشؤون الدينية لاختيارهم الموفّق في موضوع هذه الندوة، و أشكرهم لإتاحة الفرصة لي للإسهام فيها، فجزاهم الله خيرا، وزادهم توفيقا وسدادا، وبالله التوفيق، وصلى الله و سلم و بارك على نبينا محمَّد وعلى آله و صحبه أجمعين.

 

أولا: نوازل اجتماعية

1- تأجير المسلم نفسه من كافر في معصية:

صورة هذه المسألة أن يؤجِّر المسلم نفسه لكافر، لبناء معبد للشرك، أو حمل محرم كخمر، أو ميتة، أو خنزير، أو بيعه، أو يعمل عنده في معاملات ربوية، أو في مصانع تنتج محرمات، أو ما شاكل ذلك.

فقد ذهب الجمهور إلَى حرمة أن يؤجر المسلم نفسه لكافر في عمل كهذا؛ فقد سئل الإمام مالك: المسلم يؤجر نفسه للكافر يحمل له خمرا، فقال: “لا تصلح هذه الإجارَة”. وقال: “بل لا يعطى عليها إجارَة”. والقول بأنه لا يعطى عليها الأجر، رواية عن أحمد([1]).

وفي المدونة: عن ابن القاسم فيمن رعى خنازير لكافر، قال: تؤخذ الإجارَة من الكافر، ويتصدق بها على المساكين أدبا للكافر، و لا يعطاها المسلم بل و يضرب أدبا له([2]).

وسئل الإمام أحمد: أيبني مسلم للمجوس ناقوسا؟ فقال: لا يبني لهم. و قاله الآمدي، وكرهه الشافعي([3]), و مثله الكنيسة، و ما يماثلها عند أهل الكفر([4]).

وأما العمل في معاملات ربوية فمحرم، لحديث جابر: «لعن رسول الله e آكل الربا وموكله و كاتبه و شاهديه -وقال- وهم فيه سواء»([5]). قال النووي: ” هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المرابين والشهادة عليهما”([6]).

وفي الحديث أيضا تحريم الإعانة على الباطل أياًّ كان نوعه([7]).

والنص هنا عام مطلق، بلا فرق بين من عمل بذلك في دار الإسلام أم في دار الكفر.

نخرج من هذا إلَى أَنَّهُ يحرم على المسلم أن يبني للمشركين دارا للكفر، أو أن يعمل لديهم ببيع الخمر، أو بيع خنزير، أو أي محرم آخر؛ لأنَّها أفعال محرمة.

فإذا اضطرّ لذلك جاز، ولكن فليعمل بقاعدة: “الضرورة تقدر بقدرها” فلا يتجاوز قدر الحاجة، و لا يتوسع في ذلك، و ليكتف بالكفاف، و ليعمل جاهدا للخروج من هذا الموقع.

وقد أفتى المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بحرمة العمل في المطاعم من غير ضرورة (أي المطاعم التي تقدم الخمر و الخنزير)، و بحرمة تصميم معابد شركية، أو الإسهام فيها، و أما إذا اضطر للعمل في تلك المطاعم فيجوز، بشرط ألا يباشر نفسه سقي الخمر أو حملها، أو صناعتها، أو الاتجار بها، و كذلك الحال بالنسبة لتقديم لحوم الخنزير، و نحوها من المحرمات([8]).

و على ذلك يجوز للمسلم أن يؤجر نفسه للكافر بشروط منها:

‌أ.        أن يكون عمله مباحا.

‌ب.          أن لا يعينه على ما يعود ضرره على المسلمين.

‌ج.            ألا يشتمل على مذلة وإهانة.

2- حكم تهنئة غير المسلمين:

إذا كانت التهنئة في الأمور المشتركة كزواج، أو قدوم مولود، أو غائب، أو عافية و نحوها، لم أر أحدا قد صرَّح بالمنع إِلاَّ رواية عن أحمد، و لكن لَـمَّا جازت عيادتهم (على ما سيأتي)، جازت تهنئتهم. قال ابن القيم: “ولكن فليحذر الوقوع في الألفاظ التي تدلّ على رضاه بدينه، مثل “أعزك الله”، و ما قاربها… أمَّا إذا كانت التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتِّفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: “عيد مبارك”.

3- حكم شهود أعيادهم:

لا يجوز للمسلم مُمالأة الكفار على أعيادهم، ولا مساعدتهم، و لا الحضور معهم، باتِّفاق أهل العلم؛ لأنَّهم على منكر و زور، و إذا خالط أهل المعروف أهل المنكر بغير الإنكار عليهم، كانوا كالراضين المؤثرين له، فيخشى من نزول سخط الله على جماعتهم فيعمّ الجميع وقد روى البيهقي بإسناد صحيح عن عمر t أَنَّهُ قال: «لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة (اللعنة) تنزل عليهم». وروى البخاري عنه قوله: «اجتنبوا أعداء الله في عيدهم».

وروى البيهقي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو قوله: «من بنى ببلاد الأعاجم، وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يَموت وهو على ذلك، حشر معهم».

ومن هنا أجمع العلماء على حرمة أن يباع لهم شيء من مصلحة دينهم في يوم عيدهم، أو الإهداء إليهم([9]). قلت: لكن إذا خاف المسلم أن يترتب على عدم تهنئتهم ضرر عليه لا يُمكن تحمله عادة، رخص له في مُجاملتهم في الظاهر مع الإنكار القلبي.

4- حكم عيادة مرضاهم:

الأصل في ذلك ما رواه البخاري و غيره، أنه كان للنبي e غلام يهودي يخدمه فمرض فأتاه فعاده… الحديث ([10]). قال ابن حجر: «وفي الحديث جواز عيادة المشرك إذا مرض»([11]).

وقال الماوردي: “عيادة الذمي جائزة، و القربة موقوفة على نوع حرمة تقترن بها من جوار أو قرابة”([12]). قلت: أو صحبة. وقد عاد النبي e أيضا عمه أبا طالب في مرض وفاته، وعرض عليه الإسلام([13]). وذهب قوم إلَى أن عيادة مرضى المشركين جائزة بشرط دعوتهم إلَى الإسلام و إِلاَّ فلا. قال ابن بطال: “إِنَّمَا تشرع عيادته إذا رجي أن يجيب إلَى الدخول في الإسلام، فإذا لم يطمع في ذلك فلا”.

والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد,فقد تقع بعيادته مصلحة أخرى([14]).

5- حكم التهادي معهم:

الأصل في ذلك ما رواه البخاري و غيره، أن النبي e كان يقبل الهدية ويثيب عليها([15]). وقد قبل هدية ملك إيلة وهي بغلة بيضاء، فكساه رسول الله e بردة([16])… و أن “أكيدر دومة” أهدى إلَى النَّبِيّ e جبة سندس([17])، و أهدى له “المقوقس” جارية.

وهناك من أهل العلم من كره قبول هدية المشركين.

وعليه فلو أهدى الكافر لمسلم هدية فلا حرج عليه من قبولها، و كان عليه أن يثيبه عليها قدر الإمكان، حتى لا تبقى للكافر على المسلم يد ونعمة. وقد قال النَّبِيّ e في أسرى بدر: «لو كان المطعم بن عدي حيا، و كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له»([18])، مكافأة له على جهده في نقض الصحيفة، و قيل: مكافأة له على حماية النَّبِيّ e يوم عودته من الطائف.

نخرج من هذا إلَى القول بجواز قبول هدية المشركين، والإثابة عليها، كما كان يفعل النبي e، وأنَّه لا مانع من قبول هداياهم في يوم عيدهم، و إِنَّمَا المحظور باتفاق، الإهداء لهم كما سبق.

أما قبول هدية من كان غالب ماله الحرام، فرخص فيها قوم منهم الزهري و مكحول؛ لأنَّ النَّبِيّ e كان يعامل أهل الكتاب و المشركين، و يقبل هداياهم مع علمه بأنهم لا يجتنبون الحرام، وكرهته طائفة مطلقا([19]). أما من علم أن ما أهدي إليه هو من الحرام بعينه، فهو محرم بالإجماع([20]).

6- عورة المسلمة بالنسبة لغير المسلمة:

الأصل في ذلك قوله سبحانه و تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبَائِهِنَّ أو آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أو أَبْنَائِهِنَّ أو أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أو إِخْوَانِهِنَّ أو بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أو بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أو نِسَائِهِنَّ﴾([21]).

ذهب الجمهور من أهل العلم إلَى أَنَّهُ المراد من قوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾، أَنَّهُن المؤمنات المختصات بالصحبة والخدمة وكأنه تعالى قال: أو صنفهن.

وعليه فليس للمؤمنة أن تتجرَّد عن بعض زينتها بين يدي مشركة، لئلا تصفها لزوجها، فإنَّها (أي المشركة) لاَ يمنعها من أن تصفها لزوجها مانع بخلاف المسلمة، وقالوا: إن المرأة الكافرة ليست من نسائنا و أجنبيَّة في الدين، وهو قول عمر، وابن عباس، ومجاهد، و مكحول، وابن جريج وغيرهم.

و المعتمد عند الشافعية أن للمسلمة أن تكشف أمام المشركة ما يبدو عند المهنة عادة، أي: الرأس والعنق واليدين إلَى العضدين والرجلين إلَى الركبتين([22])، و هو مذهب الحنابلة([23]).

و استدلوا على ذلك بما يلي:

  • ما صحَّ من أن النساء الكوافر قد كن يدخلن على أمهات المؤمنين و لم يكن يحتجبن ولا أمرن بحجاب.
  • ما رواه عطاء أن أصحاب النَّبِيّ e لَـمَّا قدموا بيت المقدس، كان قوابل (جمع قابلة، وهي المرأة التي تساعد الوالدة عند الولادة و تتلقى الولد) نسائهن اليهوديات و النصرانيات.
  • أن الحجاب إِنَّمَا يجب بنصّ أو قياس، و لم يوجد واحد منهما.
  • و قال الألوسي: “و هذا القول أرفق بالناس اليوم، فَإِنَّه لا يكاد يمكن احتجاب المسلمات عن الكافرات”([24]).

وَأَمَّا قوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾، فيحتمل أن يكون المراد جملة النساء.. و قول السلف محمول على الاستحباب، و هو الراجح إن شاء الله، لسلامة الأدلة و رجحانها.

7- عورة المسلمة بالنسبة لأقاربها الكفار:

القريب الكافر إما أن يكون مَحرما و إما أن يكون غير مَحرم. فإن كان مَحرما كأخيها وأبيها وجدها وعمها، و ما شاكل ذلك، فلها أن تبدي زينتها أمامه، و إن كانوا كفارا، لعموم قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبَائِهِنَّ أو آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أو أَبْنَائِهِنَّ﴾، إن لم يكونوا إباحيين، وإلاَّ فلا؛ لأنَّ الإباحي لا يفرق بين من تحلّ له و من تحرم عليه.

وكذلك للمسلم أن ينظر إلَى زينة النساء اللاتي يعتبرن من محارمه الكافرات لعموم الآية السابقة، لاتحاد مشاعر الرجال تجاه محارمهم، ودون تفريق بين كونها مسلمة أو غير مسلمة

وأما إن كان القريب غير محرم لها، فيحرم عليها أن تبدي شيئا من زينتها و عورتها أمامه، لعموم الأدلة.

 8- حكم غسل غير المسلم للميت المسلم:

أجمع الفقهاء على وجوب غسل الميت على الأحياء([25]) من حيث الجملة.. فإن لم يوجد الغاسل المسلم، فهل يصح غسل الكافر للميت المسلم؟ ذهب الجمهور إلَى جواز غسل المرأة الكتابية لزوجها المسلم، وغسل الرجل لزوجته الكتابية، ونصّ الشافعي على أن غسل الكافر للمسلم صحيح، ولا يجب على المسلمين إعادته، وبه قال العراقيون([26])؛ لأنَّ الغسل لا يحتاج إلَى نية الحي هنا.

قلت: لم يرد نهي عن ذلك، وغاية ما في الأمر أن الكافر قد يطلع على عيب المسلم أثناء غسله، فلا يؤمن من جانبه أن يشهر به، و يظهره على رؤوس الناس، فأما إذا وجد المسلم ابتداءً فلا يغسله غيره.

9- حكم الدفن في التابوت:

أجمع الفقهاء على أن الدفن في التابوت مكروه([27]) و لا يستعمل إِلاَّ في حالة العذر فقط([28]). واعتمدوا في ذلك على أَنَّهُ لم يصحّ أن أحدا في زمن النَّبِيّ صلعم، أو أن النَّبِيّ نفسه قد دفن في تابوت، بل كانوا يوضعون على التراب، و لم يصحّ أن النَّبِيّ صلعم رخص فيه أيضا أو منع منه. وقد أجاز الفقهاء اتخاذ التابوت إذا كانت التربة رخوة و غير متماسكة أو كان جسد الميتم مهترئا بالاحتراق، أو مقطعا، أو أشلاء بحيث لا يضبطه إِلاَّ الصندوق. وقالوا: و السنة أن يفترش في التابوت التراب([29]).

وعليه فمن أجبرته سلطات بلاده على أن يضع متوفاه في صندوق خشبي أو حديدي، فلا شيء في ذلك -إن شاء الله تعالى- للعذر، وإلا فلا يفعله.

10- حكم دفن المسلم في مقابر الكفار:

اتفق الفقهاء على أنه لا يدفن مسلم بمقابر الكفار، و لا كافر في مقابر المسلمين، و إذا دفن أحدهما في مقبرة الآخر نبش وجوبا ما لم يتغير([30])؛ لأنَّ الكفار يعذبون في قبورهم و المسلم يتأذى بمجاورتهم.

فإذا لم تكن في البلاد التي يسكنها مسلمون مقابر خاصة بهم، فَإِنَّه ينقل وجوبا إلَى بلاد المسلمين، إن أمكن ذلك ماديا وسمحت سلطات بلاد المسلمين، و لم يخف تغير جثة الميت، وإِلاَّ جاز دفنه في مقابر الكفار على أن يخصص للمسلمين جانب منها لهم، لا يشاركهم فيه غيرهم. فإن لم يمكن جاز دفنه للضرورة، و به أفتى مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي([31]).

11- من أحكام الميت غير المسلم:

لو توفِّي كافر و هو جار لمسلم أو قريب له.. فهل يجب عليه أن يغسله و يكفنه، أم هل يجوز ذلك و يصحّ منه؟ و ما حكم تشييع جنازته؟ و تعزية أهله؟

أجمع الفقهاء على أنه تحرم الصلاة على الكافر و الدعاء له بالمغفرة، لكفره([32])، و لأنه لا تقبل فيه شفاعة و لا يستجاب فيه دعاء، و قد نهينا عن الاستغفار له لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾([33]).

والذي نطمئن إليه، أن الكافر البعيد إذا لم يكن له من يقوم بأمره من الكفار، للمسلمين غسله وتكفينه، ودفنه، ومواراته.. أما الكافر القريب، فللمسلم غسله و تكفينه و دفنه.. وجد من يقوم بذلك أم لم يوجد، من باب صلة الرحم، و مراعاة لمشاعر القرابة، إذ لا نص يمنع من ذلك. و خاصة إذا كان مسلما غير حربي، بل لقد صحّ أن علياًّ غسل أباه و دفنه بإذن من النَّبِيّ([34]) e.. أما الغريب فالأولى و الأسلم للمسلم أن ينأى عن ذلك، إلا إذا كانت هناك مصلحة شرعية، أو لم يوجد من يقوم من الكفار بذلك، احتراما لإنسانيته. فقد صحَّ أن النَّبِيّ صلعم قد كفّن عبد الله بن أبي ابن سلول (رأس الكفر و النفاق)، بناء على طلب ولده عبد الله.

قيل: إن النَّبِيَّ صلعم فعل ذلك تطييبا لقلب ولده، و إكراما له (وهو صحابي).

أَمَّا اتِّباع جنازة غير المسلم فإن كان قريبا و ليس له من يقوم به، اتفقوا على أن للمسلم تشييع جنازته واتِّباعها.

وقال الحنابلة: يركب المسلم دابته و يسير أمامه([35]).

قلت: إذا صحَّ القول به في دار الإسلام -فيما إذا سلمنا به-فلا يصحّ أن يقولوا به في دار الكفر، حيث إن المسلمين هناك قليلون مستضعفون، و قد يصيبهم من جراء ذلك ضرر. وقد قال ابن تيمية: “لو أن مسلما بدار حرب، أو بدار كفر غير حرب، لم يكن مأمورا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر. بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية، من دعوتهم إلَى الدين و نحو ذلك من المقاصد الصالحة “([36]). أما إذا لم يترتب على ذلك ضرر فيتعين. و قال ابن عباس: و ما عليه لو اتبعها([37]).

فإذا كان في اتباع جنائزهم مصلحة دينية، أو درء مفسدة، فلا شك في جوازه، سواء أكان الميت قريبا أم بعيدا، و يسلك المسلم عندئذ في تشييعها من حيث المشي أمامها أم خلفها ما يراه مناسبا.

أما إذا لم يكن قريبا، و لم تكن هناك مصلحة دينية مرجوة، أو دفع ضرر عن نفسه أو ماله، أو عياله، فذهب الحنفية و الشافعية إلَى صحة اتباع المسلم لجنازة الكافر([38])، و ذهب المالكية و الحنابلة إلَى خلاف ذلك. ويُمكن أن يعزّي أهله على ما أجازه الجمهور([39]). و استحبوا أن يقال في تعزية المسلم بالكافر: “أعظم الله أجرك و أحسن عزاءك”. وفي تعزية الكافر بالمسلم: “أحسن الله عزاءك و غفر لميتك”. وفي تعزية الكافر بالكافر: “أخلف الله عليك”.

12- حكم تعزية المسلم لغير المسلم:

ذهب جمهور أهل العلم إلَى جواز أن يعزي المسلم الكافر، و كان الثوري يقول: يعزي المسلم الكافر و يقول له: ” لله السلطان والعظمة”..و كان الحسن يقول: إذا عزيت الكافر فقل: “لا يصيبك إِلاَّ خير”.. و كان عبد الله بن بطة يقول: يقال في تعزية الكافر: “أعطاك الله على مصيبتك أفضل ما أعطى أحدا من أهل دينك” ([40]).

والصحيح عندي أن للمسلم أن يختار من الأدعية ما يراه مناسبا مما ليس فيه دعاء للميت ولا قوَّة للحي. وهناك قول للشافعية، ورواية عن أحمد([41]) بالمنع من تعزية الكافر إلا إذا رجي إسلامهم([42]).

ولا أجد دليلا على هذا المنع، فإذا جازت عيادة مرضاهم، و اعتبرناها من البر و محاسن الإسلام، فلئن تجوز تعزيتهم أولى، سواء رجونا بذلك إسلام القوم أو بعضهم أو لا. قال تعالى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾([43]).

13- قيام المسلم لجنازة غير المسلم:

أَمَّا القيام لجنازة الكافر، فقد ثبت أن النبي صلعم قام لجنازة يهودي مرت به حتى توارت، وقام معه أصحابه. فقال الصحابة: يا رسول الله، إنَّها يهودية. فقال:«إن الموت فزع، فإذا رأيتم الجنازة قوموا». و في رواية أخرى: «أليست نفسا»([44]). قال بعض السلف: يجب القيام للجنازة إذا مرت. وقال القرطبي: “و معنى قول النَّبِيّ صلعم: «إن الموت فزع» أي يفزع منه، إشارة إلَى استعظامه.. و مقصود الحديث أن لا يستمر الإنسان على الغفلة بعد رؤية الموت، لما يشعر ذلك من التساهل بأمر الموت. فمن ثمّ يستوي فيه كون الميت مسلما أو غير مسلم؟ وفيه تنبيه على أن تلك الحالة ينبغي لمن رآها أن يقلق من أجلها، و يضطرب، و لا يظهر منه عدم الاحتفال و اللامبالاة. و ذهب جماعة من العلماء ([45]) إلَى أن القيام مستحب غير واجب. وعند المالكية جائز لا واجب.

وهناك مسألة: إذا مات كافر فشهد عدل بأنه أسلم قبل موته، و لم يشهد غيره، فهل يحكم بشهادته في توريث المسلم و منع الكافر؟ و هل تقبل شهادته في الصلاة عليه؟ قال النووي في المجموع: لا خلاف أنه لا يحكم بشهادته في توريث قريبه المسلم و حرمان قريبه الكافر. “وَأَمَّا في الصلاة عليه فوجهان”. رجح القاضي حسين من الشافعية عدم قبولها في الصلاة عليه([46]).

قلت: صحَّ أن النَّبِيّ e كان يرسل أصحابه ليبلغ عنه القبائل والأصحاب في العقائد وغيرها. وعليه فلا يصحّ أن يترك لمن شهد له مسلم عدل بأنه أسلم، للمخالفين ليجروا عليه ما يسمى “بِمراسم الدفن” على حسب دينهم.

ثانيا: نوازل مالية

1 -إجراء العقود بوسائل الاتصال الحديثة:

تصوير المسألة: العقد يتم بحضور المتعاقدين ورضاهما إذا حصل الإيجاب والقبول، ولكن جد في الأزمان المتأخرة استحداث بعض الأجهزة والتي يمكن بواسطتها إجراء العقد عن بُعد إما بواسطة الصوت عبر الهاتف وقد تنقل الصورة أيضاً، أو عن طريق إرسال صورة العقد مباشرةً عن طريق الفاكس، أو الكتابة عن طريق الانترنت والتي تظهر مباشرة في جهاز الشخص الآخر ونحو ذلك. فمع افتقاد حضور المتعاقدين بأبدانهما في مجلسٍ واحد هل يتم العقد؟ وهل يعتبر اتصالهما ووجودهما حال إجراء العقد وأثناء التخاطب والمكاتبة بقرب الأجهزة كافياً؟.

التكييف الفقهي للعقد المنقول عن طريق الكتابة:

يخرج على مسألة المكاتبة للغائب عن مجلس العقد وهي جائزة عند الجمهور([47]). لحصول التراضي، والتراخي لا يضر بشرط القبول عند بلوغ الكتاب وهذا قول أكثر العلماء. وفي وجه عند الشافعية لا يجوز.

التكييف الفقهي للمنقول عن طريق النطق:

يكيف على مسألة العقد بالمناداة وقد قال النووي في المجموع: ولو تناديا وهما متباعدان صح البيع بلا خلاف([48]).

بعض شروط العقد ذات الصلة بالموضوع:

يشترط العلماء اتحاد المجلس (فيما عدا الهبة، والإيصاء، والوكالة). وتشترط الموالاة بين الإيجاب والقبول بحسب العرف. ولا تشترط فورية القبول عند الجمهور عدا الشافعية، دفعاً للضرر وليتمكن من التأمل. وإذا كان الإيجاب عن طريق الكتاب والمراسلة فيشترط حصول القبول في مجلس وصول الكتاب. ويشترط تطابق الإيجاب والقبول، وعدم صدور ما يدل على إعراض أحد العاقدين عن التعاقد. ويصح عند الجمهور عدا المالكية رجوع الموجب، وعند الحنفية إذا اشتغل بأمرٍ آخر يوجب اختلاف المجلس ثم قبل لا ينعقد.

حكم المسألة: قال كثيرٌ من العلماء المعاصرين([49]): يتم العقد بواسطة هذه الأجهزة بشرط الوضوح والتثبت، ومستندهم في ذلك ما يلي:

1- ما ذكره كثيرٌ من العلماء قديماً من أن العقد يتم عن طريق المراسلة، وأن الإيجاب إذا حصل بعد وصول الكتاب فإنه صحيح، وكذا عن طريق المناداة.

2- أن المراد باتحاد المجلس: اتحاد الزمن أو الوقت الذي يكون فيه المتعاقدان مشتغلين بالتعاقد، لا كون المتعاقدين في مجلسٍ واحد، ولذلك قالوا: إن المجلس يجمع المتفرقات. وعلى هذا يكون مجلس العقد في المكالمة الهاتفية مثلاً هو زمن الاتصال مادام الكلام في شأن العقد، وفي المراسلة والمكاتبة وصول الرسالة أو الخطاب، فإن تأخر القبول إلَى مجلسٍ ثانٍ لم ينعقد العقد.

 وقد سئل الشيخ محمَّد بخيت المطيعي -رحمه الله-عن الاتصال بالبرق وأحكام التعاقد به (وهو التلغراف). فأجاب بأنَّه كالمكاتبة تماماً لكنه أسرع، لكن لا يمتنع الخطأ، ولهذا وجب التثبت بوسائل التثبت الموجودة حالياً كالهاتف وما شابه ذلك، ومثل البرق التلكس؛ لأَنَّهُ برقٌ خاصٌ بصاحبه من كلا الطرفين، وأما الفاكس فهو أسرع من التلكس ويأخذ حكمها أيضاً.

وبالنسبة للآلات والأجهزة الأخرى فهي إما أن تكون مساويةً للهاتف والبرق بالسرعة في الاتصال وقوته ووضوحه أو أشد فإن كانت مثلها فتأخذ حكمها وإن كانت أشد فمن باب أولى.

وقد قرر مجمع الفقه في دورة مؤتمره السادس بجدة بجواز التعاقد بهذه الوسائل ويعتبر تعاقداً بين حاضرين بشروط، ويستثنى من ذلك الصرف لاشتراط التقابض، والسلم لاشتراط قبض رأس المال([50]).

الشروط:

1- وجود التثبت من كُلّ من المتعاقدين من شخصية صاحبه كي لا يدخل الوهم واللبس والتزييف من أحد الطرفين أو من طرفٍ ثالث.

2- صحة ما تنسبه هذه الآلات الحديثة إلَى كُلّ من المتعاقدين من أقوال وتصرفات.

3- عدم رجوع الموجب عن إيجابه قبل وصول القبول من الطرف الآخر في بعض الآلات التي يوجد فيها فترة زمنية للوصول.

4- ألا يؤدي التعاقد عن طريق هذه الآلات إلَى تأخير قبض أحد العوضين في الصرف لاشتراط التقابض فيه، وألا يؤدي إلَى تأخير قبض رأس المال في السلم لاشتراط تعجيل رأس المال فيه.

5- لا يصح عقد النكاح بها لاشتراط الشهود فيه.

2 -بطاقات الائتمان:

بطاقة الائتمان هي: البطاقة الصادرة من بنك أو غيره تخول حاملها الحصول على حاجياته من السلع أو الخدمات ديناً. فإذا أردنا ترجمة مباشرة لهذه الكلمة [بطاقات الائتمان] فهي [بطاقات الاقتراض] أو البطاقات التي تتيح لحاملها الحصول على قرض.

أنواع بطاقات الائتمان:

بطاقات الائتمان جزء من بطاقات المعاملات المالية، وتنقسم بطاقات الائتمان إلَى قسمين:

1-CHARGE CARD بطاقات ائتمان قرضية غير متجددة:

وأهم ما يميز هذه البطاقات وجوب سداد مسحوبات حاملها عليها بالكامل خلال فترة سماح معينة لا تتعدَّى في الغالب ثلاثين يوما وقد تصل إلَى شهرين، فإذا تأخر حاملها عن الوفاء في هذه الفترة لزمته غرامة تأخير، فإذا ماطل ألغيت عضويته وسحبت منه البطاقة واتخذت ضده إجراءات المطالبة القضائية.

2- REVOLVING CREDIT CARD بطاقات ائتمان قرضيه متجددة: وهي الأكثر انتشارا في الدول المتقدمة وهذه يخير صاحبها ببين سداد مسحوباته عليها بالكامل خلال فترة السماح أو سداد جزء منهاوتأجيل الباقي إلَى الفاتورة المقبلة، وعند التأخير تفرض عليه فائدتان: إحداهما على التأخير والأخرى على المبلغ غير المسدد، أما إذا سدد جزءا من الفاتورة في الميقات المحدد لزمته فائدة التأجيل فحسب، وليس للمسحوبات عليها حد أعلى ما دام صاحبها مستمرا في السداد الجزئي للديون والفوائد.  

3- بطاقات غير ائتمانية (DEBIT CARD): [غير قرضية]: وهي بطاقات لا تنطوي على تقديم قروض لحاملها، واهم هذه البطاقات نوعان:

أ -بطاقات الخصم الفوري أو البطاقة المدنية:

وهي بطاقات تصدرها البنوك مع المنظمات العالمية الراعية لبطاقات الائتمان وهي التي تقتطع من الحساب مباشرة ليتم تحويل قيمة مسحوباتها من حساب حاملها إلَى التاجر مباشرة، ويكون إصدارها مشروطا بوجود حساب للعميل لدى البنك المصدر، فإن تم التحويل في نفس اليوم، ON LINE DEBIT كانت البطاقة على الخط، وإن كانت خارج الخط OF LINE DEBIT استغرق التحويل عدة أيام، وهذه البطاقة لا تقدم لحاملها ولا تتيح له أن يتعامل خارج إمكاناته المتوافرة فعلا في حسابه. فالبنك المصدر لها لا يدفع قيمة المبالغ من عنده إلَى التجار ليحصلها من حاملي البطاقات كما هو الشأن في بطاقات الائتمان وإنما يقتصر عمله على خصمها من رصيد حاملها إلَى حساب التاجر، فهي أشبه بالشيكات المصرفية وهي شائعة الاستعمال في الدول النامية التي تحرص على ضبط الاستهلاك وتشجيع الادخار.

ب – بطاقة الحساب الجاري:

وهي بطاقة يمنحها البنك لعملائه مجانا بمجرد فتح حساب جار لديه ليتمكن بها العميل من التصرف في رصيده الدائن في أيّ وقت عبر أجهزة الصرف الآلي ونقاط البيع، فتتيح له السحب النقدي وتحويل الأموال بين الحسابات المختلفة والاستفسار عن الرصيد وتسديد قيمة مشترياته إلخ وهي تجدد تلقائيا طالما استمر حساب العميل مفتوحا لدى البنك.

 التخريجات الفقهية لبطاقات الائتمان:

 تنشئ بطاقات الائتمان ثلاث علاقات نتحدث عنها على التوالي فيما يلي:

أولا: العلاقات بين مصدر البطاقة وحاملها ” عقد إصدار البطاقة “: وقد كثرت التخريجات الفقهية لهذه العلاقة وتشعب النظر فيها داخل أروقة المجامع الفقهية من كونها قرض كفالة من المصدر لحاملها أو وكالة عنه في أداء التزاماته قبل الغير أو كفالة له قبل الآخرين. ولعلَّ الجمع بين الكفالة والإقراض والوكالة هو الأقرب إلَى النظر في تخريج هذا العقد؛ لأَنَّ هذا هو المقصود الأصلي لهذه البطاقة فهي قبل الاستخدام كفالة ووعد بالقرض والوكالة، فإذا ما استخدمت فعلا وقام المصرف بالسداد نيابة عن العميل فقد تحقق هذا الوعد وأصبح القرض والوكالة حقيقة واقعة.

ثانيا: العلاقة بين مصدر البطاقة والتاجر:

لقد كثرت التخريجات الفقهية لهذه العلاقة بين كونها شبيهة بخصم الأوراق التجارية, إلَى كونها علاقة كفالة، أي: أن الجهة المصدرة قد كفلت للتاجر أن تدفع له قيمة مبيعات بهذه البطاقة، إلَى كونها وكالة بأجر، إلَى كونها علاقة سمسرة، بل إن من الناس من خرجها على أنها علاقة بيع فجعل مصدر البطاقة هو المشتري الحقيقي لهذه البضائع ثم يعيد بيعها للعميل فتكون قريبة الشبه ببيع المرابحة للآمر بالشراء. ولعل أظهر هذه التخريجات هو تخريجها على أساس الكفالة والوكالة وهو تخريج يفتح الباب لمشروعية العمولة أو نسبة الخصم التي يتقاضاها البنك في هذه الحالة لأن الأجرة الممنوعة في الكفالة هي التي تكون من المكفول عنه إلَى الكفيل، وهي هنا من المكفول له وهو التاجر إلَى الكفيل، أما الأجرة في الوكالة فهي جائزة في جميع الأحوال.

 ثالثا: العلاقة بين حامل البطاقة والتاجر:

تردَّدت التخريجات الفقهية لهذا العلاقة بين كونها علاقة حوالة حيث أحال حاملها التاجر على مليء وهو الجهة المصدرة. وتتحقق هذه الحوالة بتوقيعه على فاتورة الشراء، أو كونها علاقة بيع أو إجارَة عادية بحيث تصنف العقود بحسبها أو إجارَة بحسب المعقود عليه، ثُمَّ تنتقل مسؤولية المطالبة بالقيمة إلَى مصدر البطاقة الذي ضمن تسديد ما يسحب عليها من أثمان أو أجور.

التكييف الإجمالي لبطاقات الائتمان:

لعلَّ اقرب تخريج إجمالي لبطاقات الائتمان أَنَّها عقد مركب من جملة عقود.

العلاقة الأولى: بين مصدرها وحاملها وتتكون من ثلاثة عقود: الكفالة، والإقراض، والوكالة: فالجهة المصدرة قد كفلت حامل البطاقة أمام التجار وأقرضته قيمة مسحوباته على البطاقة، وحامل البطاقة وكلها في الوفاء بهذه القيمة إلَى التاجر.

العلاقة الثانية: بين مصدرها والتاجر وتتكون من عقدين أيضا: الضمان والوكالة، فالجهة المصدرة قد ضمنت للتاجر الوفاء بمستحقاته قبل حامل البطاقة، كما أَنَّها قامت بتحصيل هذه المستحقات للتاجر من قبل حاملي هذه البطاقات ووضعها في حسابه بعد خصم نسبة العمولة المتفق عليها.

العلاقة الثالثة: بين حامل البطاقة والتاجر ويحكمها البيع أو الإجارَة بحسب طبيعة المعقود عليه بينهما بالإضافة إلَى الحوالة حيث أحال حاملها التاجر على جهة إصدار البطاقة.

الأحكام الشرعية لبطاقات الائتمان:

تثير بطاقات الائتمان العديد من المشكلات الشرعية نذكر منها:

أ – الشرط الربوي: فعقود إصدار هذه البطاقات تتضمن في الغالب نصوصا ربوية تقضي بوجوب دفع فوائد ربوية أو غرامات مالية عند التأخر عن السداد فما أثر هذه العقود على صحة ومشروعية بطاقات الائتمان؟ انقسم الفقه المعاصر عند نظره في هذه البطاقات إلَى قسمين:

القسم الأوَّل: قسم يرى الجواز [صحة العقد وبطلان الشرط]متى غلب على ظن المتعامل قدرته على التحوّط من الوقوع تحت طائلة هذا الشرط؛ لأن هذا الشرط الفاسد في معرضه الإلغاء شرعا، وهو مستنكر ومعمول على استبعاد مفعوله، ومستند هؤلاء ما يلي:

قول النبي e لعائشة عندما أرادت ان تشتري بريرة فأبى أصحابها بيعها إِلاَّ بشرط أن يكون الولاء لهم -وهو شرط على خلاف الشرع؛ لأَنَّ الولاء شرعا لمن اعتق؛ فقال النَّبِيّ e لعائشة: «خذيها واشترطي لهم الولاء فإنَّ الولاء لمن أعتق» “البخاري كتاب البيوع “. وفي رواية: «اشتريها وأعتقيها واشترطي لهم الولاء» “البخاري كتاب الشروط”، ومعنى الحديث لا تبالي لأن اشتراطهم مخالف للحق، فلا يكون ذلك للإباحة، بل المقصود عدم المبالاة بالاشتراط؛ لأن وجوده كعدمه.

وجه الدلالة: ويفهم من هذا أَنَّهُ إذا تعنت أحد بفرض شرط مخالف للشرع فيما الحاجة إليه من العقود وأبى إبرام العقد إلاَّ على هذا الشرط الفاسد، فلا تتعطل هذه العقود بسبب هذا التعنت، ولا يفتى بعدم مشروعيتها بل تجري رغم ذلك ويجتهد على ابطال هذا الشرط الفاسد. أما من خلال السلطان أو التحوط في عدم الوقوع تحت طائلته عند خلو الزمان من السلطان القائم على أمر الله.

تنـزيل الحاجات منـزلة الضروريات:

ما عمت به البلوى في كثير من البلاد من تضمن عقود الكهرباء والهاتف وغيرها نصوصا مماثلة، بحيث إذا تخلف المشترك عن السداد تعرض لتطبيق هذه الغرامات عليه، ولم يقل أحد بحرمة الاشتراك في هذه المرافق نظرا لوجود هذه الشروط. إنّ القرض لا يفسد بفساد الشروط، بل تبطل الشروط ويصح عقد القرض لقول النبي e: «ما بال أقوامٍ يشترطون شروطا ليست في كتاب اللـه؟! من اشترط شرطا ليس في كتاب اللـه فليس له وإن اشترط مائة شرط»” البخاري كتاب الشروط”.

القسم الثاني: يرى المنع ” بطلان العقد ” وهو صريح مذهب المالكية والشافعية.

مناقشة أدلَّة القسم الأَوَّل:

1-مناقشة الاحتجاج بحديث بريرة: ويناقشون استدلال الفريق الأوَّل بحادثة بريرة بان القياس فيه مع الفارق لوجود القدرة على إبطال هذا الشرط في واقعة بريرة لمخالفته للشريعة في واقع قام على سيادة الشريعة وتتولى دولته حراسة الدين وسياسة الدنيا به، فأين هذا من واقع الشرط الربوي في بطاقات الائتمان وهو اشتراط يعتمد على مرجعية علمانية قامت ابتداء عل فصل الدين عن الدولة والكفر بمرجعية الشريعة المطهرة في علاقة الدين بالحياة!

2-مناقشة القياس على ما عمت به البلوى من عقود الكهرباء والهاتف ونحوها:كما ناقشوا القياس على عقود الكهرباء والهاتف التي تتضمن شروطا مُماثلة بشدة الحاجة إلَى هذه المرافق وتعلق مصالح الأمّة الحيوية بها. والأمر في بطاقات الائتمان أدنى من ذلك، فقد يستطيع الإنسان أن يحيا حياته بصورة طبيعية أو شبه طبيعية بدون بطاقات الائتمان، ولكنه لا يستطيع أن يفعل ذلك بدون هاتف وكهرباء.

القول المختار: والذي يترجح لدينا انتفاء الحرج عمن غلب على ظنه قدرته على الوفاء في مـدة السماح، وبالتالي عدم الوقوع تحت طائلة هذا الشرط وبذل من الأسباب ما يمكنه من ذلك.

ب-النسبة التي يقتطعها مصدر البطاقة من التاجر وتخريجها:

من المعلوم من هذه البطاقات ان الجهة المصدرة لهـا لا تدفع للتاجر نفس القيمة المثبتة في فواتيرهم، وَإِنَّمَا تقتطع منها نسبة يكون متفقا عليها في العقد المبرم ببينها وبين التاجر، فما التخريج الشرعي المناسب لهذه النسبة المقتطعة؟ لقد اختلف الفقه المعاصر في تخريجه لهذه النسبة:

1- تخريجها على أَنَّها عمولة: فمنهم من خرجها على أَنَّها عمولة مقابل تحصيل الثمن من العميل، ولا بـأس بأخذ أجر على تحصيل الدين أو توصيله.

2- تخريجها على أنَّها أجرة مقابل الخدمات: ومنهم من خرجها على أنَّها أجرة مقابل الخدمات التي يقوم بها البنك للتاجر كالدعاية والإعلان والتحصيل ونحوه، أو باعتبارها أمور سمسرة؛ فالبنك قد جلب الزبائن للتاجر وأخذ أجرة مقابل ذلك.

3- تخريجها على أنَّها مصالحة مع الدائن: ومنهم من اعتبرها من قبيل المصالحة مع الدائن بأقلّ من المبلغ الذي التزم به المكفول، باعتبار أَنَّ العلاقة بين مصدر البطاقة وحاملها علاقة كفالة, ومثل ذلك منصوص على جوازه عند الأحناف.

4- تخريجها على أنَّها لا تلحق بالربا: ومنهم من رأى أَنَّه لا ترتد على هذه النسبة شبهة بالربا، ابتداء لأننا أمام خصم، ولسنا أمام زيادة فليس فيها ما يلحق بالربا.

الخلاصة: وأيّا كان التخريج المختار فإن الفقه المعاصر مستقرّ على رفع الحرج عن هذه النسبة، على أن تحدد هذه النسبة لتكون مقابل الخدمات المقدمة للتاجر، والمتمثلة في تحصيل فواتيـر الشراء، وجذب العملاء إليه، وتسهيل تعامله معهم، ويمكن لمصدر البطاقة وبـنك التاجر أَن يتقاسما هذه العمولة، لاشتراكهما في تقديم الخدمة للتاجر.

 المجيزون لهذه النسبة:

1- الهيئة الشرعية لشركة الراجحي: وقد أجازت هذه العمولة الهيئة الشرعية لشركة الراجحي في فتواها رقم (47) فقـد قررت أَنَّها “لا ترى مانعا من الحصول على نسبة من قيمة ما يشتريه حامل البطاقة، ما دامت هذه النسبة تستقطع من ثَمن خدمة أو سلعة، وقد تم التعارف على استقطاعها من البائع لصالح البنك الذي أصدر البطاقة وشركة الفيزا العالمية”.

2- الهيئة الشرعية للتمويل الكويتي وللبنك الإسلامي الأردني: كما ذهب إلَى الجواز أيضا الفتوى الصادرة عن الهيئة الشرعية لكل من بيت التمويل الكويتي والبنك الإسلامي الأردني، حيث عدت “العمولة التي يأخذها البنك من التاجر المتعامل بالبطاقة أجر وكالة على الوساطة بين التاجر وحامل البطاقة وما ينتج بسببها من: ترويج التعامل معه، وتأمين الزبائن وتحصيل الديون، كما انه لا يوجد أثر للضمان الذي يوجد في بعض الحالات، لان العمولة لا تزداد مقابله، ولا ينظر للمبلغ المضمون “.

 ج – الغرامات التأخيرية والفوائد الربوية يفرض مصدر وبطاقات الائتمان غرامات مالية على التأخير في السداد أو تأجيل أو تقسيط المسحوبات المستحقة على البطاقة، وهذه الغرامات من الربا الصريح الذي لا يختلف فيه ولا يختلف عليه، فهو ربا النسيئة الذي نزل القرآن لتحريمه وآذن أصحابه بحرب من الله ورسوله.

كيف نعالج مشكلة التأخّر عن السداد؟

لقد سبق القول بأنّ الفوائد والغرامات التأخيرية على القروض هي صريح الربا الجاهلي المحرم، وَأَنَّهُ لا سبيل للمصارف الإسلامية إليها بحال من الأحوال، فكيف يمكن أن تعالج مشكلة التأخر عن السداد في الإطار الإسلامي؟

الحلول المقترحة:

توجد بعض الحلول البديلة من الفوائد الربوية، والغرامات التأخيرية نذكر منها: إنظار المدين إذا كان معسرا، أو إلغاء العضوية وسـحب البطاقة ثُمَّ اللجوء إلَى القضاء وتحميله مصروفات الخصومة، أو نشر اسم العميل في قائمة سوداء تعمّم على المصارف ردعا له وزجرا لأمثاله.. الخ.

 د- هل يجوز شراء الذهب والفضة ببطاقات الائتمان؟

الذهب والفضة لا يباعان إِلاَّ مناجزة «يدا بيد»؛ فالتقابض الفوري شرط في صحَّة هذه المعاملة لقوله e: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» فهل يجوز شراء الذهب والفضة ببطاقات الائتمان؟

لقد سبق أَنَّ القبض هو إثبات اليد, وَأَنَّهُ مطلق في الشرع يرجع في تحديده إلَى العرف، وقد أجمع مجمع الفقه الإسلامي بجواز شراء الذهب والفضة بالشيكات المصدقة على أن يتم التقابض في المجلس، واعتبر تسليم الشيك المصدقة بمثابة التسليم الفوري للمبلغ، وَلَـمَّا كانت قسيمة الدفع تخول للتاجر الحصول الفوري على المبلغ عند تقديمها للبنك الذي يتعامل به التاجر، فإن قبض القسيمة يحقّق التقابض المنشود في بيع الذهب والفضة. وعلى هذا فالبطاقة التي يتحقق فيها القبض الفوري يُمكن استخدامها في شراء الذهب والفضة، والتي لا يتحقق فيها ذلك لا يشرع استخدامها.

هـ – الصرف في بطاقات الائتمان:

الأصل في بطاقات الائتمان انها بطاقات عالمية وان حاملها يستطيع استخدامها في اي دولة من الدول، فإذا قام بالسحب بعملة أجنبيَّة تختلف عن العملة التي نص العقد على التحاسب بها، فإن مصدر البطاقة يسدد بالعملة الأجنبيَّة ثم يرجع على عميله بالعملة المحلية باستخدام سعر صرف ينصّ عليه في الاتفاقية، فهل يجوز الدين بعملة خلاف العملة التي حدث بها؟ لا يخفى أَنَّ التقابض الفوري شرط في صحة الصرف لقوله e: ” فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد “. وتجوز المصارف على ما في الذمة إذا كان بالسعر الحاضر إذا تفرق الطرفان وليس بينهما شيء، أي بشرط إلا يبقى شيء في الذمة لأحدهما. والمصارفة على ما في الذمة قد تكون بين بدل الذمة وبين حاضر، أو بين بديلين في الذمة وتسمى في هذه الحالة ” مقاصة أو تطارح الدينين ” فتكون المقاصة في حدود البدل الأصغر ويسدد الباقي بالعملة الأخرى على أن يتفرقا وليس بينهما شيء. والأصل في هذا حديث عمــر: “كنت أبيع الإبل بالنقيع، فأبيع بالذهب واقضي بالورق،وأقضي بالذهب،فسألت في ذلك رسول الله e فقال: «لا بأس إذا كان بسعر يومكما إذا تفرقتما وليس بينكما شيء».

وعلى هذا فلا بأس بهذه العملية على أن تتم المحاسبة على أساس سعر الصرف يوم التسوية أو المقاصة، أي: يوم الخصم من الحساب الجاري لحامل البطاقة:

و- عمولات السحب النقدي:

من البطاقات ما يمكن العميل من السحب النقدي من حسابه لدى البنك، وقد جرت عادة البنوك على احتساب عمولة لها من هذه العمليات، فما مدى شرعية هذه العمولات؟ لقد اختلف الفقه المعاصر في حكمه على هذه العمولات بناء على اختلافه في كونها مُجرد سحب من حساب العميل أم إقراض له.

المجيزون: فمنهم من يرى جواز هذه العمولات لأنها لا تعدو أن تكون أجرا مقابل توصيل أموال العميل من حسابه إلَى المناطق التي يستخدم فيها البطاقة، وما يقتضيه ذلك من نفقات ومصروفات، فهي أجر تحويل العمولات من بلد إلَى بلد إِلاَّ أَنَّه تَحويل معكوس حيث تقوم البنوك الوكيلة لشركة البطاقة بدفع النقود، أَوَّلاً ثُمَّ تسترد من العميل، ثانيا تحقيقا للفورية المطلوبة في هذه العملية، والأجل المتخلل بين القبض والتسديد ليس مقصودا في هذه العملية ولا هو من صميمها. وهذا الذي أخذ به بنك التمويل الكويتي والبنك الإسلامي الأردني.

المانعون: ومنهم من يرى حرمة هذه العمولات؛ لأَنَّ عملية السحب تعدّ إقراضا من قبل جهة البطاقة، أو البنك الوكيل لِحامل البطاقة، فما يؤخذ مقابلها يكون من الربا المحرم، وهذا الذي أخذت به الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية.

الرأي الراجح: والذي يترجح لي هو التفرقة بين وضعين:

– عندما تكون العملية سحبا من حساب العميل فما يؤخذ مقابلها يكون عمولة مشروعة.

 -وعندما تكون إقراضا له فما يؤخذ مقابلها يكون ربا مُحرّما، والله أعلم. ولا يخفى أن الحرمة في هذه الحالة إِنَّمَا تتعلق بالجهة المصدرة للبطاقة وبين البنك الوكيل، أما العميل فهو في كل حالاته يسحب من أمواله المودعة لدى جهة البطاقة، والعمولة التي يتحملها إِنَّمَا تكون مقابل ما تتجشمه هذه الجهة وما تتكفله من نفقة بمناسبة قيامها بهذا العمل، ولا علاقة له بما يدور بين الجهة المصدرة وبين البنك ا لوكيل.

3- زكاة المال الحرام:

تعريف المال الحرام: المال الحرام هو كُلّ مال حظر الشرع اقتناءه أو الانتفاع به، سواء كانت حرمته بما فيه من ضرر أو خبث كالميتة والخمر، أم حرمته لغيره، لوقوع خلل في طريق اكتسابه لأخذه من مالكه بغير إذنه، كالغصب، أو لأخذه منه بأسلوب لا يقره الشرع ولو بالرضا، كالربا والرشوة.

 أحكام تختص بالمال الحرام:

 أ- حائز المال الحرام لخلل في طريقة اكتسابه لا يملكه مهما طال الزمن، ويجب عليه رده إلَى مالكه أو وارثه إن عرفه، فإن يئس من معرفته وجب عليه صرفه في وجوه الخير للتخلص منه وبقصد الصدقة عن صاحبه.

 ب- إذا اخذ المال أجرة عن عمل محرم فان الآخذ يصرفه في وجوه الخير ولا يرده إلَى من اخذه منه.

ج-لا يرد المال الحرام إلَى من اخذ منه ان كان مصرا على التعامل غير المشروع الذي أدى إلَى حرمة المال كالفوائد الربوية بل يصرف في وجوه الخير أيضا.

د- إذا تعذر رد المال الحرام بعينه وجب على حائزه رد مثله أو قيمته إلَى صاحبه ان عرفه، والا صرف المثل أو القيمة في وجوه الخير وبقصد الصدقة عن صاحبه.

 أحكام تختص بزكاته:

أ- المال الحرام لذاته ليس محلاً للزكاة ويجب التخلص منه: المال الحرام لذاته ليس محلا للزكاة لأنه ليس مالا متقوما في نظر الشرع، ويجب التخلص منه بالطريقة المقررة شرعا بالنسبة لذلك المال.

ب- المال الحرام لغيره لا تجب زكاته على حائزه ويجب رده إلَى صاحبه: المال الحرام لغيره الذي وقع خلل شرعي في كسبه،لا تجب الزكاة فيه على حائزه، لانتفاء تمام الملك المشترط لوجوب الزكاة، فإذا عاد إلَى مالكه وجب عليه ان يزكيه لعام واحد ولو مضى عليه سنون على الرأي المختار.

 ج- إذا أخرج زكاته ولم يرده بقى الاثم بالنسبة لما بيده منه: حائز المال الحرام إذا لم يرده إلَى صاحبه وادخر قدر الزكاة منه بقي الإثم بالنسبة لما بيده منه، ويكون ذلك إخراجا لجزء من الواجب عليه شرعا،ولا يعتبر ما أخرجه زكاة، ولا تبرأ إِلاَّ برده كله لصاحبه إن عرفه أو التصدق به عنه إن يئس من معرفته.

المطلب السابع: هل تدخل أعمال الدعوة إلَى الله وما يعين عليها في مصارف الزكاة؟

اختلف أهل الفتوى في الإجابة على هذا السؤال بناء على اختلافهم في تحديد المراد بمصرف ﴿في سبيل الله﴾:

– فمنهم من قصره على الغزاة المتطوعين وهؤلاء هم الجمهور.

– ومنهم من أضاف إلَى ذلك الحج.

 – ومنهم من وسع دائرته بحيث تشمل أعمال الدعوة بل وأعمال البر بصفة عامة، والذي يظهر لي أَنَّ أعمال الدعوة إلَى الله في هذا الزمان في ظلّ هيمنة التغريب والعلمانية تعد من جنس الجهاد بمفهومه الواسع؛ لأنَّ الجهاد كما يكون بقوة الساعد والسنان يكون أيضا باللسان والبيان، وقد قال e: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» رواه احمد والنسائي. وأولى من ذلك بالجواز أعمال الدعوة إلَى الله في بلاد الكفر حيث الدفاع عن أصل الدين، وحيث تكون مراهنة أهل الكفر على مسخ الأجيال المسلمة واستئصال هويتها! وهذا الذي قرَّرناه في هذا المقام هو الذي انتهى إليه المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورة انعقاده الثانية بمكة المكرمة عام 1405هـ.

عندما ورد إليه استفتاء بشأن “تقسيم الزكاة والعشر في باكستان”، وفيما يلي نصّ هذا القرار “…بعد اطلاع المجلس على ترجمة الاستفتاء الذي يطلب فيه الإفادة: هل أحد مصارف الزكاة الثمانية المذكورة في الاية الكريمة وهو: ﴿وفي سبيل الله﴾ يقصر معناه على الغزاة في سبيل الله، أم إن سبيل الله عام لكل وجه من وجوه البر من المرافق والمصالح العامة: من بناء المساجد والربط والقناطر وتعليم العلم وبث الدعاة.. الخ؟ وبعد دراسة الموضوع ومناقشته وتداول الرأي فيه ظهر أَنَّ للعلماء في المسألة قولين:

أحدهما: قصر هذا المصرف على الغزاة: قصر معنى ” وفي سبيل الله ” في الآية على الغزاة في سبيل الله وهذا رأي جمهور العلماء، وأصحاب هذا القول يريدون قصر نصيب “وفي سبيل الله ” على المجاهدين الغزاة في سبيل الله.

القول الثاني: شموله لِكُلِّ طرق الخير: إن سبيل الله شامل عام لِكُلِّ طرق الخير والمرافق العامة للمسلمين من بناء للمساجد وصيانتها، وبناء المدارس، والربط، وفتح الطرق وبناء الجسور، وإعداد المؤن الحربية، وبث الدعاة وغير ذلك من المرافق العامة مِـمَّا ينفع الدين وينفع المسلمين. وهذا قول قلة من المتقدمين، وقد ارتضاه واختاره كثر من المتأخرين. وبعد تداول الرأي ومناقشة أدلَّة الفريقين قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:

1- نظرا إلَى ان القول الثاني قد قال به طائفة من علماء المسلمين، وإن له حظّا من النظر في بعض الآيات الكريمة، مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى﴾([51]). ومن الأحاديث الشريفة مثل ما جاء في سنن أبي داود «أَنَّ رجلا جعل ناقة في سبيل الله فأرادت امراته الحجّ فقال لها النَّبِيّ e: «اركبيها فإن الحج في سبيل الله».

2- ونظرا إلَى أَنَّ القصد من الجهاد بالسلاح هو إعلاء كلمة الله تعالى، وأنّ إعلاء كلمة الله تعالى كما يكون بالقتال يكون -أيضا-بالدعوة إلَى الله ونشر دينه، وبإعداد الدعاة، ودعمهم، ومساعدتهم على أداء مهمتهم فيكون كلا الأمرين جهادا، لِما روى الإمام أحمد والنسائي وصححه الحاكم عن أنس t أَنَّ النَّبِيّ e قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم».

3- ونظرا إلَى أَنَّ الإسلام محارب -بالغزو الفكري والعقدي- من الملاحدة واليهود والنصارى وسائر أعداء الدين، وأن لهولاء من يدعمهم الدعم المادي والمعنوي، فَإِنَّهُ يتعين على المسلمين أن يقابلوهم بمثل السلاح الذي يغزون به الإسلام، وبما هو أنكى منه.

4- ونظرا إلَى أن الحروب في البلاد الإسلامية اصبح لها وزارات خاصة بها ولها بنود مالية في ميزانية كُلّ دولة، بخلاف الجهاد بالدعوة، فَإِنَّهُ لا يوجد له في ميزانيات غالب الدول مساعدة ولا عون، لذلك كله فإنَّ المجلس يقرر -بالأكثرية المطلقة-دخول الدعوة إلَى الله تعالى وما يعين عليها في معنى ﴿وفي سبيل الله﴾ في الآية الكريمة.

4- الربا في دار الحرب:

إذا دخل المسلم دار الحرب بأمان كما هو الشأن في الجاليات الإسلامية المقيمة في المجتمعات الغربية في هذه الأيام، فهل يباح له أن يعاملهم بالربا ويأخذ الفضل من أموالهم؟ أم أَنَّ الأحكام لا تتغير بتغير الأماكن؟ جمهور أهل العلم على أَنَّ حرمة الربا لا تتغير بتغير الأماكن، فالربا حرام فوق كُلّ أرض وتحت كُلّ سماء، فلا يحل للمسلم أن يعامل الحربيين بالربا أخذا أو عطاء. وقد استدلوا على ذلك بما يلي:

– إطلاقات النصوص الواردة في تحريم الربا، والتي لم تقيده بمكان دون مكان ولا بفريق من الناس دون فريق.

– أَنَّ حرمة الربا كما هي ثابتة في حقِّ المسلمين ثابتة في حقِّ الكفار على الصحيح من أقوال أهل العلم في مخاطبة الكفار بالحرمات، وقد قال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾([52]).

ومتى كانت المحرمات أمرا خاصا بالمسلمين في دار الإسلام فإذا أخرجوا منها استحلوا محارمهم؟! ألا يشبه هذا الموقف في هذه الحالة مسلك اليهود الذين قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ فاستحلوا في معاملاتهم مع الأمّيين ما حرموه في معاملاتهم بعضهم لبعض.

 – قياس الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب على المستأمن من الحربيين في دار الإسلام فإن الربا يجري بينه وبين المسلم إجماعا فكذلك إذا دخل المسلم دار الحرب بأمان. وخالف أبو حنيفة وتلميذه محمَّد بن الحسن فيما سبق،وقالوا: إنّه لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب؛ لأنَّ أموالهم في دارهم على أصل الحل فبأي طريق أخذها المسلم فقد أخذ مالا مباحا ما لم يتضمَّن ذلك غدرا بهم، فلو دخل المسلم إلَى دار الحرب فباع لهم درهما بدرهمين فلا حرج عليه في ذلك؛ لأَنَّ أحكام المسلمين لا تجري عليهم، فبأي وجه أخذ أموالهم برضى منهم فهو جائز. وقد استدلَّ أبو حنيفة ومن معه على ذلك بما يلي:

 – ما رواه مكحول عن رسول الله e أَنَّه قال: «لا ربا بين مسلم وحربي في دار الحرب».

ونوقش هذا الاستدلال بما يلي:

– أَنَّ الحديث مرسل ضعيف فلا حجّة فيه، قال الشافعي: حديث مكحول ليس بثابت فلا حجة فيه.

– أَنَّ الحديث على فرض ثبوته يحتمل النهي كقوله تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾([53])، وإذا تطرَّق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال، أو يفهم في ضوء الأدلَّة القاطعة بتحريم الربا، وإذ لا يجوز ترك هذه الأدلَّة لخبر مجهول لم يرد في كتاب صحيح من كتب السنّة، قال النووي: “لو صحّ حديث مكحول لتأولناه على أَنَّ معناه لا يباح الربا في دار الحرب جمعا بين الأدلَّة”([54]). وما ثبت أَنَّ النَّبِيّ e قال في حجّة الوداع: “كُلّ ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب “. ووجه الدلالة على أَنَّ مكة كانت دار حرب وكان بها العباس مسلما -أما من قبل بدر أو من قبل خيبر-وقد كان تحريم الربا يوم فتح خيبر ولم يرد رسول الله e ما كان منه من ربا بعد إسلامه إلَى أن ذهبت الجاهلية بفتح مكة، ولم تكن تخفى مراباة العباس على النَّبِيّ e في مكة قبل فتحها، وَلَـمَّا لم ينهه دل على أنَّ ذلك جائز. وقد نوقش هذا الدليل بأنَّه ليس هناك ما يَدُلُّ على أنَّ العباس t استمر على الربا بعد إسلامه، فقد يكون الحديث عما كان له من ربا في الجاهلية قبل إسلامه، ولو سلم استمراره عليه فقد لا يكون عالما بتحريمه فأراد النَّبِيّ إنشاء هذه القاعدة وتقريرها يومئذ، ولو فهم الصحابة جواز التعامل بالربا بين المسلم والحربي لعملوا به فيما بينهم وبين أهل الحرب ولكن ذلك لم ينقل قط، فدل على أنَّ حديث العباس لا دليل فيه على الجواز.

 – أنَّ أموال أهل الحرب على أصل الحل فهي مباحة للمسلم بلا عقد فأولى أن تباح بالعقد الفاسد؛ لأنَّ هذا على رضى منهم ولا يتضمن غدرا بهم. وقد نوقش ذلك بما يلي:

– عدم التسليم بهذه الدعوى؛ لأنَّ الحربي إذا دخل دارنا بأمان لا يجوز للمسلم أنَّ يعامله بالربا اتفاقا.

 – أنَّ لا يلزم من إباحة أموالهم بالاغتنام أباحتها بالعقد الفاسد فإن أبضاع نسائهم تباح بالاغتنام ولا تباح بالعقود الفاسدة.

– أنَّ هذا التعليل قاصر على حالة أخذ المسلم الفضل من الحربي ولا يصلح إذا عكس الأمر وكان الحربي هو الذي يأخذ الفضل من المسلم. ولا يخفى من خلال العرض السابق تهافت هذه الأدلَّة وعدم نهوضها لرد الأدلَّة القاضية بتحريم الربا بإطلاق.

5-شراء البيوت عن طريق البنوك الربوية:

 تشيع في المجتمعات الغربية ظاهرة شراء البيوت عن طريق التمويل البنكي وذلك بأن يتقدم طالب الشراء إلَى أحد البنوك ليقرضه قيمة البيت فيسددها إلَى البائع ويتقاضى منه هذا القرض أقساطا شهرية يتقاضى عنها فوائد ربوية بحيث يتضاعف المبلغ في نهاية المدة إلَى ثلاثة أضعاف أو أكثر بحسب مدة القرض.

 الإجماع على تحريمها: وقد ظلّ أهل الفتوى على تحريم هذه المعاملة أزمنة متطاولة باعتبار أَنَّها قرض ربوي ظاهر. وقد أجمع العلماء على حرمة ربا القروض.

ترخيص باطل: ولكن ضغوط الواقع وإثقال الآلاف قد زحزحت بعض حراس الدين عن مواقعهم، وأخذوا يرخصون للناس في هذه المعاملة اعتمادا على ما ذهب إليه أبو حنيفة من جواز أخذ الربا من الحربي في دار الحرب. ولنا على هذا التحوّل الخطير عدة وقفات نوجزها فيما يلي:

الوقفة الأولى:مناقشة رأي أبي حنيفة:

إنّ ما ذهب إليه أبو حنيفة من القول بجواز أخذ الربا من الحربي في دار الحرب تأسيسا على أنَّ أموالهم على أصل الحل لا يلتقي مع هذه المسألة التي يدفع فيها المسلمون أموالهم إلَى الحربيين، فالحربي هنا هو الذي يأخذ الزيادة وليس المسلم، فهي عكس ما ذهب إليه أبو حنيفة في هذا المقام، فالاستشهاد به يعد قراءة متعجلة لما ذهب إليه الإمام.

الوقفة الثانية: عدم استطاعة الجهر بأنها ديار حرب: أنَّ من تبنى هذه المقولة من المعاصرين يعسر عليه أنَّ يتبنى القول بأن المجتمعات الغربية التي تعيش فيها الجاليات الإسلامية هي ديار الحرب، وإن اعتقد ذلك في نفسه فلا يستطيع أن يرفع به صوته في واقع تشن فيه الغارة على الإسلام في مشارق العالم ومغاربه ويتهم أهله ودعاته بأبشع التهم والمناكر. فهل يستطيع هؤلاء المترخصون أن يلتزموا بأن المجتمعات الغربية تعدّ من قبيل دار الحرب، وأنّ أموال أهلها متاحة للمسلمين، وتأسيسا على ذلك فللمسلم أنَّ ينال من أموالهم ما شاء بالعقود الفاسدة ما دام ذلك على رضى واختيار، وإنّ على المسلم أنَّ يعاملهم بالربا فيما كان الفضل له ولا يعاملهم بالربا فيما كان الفضل عليه؟!

الوقفة الثالثة: سد الذرائع: ما الذي يؤمن هؤلاء المترخصين ألا يتدرج من استباحة الأموال بالعقود الفاسدة إلَى استباحة الأبضاع بالعقود الفاسدة، وتوقان النفوس إلَى النساء أشد من توقانها إلَى الأموال؟!

الوقفة الرابعة: يجب التفريق بين حال السعة وحال الضرورة: ينبغي أن نفرق بين القول بجواز هذه المعاملة في أحوال الضرورة والاقتهار عندما يجد المسلم نفسه ملجأ إلَى ذلك لكثر عياله وضيق ذات يده وامتناع الإجارَة عليه وتعذر حصوله على القرض الحسن للشراء الحالي، فإن الاقتراض بالربا تحله الضرورات على قول مرجوح، ينبغي أن نفرق بين هذا القول وبين القول بمشروعية هذه المعاملة ابتداء بناء على مشروعية الربا في دار الحرب ليدخل الأمر في نسيج المشروعية الأصلية لا فرق بين حال السعة والاختيار وبين حال الضرورة والاقتهار!

الوقفة الخامسة: اقتراح لحل هذه المشكلة: إن شيوع الحاجة إلَى تملك البيوت في المجتمعات الغربية لا يبرر إباحة المحرمات وَإِنَّمَا يوجب تكاتف المسلمين فما بينهم لإنشاء المؤسسات القادرة على تلبية هذه الحاجة في إطار المشروعية الإسلامية، أو عَلَى الأقل لإقناع البنوك الربوية بتعديل عقودها الربوية بما يتفق مع مقررات الشريعة، وليس ذلك ببعيد، فإنّ هذه المؤسسات تركض خلف الكسب أنَّى لاح لها بريقه، وإذا استشعرت أن خلف هذه المطالبة جاليات إسلامية كثيرة العدد فلا يضيرها قط أن تغير في عقودها بما تستجلب به أموال هؤلاء.

سقوط شعار ” لا اقتصاد بلا بنوك، ولا بنوك بلا فوائد”:

لقد ظهر ت في نهاية النصف الأوّل من هذا القرن محاولات لتبرير فوائد البنوك بتخريجات فقهية متهافتة، ولو استجابت الأمَّة لهذه التبريرات ما عرفت أرضها البدائل الإسلامية في عالم المال والمصارف، ولكن الحراس ثبتوا يومئذٍ في مواقع حراسة للدين وردوا هذه التبريرات ففتقت الحاجة الحيلة، وعرفت بلاد الإسلام المؤسسات المصرفية التي تعمل في إطار الشريعة لتكون بديلا من المصارف الربوية التي تفسد في ديار الإسلام بأنظمتها المحرمة، وكل يوم يمضي يتكشف للعالم كله مدى الوهم في هذه الخرافة القديمة التي تقول: “لا اقتصاد بلا بنوك، ولا بنوك بلا فوائد”.

ثالثا: نوازل طبية

 1 – رفع أجهزة الإنعاش الصناعي

أوّلاً: تعريف الإنعاش: الإنعاش في عالم الطب هو: المعالجة المكثفة التي يقوم بها الفريق الطبي “طبيب أو مجموعة من الأطبَّاء ومساعدوهم” لمساعدة الأجهزة الحياتية حتى تقوم بوظائفها أو لتعويض بعض الأجهزة المعطلة بقصد الوصول إلَى تفاعل منسجم بينها([55]) “والأجهزة الحياتية الأساسية للإنسان هي: المخ ـ القلب ـ التنفس ـ الكلى ـ الدم للتوازن بين الماء والأملاح([56])“.

ثانياً: أجهزة الإنعاش: تتمثل أجهزة الإنعاش في الأشياء التالية:

1-المنفسة: وهو جهاز كهربائي يقوم بإدخال الهواء إلَى الرئتين وإخراجه منهما مع إمكانية التحكم بنسبة الأكسجين في الهواء الداخل إضافة لأشياء أخرى عديدة لتساعد في إيصال هذا الغاز للدم، وسحب غاز ثاني أكسيد الفحم منه. فيوصل الجهاز بالمريض بأن يقوم الطبيب بإدخال أنبوب إلَى الرغامي ثُمَّ يوصل ذلك الأنبوب بالمنفسة. وتستعمل المنفسة عند توقف التنفس عند المريض أو إذا أوشك على التوقف، كما تستعمل خلال العمليات الجراحية التي يحتاج المريض فيها للتخدير العام([57]).

2 ـ مزيل رجفات القلب: وهو جهاز يعطي صدمة كهربائية لقلب اضطرب نظمه أو توقف توقفاً بسيطاً، فيوضع الجهاز على الصدر ويمرر تيار كهربائي محدثاً تنبيهاً للقلب فيؤدي ذلك لانتظام ضربات القلب، أو يعيد القلب للعمل من جديد في حال التوقف([58]).

3- جهاز منظم ضربات القلب ” ناظم الخطى:“يستخدم إذا كانت ضربات القلب بطيئة جداً مِـمَّا يؤدي لهبوط ضغط الدم أو توقف تام للقلب. وهو عبارة عن جهاز صغير موصول بسلك يتم إدخال هذا السلك إلَى أجواف القلب وبعدها يبدأ الجهاز بتوليد شرارات كهربائية بشكل منتظم مِـمَّا يؤدّي لتحريض ضربات القلب بشكل منتظم([59]).

4- أجهزة الكلية الصناعية:

وهي تعوض عن وظيفة الكلى في تنقية الدم والجسم من السموم والماء المحتبس فيه([60]).

5- مجموعة العقاقير: هي التي يستخدمها الطبيب لإنعاش التنفس أو القلب أو تنظيم ضرباته إلَى آخر القائمة الطويلة من العقاقير التي تستخدم في إنعاش المرضى([61]).

ثالثاً: حكم الإنعاش: الذي يبدو أن حكم الإنعاش الوجوب؛ لأن المريض في حالة خطرة وحاجته لأجهزة الإنعاش أصبحت أمراً ضرورياً كحاجته للطعام والشراب، بحيث لو تركه فقد عرض نفسه للهلاك، لذا فإن إقدامه على أجهزة الإنعاش يعتبر واجباً شرعياً يأثم بتركه([62]). قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن التداوي: “وقد يكون منه ما هو واجب وهو ما يعلم أَنَّهُ يحصل به بقاء النفس لا بغيره كما يجب أكل الميتة عند الضرورة فإنه واجب عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء”([63]). وقال الشيخ محمَّد المختار السلامي: أما الإنعاش فإنّه يبدو لي أَنَّهُ واجب ذلك أَنَّهُ لا تختلف حالة الإنعاش عن أية حالة من حالات الاضطرار التي تقلب حتى حكم التحريم إلَى الوجوب حفاظاً على الحياة ثاني المقاصد الضرورية الخمسة على أن المصاب في كثير من حالات الإنعاش يكون فاقداً للوعي أو هو تحت تأثير وطأة الإصابة لا يتمكن من أخذ القرار المبني على التأمل”([64]).

أما حكم إسعاف المريض بأجهزة الإنعاش بالنسبة للمجتمع المسلم فهو واجب كفائي إن قام به بعضهم سقط الإثم عن الباقين وإن لم يقم به أحد أثم الجميع ذلك أن الإنعاش هنا أشبه ما يكون بإنقاذ غريق أو من وقع تحت الهدم([65]).

قال ابن حزم: “وبيقين يدري كل مسلم في العالم أن من استقاه مسلم وهو قادر على أن يسقيه فتعمد ألا يسقيه إلَى أن مات عطشاً فإنه قد اعتدى عليه بلا خلاف([66])” ونقل الشيخ محمَّد أبو زهرة الاتّفاق على أن من يكون معه فضل زاد وهو في بيداء وأمامه شخص يتضور جوعاً يكون آثماً إذا تركه حتى مات([67]). وأصل هذا الحكم قول النَّبِيّ e: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم: رجلٌ على فضل ماءٍ بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع رجلاً بسلعة بعد العصر فحلف له لأخذها بكذا فصدقه وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماماً لا يبايعه منها إِلاَّ لدنيا، فإن أعطاه منها وفّى وإن لم يعطه منها لم يف» متفقٌ عليه من حديث أبي هريرة t. وحيث إن المريض المشرف على الهلاك نظير الجائع والظمآن في البيداًء فإن إسعافه يعد أمراً واجباً متحتماً([68]).

رابعاً: حكم رفع أجهزة الإنعاش:

يختلف حكم رفع أجهزة الإنعاش من مريضٍ لآخر حسب الأحوال التالية:

الحالة الأولى: عودة أجهزة المصاب إلَى حالتها الطبيعية بحيث لا يحتاج معها لأجهزة الإنعاش، فهنا يقرر الطبيب رفع أجهزة الإنعاش لسلامة المريض وعدم حاجته إليها. ولا ينبغي الاختلاف في هذه الحالة فقد اتفق عليها الشرع والقانون في جميع دول العالم([69]).

الحالة الثانية: تحسن المريض مع حاجته لأجهزة الإنعاش وهو في طريقه إلَى النقاهة والسلامة فهنا تبقى أجهزة الإنعاش عليه حتى يستغنى عنها ويبرأ البرء التام وحينئذٍ ترفع عنه أجهزة الإنعاش كما في الحالة الأولى([70]).

الحالة الثالثة: مريض ميئوس من حالته الطبية أي لا أمل في شفائه طبياً: فهنا لا يجوز رفع أجهزة الإنعاش عن هذا المريض وذلك لما يلي:

1- أن سحب الأجهزة عنه كترك إنقاذ غريق في البحر وحريق يحترق في النار([71]).

2- لأنَّ علائم الحياة لا تزال موجودةً فيه فلا يجوز رفع أجهزة الإنعاش عنه([72]).

3-لأن في رفع أجهزة الإنعاش قتلا لهذا المريض أو زيادة في مرضه وكلاهما لا يجوز.

4-أن الرأي الطبي في البلاد العربية والإسلامية بالنسبة إلَى سحب أجهزة الإنعاش من مريض ميئوس من حالته أي لا أمل في شفائه طبياً يعتبر جريمة لا تغتفر([73]).

الرابعة: وهي حالة موت الدماغ: حيث تظهر فيها علامات موت الدماغ من الإغماء وعدم الحركة وغيرها من العلامات، لكن بواسطة أجهزة الإنعاش لا يزال القلب ينبض، والنفس مستمر نبضاً وتنفساً صناعيين لا حقيقيين. ففي هذه الحالة صدر قرار كل من مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي([74]) والمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي([75]) بجواز رفع أجهزة الإنعاش عن هذا المريض، ذلك لأنه لا يوقف علاجاً يرجى منه شفاء المريض، وإنما يوقف إجراء لا طائل من ورائه في شخص محتضر، بل يتوجه أنه لا ينبغي إبقاء آلة الطبيب والحالة هذه؛ لأنه يطيل عليه ما يؤلمه من حالة النزع والاحتضار([76]).

فاختلف في حكم الرفع في هذه الحالة بالنظر إلَى حال المريض؛ فمن نظر إليه باعتباره ميتاً أجاز الرفع؛ لأنَّه رأى أن هذا العمل (أي: عمل القلب والرئتين) لا ينسب إليه، وإنَّما للأجهزة فهي حركة لا إرادية كحركة المذبوح الذي لا يقتل قاتله؛ وإنَّما يعزر لأنَّه لم يقتل شخصاً به حياةٌ مستقرة، وكما لو خرج البول منه يقول ابن الماجشون: يكون الريح والبول من استرخاء المواسك. وقد قال بعض الفقهاء: الطفل ولو بال لا يعتبر حياً إذا لم يستهل صارخاً. وقال الأطبَّاء: العضو قد يعمل لساعات وهو منفصلٌ عن صاحبه وقد يقطع الرأس، ويبقى الدم يتدفق من عروقه، أي: القلب ولا يدلّ ذلك على حياة صاحبه. وكبقاء حياة الأنسجة فإنها لا تموت بموت صاحبها مباشرة، وهو ما عبر عنه الفقهاء قديماً بقولهم: آثار الحياة الغريزية كما قاله الرملي.

ومن نظر إليه باعتباره حياً حرم رفع الأجهزة، مستدلاً بأنَّ الأصل هو الحياة، وبناءً على قاعدة: “اليقين لا يزول بالشكّ”، خاصةً وأن الإقدام على رفعها يؤدي إلَى الموت والقتل مفسدةٌ عظيمة، ثم إنّه قد يحدث أن يحكم بموته ثم يتبين خلاف ذلك.

ونوقش: بأنه إذا حدث شيءٌ من ذلك فهو خطأ في التشخيص قد يحدث مثله في العلامات التي ذكرها الفقهاء قديماً، ثم إن الحكم بموته حكمٌ بغلبة الظن وهو معمولٌ به كالحكم بِموت المفقود.

وأجيب: بأن هذا فيما لو لم تعارض أمارة الموت أمارات الحياة، والله تعالى أعلم.

الحالة الخامسة: وهي حالة موت القلب والدماغ: وفيها تتعطل الأجهزة الحياتية ويحدث الموت فيتعطل الدماغ والقلب فلا يتحرك القلب للقبول والضخ ولا يقبل المخ ما يرد إليه من غذاء. فهنا يقرر الطبيب رفع أجهزة الإنعاش لتحقق موت المريض ومع الموت لا فائدة من مواصلة العلاج المكثف. ولا خلاف في هذه الحالة فقد اتفق عليها الشرع والقانون في جميع دول العالم([77]).

التزاحم على استخدام الأجهزة الطبية المساعدة وأجهزة الإنعاش في حالات المرض([78]).

رفع الأجهزة الطبية عن المريض لإنقاذ مريضٍ آخر يغلب على الظن إنقاذه بهذه الأجهزة له جانبان:

الجانب الأوّل: ألا يغلب على الظن موت المريض الميئوس من شفائه بسبب رفع الأجهزة عنه وإنما قد يتأثر بمضاعفة المرض، فهل يجوز رفعها سواء كان الدافع لذلك إنقاذ مريضٍ آخر بحاجةٍ إليها أو بلا سبب وإنما لليأس من الشفاء لطول المدة؟.

والجانب الثاني: أن يغلب على الظن موت المريض الأول الميؤوس من شفائه بسبب رفع تلك الأجهزة عنه فهل يجوز رفعها عنه لأن مرضه ميئوس من شفائه لإنقاذ من يغلب على الظن إنقاذه بهذه الأجهزة؟ أو يجب إبقاؤها لأنه أحق بها ولأن في إبقائها إبقاء لحياته وفي رفعها عنه قتلاً لمعصوم؟

هنا تختلف وجهات النظر أيضا بين مؤيد للرفع ومؤيد لترك الرفع:

ولو أمكن التوفيق بين المصلحتين لكان أولى فقد نقل الشوكاني عن المحصول ” العمل بكل منهما من وجه أولى من العمل بالراجح من كل وجه وترك الآخر”.

 لكن العمل بكل منهما من وجه غير وارد في مسألتنا؛ لأن فيها مريضين وجهازاً واحداً لا يكفي لهما معاً فلم يبق إلا الترجيح بينهما.

 من المؤيدات لعدم رفع الأجهزة عن المريض الميئوس من شفائه ما يأتي:

أولاً: استناداً إلَى جملةٍ من القواعد الفقهية، ومنها:

قاعدة: “درء المفاسد أولى من جلب المصالح ” فإذا تعارض مفسدة مع مصلحة قدم دفع المفسدة غالباً([79]). والمصلحة في مسألتنا هي نزع الأجهزة عن المريض الميئوس من شفائه لوضعها على المريض الآخر لاستبقاء حياته؛ فبناءً على قاعدة درء المفسدة أولى فتبقى الأجهزة على الأوّل.

 فإن قيل: لم لا يعطى الآخر أجهزة أخرى وتترك أجهزة الأول عليه، فنقول: لو أمكن تحصيل المصالح ودفع المفاسد معاً لكان أجود لكن هذا في مسألتنا غير ممكن إذا كانت الأجهزة محدودة ولا تكفي للجميع. يقول العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام ص83: “إذا اجتمعت مصالح ومفاسد فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك امتثالاُ لأمر الله تعالى فيهما؛ لقوله I: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وإن تعذر الدرء والتحصيل فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة. وذكر أن الطبّ كالشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد عن الجسد، والتخيير عند التساوي، والتوقف عند الجهل بالمرجح”.

القاعدة الثانية: ذكرها السيوطي في الأشباه والنظائر ص83: فقال” القاعدة الرابعة الضرر يزال”، أصلها قوله e: “لا ضرر ولا ضرار”، وقال ابن نجيم ص85 وفسره في المغرب بأن لا يضرّ الرجل أخاه ابتداء ولا جزاء قال السيوطي ص86: ” الضرر لا يزال بالضرر. قال ابن السبكي: وهو كعائد يعود على قولهم: الضرر يزال ولكن بلا ضرر. فشأنهما شأن الأخص مع الأعم بل هما سواء؛ لأنه لو أزيل بالضرر لما صدق ” الضرر يزال ” ومن فروع هذه القاعدة.. لو سقط على جريح فإن استمر قتله وإن انتقل قتل غيره، فقيل: يستمر؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر. وقيل: يتخير للاستواء. وقال الإمام: لا حكم في هذه المسألة.

قلت: لا شك أن المريض المتأخر في مسألتنا فيه ضرر فضرره يزال لكن بإزالة ضرره يلحق الآخرين الضرر، وَإِنَّمَا يزال الضرر بدون إضرار. لكن قد يستثنى من هذه القاعدة ما لو كان أحدهما أعظم ضرراً فيزال الضرر الأعظم ولو ترتب على إزالته ضررٌ أقل منه إلا أن هذا يستقيم فيما لو كان ذلك في شخصٍ واحد فيزال الأعظم ولو ترتب ضرر أصغر كما في اليد المتآكلة، أما أن يزال ضرر شخص على حساب شخص آخر فهذا غير مستقيم لتعارضه مع قاعدة “درء المفاسد أولى من جلب المصالح”

ثانياً: أَنَّهُ يغلب على الظن موت من يتم رفع الأجهزة عنه ويندر أن يسلم ومثل هذا لا يجوز الإقدام عليه لغلبة الظن أن هذا المريض يموت عند نزع هذه الأجهزة عنه. قال العز بن عبد السلام (1/85): ” القسم الثاني ما يغلب ترتب مسببه عليه وقد ينفك عنه نادرا فهذا أيضا لا يجوز الإقدام عليه؛ لأنّ الشرع أقام الظن مقام العلم في أكبر الأحوال”.

ثالثاً: أن نزع الأجهزة عن الأول مفسدة عظيمة وهي القتل، وقد قال العلماء: لو أُكره على القتل فيصبر ولا يقدم على القتل لعظم مفسدته فكذلك هنا؛ لأنَّ الإقدام على نزع الأجهزة عن الأول إقدامٌ على القتل. قال العز بن عبد السلام (1/79): ” ولاجتماع المفاسد أمثلة أحدها أن يكره على قتل مسلم بحيث لو امتنع منه قُتل فيلزمه أن يدرأ مفسدة القتل بالصبر على القتل؛ لأنّ صبره على القتل أقل مفسدة من إقدامه عليه، وإن قدر على دفع المكروه بسبب من الأسباب لزمه ذلك لقدرته على درء المفسدة، وإنما قدم درء القتل بالصبر لاجتماع العلماء على تحريم القتل واختلافهم في الاستسلام للقتل، فوجب تقديم درء المفسدة المجمع على وجوب درئها على درء المفسدة المختلف في وجوب درئها.

 وهذا لا يبعد كثيراً عن مسألتنا حيث إن في مسألتنا مصلحة إحياء نفس ومصلحة درء المفسدة عن المريض الميئوس من شفائه، فدرء المفسدة عن المريض الميئوس من شفائه مقدمة على مصلحة المريض الذي يحتاج إلَى هذه الأجهزة وعلى الأخير الصبر؛ لأن صبره على المرض أقل مفسدة من الإقدام على نزع الأجهزة عن مريض قد يكون هذا النزع مميتاً له.

وَمِـمَّا يَدُلُّ على عظم مفسدة القتل قول بعض العلماء: إذا وكل وكيلاً في القصاص ثم عفا ولم يعلم الوكيل، أو أخبره فاسقٌ بالعفو فلم يصدقه وأراد الاقتصاص فللفاسق أن يدفعه بالقتل إذا لم يمكن دفعه إلا به دفعاً لمفسدة القتل من غير حق([80]).

قلت: وفي نزع الأجهزة من الأول نوع من القتل بغير حق وهو أمر عظيم، كيف وقد قال هؤلاء العلماء: إن للفاسق دفع الوكيل البريء ولو بالقتل خوفاً من وقوع القتل بغير حق. قلت: وفي دفع الفاسق للوكيل ولو أدى إلَى القتل نوع من القتل بغير حق أيضا. والله أعلم.

وَمِـمَّا يدل على استعظام مباشرة القتل ولو لنفسه ما ذكره ابن رجب في القواعد (ص247، رقم 112) حيث قال: إذا ألقي في السفينة نار واستوى الأمران في الهلاك أعني المقام في النار وإلقاء النفوس في الماء فهل يجوز إلقاء النفوس في الماء أو يلزم المقام على روايتين. والمنقول عن أحمد في رواية مهنا أنه قال: أكره طرح نفوسهم في البحر. وقال في رواية أبي داود: يفعل كيف شاء، قيل له: هو في اللج لا يطمع في النجاة. قال: لا أدري، فتوقف. ورجح ابن عقيل وغيره وجوب المقام مع تيقن الهلاك فيها؛ لئلا يكون قاتلاً لنفسه بخلاف ما إذا لم يتيقنوا ذلك لاحتمال النجاة بالإلقاء”.

فقوله في رواية مهنا (أكره طرح نفوسهم في البحر) فلأن في ذلك مباشرة منهم للقتل وإلا فقد يكون إلقاء أنفسهم في البحر أهون عليهم من حرارة النار لذا قال العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام (ص85): ” ولو وقع بركاب السفينة نار لا يرجى الخلاص منها فعجزوا عن الصبر على تحملها مع العلم بأنه لا نجاة لهم من آلامها إِلاَّ بالإلقاء في الماء المغرق، فالأصح أنه لا يلزمهم الصبر على ذلك إذا استوت مدتا الحياة في الإحراق والإغراق؛ لأن إقامتهم في النار سبب مهلك لا انفكاك عنه وكذلك إغراق أنفسهم في الماء لا انفكاك عنه، وَإِنَّمَا يجب الصبر على شدة الآلام إذا تضمن الصبر على شدتها بقاء الحياة، وههنا لا يفيد الصبر على ألم النار شيئاً من الحياة فتبقى مفسدة لا فائدة فيها”.

وقال ابن نجيم في الأشباه والنظائر (ص91): ” وأصله أن الحريق إذا وقع في سفينة وعلم أَنَّهُ لو صبر فيها يحترق ولو وقع في الماء لا يغرق فعنه يختار أيهما شاء وعندهما يصبر”.

رابعاً: أن قتل المسلم بمباشرة أو تسبب من قريبٍ أو من بعيدٍ منهيٌ عنه شرعاً، وعلاج المريض الذي يتطلب علاجه هذه الأجهزة مأمورٌ به شرعاً وما أمر به أهون مما نهي عنه وقد نقل علي بن سعد عن الإمام أحمد أَنَّهُ قال: “وما أمر به النَّبِيّ صلعم عندي أسهل مِـمَّا نهى عنه” وكذلك نقل عنه الجويني (الأمر أسهل من النهي) قال السيوطي في الأشباه والنظائر (ص87): “اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، ولذلك قال صلعم: «إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه» متفقٌ عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه”.

وقال ابن نجيم في الأشباه والنظائر (ص90-91): “إذا تعارضت مفسدة ومصلحة قدم دفع المفسدة غالباً؛ لأنَّ اعتناء الشرع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات …ومن ثُمَّ جاز ترك الواجب دفعاً للمشقة ولم يسامح في الإقدام على المنهيات خصوصاً الكبائر”.

فنحن في حال نقل الأجهزة من الأول إلَى الآخر نكون قد باشرنا قتل الأول لمعرفتنا أَنَّهُ يموت برفع تلك الأجهزة عنه، وهذا قد يكون من قبيل المباشرة للقتل، وهو وإن لم يكن فيه قصاص فقد درئ القصاص للشبهة، ولكن في ترك الأجهزة على الأول لا يكون هناك مباشرة لقتل المريض المتأخر فكان تركها على الأول أولى.

خامساً: أننا في حال ترك الأجهزة على المريض الأول لا يكون لنا فعل تجاه المريضين وفي حال نزعها عن الأول يكون لنا فعل، وهذا الفعل يقتضي رجحان أحدهما على الآخر ولا مرجح سوى المبادرة لإنقاذ حياة المتأخر على حساب حياة المتقدم وهل يجوز لنا قتل نفسٍ لإحياء نفسٍ أخرى.

سادساً: أن المريض الأول يقدم لسبقه، إذ لو لم يوجد مرجح لقلنا بالتخيير. يقول الغزالي في المستصفى (2/381): ” وأما إذا تعارض الموجب والمحرم فيتولد منه التخيير المطلق كالولي إذا لم يجد من اللبن إلا ما يسد رمق أحد رضيعيه ولو قسم عليهما أو منعهما لماتا، ولو أطعم أحدهما مات الآخر، فإذا اشرنا إلَى رضيع معين كان إطعامه واجباً؛ لأن فيه إحياءه وحراماً؛ لأن فيه هلاك غيره، فنقول هو مخير بين أن يطعم هذا فيهلك ذاك أو ذاك فيهلك هذا فلا سبيل إلا التخيير”.

فانتفاع المريض الأَوَّل بالأجهزة التي وضعت عليه هو من قبيل ملك الانتفاع لا المنفعة فيكون أحق بها كقطاع الأرفاق كمقاعد الأسواق ونحوها([81]). وهذا يندرج تحت قولهم: “الأصل بقاء ما كان على ما كان”. قال الزركشي في المنثور (1/294): قاعدة في التزاحم على الحقوق “لا يقدم أحد على أحد إِلاَّ بِمرجح، وله أسباب الأَوَّل: السبق”.

قلت: وفي مسألتنا لدينا أجهزة طبية متقدمة لا تكفي للمريضين بسبب كونها مشغولة لمرضى آخرين فأي المريضين نقدم؟ لو كانا على حالة واحدة وجاءا في آن واحد لكان لنا التخيير كما قال العز بن عبد السلام في القواعد (1/145): ” الفصل الرابع فيما يقدم من حقوق بعض العباد على بعض ترجيح التقديم على التأخير في جلب المصالح ودرء المفاسد وله أمثلة.. منها تقديم ذوي الضرورات على ذوي الحاجات فيما ينفق من الأموال العامة وكذلك التقديم بالحاجة الماسة على ما دونها من الحاجات”.

سابعاً: أَنَّهُ نظيرٌ لمسائل ذكرها الفقهاء وحكموا فيها بالتحريم لأنها تحتوي على إنقاذٌ لنفسٍ بقتل أخرى وهذا لا يجوز، ومن هذه المسائل:

أ-جاء في تكلمة البحر الرائق (8/205): امرأة حامل اعترض الولد في بطنها ولا يمكن إِلاَّ بقطعه أرباعاً، ولو لم يفعل ذلك يخاف على أمه من الموت فإن كان الولد ميتاً في البطن فلا بأس به وإن كان حياً لا يجوز؛ لأنَّ إحياء نفس بقتل نفس أخرى لم يرد في الشرع”.

قلت: قوله إحياء نفس بقتل نفس أخرى لم يرد في الشرع ” دليل لما نحن فيه فنزع الأجهزة من الأول المؤدي إلَى موته لوضعها على الآخر من قبيل قتل نفس لإحياء نفس أخرى.

ويجاب: بأن هذه المسألة مختلفٌ فيها فقد قال بعض العلماء بالجواز لأن حياة الأم متيقنة فهي أعظم حرمةً وحياة الجنين متوهمة.

ب-وقال العز بن عبد السلام السلمي (ت 660 هـ) في قواعد الأحكام (ص82): إذا اغتلم بحيث علم ركبان السفينة أنهم لا يخلصون إِلاَّ بتغريق بعض الركبان لتخف بهم السفينة فلا يجوز إلقاء أحد منهم في البحر بقرعة ولا بغير قرعة لأنهم مستوون في العصمة وقتل من لا ذنب له محرم، ولو كان في السفينة مال أو حيوان محترم لوجب إلقاء المال ثم الحيوان المحترم؛ لأن المفسدة في فوات الأموال والحيوانات المحترمة أخف من المفسدة في فوات أرواح الناس”.

ومن المؤيدات لرفع الأجهزة عن المريض الميئوس من شفائه لوضعها على من تدرك حياته ما يأتي.

أولاً: عملاً بقاعدة ” إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما([82])” فإذا نظرنا إلَى تعارض المصالح والمفاسد فيكون من يرجى شفاؤه أولى باستخدام الأجهزة الطبية.

ويجاب: بأن ذلك معارض بقاعدة ” درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ” ومعارض كذلك بأن الأول أسبق باستخدام هذه الأجهزة فهو أولى بغض النظر عن حالة الآخر، ولعل تعارض المصالح والمفاسد وارتكاب أخفهما إذا لم يكن هناك أقدمية أما وقد وجدت فلا تعارض.

ثانياً: أننا مخيرون لتساوي المصالح قال العز بن عبد السلام: ” إذا تساوت المصالح مع تعذر الجمع تخيرنا في التقديم والتأخير بين المتساوين ولذلك أمثلة: أحدها إذا رأينا صائلاً يصول على نفسين من المسلمين متساويين وعجزنا عن الدفع عنهما فإنا نتخير”.

والجواب: أن هذا صحيح فيما لو تساوت المصالح مع تعذر الجمع لكنها في مسألتنا غير متساوية والجمع متعذر.

ثالثاً: أن الترجيح لا بد منه ما دام الجمع غير ممكن، ومصلحة الثاني أعظم فتقدم؛ لأَنَّها تتمثل في إنقاذ حياته بإذن الله بينما مصلحة الأَوَّل لا تتجاوز حال ميئوسٍ منه فالإبقاء على تلك الحياة إبقاءٌ لحياةٍ شبيهةٍ بالموت. قال الشوكاني: “ومن شروط الترجيح التي لا بد من اعتبارها أن لا يمكن الجمع بين المتعارضين بوجه مقبول فإن أمكن ذلك تعين المصير إليه ولم يجز المصير إلَى الترجيح”.

وهنا في مسألتنا يترجح لنا إنقاذ من يمكن إنقاذه إذ ترك الأجهزة على الأول الميئوس من شفائه محاولة لإنقاذ من لا يمكن إنقاذه على حساب من يمكن إنقاذه.

فمصلحة الأول من بقاء الأجهزة لا تتجاوز حال ميئوس منه حسب كلام أهل الخبرة ومصلحة الثاني منها الشفاء من مرض من الممكن تداركه -بإذن الله تعالى-. يقول ابن القيم في مفتاح دار السعادة (ص347): ” الشريعة الإسلامية مبناها على تحصيل المصالح بحسب الإمكان وأنَّ لا يفوت منها شيء فإن أمكن تحصيلها كلها حصلت. وإن تزاحمت ولم يمكن تحصيل بعضها إلا بتفويت البعض قدم أكملها وأهمها وأشدها طلباً للشارع”.

والجواب أنّ القول بأنّه يقدم أكملها وأهمها وأشدها طلباً للشارع، فهذا هو عين الدعوى وأصل منشأ الخلاف فأي المريضين في مسألتنا أشد طلباً للشارع؟.

رابعاً: استفادة المتأخر من الأجهزة معلومة واستفادة الأول منها مظنونة، ومن المعلوم أن تقديم ما هو معلوم على ما هو مظنون أولى. يقول الغزالي في المستصفى (2/400-401): “وكذلك علة مركبة من وصفين أحدهما ضروري والآخر نظري أو أحدهما معلوم والآخر مظنون إذا عارضها ما هو ضروري الوصفين أو معلوم الوصفين؛ لأن ما علم مجموع وصفيه أولى مِـمَّا تطرق الشك أو الظن بحكم العلة.

والجواب: أننا نسلم أن استفادة المتأخر من تلك الأجهزة معلومة لكن عارضها معارض قوي وهو الإقدام على إلحاق الضرر بالآخرين، فلو كانت المصلحتان تخصان شخصاً واحداً لحصل الترجيح. ومنه تقديم ما هو معلوم على ما هو مظنون لكن الحاصل أن كل مصلحة تخص شخصاً غير الشخص الآخر، وهنا يقال: إن هذه من حقوق الآدمين وهي مبنية على المشاحة.

خامساً: إذا نظرنا إلَى مصلحة المريض المتأخر من الأجهزة فإذا بها ظاهرة مع أن السابق قد لا يستفيد منها سوى بقاء حاله على ما كانت عليه، فرفع الأجهزة عنه ووضعها على المريض المتأخر أولى؛ لأنَّ ما لا يدرك كله لا يترك جله، وهذا شبيه بقولهم: ما لا يمكن تحصيل مصلحته إِلاَّ بإفساد بعضه كَقطع اليد المتآكلة حفظاً للروح إذا كان الغالب السلامة، وإن كان فساداً لها لِما فيه من تحصيل المصلحة الراجحة وهو حفظ الروح. لكن هذا غير مسلم على إطلاقه وإنما هو فيما إذا كانت المصلحة والمفسدة متعلقة بشخص واحد أما إذا اختلفا فلكل حقه.

سادساً: أن تقديم المتأخر شبيهٌ بمسائل ذكرها الفقهاء ومنها:

أ)-: رمي الكفار ولو تترَّسوا بِمسلمين:

فإن قتل المسلم أو التسبب فيه لا يجوز، ومع ذلك فقد أجاز الفقهاء رمي الكفار ولو تترسوا بمسلمين أي تستروا بهم وجعلوهم كالترس([83])، فقد قال الجمهور: إِنَّهُ لا يجوز فيها قتل المسلمين قصداً، ولكنهم أجازوا رمي الكفار في هذه الحال ولو أدى ذلك إلَى موت من تترس بهم من المسلمين، لكن يقصد الكفار. وَإِنَّمَا أجازوا ذلك رعاية لمصلحة الإسلام في الجهاد؛ فيقاس على ذلك رفع الأجهزة لوضعها على مريض أو مرضى آخرين أحوج لها.

ونوقش بأن هذا تغليب لمصلحة جيش المسلمين وحرصاً على مصلحة أعم فهو من باب تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ثُمَّ إِنَّهُ ضرورة فيكون عند الخوف من ظهور الكفار ولنصرة الإسلام والمسلمين.

أما في موضوع مسألتنا فليس هناك مصلحة أعم من مصلحة، وَإِنَّمَا الأصل في المسلمين أَنَّهُم مستوون في العصمة ووجوب المحافظة على الحياة.

ب)-: شق بطن المرأة إذا ماتت وفي بطنها ولد ترجى حياته.

شقّ بطن المرأة الميتة لإخراج ولدها الحيّ فيه انتهاكٌ لحرمة الميت ومخالفةً لقول الرسول صلعم: «كسر عظم الميت ككسره حياً»([84])، لكن ذلك ـ أعني شقّ بطنها ـ فيه الإبقاء على حياة الحمل المعصوم.

فعدم شقّ بطنها فيه تكريمٌ للميت والمحافظة على حرمته، لكن يترتب على ذلك القضاء على حياة الحمل وفيه مخالفة للأدلَّة الدالة على ذلك.

وقد نشأ من هذا التعارض اختلاف بين الفقهاء، فمنهم من منع شق بطنها رعايةً لمصلحة تكريمها، ورأى أَنَّهَا لا تهان لمصلحة غيرها، مع احتمال أن الحمل قد لا يخرج حياً. ومنهم من أجاز أو أوجب شقّ بطنها إذا لم يمكن إخراج الولد حياً إلا بذلك إيثاراً لجانب الحي على جانب الميت([85]).

وفيما يلي نذكر نصوص بعض الفقهاء في ذلك:

فمما قاله علماء الحنفية: قال عبد العزيز البخاري (ت730هـ) في كشف الأسرار عن أصول البزدوي([86]): “إذا خاف تلف النفس أو العضو جاز له الترخص بالمحرم صيانة للنفس أو العضو عن التلف”. وقال الطوري (عبدالقادر بن عثمان ت 1030هـ) في تكملة البحر الرائق عن النوادر([87]): “امرأة حامل اعترض الولد في بطنها ولا يمكن إلا بقطعه أرباعاً ولو لم يفعل ذلك يخاف على أمه من الموت فإن كان الولد ميتاً في البطن فلا بأس به، وإن كان حياً لا يجوز لأن إحياء نفس بقتل نفس أخرى لم يرد في الشرع…امرأة حامل ماتت فاضطرب الولد في بطنها فإن كان أكبر رأيه أنه حي يشق بطنها؛ لأنَّ ذلك تسبب في إحياء نفس محترمة بترك تعظيم الميت فالأحياء أولى”.

وقال ابن نجيم (زين العابدين بن إبراهيم ت 970هـ) في الأشباه والنظائر ([88]) “ومنها جواز شق بطن الميتة لإخراج الولد إذا كانت ترجى حياته وقد أمر به أبو حنيفة -رحمه الله- فعاش الولد كما في الملتقط، قالوا بخلاف ما إذا ابتلع لؤلؤة فمات فإنه لا يشق بطنه؛ لأنَّ حرمة الآدمي أعظم من حرمة المال وسوى الشافعية بينهما في جواز الشق”. وقال الحصكفي (علاء الدين محمَّد بن علي ت1088هـ) في الدر المختار([89]) تعليقاً على كلام ابن نجيم: “قلت: وقد قدمنا في الجنائز عن الفتح انه يشق أيضا بلا خلاف، وفي تنوير البصائر أنه الأصح فليحفظ”.

ونوقش بأن من أجاز ذلك نظر إلَى أن رعاية عصمة الدم آكد من حرمة الميت حيث إن الاعتداء على الميت بقطع رقبته أو عضوٍ من أعضائه مثلاً لا يوجب قصاصاً، وَإِنَّمَا تعمده يوجب التعزير بخلاف قتل الحي فإنَّ فيه وجوب القصاص أو الدية في الجملة فالتعارض هنا بين حرمة الحي والميت، ثُمَّ إن حياة الجنين هنا متوقفة على شق بطن الميتة، وهذا بخلاف ما نحن فيه.

ج)-: أكل المضطر لحم الآدمي الميت إذا لم يجد غيره.

إذا خاف الإنسان على نفسه الهلاك من الجوع ولم يجد إلا إنساناً حياً معصوماً لم يبح له قتله إجماعاً([90]) ولا قطع عضوٍ من أعضائه؛ لأنَّه مثلة فلا يجوز له أن يبقي نفسه بإتلاف غيره؛ لأنَّ الضرر لا يزال بضررٍ مثله ولا أكثر منه([91])،وهذا لا خلاف فيه. وَإِنَّمَا الخلاف فيما لو وجد المضطر آدمياً ميتاً هل يجوز له أكله؟ من نظر إلَى الأدلَّة الصحيحة الدالة على حرمة المسلم ومن في حكمه،وأنه يجب تكريمه حياً وميتاً قال: لا يباح للمضطر أن يأكل منه حياً ولا من جثته ميتاً ولو لم يجد غيره، ولو أدى ذلك إلَى هلاكه.

ومن أجاز الأكل نظر إلَى الأدلَّة الصحيحة الدالة على أنَّه يجب على الإنسان أن يحافظ على حياته حتى أَنَّهُ قد أبيح له أن يأكل عند الضرورة من المحرمات عليه حال الضرورة من ميتة وسواها، بل قد صرح بعضهم بأنه يجب عليه أن يأكل من ذلك إذا خشي الهلاك، فإن امتنع المضطر عن التناول ومات أثم إلا إن كان جاهلاً لأنه قادر على إحياء نفسه بما أحله الله له فلزمه أكله كما لو كان معه طعام حلال([92])، ولأن ترك تناول الميتة ونحوها حتى يموت يعتبر قتلاً للنفس وإلقاء بها إلَى التهلكة لأن الكف عن التناول فعل منسوب للإنسان ([93]).

وإليك بعض نصوصهم في هذه المسألة: الظاهر عند الحنفية أَنَّهُ لا يجوز الأكل من الآدمي لكرامته. قال السرخسي (محمَّد بن أحمد بن سهل ت 483هـ) في المبسوط([94]): “ألا ترى أن المضطر كما لا يباح له قتل الإنسان ليأكل من لحمه لا يباح له قطع عضو من أعضائه”. وفي حاشية ابن عابدين([95]) (محمَّد أمين بن عابدين ت 1252هـ): “خاف الموت جوعاً ومع رفيقه طعام أخذ بالقيمة منه قدر ما يسد جوعه،وكذا بأخذ قدر ما يدفع العطش، فإن امتنع قاتله بلا سلاح، فإن خاف الرفيق الموت جوعاً أو عطشاً ترك له البعض، وإن قال له آخر: اقطع يدي وكلها لا يحل؛ لأنَّ لحم الإنسان لا يباح في الاضطرار لكرامته”.

ونوقش بأن المسألة مثار خلاف بين الفقهاء حيث منع بعضهم الأكل للمضطر ترجيحاً لحرمة الميت، وأجاز ذلك آخرون إذا لم يجد غيرها إيثاراً لحق الحي على حق الميت([96]). ثم إن من أجازه قيده بأن يكون عند الضرورة لسد الرمق للحي وحفظاً لحياته مع ما فيه من رعايةٍ لعصمة الدم وأنها آكد من رعاية حرمة الميت، وهذا مخالفٌ لمسألتنا.

د)- ومن المسائل القرعة([97]) لإلقاء أحد ركبان السفينة إذا تعرَّضوا للغرق: استعمال القرعة في إلقاء أحد ركاب السفينة إذا خشي عليها العطب لم نظفر على نصوص كافية عن الفقهاء في نفس المسألة([98])، وهي محتملة للجواز والمنع؛ فمن أجاز ذلك قال: إنَّ مصلحة الجماعة أولى، والأخذ بأخفّ المفسدتين أسلم،ونجاة الجميع مطلوبة. وإذا لم يمكن نجاة الكلّ فعلى الأقلّ نفعل السبب لنجاة البعض، ولا يحصل ذلك إِلاَّ عن طريق القرعة لتساوي الجميع في العصمة.

ومن قال بالمنع قال: إنّ ركاب السفينة مستوون في العصمة ومحافظة كلّ منهم على حياته واجبة، فليس لهم إلقاء البعض، وَإِنَّمَا عليهم الصبر؛ لأنَّ مصلحة إنقاذ الباقين جزئية لا كلية. فمن نظر إلَى الأخذ بأخف المفسدتين أجاز، ومن نظر إلَى وجوب المحافظة على الحياة منع، وكأنه يقول إن موتهم جميعاً لا فعل لهم فيه،وأما إلقاء بعضهم في اليم فهو بفعلهم فلا يجوز مباشرته؛ لأنَّ موت من ألقي في اليم يكون بمباشرة من نفسه أو من الآخرين وهذا لا يجوز. قال ابن العربي: الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر لا يجوز فكيف المسلم، وَإِنَّمَا كان ذلك في يونس وفي زمانه مقدمةً لتحقيق برهانه وزيادةً في إيمانه، ثم إنهم لم يرموه بل رمى هو بنفسه لَـمَّا خرجت القرعة، فإنه لا يجوز لمن كان عاصياً أن يُقتل ولا يرمى به في النار والبحر.

وقال العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام: إذا اغتلم بحيث علم ركبان السفينة أَنَّهُم لا يخلصون إِلاَّ بتغريق بعض الركبان لتخف بهم السفينة، فلا يجوز إلقاء أحد منهم في البحر بقرعة ولا بغير قرعة؛ لأَنَّهُم مستوون في العصمة وقتل من لا ذنب له محرم، ولو كان في السفينة مال أو حيوان محترم لوجب إلقاء المال ثُمَّ الحيوان المحترم؛ لأَنَّ المفسدة في فوات الأموال والحيوانات المحترمة أخف من المفسدة في فوات أرواح الناس”.

وأجيب: بأن المسألة مختلفٌ فيها كما سبق، ثُمَّ إِنَّهَا لا تشبه مسألتنا من جميع الجوانب؛ فقد يقال إن من ألقي في البحر قليل فنجاة الأكثر مطلوبة، لكن من قال بجواز الإلقاء لم يشترط عدداً معيناً لإلقائه فلو كان من ألقي في البحر أكثر مِمَّن بقي في السفينة هل يقول بعدم الجواز أو يقول: إن نجاة البعض أهون من موت الجميع؟ ثم إن الاستدلال بقصة يونس u لو صح فهو استدلالٌ بشرع من قبلنا، وقد ورد من شرعنا ما يخالفه وهو من الاعتداء على النفس لا من الإيثار.

الترجيح: الراجح ترك الأجهزة على الأَوَّل؛ لأَنَّ الأصل في المسلمين أَنَّهُم مستوون في العصمة، ووجوب المحافظة على الحياة، ومن هنا فلا يقدم أحدهم على الآخر إِلاَّ بسبب، وكون انتفاع الثاني أكبر من الأَوَّل فهذا من المرجحات لكن مع الاستواء وهو غير متحقق هنا، فإن الأَوَّل يترجح جانبه بالسبق، ثُمَّ إن في رفع الأجهزة عنه ارتكابٌ لمحظور وارتكاب المحظور أعظم حرمةً من ترك المأمور، والقاعدة تقول: درء المفسدة مقدمٌ على جلب المصلحة.

2- جراحة التجميل:

 جراحة التجميل هي: جراحة تجري لتحسين منظر جزءٍ من أجزاء الجسم الظاهرة، أو وظيفته إذا ما طرأ عليه نقصٌ أو تلف أو تشوه. وتنقسم إلَى نوعين:

1- جراحة التجميل الحاجية.               

2- جراحة التجميل التحسينية.

1- جراحة التجميل الحاجية: وهي التي يراد بها إزالة عيب سواء كان في صورة نقصٍ أو تلفٍ، أو تشوه فهو ضروري أو حاجي بالنسبة لدواعيه الموجبة لفعله، وتجميلي بالنسبة لآثاره ونتائجه. وتنقسم العيوب التي يراد علاجها إلَى قسمين:

القسم الأَوَّل: عيوبٌ ناشئة في الجسم من سببٍ فيه لا من سببٍ خارجٍ عنه فيشمل ذلك ضربين من العيوب وهما:

أ- العيوب الخلقية التي ولد بها الإنسان، ومن أمثلتها: الشق في الشفة العليا، والتصاق أصابع اليدين والرجلين، وانسداد فتحة الشرج. ب- العيوب الناشئة من الآفات المرضية التي تصيب الجسم، ومن أمثلتها: انحسار اللثة بسبب الالتهابات المختلفة، وعيوب صيوان الأذن الناشئة عن الزهري والجذام والسل.

القسم الثاني: عيوب مكتسبة طارئة: وهي العيوب الناشئة بسببٍ من خارج الجسم كما في العيوب والتشوهات الناشئة من الحوادث والحروق، ومن أمثلتها:كسور الوجه الشديدة التي تقع بسبب حوادث السير، وتشوه الجلد بسبب الحروق والآلات القاطعة، والتصاق أصابع الكف بسبب الحروق.

2- جراحة التجميل التحسينية: وهي: جراحة تحسين المظهر وتجديد الشباب.

وتنقسم إلَى نوعين: عمليات الشكل، وعمليات التشبيب.

حكم الجراحة التجميلية:

1- حكم الجراحة التجميلية الحاجية: هذا النوع من الجراحة جائز لِما يلي:

1-أن أحد الصحابة اتَّخذ أنفاً بأمر النَّبِيّ e لَـمَّا قطع أنفه، وهذا دليلٌ على جواز مثل هذا النوع من الجراحة؛ فقد روى عبد الرحمن بن طرفة أن جدّه عرفجة بن أسعد «قطع أنفه يوم الكلاب فاتَّخذ أنفا من ورق فأنتن عليه فأمره النبي e فاتخذ أنفا من ذهب»([99]).

2- أن هذه العيوب تشتمل على ضرر حسي ومعنوي فيحتاج إلَى إزالته والقاعدة تقول: “الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة”.

3- قياساً على غيره من الجراحة المشروعة بجامع وجود الحاجة في كُلّ.

ونوقشت هذه الأدلَّة بأنها معارضة للنهي عن تغيير خلق الله.

والجواب من وجوه: أ-أَنَّهُ إذا وجدت الحاجة الموجبة للتغيير فيستثنى ذلك من التحريم. قال النووي -رحمه الله-: “وأما قوله المتفلجات للحسن فمعناه يفعلن ذلك طلباً للحسن، وفيه إشارة إلَى أن الحرام هو المفعول لطلب الحسن، أما لو احتاجت إليه لعلاج أو عيب في السن ونحوه فلا بأس”([100])، فإذا كان لإزالة تشويهٍ فيجوز، وأما لزيادة الحسن والجمال فلا.

الحكم الشرعي للجراحة التحسينية:

هذا النوع من الجراحة محرَّم للأدلَّة التالية:

1- أَنَّهُ تغيير لخلق الله عبثاً بلا دوافع ضرورية ولا حاجية، وهو محرم قال تعالى حكايةً عن إبليس لعنه الله في معرض الذم ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ﴾([101]).

2- لحديث عبدالله بن مسعود t قال: سمعت رسول الله e يلعن المتنمصات والمتفلجات للحسن اللاتي يغيرن خلق الله([102]). فالحديث دل على لعن من فعل هذه الأشياء وعلل ذلك بتغيير الخلقة وفي رواية: «والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله»([103]) فجمع بين تغيير الخلقة وطلب الحسن، وهذان المعنيان موجودان في الجراحة التجميلية التحسينية.

3- قياساً على الوشم والوشر والنمص بجامع التغيير في كلّ طلباً للحسن.

4- أنها تحتوي في عددٍ من صورها على الغش والتدليس وهو محرم شرعاً ففيها إعادة صورة الشباب للكهل والمسن في وجهه وجسده وذلك يؤدي لغش الأزواج والزوجات.

5- أن هذه الجراحة لا تخلو من محظورات ومنها قيام الرجال بمهمة الجراحة للنساء الأجنبيات وكشف العورة بلا حاجة، ومنها تخدير المريض وهو محرم إلا عند الحاجة ولا حاجة هنا وقد يترتب عليها ترك الطهارة لفترةٍ من الزمن بسبب تغطية العضو الذي أجريت له العملية.

6- أنها لا تخلو من الأضرار والمضاعفات النفسية والجسدية فقد ورد في الموسوعة الطبية ما نصه: (ولكنها تكون اختيارية حين تجري لمجرد تغيير ملامح بالوجه لا يرضى عنها صاحبها. وفي هذه الحالة يجب إمعان التفكير قبل إجرائها واستشارة أخصائي ماهر يقدر مدى التحسن المنشود، فكثيراً ما تنتهي هذه العمليات إلَى عقبى غير محمودة([104])).

ويقول بعض الأطبَّاء عن جراحة تجميل الثديين بتكبيرهما (هناك اتجاه علمي بأن مضاعفات إجراء هذه العملية كثيرة لدرجة أن إجراءها لا ينصح به).

3- حكم رتق غشاء البكــــــارة:

البَكارة (بالفتح): هي الجلدة التي على قُبُل المرأة، وتسمى عذرة أيضا، والعذراء: هي المرأة التي لم تفتضّ، والبكر: هي التي لم يمسها رجل، ويقال للرجل بكر إذا لم يقرب النساء، ومنه حديث: «البكر بالبكر جلد مائة ثم نفي سنة». والبكارة -كسائر أجزاء الجسد- معرضة أن تصاب بتلف كلي أو جزئي نتيجة حادث مقصود أو غير مقصود، بسبب آفة سماوية أو بسبب تصرف إنساني، وقد يكون هذا التصرف في ذاته معصية وقد لا يكون. وقد نشأت أعراف وتقاليد اجتماعية تعطي كثيرا من الأهمية والاعتبار لوجود هذا الغشاء في الفتاة البكر، وتجعله دليلا على عفَّتها، وتجعل تَمزّقه قبل الزواج عنوانا على فسادها، ويترتب على ذلك من ردود فعل عند الزوج وأهل الفتاة والناس ما يتراوح بين مجرد الظنون والشكوك، وبين تدمير الأسرة الناشئة، وإيقاع الأذى في تلك الفتاة المتهمة.

ورتق البكارة إصلاحها وإعادتها إلَى وضعها السابق قبل التمزق أو إلَى وضع قريب منه، وهو عمل الأطبَّاء المتخصصين. ولا شك في أن رتق البكارة مسألة مستجدة، لم يتناولها نص من النصوص الشرعية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ولم يتعرض الفقهاء لبيان حكمها لعدم تصورهم إمكان حدوثها في عصرهم، وليس لها مثيل في عهد التشريع حتى يمكن قياسها عليه. فلم يبق إِلاَّ النظر في روح الشرع ومقاصده وقواعده العامة، والمصالح والمفاسد التي يمكن أن تترتب على هذا التصرف.

  المبحث الأول:

المصالح والمفاسد التي يعتبر الرتق مظنة لها من حيث الجملة

المطلب الأول: المصالح التي يعتبر الرتق مظنة لها:

إذا نظرنا إلَى هذا التصرّف من حيث آثاره آخذين بعين الاعتبار ما أشرنا إليه من الأعراف الناشئة التي يترتَّب على اكتشاف تمزق البكارة كثيرا من المؤاخذات وردود الفعل، وجدناه مظنَّة لتحقيق طائفة من المصالح المعتبرة في الشرع، أهمها:

أ ـ مصلحة الستر: فإن هذا العمل الذي يقوم به الطبيب فيه معنى الستر على الفتاة، مهما كان سبب تَمزق بكارتها، حيث يخفى من أمرها ما لو اكتشف لترتب عليه كثير من الأذى. والستر لا يقتصر على مجرد الامتناع عن التبليغ فهذا ستر بالموقف السلبي، وقيام الطبيب برتق البكارة ستر بموقف إيجابي، وكلاهما يبتغي به درء الفضيحة والمؤاخذة عن المستور. وهذا المعنى لا يتمّ في حق الفتاة البكر إِلاَّ بالنوع الثاني، والنوع الأَوَّل لا ينفعها في تحقيق تلك الغاية، في ظل ما ذكرناه من العادات، وإن كان ينفع غيرها كالرجل والثيب، وسيأتي زيادة إيضاح لهذا في المبحث الثاني -إن شاء الله تعالى-والستر مقصد شرعي عظيم قررته عدَّة نصوص من السنة المشرفة. ومنها قول الرسول e: «لا يستر عبد عبدا في الدنيا إِلاَّ ستره الله يوم القيامة»،وقوله: «لا يرى مؤمن من أخيه عورة فيسترها عليه إِلاَّ أدخله الله بها في الْـجَنَّة»، وقوله: «من ستر عورة فكأنما استحيا موؤودة في قبرها», وقوله لهزال -الرجل الذي عرف أمر ماعز عندما زنى-: «لو سترته بثوبك كان خيرا لك».

ب ـ ويترتب على تحقيق مصلحة الستر مصلحة أخرى: وهي حماية بعض الأسر التي ستتكون في المستقبل من بعض عوامل الانهيار، فإذا امتنع الطبيب عن إصلاح ما فسد من البكارة وتزوجت الفتاة، وعرف الزوج أمرها كان ذلك مظنة القضاء على هذه الأسرة الوليدة في مهدهها، أو على الأقل إضعافها بالشك وفقدانها الثقة بين طرفيها، ولا شك أن إيجاد الأسرة المتماسكة بالثقة بين طرفيها مقصد شرعي.

 جـ ـ الوقاية من سوء الظن: فإن قيام الطبيب بهذا العمل يساعد على إشاعة حسن الظن بين الناس، ويسدّ بابا لو ظل مفتوحا لاحتمل أن يدخل منه سوء الظنّ إلَى النفوس، والخوض فيما حرم الله تعالى وحذر مجتمع الإيمان منه تحذيرا شديدا، وقد يترتّب على ذلك ظلم الفتيات البريئات. وإشاعة حسن الظنّ بين المؤمنين مقصد شرعي معتبر، فقد قال عزوجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾([105]). ويقول أيضا: ﴿لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾([106]). ويقول الرسول e: «إياكم والظن فإنَّه أكذب الحديث… » عن عبد الله بن عمر tما قال: رأيت النَّبِيّ e يطوف بالكعبة ويقول: «ما أطيبك وأطيب ريحك! ما أعظمك وأعظم حرمتك! والذي نفس محمَّد بيده لَحرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة منك، ماله ودمه وأن يظن به إِلاَّ خيرا».

د ـ تحقيق العدالة والمساواة بين الرجل والمرأة: وذلك أن الرجل مهما فعل من الفاحشة لا يترتب على فعله أي اثر مادي في جسده، ولا يثور حوله أي شك ما لم يثبت عليه ذلك بوسائل الإثبات الشرعية، في الوقت الذي صارت فيه المرأة البكر تؤخذ اجتماعيا وعرفيا على زوال بكارتها، حتى وإن لم يقم أي دليل معترف به في الشرع على ارتكابها الفاحشة. كذلك فإن المرأة المتزوجة أو التي سبق لها الزواج، كالأرملة والمطلقة لا تتعرض لمثل تلك المؤاخذة الاجتماعية والعرفية مهما ارتكبت من الفاحشة ما دامت البينات الشرعية قاصرة عن إثبات ما ارتكبت. ولا شك في أن تحقيق العدالة بين الناس أمام القانون الإسلامي مقصد شرعي، إِلاَّ ما ثبت استثناؤه بدليل شرعي معتبر، وليس في الشرع ولا فيما قرره الفقهاء ما يَدُلُّ على زيادة الوسائل التي تثبت بها جريمة الزنا في حقّ الفتاة البكر.

كيفية إثبات الزنى: لذلك فإننا نجد إجماعا من الفقهاء على أنَّ الزنى لا يثبت بِمجرد اكتشاف زوال بكارة المرأة لتعدد أسباب هذا الزوال، فإن لم يقترن باعتراف أو شهادة أو حمل لم يكن فيه أية دلالة على ارتكاب الفاحشة، ولا يترتب عليه أية عقوبة.

والتساوي في وسائل الإثبات في جريمة الزنا بين الرجل والمرأة: ويرى الفقهاء التساوي في وسائل الإثبات في جريمة الزنى بين الرجل والمرأة من حيث الجملة، ويرى كثير منهم أن هذا التساوي ليس له استثناء، فلا تثبت عندهم هذه الجريمة الا بشهادة أربعة رجال عدول، أو إقرار بصر عليه صاحبه إلَى حين الانتهاء من إقامة الحدّ عليه،والاستدلال الوحيد الذي اختلفوا فيه هو دلالة قرينة واحة بالنسبة للمرأة، وهو الحبل الذي يظهر على امرأة غير متزوجة، فرأى بعضهم الاكتفاء به في إثبات الزنى على المرأة، إذا لم تثر شبهة معتبرة حوله كإكراه واستغاثة بالناس ونحو ذلك. ورأى جمهورهم أنّ هذه القرينة ليست كافية في إثبات الفاحشة ما لم يصاحبها اعتراف أَو إقرار، وأما زوال البكارة فلم نجد أحدا منهم قال بإثبات الزنى به إذا لم يقترن بأدلَّة الإثبات الأخرى.

والمفروض في مجتمع يدين بالإسلام ويحكم قيمه وأخلاقه وموازينه أن لا يتهم شخصا بأدلَّة أو قرائن لا يراها الشرع ولا يقيم لها وزنا، وهذا هو التحكيم الاجتماعي لشرع الله تعالى، وينبغي أن يكون مكملا للتحكيم القانوني والقضائي لذلك الشرع ومتناسقا معه، ولا يكون الحكم بشرع الله كاملا إلا بذلك، أي بجعل الأعراف والتقاليد والمؤاخذات الاجتماعية على أي تصرف تبعا للمناهج والمؤاخذات الشرعية التي تتمثل فيما بصدره القضاء وينفذه السلطان من الأحكام. فإذا ما قامت أعراف وتقاليد اجتماعية مغايرة للقانون الإسلامي كان ذلك انحرافا في المجتمع، وينبغي تصحيحه بالتوعية الإسلامية من جهة، وعدم ترتيب أية آثار شرعية عليه من جهة أخرى، ومن جهة ثالثة ينبغي حماية المتضررين من هذا الانحراف الاجتماعي، الذين يؤاخذون بما لم يؤاخذهم به الله تعالى، في الدنيا على الأقل، ويتحملون من المضايقات بسببه ما لم يحملهم الشرع. أن الشريعة ـ كما تقدم ـ لا ترتب على المرأة التي يظهر تمزق بكارتها أية عقوبة في الدنيا، إذا لم يقترن ذلك باعتراف منها أو شهادة عدول أربعة عليها، ومع ذلك فإن طائفة من مجتمعاتنا تعاقب هذه المرأة بعقوبات تفوق في شدَّتها أحيانا ما يعاقب به الشرع امرأة بكرا ثبت عليها الزنى بالوسائل الشرعية، فتكون سببا في تدمير حياتها الزوجية أحيانا، وقد يصل الأمر في بعض المجتمعات إزهاق روحها، فتكون هذه المجتمعات بذلك قد نصبت نفسها قاضيا ظالما يحكم بما لم يأذن به الله U، وبناء على قرائن لا يعترف بها شرعه الحنيف. وإذا كان من الصعب -في كثير من الأحيان- تغيير هذه التقاليد، فلا أقل من حماية المرأة من هذا العسف الاجتماعي بإخفاء القرينة التي لم يعتبرها الشرع عن أولئك الذين يبنون عليها أحكامهم الظالمة.

هـ ـ إن قيام الطبيب المسلم بإخفاء تلك القرينة الوهمية (في دلالتها على الفاحشة) له أثر تربوي عام في المجتمع وخاص يتعلَّق بالفتاة نفسها: الأثر التربوي العام: فَأَمَّا الأثر التربوي العام فبيانه أنَّ المعصية إذا اخفيت انحصر ضررها في نطاق ضيق جدا، وقد يقتصر على فاعلها إن لم يتب عنها، فإن تاب عنها محي أثرها تماما، أمَّا إذا شاعت بين الناس وتناقلتها الأخبار فإن أثرها السيء يزداد، وتتناقص هيبة الناس من الإقدام عليها، فإن تكررت مرَّات ومرَّات ازداد ذلك التناقص إلَى أن يضمر الحس الاجتماعي بآثارها السيئة، فإذا وصل الأمر إلَى هذا الحد صار من الهين على أفراد المجتمع الإقدام على هذه المعصية، ولقد قيل في الأثر: “إنَّ المعصية إذا خفيت لم تضرّ إِلاَّ صاحبها، فإذا أعلنت ولم تنكر أضرّت بالعامة”. ولعلَّ هذا المعنى بعض من حكمة الستر الذي حث عليه الإسلام ـ كما تقدم ـ ولعله حكمة من حكم التشدد في إثبات فاحشة الزنا ودرئها عن المتهم بأدنى شبهة، وحكمة من حكم العقاب الجسيم الذي شرعه الإسلام لمن رمى الناس بها بغير دليل معتبر. فإن من مقاصد هذه التعاليم والأحكام الشرعية ضرب الحصار حول المعاصي والفواحش التي لم تثبت بالأسلوب الشرعي في الإثبات، ولم تعرض على القضاء حتى لا تتسرب روائحها الخبيثة إلَى الناس، فتثير ردود فعلهم في بادئ الأمر، فإذا كثرت وطغت اعتادوا عليها وصارت أمرا غير مستنكر ولا مستقبح، ولا يسوغ في الإسلام إعلان المعاصي وفكّ الحصار الذي ضربه حولها بتلك التعاليم إلا لسبب وحد هو أن تعرض على القضاء وتثبت أمامه بالوسائل المشروعة، وعندئذ يوفى العاصي عقوبته على مرأى من الناس ومسمع منهم،إذ يصبح إعلان العقوبة عندئذ وسيلة لإبقاء المعصية الثابتة المعلنة في حيِّز دائرة الاستنكار من نفوس الناس. والطبيب عندما لا يقوم بالستر على الفتاة بطمس علامة سيتخذها الزوج في المستقبل ومن بعده الناس دليلا على الفاحشة، مع أَنَّها في الحقيقة وفي الشرع ليست كذلك، إنَّما يحقق ذلك المقصد الشرعي ويعرقل تطبيعا غير مقصود لتقبل المعاصي على المدى الطويل قد يقع فيه الحسّ الاجتماعي.

الأثر التربوي الخاص: بالفتاة نفسها ذلك أنَّ الطبيب برتقه بكارتها إِنَّمَا يشجعها على التوبة وييسر أمرها عليها، على فرض وقوعها في المعصية، ويثبتها على العفاف الذي كانت عليه على فرض أن تمزق بكارتها لم يكن بسبب معصية. وَأَمَّا إحجامه عن ذلك وإيصاد الباب أمام الفتاة في إزالة أثر يحاسب عليه المجتمع أشدّ الحساب، فإن لم يكن إيمانها بالله تعالى واليوم الآخر راسخا فإنَّها قد تندفع بردّ فعل معاكس إلَى هاوية الرذيلة، وارتكاب الفاحشة مرات ومرات وبخاصة أَنَّها لا تخشى من زوال العلامة التي ترضي المجتمع وتقنعه بالعفة والاستقامة بعد أن فقدتها بسبب لا يد لها فيه أو بغلطة غلطتها، وهذا في الوقت الذي ستمنع فيه عن الزواج وترفض الخطاب بأعذار تختلقها، ويكون في ذلك ضياعها وتوظيفها وسيلة فساد وإفساد في المجتمع، مع أن استصلاحها كان مُمكنا لو أن الطبيب استجاب لاستغاثتها من أوَّل الأمر.

المطلب الثاني: المفاسد التي يعتبر الرتق مظنة لها:

1- الغش والخداع: الذي يتبادر إلَى الذهن في أوَّل الأمر أن قيام الطبيب برتق بكارة فتاة عمل فيه تمويه وخداع لمن يريد الزواج بهذه الفتاة في المستقبل، حيث يحجب عنه علامة قد تكون أثرا من آثار سلوك شائن وقعت فيه تلك الفتاة، لو عرفه منها قبل الزواج لَـما تزوجها، ولو عرفه عند الدخول بها لَـمَّا استمر معها في الحياة الزوجية، احتياطا لنسله، وخوفا من أن تدخل عليه من الأولاد من ليس من صلبه. وبخاصة أن الله تعالى قد وجه المؤمنين في كتابه الكريم إلَى أَنَّه لا ينكح الزانية أو المشركة إلا زان أو مشرك، فقال U: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾([107]). وقد نقل عن بعض العلماء أن الزاني إذا تزوَّج عفيفة، وأن الزانية إذا تزوجها عفيف فرق بينهما عملا بظاهر الآية. والطبيب برتقه غشاء البكارة قد يكون سببا في استمرار الزواج في زواج لا يشجع الشرع على استمراره حسب الفهم السابق للآية الكريمة.

2-تفويت الْـحَقّ في الفسخ عند اشتراط العذرية: ومن جهة أخرى فإن بعض الفقهاء قد ذهبوا إلَى أن للزوج الْـحَقّ في فسخ الزواج إذا كان قد اشترط على الزوجة أَنَّها عذراء فتبين خلاف ذلك، فيكون الطبيب بعمله قد فوت على مثل هذا الزوج حقه في الفسخ، وغشه في ذلك حيث أوهمه بالعذرية المصطنعة أن شرطه متحقق في الفتاة التي تزوجها.

3-تشجيع الفاحشة: كذلك قد يتبادر إلَى الذهن أن رتق الطبيب لغشاء البكارة يؤدّي إلَى تشجيع فاحشة الزنى في المجتمع، وذلك أَنَّه بهذا العمل يزيل كثيرا من التهيب والشعور بالمسؤولية الذي ينتاب عادة أية فتاة تحدثها نفسها بارتكاب هذه الفاحشة،فإنها إذا علمت أن فعلتها سوف تترك آثارا في جسمها يرتب عليها المجتمع عقوبات قاسية، وإن استطاعت أن تفلت من العقوبة الشرعية المفروضة على مثل هذه الجريمة، إذا علمت ذلك، وأحست بمخاطر المستقبل المنتظر على فرض وقوعها في الزنى أحجمت عنه إيثارا للسلامة في الدنيا على الأقل. أما إذا علمت أن بإمكانها التخلص من آثار جريمتها، بإصلاح ما أفسدته تلك الجريمة، تناقص إحساسها بالمخاطر المستبلية، وشجعها ذلك على الإقدام على المعصية، وهذا يتنافى مع روح الشريعة في مكافحة الزنى، وسدّ جميع الأبواب التي توصل إليه بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فكان تشريع حدّ الزنى والأمر بستر العورات، والنهي عن خلوة الرجل بالمرأة، والنظر إليها وسفرها من غير محرم، وغير ذلك.

4- كشف العورة: وذلك أن فرج المرأة وما حوله عورة مغلظة عند جميع الفقهاء، ولا يجوز النظر إليه ولا لمسه لغير الزوج، سواء اكان الناظر رجلا أم امرأة، والرتق يقتضي النظر واللمس قطعا. وكشف العورة، وبخاصة المغلظة منها لا يحل إِلاَّ لضرورة أو حاجة، والطب لم يكتشف بعد أية فائدة صحية للبكارة، فالحاجة المقتضية لحل الكشف غير متوفرة، اللهم إِلاَّ إذا حدث نزيف نتيجة تمزق البكارة.

 المبحث الثاني:

بيان تفاوت تلك المصالح والمفاسد بالنظر إلَى أسباب التمزق والموازنة بينها:

تلك هي المفاسد والمصالح التي يعتبر الرتق مظنة لها بصورة عامة، ولكن مدى تحققها في الواقع يختلف باختلاف الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلَى فساد غشاء البكارة. ولمعرفة ذلك يمكن تصنيف هذه الأسباب إلَى ثلاثة أصناف:

الأَوَّل: أسباب -غير وطء النكاح-لا تعتبر في ذاتها معاصٍ.

الثاني: ارتكاب فاحشة الزنى دون إكراه.

الثالث: وطء النكاح وما يلتحق به.

ونبحث المصالح والمفاسد التي يحتمل أن تترتب على رتق البكارة المتمزقة بكلّ سبب من هذه الأسباب في ثلاثة مطالب:

المطلب الأَوَّل: الصنف الأوَّل:

 وهي الأسباب التي لا تعتبر في ذاتها معاصٍ، ولا يترتَّب عليها إثم أخروي، بل قد تكون أسبابا للمغفرة وحط الخطايا؛ لأنَّها حوادث وآفات ومصائب تصيب الفتاة فتؤدي إلَى تمزق بكارتها، كالسقطة والصدمة، والحمل الثقيل وطول العنوسة، وكثرة دم الحيض والخطأ في بعض العمليات التي يكون الغشاء محلاّ لها، ونحو ذلك. ويلتحق بذلك الاغتصاب الذي قد يقع على الفتاة، وإن كانت بالغة راشدة، فَإِنَّهَا لا حيلة لها فيما يصيبها نتيجة هذا الإكراه. وكذلك الزنى الذي قد تَقع فيه نائمة أو جارية صغيرة بناء على مخادعة أو غير ذلك، فإن المسؤولية في الدنيا والآخرة مرفوعة عن الصغار مهما ارتكبوا من معاصي، وعن المكرهين على فعلها، حيث قال رسول الله e: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبيّ حتى يعقل، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق»، وقال: «وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».

أ ـ مصالح رتق هذا الصنف: إنّ إصلاح تَمزق البكارة الناشئ عن هذا النوع من الأسباب مظنة لتحقيق جميع ما تقدم من المصالح في المبحث الأول بصورة كاملة؛ لأنَّ الفتيات اللواتي يقعن في مثل هذه الأسباب أحق بالنظر والرعاية والمساعدة، وهن معذورات عند الله تعالى وعند الناس، فالستر مثلا إذا كان أمرا مندوبا بالنسبة لمن وقعن في الفاحشة بالفعل، لما تقدم من النصوص الشرعية، فلأن يكون كذلك بالنسبة لهذا الصنف من الفتيات أولى بكثير، إذا لم يقعن في فاحشة أصلا، أو لم يكن لهن اختيار عند الوقوع فيها، والتستر عليهن يحميهن من مؤاخذات ظالمة.

2- مصلحة حسن الظن: وَأَمَّا مصلحة حسن الظن فإن تصرّف الطبيب مع هذا الصنف من الفتيات بإزالة أثر الحادث الذي يتعرضن له يسهم إلَى حد كبير في تحقيق هذه المصلحة، حتى يَمحو بتصرفه هذا مبررا وهميا قد يدفع أفراد المجتمع ـ لو بقى ـ إلَى سوء الظن ببعض بناته.

3-مصلحة درء المفاسد: وهو من جهة أخرى يشجع هذا الصنف من الفتيات على مواصلة الاستقامة، ويسدّ بابا قد ينفذ منه الشيطان إلَى نفوسهن لو لم يستجب إلَى ما طلبن من العون والمساعدة.

4- مصلحة حماية الأسرة: ومن جهة رابعة يحتمل أن يكون تصرف الطبيب هذا سببا في إنقاذ المجتمع، وكذلك الأزواج الذين قد يرتبطون بهذا الصنف من الفتيات من ردود فعل تجاههن ليس لها أي مبرر، ومن ظلم لهن كانوا سيقعون فيه لو وقف الطبيب موقفا سلبيا.

ب ـ مفاسد الرتق لهذا الصنف: وَأَمَّا مفاسد الرتق لهذا الصنف فهي ضئيلة إذا ما قيست بتلك المصالح، وبيان ذلك فيما يلي:

1ـ غشّ الزوج: إنّ النوع الأوّل من المفاسد التي سبق ذكرها، وهو غش الزوج وخداعه غير موجود في هذا التصرف؛ لأنَّ الغش إِنَّمَا هو إخفاء عيب أو نقص في المحل بحيث يبدو أمام طالبه خاليا من هذا العيب، فيترتب عليه الإضرار بذلك الطالب، فإذا كانت الفتاة قد تمزقت بكارتها بسبب لا يعدّ معصية، ولا عيبا في عرف الشارع ولا في عرف الناس، ثُمَّ قام الطبيب بإصلاح ذلك الخلل لم يكن بذلك غاشا للزوج؛ لأنَّ العيب في الفتاة إما أن يكون خلقيا وإما أن يكون خلقيا، والفتاة التي تَمزّقت بكارتها بحادث أو رغما عنها ليس فيها أيّ عيب خلقي، وإنَّما حدث فيها عيب طفيف في الجسد فإذا أصلح الطبيب، وأعاده إلَى سابق خلقته فإن ذلك إظهار للحقيقة، ووضع للأمر في نصابه، وليس في فعله إخفاء عيب كان موجودا في الفتاة، بل حقيقته منع الوقوع في الوهم وسوء الظنّ، حيث إنَّ إحجامه عن رتق البكارة سيؤدي إلَى اتهام الفتاة بما لم تقع فيه، وتعريض الزوج والناس إلَى الوقوع في الإثم بسبب هذا الاتهام. وفعله هذا لا يقل في استجلاب الأجر عن الفتاة من مفاسد معنوية كثيرة تفوق ما يترتب على الجرح العادي أو تمزق غشاء آخر من أغشية الجسم الآدمي.

ومن الناحية الفقهية فإنّ الفقهاء يكادون يتفقون على أن فوات وصف العذرية لا يعتبر عيبا يستوجب فسخ عقد النكاح إذا لم يشترطه الزوج بصراحة.وبناء على ذلك فإنّ الطبيب برتقه بكارة الفتاة، لا يكون قد فوت على من سيتزوجها حقه في الفسخ.

إذا اشترط البكارة فكانت الفتاة خلاف ذلك: أما إذا اشترط الخاطب أن تكون الفتاة بكرا، فبانت ثيبا، وكان سبب ثيوبتها ما تقدّم ذكره من وثبة أو حدة حيض أو تعنيس أو حمل ثقيل، لم يكن للزوج حقّ الردّ عند جمهور الفقهاء؛ لأنَّ البكر عندهم هي التي لم توطأ في عقد نكاح. وهذه الفتاة التي زالت بكارتها بغير وطء في نكاح يصدق عليها أَنَّها بكر، وبالتالي لا يكون الطبيب قد فوت حقّا للزوج، وإن اشترط البكارة عند الزواج.

عند اشتراط العذرية ثُمَّ كان الأمر خلاف ذلك: نعم ذهب بعض الفقهاء إلى أَنَّ للزوج فسخ العقد إذا اشترط أن تكون عذراء، وهو أخصّ من شرط البكارة، إذ يعني على التحديد أن يكون غشاء البكارة موجودا، قالوا: لأنَّ وصف العذرية وصف مرغوب فيه عند الناس، فإذا اشترطه أخذ بالاعتبار وترتب على تخلفه ثبوت الخيار للزوج في الرد وعدمه، مثل بقية الأوصاف التي يرغب فيها الناس فإن كانت مَحلّ اشتراط لم تتحقّق ثبت الخيار، كما لو اشترط أن تكون بيضاء فبانت سوداء، أو اشترط أن تكون كبيرة أو صغيرة، أو ضعيفة السمع أو البصر، فإذا هي خلاف ما شرط، وهذا قول بعض الفقهاء.

ورأى آخرون عدم ثبوت الخيار للزوج مهما اشترط، إذا لم يتبيَّن فيها عيب من العيوب المحددة التي تستوجب الخيار من غير اشتراط.

وهذه الحالة المحددة التي أعطى فيها بعض الفقهاء للزوج حق الرجعة لا تنقض ما ذكر من أن رتق الطبيب لبكارة تَمزَّقت بسبب ليس فيه معصية لا يضيع حقا لأحد، وليس فيه أي نوع من الغشّ؛ لأنَّ فعله هذا ليس فيه تدليس على الزوج، حيث لم يفوت عليه الوصف الذي اشترطه، وإنَّما كان سببا في تحقيق هذا الوصف في الوقت الذي لم يستر برتقه البكارة على عمل مشين أو معصية كانت الفتاة قد ارتكبتها، وهو في ذلك كالطبيب الذي تأتيه فتاة فاقدة السمع أو البصر، فيجري لها عملية تعيد إليها سمعها أو بصرها، ثُمَّ يتقدَّم لخطبتها شخص، ويشترط أن تكون مبصرة أو سميعة، ثُمَّ يتبين له أَنَّهَا كانت في وقت ما عمياء أو صمَّاء، فليس له أن يفسخ الزواج بناء على ذلك.

تشجيع الفاحشة: لا شكَّ أن قيام الطبيب بإصلاح غشاء البكارة الذي تمزق بهذا الصنف من الأسباب لا يترتَّب عليه أي معنى من معاني التشجيع على فعل الفاحشة، إذ المفترض أن الفتاة لم تقع في فاحشة أصلا، لو لم تعص ربَّها I بما وقع عليها رغما عنها. وامتناع الطبيب عن الرتق ليس فيه أي معنى من معاني الزجر عن الوقوع في فاحشة الزنى؛ لأنَّ الزجر لا يتأتَّى إِلاَّ بالنسبة للعصاة. وقد عرفنا ذلك من تجاوز الشرع عن المكرهين والمضطرين والمخطئين، حيث رفع عنهم المسؤولية والعقاب، لِما فيه من الظلم أوَّلا، ولعدم جدواه ثانيا. بل إنَّ هذه المفسدة، وهي تشجيع الفاحشة، قد تكون أثرا لامتناع الأطبَّاء عن الرتق، كما أشرنا إليه فيما سبق؛ لأنَّ الفتاة التي تجد نفسها وقد زال دليل عذريتها وأغلقت الأبواب أمام إعادته، في مجتمعات تؤخذ على ذلك، ستكون أقرب إلَى مطاوعة الشيطان والوقوع في الفاحشة، في زمن انتشرت فيه الوسائل الكفيلة بالوقاية من القرينة الأكثر دلالة على تلك الفاحشة وهي الحمل، مع ملاحظة ما ركب في ابن آدم وبناته من الغريزة الجنسية، التي لاحظها الشارع في تشجيع الزواج. وهذه الفتاة تخشى من الأقدام على الاتصال المحرم الذي يُمكن ببعض الاحتياط أن يكون مستورا.

3 ـ كشف العورة: وَأَمَّا مفسدة كشف العورة والنظر إليها فلا شك في وجودها في الرتق مهما كان سبب التمزق.

رأي الفقهاء في كشف العورة: غير أنَّ الفقهاء أجازوا كشفها والنظر إليها إذا وجدت حاجة أو مصلحة راجحة أو ترتب على الكشف دفع مفسدة أَعظم من مفسدته، يقول العز بن عبد السلام: “كشف العورات والنظر إليها مفسدتان محرَّمتان على الناظر المنظور إليه، لِما في ذلك من هتك الأستار، ويجوزان لِما يتضمَّنانه من مصالح الختان أو المداواة أو الشهادات على العيوب، أو النظر إلَى فرج الزانيين لإقامة حدود الله، إن كان الناظر أهلا للشهادة بالزنى وكمل العدد…”. وبناء على ذلك وما دامت المصالح التي سبق ذكرها قائمة، وما دام تمزّق البكارة مظنَّة قوية لترتّب مفاسد تصف الفتاة والمجتمع، فإن الحاجة إلَى الكشف عن العورة في هذه المسألة جائز، ولا تقلّ عن تلك الحاجات التي ذكرها الفقهاء واعتبروها مبررات لكشف العورات والنظر إليها.

نتيجة الموازنة بين المصالح والمفاسد في هذا الصنف: بعد ذلك التجليل لما يترتب على قيام الطبيب بإصلاح بكارة تمزقت بغير معصية من مصالح ومفاسد يتبين أن كفة المصالح التي يحققها ذلك ا لتصرف راجحة رجحانا كبيرا وأمام هذا التحليل يغلب على الظن إمكان القول بجواز ذلك، واستحباب الستر على الفتاة برتق بكارتها، ولو لا أن ما ذكر من المفاسد المترتبة على الاحجام محتملة وليست مؤكدة الوقوع لكان القول بالوجوب مُمكنا؛ لأنَّ دفع المفسدة التي يغلب على الظنّ وقوعها، إذا تعيَّن على أحد كان واجبا شرعيا عليه. هذا ولا يكفي في الستر على هذا الصنف من الفتيات أن يقف الطبيب من حالتهن موقفا سلبيا بأن يحفظ سرّهن ولا يبلغ عنهنَّ؛ فإنَّ ذلك مجرَّد تأجيل لِما يستلصق بهنَّ من الفضيحة، وما سيحيق بهنَّ من الآثار السيئة. وكذلك لا يكفي في الستر ودفع الأذى عنهنَّ أن يحرِّر لهنَّ شهادة طبية بسبب التمزق دون إصلاح الغشاء؛ لعدم فاعلية هذا الإجراء في الواقع، وعدم كفايته في إقناع زوج المستقبل ببراءة زوجته، وعدم إقناع المتسامعين بذلك من الناس؛ فإنَّ شيطان الشكّ في قضايا العرض أقوى من أن يدفع بِمثل هذا. وبذلك يتعيَّن على الطبيب لدفع الشرِّ والأذى -إذا كان يغلب وقوعه في مجتمع من المجتمعات-أن يقوم بإصلاح غشاء البكارة في هذه الحالات إذا كان ذلك بإمكانه، ويرجى له بذلك أن يكون مأجورا غير مأزور إن شاء الله تعالى، ولا يقلّ أجره في هذا عن أجره فيما يقوم به من علاج للمرضى العاديين.

المطلب الثاني: الصنـــف الثانــي

قد يكون سبب تمزق البكارة زنى وقعت فيه الفتاة باختيارها: وهي بالغة عاقلة: فما مدى ما تحقق من المفاسد والمصالح على إصلاح الطبيب لهذا التمزق؟ أغلب الظنّ أن الإجابة على هذا السؤال تقتضي التمييز بين صورتين:

-الأولى: أن تكون الفتاة قد ظهر زناها وعرف بين الناس كالبغي التي اشتهرت بالفاحشة: والتي صدر عليها حكم قضائي بالزنا.

-الثانية: أن لا تكون كذلك: وإنَّما زنت مرة واحدة: ولم يفتضح أمرها بين الناس: ولا عرض على القضاء.

ونبحث هاتين الصورتين في الفرعين الآتيين:

الفرع الأَوَّل: إصلاح بكارة تَمزَّقت بسبب زنى ظهر أمره:

في هذه الصورة لا يترتب شيء من المصالح على رتق بكارة أمثال تلك المرأة؛ لأنَّ ما تقدَّم ذكره من المصالح ودفع المفاسد المترتبة على الرتق مبناه في جملته على استتار أمر الفتاة وعدم افتضاحه؛ فإذا كان الأمر مفتضحا لم يكن الستر عليها مجديا، ولا يكون لهذا الإصلاح أيّ أثر في إشاعة حسن الظنّ بين الناس؛ لأنَّ دوافع سوء الظنّ قد وجدت بشيوع أمر الفاحشة، وكذلك لا يكون لهذا الرتق أي أثر في منع ردود الفعل الاجتماعية، ولوجود سبب آخر لإثارة هذه الردود، والطبيب لا يقدر على إخفاء هذا السبب. وهكذا فإن رتق غشاء البكارة لهذا الصنف من النساء يخلو من أيَّة مصالح: في الوقت الذي لا يخلو من المفاسد: والتي أقلها كشف العورة بدون مبرر يقتضي ذلك وبهذا النظر يتبيَّن أنَّ مفاسد الرتق لهذا الصنف من النساء هي الراجحة، والقول بتحريمه أقرب إلَى روح الشرع من القول بجوازه. وقد يتأيَّد هذا بِما قرَّره العلماء من أن العصاة الذين يندب الستر في حقِّهم هم أولئك الذين لم تتكرَّر منهم المعصية، ولم تعرف عنهم: وأما الذين تكررت معصيتهم فالأولى الإخبار عنهم وعدم سترهم.

رأي العلماء فيمن عرف بين الناس بالزنى: كما قد يتأيد بما قاله بعض العلماء من أن (من كان معروفا بالزنى أو بغيره من الفسوق معلنا به: فتزوج إلَى أهل بيت ستر وغرهم من نفسه فلهم الخيار في البقاء معه أو فراقه، وذلك كعيب من العيوب)؛ واحتج بقول الرسول e: «لا ينكح الزاني المجلود إِلاَّ مثله». وإنَّما ذكر المجلود لاشتهاره بالفسق، وهو الذي يجب أن يفرق بينه وبين غيره؛ فَأَمَّا من لم يشتهر بالفسق فلا. هذا والتحق بهذا الصنف من كان أمرها معروضا على القضاء، وإن لم يصدر بعد حكم قضائي يدينها بالزنى؛ لأنَّ وجود البكارة غير مُمزَّقة يعتبر تدرأ العقاب عن المرأة عند جمهور الفقهاء، وإن شهد عليها أربعة رجال عدول؛ ففي هذه الحالة يُمكن أن يتَّخذ الرتق وسيلة لتكذيب الشهود أو التشكيك في شهادتهم بغير حق: فلا يجوز.

الفرع الثاني: إصلاح بكارة تمزقت بسبب زنى لم يظهر أمره.

المصالح المترتبة على رتق هذا الصنف: في هذه الصورة: حيث لا يكون زنى الفتاة معروفا بين الناس: ولم يصدر عليه به حكم قضائي فإن معظم ما ذكر في أوَّل هذا البحث من المصالح التي تترتب على رتق البكارة مرجو تحققه: وذلك أن الستر الذي حث عليه الإسلام محله عندما يكون العصاة مستترين غير مجاهرين كأمثال هذه الفتاة.فإن وضع في موضعه ترتبت عليه تلك المصالح: والإحجام عن العود إالى الفاحشة ومظنة لإشاعة حسن الظن بين المؤمنين: والوقاية من سوء الظن بهم: والحيلولة دون ردود الفعل الاجتماعية التي أشير إليها في المبحث الأول: وتحقيق العدالة أمام قانون وسائل الإثبات الشرعي: بين أصناف النساء من جهة وبينهن وبين الرجال من جهة أخرى، وغير ذلك.

ولكن ما مدى تحقق ما ذكر من مفاسد لهذا الصنف؟

1- غش الزوج: قد يظن لأوَّل وهلة أن الرتق في هذه الصورة سيؤدي إلَى غش من سيتزوج الفتاة وخداعه؛ لأَنَّ الاطمئنان إلَى براءة الزوجة من الفاحشة أمر مقصود للزوج، وطمس ما يَدُلُّ على عكس هذه البراءة يفوت عليه ذلك المقصود، ويخفي عنه حقيقة عروسه.

مناقشة هذه المفسدة: وقد يبدو هذا أمرا ظاهرا غير أن قدرا من النظر يكشف عدم صحة هذا الظاهر في الواقع، ويبين أن فعل الطبيب بالنسبة لهذه الفتاة الزانية برتق بكارتها ليس فيه أي خداع من الناحية الشرعية لمن سيتزوجها في المستقبل. نعم، لا جدال في أن طمس ما يَدُلُّ على عيب من العيوب في شيء ما يعتبر تغريرا لطالب هذا الشيء، إذا كان ذلك الطمس سببا لخفاء العيب على ذلك الطالب. ولكن حقَّقة عمل الطبيب ليس فيه طمس لِما يَدُلُّ على زنى الفتاة، إذ المقصود بالدليل المطموس هنا، والذي يكون في إخفائه تغرير، الدليل الشرعي وليس مجرد القرائن والأدلَّة التي تعارف عليها الناس، بالرغم من أهدار الشرع لها وعدم اعتبارها. والطبيب عندما يعيد غشاء البكارة إلَى ما كان عليه لا يطمس دليلا اعتبره الشارع مفيدا لوقوع الزنى؛ لأَنَّ غشاء البكارة لا يَدُلُّ عدم وجوده على زنى المرأة بإجماع الفقهاء كما تقدَّم. ولو أن الطبيب ترك الفتاة، ثُمَّ تزوجت وليس لها بكارة، ما كان للزوج شرعا أن يتهمها بالزنى، ولا أن يردها. بل إن هذا لا ينبغي أن يعتبر مبررا للتطليق -بينه وبين الله تعالى-؛ لأَنَّ مبناه على ظنّ سيء، وليس على غلبة ظنّ؛ فإن هذه لا تكون إِلاَّ ثَمرة لقرينه شرعية، وليس لمجرد قرينة عرفية لم يعترف بها الشرع، فالطبيب بالرتق لم يغرر بالزوج؛ لأَنَّهُ لم يحجب عنه دليلا، أو قرينة يعتبرها الشرع دالة على الزنى، ومفيدة للعلم أو غلبة الظن بارتكاب الفاحشة. وبهذا النظر يتبين أن مفسدة التغرير في فعل الطبيب برتق البكارة مفسدة موهومة، ولا ينبغي أن يبنى عليها حكم بالتحريم.

2- تشجيع الفاحشة: وَأَمَّا المفسدة الأخرى، وهي احتمال تشجيع الفاحشة، بقيام الأطبَّاء بعمليات الرتق، فهي مفسدة موهومة أيضا؛ لأَنَّ هذا الاحتمال مبناه على إبطال هذا التصرّف لفاعلية الأثر الزجري لردود الفعل الاجتماعية التي كونتها العادات والتقاليد عند اكتشاف فتاة ذهبت بكارتها دون معرفة الأسباب،وقد تقدم أن هذه الردود ليس لها مستند شرعي بالنسبة للفتاة المجهولة الحال، والتي لم يثبت عليها فِعل الفاحشة بدليل معتبر شرعا، ولم تكن بغيا مشهورة، وأنَّها عقوبات زائدة على العقوبات المشروعة، ومبنية على قرائن غير شرعية. وكونها مفيدة في بعض الحالات لا يبررها؛ لأَنَّ الأثر الزجري للزيادة على العقوبات الشرعية أو على وسائل إثبات موجبات هذه العقوبات لا يبرر هذه الزيادة؛ فإن الزيادة على الحدود الشرعية مثلا يعطي أثرا زجريا أقوى، ومع ذلك فَإِنَّهَا محرَّمة بإجماع الفقهاء، وإن التساهل في إثبات موجبات هذه الحدود قد يكون له أثر زجري أبلغ من التشدد في إثباتها، ومع ذلك اختار الشارع الطريق الثاني، وأهمل الأَوَّل ودرأ الحدود بالشبهات. ولو كانت العادات والتقاليد منطبقة تَمام الانطباق على الوضع الذي يتطلبه الشرع عند اكتشاف فتاة تَمزقت بكارتها، بحيث لا تكون ردود فعل لهذا الاكتشاف، لما كان احتمال تشجيع الفاحشة واردا على قيام الأطبَّاء بعمليات الرتق.

إشكال وردّه: وقد يقول قائل: إنَّ الله U قد وجهنا في كتابه الكريم إلَى وجوب الحيلولة دون ارتباط العفيفين والعفيفات بالزناة والمشركين؛ فقال تبارك وتعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقول ابن القيم الجوزية: “فقد صرَّح الله I بتحريمه في سورة النور، وأخبر أن من نكح الزانية فهو إما زان أو مشرك، فإنَّه إِمَّا أن يلتزم حكمه سبحانه ويعتقد وجوبه عليه أو لا، فإن لم يلتزمه ولم يعتقده فهو مشرك، وإن اعتقد وجوبه وخالفه فهو زان، ثُمَّ صرَّح بتحريمه فقال: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولا يخفى أن دعوى النسخ للآية بقوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾ من أسخف ما يقال: وهو سبحانه إِنَّمَا أباح نكاح الحرائر والإماء بشرط الإحصان، وهو العفة، فقال: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾؛ فَإِنَّمَا أباح نكاحها في هذه الحالة دون غيرها. وأيضا: فَإِنَّهُ I قال: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾، والخبيثات: الزواني، وهذا يقتضي أن من تزوج بهنَّ فهو خبيث مثلهن. وأيضا: فمن أقبح القبائح أن يكون الرجل زوج بغي، وقبح هذا مستقر في فطر الخلق، وهو عندهم غاية المسبة. وأيضا: فإن البغي لا يؤمن أن تفسد على الرجل فراشه، وتعلق عليه أولادا من غيره، والتحريم يثبت بدون هذا”. وقيام الطبيب برتق غشاء البكارة لامرأة زانية قد يؤدّي إلَى الوقوع فيما يتنافى مع هذا التوجيه الرباني الذي فسَّره ابن القيم فيما سبق، وهو ارتباط رجل عفيف بامرأة زانية، وبقاؤه معها؛ لِما يجد من عذريتها. ولو أَنَّهُ امتنع عن ذلك لكان بامتناعه أقرب إلَى التزام هذا التوجيه القرآني؛ لبقاء احتمال مفارقة الزوج لها إذا اكتشف عدم عذريتها، وبهذه المفارقة يكون النصّ القرآني قد وضع موضع التنفيذ.

الجواب عن هذا القول من عدة وجوه:

الوجه الأَوَّل: زناها لم يثبت بدليل شرعي، إن معظم الفقهاء لا يرون تطبيق هذا النصّ على امرأة زانية بالفعل ولكن زناها لم يثبت بدليل شرعي معتبر من شهادة أو اعتراف أو حبل، وأن هذه المرأة لا يجوز أن تنعت بالزنى، ومن نعتها بذلك عد قاذفا واستحق الجلد وردّت شهادته. ولو أن ثلاثة شهدوا على امرأة بالزنى وكانوا أعدل الناس ولم يشهد عليها رابع لكان فرضا على الناس بما فيهم الشهود أن يعاملوها في الدنيا بأنَّها عفيفة، وأمرها إلَى الله U. وتمزق غشاء البكارة لا يساوي في دلالته على الزنى عشر معشار رؤية أولئك العدول. وبناء على ذلك لا يوجد أي وجه لتطبيق النصّ عليها في الحياة.

الوجه الثاني: الاختلاف في تأويل الآية، وهو أن العلماء اختلفوا في تأويل الآية السابقة اختلافا كثيرا، وأكثرهم لم يحملها على المتبادر منها، كما حملها ابن القيم وبعض العلماء؛ فقد نقل الشوكاني والقرطبي للعلماء فيها خمسة أقوال:

1ـ أن الآية منسوخة، فقد روى مالك عن يحيى بن سعيد بن المسيّب قال: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ نسخت هذه الآية التي بعدها ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾ حيث دخلت الزانية في أيامى المسلمين، قال أبو جعفر النحَّاس: وهذا القول عليه أكثر العلماء. وأهل الفتيا يقولون: إنَّ من زنى بامرأة فلَه أن يتزوَّجها ولغيره أن يتزوَّجها. وهو قول ابن عمر وسالم وجابر بن زيد([108]) وعطاء وطاوس ومالك بن أنس وأبي حنيفة وأصحابه. وقال الشافعي، القول فيها كما قال سعيد ابن المسيّب، إن شاء الله هي منسوخة.

2- معنى النكاح هاهنا الوطء، والمراد أن الزاني لا يطاوعه على فعله ويشاركه في مراده إِلاَّ زانية مثله أو مشركة لا تحرم الزنى.

3- أن الآية على المثبت زناهما شرعا، أن الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية مجلودة أو مشركة، وكذلك الزانية.

4- أنها كانت في نسوة بغايا، كان الرجل يتزوج إحداهن على أن تنفق عليه مِـمَّا كسبته من الزنى، واحتجَّ أهل هذا القول بما ورد أن الآية نزلت في مرثد بن أبي مرثد، كان يحمل الأسارى بمكة، وكان فيها يقال لها: “عناق”، وكانت صديقته، فجاء إلَى النبي e وسأله أن ينكحها، فنزلت الآية، قالَ الخطابي، هذا خاص بهذه المرأة إذ كانت كافرة، فَأَمَّا الزانية المسلمة فإنَّ العقد عليه لا يفسخ. وقيل: إِنَّهَا مخصوصة في رجل من المسلمين أيضا استأذن رسول الله e في نكاح امرأة يقال لها: “أم مهزول” وكانت من بغايا الزانيات، وشرط أن تنفق عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: إِنَّهَا نزلت في أهل الصفة، وكانوا قوما من المهاجرين، ولم يكن لهم في المدينة مساكن ولا عشائر فنزلوا في صفة المسجد، وكانوا أربعمائة رجل يلتمسون الرزق بالنهار، ويأوون إلَى صفة المسجد بالليل، وكان بالمدينة بغايا متعالنات بالفجور، مخاصيب بالكسوة والطعام، فهم أهل الصفة أن يتزوجوهن، فيؤولوا إلَى مساكنهن، ويأكلوا من طعامهن وكسوتهن، فنزلت هذه ا لآية صيانة لهم عن ذلك.

5-لا يجوز نكاح الزانية إِلاَّ إذا تابت والعكس، أن الآية محكمة غير منسوخة. وعند أصحاب هذا القول، من زنى فسدَ النكاح بينه وبين زوجته، وإذا زنت الزوجة فسد النكاح بينها وبين زوجها. وقال قوم من هؤلاء: لا ينفسخ العقد بذلك، ولكن يؤمر الرجل بطلاقها إذا زنت، ولو أمسكها أثم. ولا يجوز التزوج بالزانية، ولا من الزاني إذا لم يتوبا، فإن ظهرت التوبة منهما جاز النكاح.

خلاصة هذه الأقوال: فيتبيَّن من هذه النقول أنَّ معظم الفقهاء لا يرون تَحريم الزواج من الزانية، وإن نكاحها جائز. وذهب الحنابلة إلَى أَنَّه يحلّ النكاح من الزانية لمن علم زناها إذا تحقَّق شرطان:

الأَوَّل: انقضاء عدَّتها لتعلم براءة رحمها.

الثاني: أن تتوب من الزنى بالاستغفار والندم والإقلاع عن الذنب.

الوجه الثالث: أن حثّ الشارع على الستر يشعر بأنَّه قد رجَّح مصالحه على تلك المفسدة على فرض احتمال وقوعها؛ لأَنَّ من يستر على الرجل الزاني أو على المرأة الزانية بكرا كانت أو ثيبا يحول دون تطبيق ذلك الحكم الشرعي الذي أخذه بعض العلماء من الآية السابقة، إذ بستره عليهم يحول دون معرفتهم، ويعرض بذل بعض الناس العفيفين للارتباط بهم برباط الزوجية. ومع قيام هذا الاحتمال ندب الشارع إلَى الستر على العصاة، وبخاصة في باب العرض. وتأويل ذلك لا يعدو أحد معنيين:

الأَوَّل: أن الشارع قد رجح مصالح الستر على مصلحة ارتباط الزناة بالعفيفين كما ذكرنا.

 الثاني: أن الشارع لم يحرم الارتباط بالزناة، وأنَّ الآية التي يفيد ظاهرها ذلك التحريم إِمَّا أن تكون منسوخة، وإمَّا أن تكون مؤوَّلة، كما قال جمهور العلماء فيما سلف.

إشكال وردّه: وقد يقول قائل، إن قيام الطبيب برتق غشاء البكارة فعل زائد عن مُجرَّد الستر؛ لأَنَّ الستر يتحقق بأن يحجم الطبيب الذي تعرض عليه الفتاة التي تَمزَّقت بكارتها بسبب الزنى عن إفشاء سرِّها والتبليغ عنها، ولا يقتضي أن يصلح عنها ما فسد من بكارتها.

والجواب: عن هذا الستر الذي حثَّ عليه الشارع جاء عاما شاملا للموقف السلبي الذي يتخذه الإنسان، وللموقف الإيجابي الذي يكون أكثر فاعلية. والستر بالموقف الإيجابي الذي يتخذه الطبيب تجاه الفتاة هو الذي يحقق ما ذكر من المصالح في أوَّل هذا البحث. وستره لها بالموقف السلبي لا يحقق شيئا منها؛ لأَنَّهُ ستر مؤقت إلَى حين، ثُمَّ ينتهي مفعوله بالزواج من الفتاة واكتشاف الزوج لحالها. على أن الموقف الإيجابي الذي يتخذه الطبيب بعملية الرتق تجاه فتاة زانية لا يزيد من حيث الآثار العاجلة والآجلة عن الموقف السلبي الذي يتَّخذه شاهد زنى بإحجامه عن التبليغ عن رجل زان أو امرأة زانية متزوجة أو مطلقة أو أرملة، ذلك أن هذا الأخير بستره على هؤلاء إِنَّمَا يستر عن معصية لم يترك حدوثها أيَّة علامة فيمن ارتكبوها، مِـمَّا يجعل ستره أبعد أثرا من ستر فتاة بكر وقعت في الزنى؛ لأَنَّ المعصية تركت في هذه الفتاة علامة لا يَمحوها مجرَّد الستر بالموقف السلبي، ولا بد لمحوها من فعل إيجابي يزيل ما أحدثه الزنا من أثر.

الوجه الرابع: زناها لا يعتبر عيبا من العيوب إذا تَابت، روى الإمام مالك في الموطأ عن أبي الزبير المكي أنَّ رجلا خطب إلَى رجل أخته، فذكر أَنَّهَا كانت أحدثت ـ أي زنت ـ فبلغ ذلك عمر بن الخطاب t، فضربه أو كاد يضربه، ثُمَّ قال مالك وللخبر؟ وعن طارق بن شهاب أن رجلا خطب إلَى رجل ابنة له، وكانت قد أحدثت، فجاء إلَى عمر فذكر ذلك له، فقال عمر: ما رأيت فيها؟ قال: ما رأيت إِلاَّ خيرا. قال: فزوجها ولا تخبر.

وفي رواية أخرى: أَنَّهُ فجرت جارية فأقيم عليها الحدّ، ثُمَّ تابت وحسنت توبتها وحالتها، فكانت تخطب إلَى ابن عمّها، فيكره أن يزوجها حتى يخبر ما كان من أمرها، وجعل يكره أن يفشى ذلك عليها، فذكر أمرها لعمر؛ فقال له: زوجها كما تزوجوا صالحي فتياتكم.

وعن الشعبي قال: جاء رجل إلَى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، إني وأدت ابنة لي في الجاهلية فأدركتها قبل أن تموت فاستخرجتها، ثُمَّ إِنَّهَا أدركت الإسلام معنا فحسن إسلامها، وإنّها أصابت حدا من حدود الإسلام، فلم نفجأها إِلاَّ وقد أخذت السكين تذبح نفسها، فاستنقذتها وقد جرحت نفسها فداويتها حتى برأ كلمها، فأقبلت إقبالا حسنا، وإنها خطبت إليّ، أفأذكر ما كان منها؟ فقال عمر: هاه، لئن فعلت لأعاقبنك عقوبة يتحدَّث بها أهل الأمصار، أنكحها نكاح العفيفة المسلمة.

وجه الاستدلال من هذه الاخبار: أَنَّ هذه الإخبار عن عمر t تدل على جواز النكاح من الزانية وإن كان الزوج عفيفا، وعلى أن زنى المرأة لا يعتبر عيبا من العيوب التي يجب على الوالي أن يخبر بها إذا تبعته توبة، ولو أنَّ عمر كان يرى أن الزنى عيب في الفتاة يعطي زوجها الْـحَقّ في ردها لما اتخذ الموقف مع الأولياء، ولشجعهم على تصرّفهم بالإخبار عما علموا، لِما في إخفائه من تضييع الحقوق على الأزواج. يقول الباجي في شرحه للخبر السابق الذي رواه مالك في الموطأ: “إخبار الرجل عن أخته إذا خطبت إليه أَنَّهَا أحدثت، يريد أَنَّهَا قد أصابها ما يوجب عليه حدّ الزنى. وروى نحوه في المدينة عن عيسى بن دينار، فأنكر ذلك عليه عمر بن الخطاب t، ولعلها كانت أقلعت وتابت، ومن عاد إلَى مثل هذه الحال لا يحلّ ذكره بسوء، فإنَّ الله تعالى يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، ولا يلزم الوليّ أن يخبر من حال وليته إِلاَّ بما يلزم في ردها، وهي العيوب الأربعة: الجنون والجذام والبرص وداء الفرج”.

3- مفسدة كشف العورة: وَأَمَّا مفسدة كشف العورة والنظر إليها، فهذه موجودة في تصرف الطبيب بالرتق لهذا الصنف أيضا، ولكن يُمكن أن يقال فيها ما قيل في الصنف الأَوَّل: من أنّ الحاجة إلَى دفع مفاسد التمزق تبرر تحمل هذه المفسدة.

المطلب الثالث: الصنف الثالث

هو زوال البكارة بسبب وطء في عقد نكاح، سواء أكانت المرأة مطلقة أو أرملة. فمن زالت بكارتها بهذا السبب لم تكن لها أية مصلحة تبتغيها بالرتق؛ لأنَّ زوال البكارة بالنسبة لهذا الصنف من النساء لا يترتب عليه أية مفسدة لا في العرف ولا في الشرع، والرتق إِنَّمَا يراد لدفع مفاسد محتملة تترتب عل التمزق، وقد تقدّم ذكرها. وإن كان الرتق في حقِّ هذا الصنف من النساء خاليا من أية مصلحة، فَإِنَّهُ لا يَخلو عن بعض المفاسد المحرمة؛ إذ فيه على الأقل كشف عورة المرأة دون مبرر شرعي من ضرورة أو حاجة، فأغلب الظنّ أَنَّهُ حرام، ولا يصحّ.

خلاصة أحكام الرتق بالنظر إلَى أسباب التمزق: مِـمَّا تقدم من المقابلات السابقة بين ما يحققه الرتق من مصالح وما يؤدِّي إليه من مفاسد يتبيَّن ما يأتي:

1- إذا كان سبب التمزق حادثة أو فعلا لا يعتبر في الشرع معصية، وليس وطئا في عقد نكاح ينظر:

-فإن غلب على الظنّ أن الفتاة ستلاقي عنتا وظلما بسبب الأعراف والتقاليد السائدة كان إجراء الرتق واجبا، لِما فيه من دفع مفاسد يغلب على الظنّ وقوعها، فإنَّ المفسدة المتوقعة بأغلبية الظنّ تعتبر في حكم الناجزة المحققة، فإذا غلب وقوع المفسدة ولو في المآل جعلت كالمفسدة الواقعة.

-وإن لم يغلب ذلك على الظنّ كان إصلاح الغشاء مندوبا، ولكنه غير واجب، لِما فيه من دفع مفاسد محتملة، والذي يحدّد ما تقدّم طبيعة المجتمع الذي تعيش فيه الفتاة وأعرافه وتقاليده.

2- إذا كان سبب التمزق وطئا في عقد نكاح كان إجراء الرتق حراما، فيحرم إجراؤه لمطلقة أو أرملة؛ لأَنَّ هذا فعل لا مصلحة فيه. ومن باب أولى يحرم إجراؤه لِمتزوّجة؛ لأَنَّهُ لعب ولهو، ولا يجوز للطبيب النظر إلَى عورة المرأة دون ضرورة أو حاجة.

3- إذا كان سبب التمزق زنى اشتهر بين الناس، سواء كان اشتهاره نتيجة ظهور حكم قضائي على الفتاة بالزنى، أم كان نتيجة من الفتاة، وإعلانها لذلك واشتهارها بالبغاء، ففي هذه الحالة يحرم على الطبيب رتق غشاء البكارة، لعدم وجود المصلحة، ولعدم خلوّ فعله هذا من المفسدة.

4- إذا كان سبب التمزق زنى لم يشتهر بين الناس بالمعنى السابق، كان الطبيب مخيّرا في إجراء عملية الرتق أو عدم إجرائها، وإجراؤها أولى إذا كان ذلك بإمكانه؛ لأَنَّ فعله هذا من باب الستر كما تقدَّم، والستر على العصاة تتناوله أحكام عدة:

-فقد يكون حراما إذا ترتَّب عليه تضييع حقّ من حقوق العباد، وهذا العمل ليس فيه تضييع لِحق أحد كما قد يتوهَّم، لِما سبق تفصيله.

-وقد يكون واجبا إذا ترتب على الإظهار وقوع مفسدة أو معصية، كما لو كان الشخص وحيدا عندما رأى حادثة الزنى، فإن لم يقرّ المتهم كان ذلك منه قذفا. وعدم قيام الطبيب بالرتق لا يوقعه في القذف.

-ويكون الستر مندوبا إذا تبين أن الذي وقع في المعصية قد ندم وتاب ولم يكررها. فإذا جهل حال العاصي من حيث التوبة وعدمها فمقتضى ما تقدَّم أن يكون الستر عليه جائزا، إِلاَّ إذا قلنا بحمل أمر الناس على الصلاح في مجتمع الإسلام، وأن الأصل فيهم عدم الإصرار على الفسق، فيمكن القول عندئذ باستحبابه.

4- قــرار بشأن تـــحويل الذكر إلَى أنــثــى:

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده سيدنا ونبينا محمَّد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد؛

فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم الأحد 13 رجب 1409 هــ الموافق 19 فبراير 1989 م إلَى يوم الأحد 20 رجب 1409هــ الموافق 26 فبراير 1989م قد نظر في موضوع تحويل الذكر إلَى أنثى والعكس. وبعد البحث والمناقشة بين أعضائه تقرير ما يلي:

أوَّلا: الذكر الذي كملت أعضاء ذكورته والأنثى التي كملت أعضاء أنوثتها لا يحل تحويل أحدهما إلَى النوع الآخر، ومحاولة التحويل جريمة يستحقّ فاعلها العقوبة؛ لأَنَّهُ تغيير لخلق الله، وقد حرَّم I هذا التغيير بقوله مخبرا عن قول الشيطان: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ﴾. فقد جاء في صحيح مسلم عن ابن مسعود أَنَّه قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله U»، ثُمَّ قال: ألا ألعن من لعن رسول الله e وهو في كتاب الله U، يعني قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾.

ثانيا: أما من اجتمع في أعضائه علامات النساء والرجال فينظر فيه إلَى الغالب من حاله؛ فإن غلبت عليه الذكورة جاز علاجه طبيا بِما يزيل الاشتباه في ذكورته، ومن غلبت عليه علامات الأنوثة جاز علاجه طبيا بما يزيل الاشتباه في أنوثته، سواء أكان العلاج بالجراحة أو بالهرمونات؛ لأنَّ هذا مرض والعلاج يقصد به الشفاء منه وليس تغييرا لخلق الله U. وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين.

5- قرار بشأن إسقاط الجنيـن المشوه خلقـيا:

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا ونبينا محمَّد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد؛

فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الثانية عشرة المنعقدة بِمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت 15 رجب 1410هـ الموافق 10 فبراير 1990م إلَى يوم السبت 22 رجب 1410هـ الموافق 17 فبراير 1990م قد نظر في هذا الموضوع، وبعد مناقشته من قبل هيئة المجلس الموقرة، ومن قبل أصحاب السعادة الأطبَّاء المختصين الذين حضروا لهذا الغرض، قرر بالأكثرية ما يلي،

1-بلوغ الحملِ مائة وعشرين يوما: إذا كانَ الحمل قد بلغ مائة وعشرين يوما لا يجوز إسقاطه ولو كان التشخيص الطبي يفيد أَنَّهُ مشوّه الخلقة إِلاَّ إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطبَّاء الثقات المختصين أن بقاء الحمل فيه خطر مؤكّد على حياة الأم يجوز إسقاطه سواء كان مشوّها أم لا دفعا لأعظم الضررين.

2 ـ عدم بلوغ الحمل مائة وعشرين يوما: قبل مرور مائة وعشرين يوما على الحمل إذا ثبت وتأكد بتقرير لجنة طبية من الأطبَّاء المختصين الثقات، وبنا ء على الفحوص الفنية بالأجهزة والوسائل المختبرة أنّ الجنين مشوه تشويها خطيرا غير قابل للعلاج، وأنّه إذا بقي وولد في موعده ستكون حياته سيئة وآلاما عليه وعلى أهله؛ فعندئذ يجوز إسقاطه بناء على طلب الوالدين. والمجلس إذ يقرّر ذلك يوصي الأطبَّاء والوالدين بتقوى الله والتثبت في هذا الأمر. والله ولي التوفيق.

قرار ثان بشأن إسقاط الجنين المشوه خلقيا: فتوى رقم2484 في 16/7/1399هـ:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه؛ وبعد فقد اطَّلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على السؤال المقدم من الدكتور محمَّد الناصر إلَى الرئيس العام والمحال إليها من الأمانة العامة برقم 2/ 678 وتاريخ 27/3/1999هـ ونص السؤال:

“كما تعلمون أنَّ الطب والعلوم الطبية استجلبناها وتعلمناها من الغرب بكلّ ما فيها من غثّ وسمين، وبما أن نشأة الطب في الغرب لم تكن نابعة من تصور إيماني صحيح أو دينيا على الأقلّ ولو مسيحيا سليما من التحريف؛ لذلك كان هناك أشياء في عالم الطب لابد وأن تتنافى مع ديننا الحنيف؛ لذلك أحببت عرض هذه القضية لتكرارها يوميا في عالم الطب؛ فأقول وبالله التوفيق:

هناك بعض المرضى مِمَّن هم يعانون من مرض سيؤدي حتما -في مفهوم الطب- إلَى أن يكون صاحبه متخلّفا عقليا، بل قد يؤدي فيه مرضه إلَى أن يعيش حياة كلها أمراض ومشاكل، وأقرب مثال هو أمراض المخ والجهاز العصبي. وقد يكون هذا المريض في داخل الرحم حيث تدلّ التحاليل الطبية مثلا أن هذا الطفل سيولد معتوها بصورة قد يكون معها أتعاب لوالديه، بالإضافة إلَى ما يكون له في حياته. وفي الغرب هناك فكرة معترف بها أَنَّه من الأحسن ألا يعالج هذا الطفل -الأَوَّل- بصورة جادة تماما، يعني يعطى الفرصة ليموت بعكس ما لو كان طفلا يؤدي علاجه إلَى برئه تماما. وكذلك يجهض الطفل الثاني لينزل ميتا، بل قد يطلب الوالدان أحيانا هذا أو ذاك مدّعين أَنَّهم يريدون إراحة الطفل.

وأقرب مثال: ما حدث من أيام قريبة جدا، جاء إلينا طفل عمره 7 سنوات يعاني من تخلف عقلي شديد جدّا لدرجة أَنَّه لا يَمشي ولا يجلس ورأسه مليء بالجروح من أثر الطيحات، وأصيب بمرض الزائدة الدودية. وقف الطبيب الأخصائي ليسأل هل يعمل له عملية جراحية أو نتركه هو ومستقبل مرضه؟ قلت: الأمر ليس إلي بل راجع إلَى أهل العلم والدين؛ لأنَّ هذه القضية ليست سهلة «وأجرؤكم على الفتيا أجرؤكم عَلَى النار». هذا وقد حصل اجتماع كبير جدا للأطبَّاء والأساتذة الزائرين من أمريكا؛ فقلت لهم: هذه قضية ليس لأحد الْـحَقّ في الفتوى فيها، وسآتيكم بحلِّها إن شاء الله تعالى، إذا فالأمر حسَّاس وعاجل”.

الدراسة أجابت عنه بما يلي: نص الفتوى:

“1ـ تحريم قتل النفس: من الضرورات الخمس التي دلَّت نصوص الكتاب والسنة دلالة قاطعة على وجوب المحافظة عليها، وأجمعت الأمَّة على لزوم مراعاتها حفظ نفس الإنسان، وهو المرتبة الثانية بعد حفظ الدين، سواء كانت النفس حملا قد نفخ فيه الروح أم كانت مولودة، وسواء كانت سليمة من الآفات والأمراض وما يشوهها أم كانت مصابة بشيء من ذلك، وسواء رجي شفاؤها مِـمَّا بها أم لم يرج ذلك حسب الأسباب العادية، وما أجري من تجارب، فلا يجوز الاعتداء عليها بالإجهاض إن كانت حملا قد نفخ فيه الروح، أو بإعطائها أدوية تقضي على حياتها وتجهز عليها طلبا لراحتها، أو راحة من يعولها، أو تخليصا للمجتمع من أرباب الآفات والعاهات والمشوهين والعاطلين، أو غير ذلك مِـمَّا يدفع بالناس إلَى التخلص لعموم قوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ ولم يثبت من بيان النَّبِيّ e ذلك وتوكيده من قوله: «لا يحلّ دم امرئ مسلم إِلاَّ بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة» رواه البخاري ومسلم، ولإجماع الأمَّة على أنَّ الاعتداء على ما ذكر معصية، وأنّه يجب فيها القصاص أو الدية والكفارة حسب نوع الجناية، بل ينبغي لأولياء أمورهم من الآباء والأمهات ومن يقوم مقامهم أن يرعوهم ويسعوا إلَى علاجهم رجاء الشفاء، أو تخفيف المرض والآلام، ويصبروا على ما أصابهم رجاء المثوبة والأجر من الله، فإن الشريعة جاءت بالحث على التداوي مع التوكّل على الله، ورجاء النفع منه، وأمرت بالصبر على البلاء وحرمت اليأس من روح الله والقنوط من رحمته، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، ولا يقنط من رحمته إلا الضالون، فكم من مريض استعصى دواؤه واستفحل أمره فوهب الله له الشفاء، وكم من مريض شخّص داؤه وعرف دواؤه وأمل فيه الشفاء فوافته المنية رغم عناية معالجيه.

 2 ـ بيان أنَّ الله قد أنزل لِكُلِّ داء دواء، قال العلامة ابن القيم في كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد: فصل: روى مسلم في صحيحه من حديث أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن النَّبِيّ e أَنَّه قال: «لِكُلِّ داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله U»، وفي الصحيحين عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله e: «ما أنزل الله من داء الا وأنزل له الشفاء»، وفي مسند الإمام أحمد من حديث زياد بن علاقة أن أسامة بن شريك قال: كنت عند النبي e، وجاءت الأعراب فقالت له: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: «نعم، يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إِلاَّ ووضع له شفاء غير داء واحد». قالوا: وما هو؟ قال: «الهرم»، وفي لفظ: «إن الله لم ينزل داء إِلاَّ أنزل معه شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله» وفي المسند من حديث ابن مسعود يرفعه: «أن الله U لم ينزل داء إِلاَّ وأنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله». وفي المسند والسنن عن أبي خزامة قال قلت: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل تردّ من قدر الله شيئا؟ فقال: «هي من قدر الله». فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات وإبطال قول من أنكرها.

3 ـ معنى قوله: «لِكُلِّ داء دواء»:

1-يجوز أن يكون قوله لِكُلِّ داء دواء على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة والأدواء التي لا يُمكن طبيب أن يبرئها، ويكون الله U قد جعل لهم أدوية تبرئها، ولكن طوى علمها عن البشر، ولم يجعل لهم إليه سبيلا؛ لأنَّه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله، ولهذا علق النَّبِيّ e الشفاء على مصادفة الدواء للداء، فَإِنَّهُ لا شيء من المخلوقات إِلاَّ وله ضدّ من الدواء يعالج بضده، فعلّق النبي e البرء بموافقة الداء للدواء، وهذا قدر زائد على مجرد وجوده، فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية أو زاد في الكمية على ما ينبغي نقله إلَى داء آخر، ومتى قصر عنها لم يف بمقاومته وكان العلاج قاصرا، ومتى لم يقع المداوي على الدواء لم يحصل الشفاء، ومتى لم يكن الزمان صالحا لذلك الدواء لم ينفع، ومتى كان البدن غير قابل له أو القوة عن حمله أو ثَمَّ مانع يمنع من تأثيره لم يحصل البرء لعدم المصادفة، ومتى تمت المصادفة، حصل البرء ولا بد وهذا أحسن المحملين في الحديث.

2-والثاني: أن يكون من العام المراد به الخاص، ولا سيما أنَّ الداخل في اللفظ أضعاف أضعاف الخارج منه، وهذا يستعمل في كُلّ لسان، ويكون المراد أن الله لم يضع داء يقبل الدواء إلا وضع له دواء، فلا يدخل في هذا الأدواء التي لا تقبل الداء، وهذا كقوله تعالى في الريح التي سلطها على قوم عاد ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ أي: كُلّ شيء يقبل التدمير، ومن شأن الريح أن تدمّره ونظائره كثيرة.

4-نصيحة: على الأطبَّاء أن يكونوا أعوانا للآباء والأمّهات على علاج مريضهم املا في شفائه أو تخفيف آلامه وبلائه، وأن يحتسبوا في ذلك ولا يملوا من كثرة تردّد المريض ولا تضيق صدورهم من طول أمد العلاج، ولا ييأسوا من حسن العواقب؛ فإنّ الأمور لله يصرفها حيث يشاء، ولا يمنعهم من ذلك استحكام الداء واستغلاق العلاج وتوقع الموت والهلاك، فكم من مريض استعصى داؤه واستفحل أمره فوهب الله له الشفاء، وكم من مريض شخص داؤه وعرف دواؤه وأمل فيه الشفاء فوافته منيته رغم عناية معالجيه، ولم تحمه المهارة في الطبّ وكثرة تجاربهم فيه على أن يجعلوا من ظنونهم حسب ما لديهم من أسباب قطعا، وأن يجعلوا من توقعاتهم واقعا فكم من ظنون كذبت، وكم من توقعات أخطأت، وليعلموا أنا وإن أمرنا بالأخذ بالأسباب فالشفاء من الله وحده مسبب الأسباب، وعلم الآجال إليه وحده لا يعلمها إِلاَّ هو، وعلى ولي الأمر العام أن يهيئ وسائل العلاج من أطبَّاء وأجهزة ومستشفيات ونحو ذلك؛ فالجميع راع ومسؤول عن رعيته كُلّ في حقله وميدانه بقدر ما آتاه الله من طاقة علمية أو مادية أو عملية، كما أرشدنا إلَى ذلك رسول الله e، وعليهم جميعا أن يحسنوا فإنَّ الله تعالى كتب الإحسان على كُلّ شيء، وهو سبحانه يحب المحسنين.

5 ـ لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكَّلون، فليس لهم أن يتعلقوا في ترك العلاج والإهمال فيه، والإعراض عن الأخذ بأسباب الشفاء، بما ثَبت عن ابن عباس tما أنَّ النَّبِيّ e قال: «عرضت عليّ الأمم فرأيت النَّبِيّ ومعه الرهط، والنبيّ ومعه الرجل والرجلان، والنبيّ وليس معه أحد، وإذا أنا بسؤاد عظيم فقلت: إِنَّهُم أمتي. فقيل: لي، هذا موسى وقومه. فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعو ألفا يَدخلون الْـجَنَّة بغير حساب ولا عذا ب، ثُمَّ نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك. فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله e. وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام؛ فأخبروه، فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، فقال عكاشة بن محصن: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: أنت منهم، فقام رجل آخر فقال: ادع الله لي أن يجعلني منهم فقال: سبقك بها عكاشة» رواه البخاري ومسلم واللفظ له وللنسائي والترمذي.

6 ـ بيان الحديث في واقعنا المعاصر: لِما بين الفريقين من الفرق البيّن فإن السبعين ألفا الذين يدخلون الْـجَنَّة بغير حساب ولا عذاب قد تركوا أسبابا مادية قد كرهها النَّبِيّ e، وأسبابا معنوية قد يكون في جنسها شوائب شِرك إلَى أسباب روحية هي التوكّل على الله، ودعاؤه سبحانه تضرعا وخفية، وللأسباب المعنوية من التأثير بإذن الله في أنواع من الأمراض، والبرء منها ما ليس للأسباب المعنوية من التأثير بإذن الله في أنواع من الأمراض، والبرء منها ما ليس للأسباب المادية، فهم لم يتركوا الأخذ بالأسباب مطلقا، وإنَّما اختاروا منها نوعا طابت به نفوسهم وآثروه، مع إخلاص وصدق في التوكّل على الله وصبر على البلاء، ولم يستسلموا للأمراض يائسين من الشفاء، ولم يذكر النَّبِيّ e أَنَّهُم تركوا جميع الأسباب المادية، وقد ثبت في الحديث: «إِنَّمَا الأعمال بالنيات، وإنَّما لِكُلِّ امرئ ما نوى»، بخلاف ما سئل عنه من الحمل والأطفال ذوي الآفات والأمراض المستعصية فإن أحوالهم ومقاصد من يليهم من الآباء والأمهات ونحوهم تختلف عن أولئك ومقاصدهم من جهة الأعراض عن الأسباب مطلقا مادية ومعنوية لا يأسا من الشفاء، ومن جهد المقصد إلَى الراحة من المريض وإراحته لضيق الصدر من القيام عليه، والسآمة من طول علاجه مع اليأس من الوصول إلَى نتيجة لا للتوكّل على الله والصبر على البلاء والأمل في الشفاء من الله I، ولأن في وجود المتخلفين عقليا والمعوقين وذوي الأمراض المزمنة عبرا للعباد، وموعظة ودلالة على عظيم حكمة الله سبحانه وقدرته على ما يشاء، وعظم نعمته على من سلم من هذه الأمراض فيشكره سبحانه ويلتزم طاعته. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمَّد وآله وصحبه. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.


[1] – أحكام أهل الذمة، 1/279.

[2] -المدونة، 4/425 -426.

[3] – أحكام أهل الذمة، 1/275. الآداب الشرعية، 2/273 -274.

[4] – مغني المحتاج، 4/ 254.

[5] – متفق عليه.

[6] – شرح النووي لمسلم، 11/ 26.

[7] – السراج الوهاج، 6 /53.

[8] – مجلة المجتمع، العدد الثالث، 2/ 1401-1406.

[9] – أحكام أهل الذمة، 2/722. و شرح الزرقاني على مختصر خليل، 3/7.

[10] – كتاب المرضى، 7/6.

[11] – فتح الباري، 3/262.

[12] – عمدة القاري، 21/218.

[13] – صحيح البخاري، كتاب المرضى، 7/6.

[14] – عمدة القاري 21/218، فتح الباري، 10/125.

[15] – صحيح البخاري، كتاب الهبة، 3/133.

[16] – رواه الشيخان.

[17] – رواه مسلم و النسائي. عمدة القاري 13/168.

[18] – رواه البخاري رقم1357.

[19] – جامع العلوم و الحكم 66/67.

[20] – جامع العلوم و الحكم 67.

[21] – سورة النور: 31.

[22] -. التفسير الكبير 23/208. محاسن التأويل 12/196.

[23] – المغني و الشرح 7/464.

[24] – روح المعاني 18 / 143.

[25] – الروضة الندية 1/243.

[26] – المجموع، 5/145. سبل السلام 2/550. كفاية الأخيار 1/315.

[27] – موسوعة الإجماع 1/413.

[28] – الفقه الإسلامي و أدلته 2/538.

[29] – الهداية و شرحها 2/100

[30] – البيان و التحصيل 2/256-283. المجموع 5/285.

[31] – مجلة المجمع، العدد الثالث 2/1104-1161-1193-1400.

[32] – موسوعة الإجماع 2/181. المجموع 5/144.

[33] – سورة التوبة: 84.

[34] – رواه أبو داود و النسائي.

[35] – المغني و الشرح 2/315. و انظر: البيان و التحصيل 2/ 248.

[36] – اقتضاء الصراط المستقيم، ص315.

[37] – مصنف عبد الرزاق، 6/40

[38] – الفتاوى الهندية، 1/163. المجموع، 5/153.

[39] – شرح روض الطالب، 1/335. المغني و الشرح، 2/410.

[40] – المغني و الشرح، 2/409.

[41] – المغني و الشرح، 2/409.

[42] – انظر: البحر الرائق 8/232.

[43] – سورة الممتحنة: 8.

[44] – البخاري، باب الجنائز 2/ 87.

[45] – منهم: النووي، و ابن حجر.

[46] – المجموع 6/281.

[47] – حاشية ابن عابدين 4/512، والشرح الكبير للدردير3/3، والمجموع 9/167، وكشاف القناع 3/142. وفي وجهٍ عند الشافعية لا يجوز.

[48] – المجموع، 9/181. وذكر نحوه في روضة الطالبين، 3/340. ومطالب أولي النهى، 3/88.

[49] – وَمِـمَّن قال بذلك الشيخ محمد بخيت المطيعي والشيخ مصطفى الزرقاء والشيخ وهبه الزحيلي والشيخ عبدالله بن منيع وغيرهم.

1 – فإذا تَمّ التقابض في الصرف، وقبض رأس المال في السلم صح العقد بهذه الوسائل وهو ما أمكن في بعض الصور الجديدة وأفتى به الشيخ الزحيلي.

[51]-سورة البقرة: 262.

[52]-سورة النساء: 161.

[53]-سورة البقرة: 196.

[54]– المجموع للنووي، 9/443.

[55]– الإنعاش للشيخ محمد المختار الإسلامي ضمن مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع2/1/481، موت الدماغ لندى الدقر، ص211.

[56] -الإنعاش للشيخ السلامي ضمن مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع2/ج1/481.

[57]– أجهزة الإنعاش للبار ضمن مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع2/ج1/436، موت الدماغ لندى الدقر ص212.

[58]– المصدران السابقان.

[59]– المصدران السابقان.

[60] -موت الدماغ لندى الدقر، ص212.

[61]– أجهزة الإنعاش للبار ضمن مجلة مجمع الفقه الإسلامي، ع2/ج1/438.

[62]– التداوي والمسؤولية الطبية ص99 ـ 100.

[63]– مجموع الفتاوى 18/12

[64]– الإنعاش للشيخ السلامي ضمن مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع2/ج1/482.

[65]– المصدر السابق ع2/ج1/481، موت الدماغ لندى الدقر ص214

[66]– المحلي 10/523

[67]– الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي ص122.

[68]-التداوي والمسئولية الطبية ص229.

[69]-الإنعاش للسلامي ضمن مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع2/ج1/482، فقه النوازل 1/231، موت الدماغ لندى الدقر ص215.

[70]-مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع2/ج1/499 ـ 500، 501، 503.

[71]-مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع2/ج1/500.

5- المصدر السابق عدد 2 ج 1/501- عدد 3 ج 2/788.

[73] المصدر السابق ع2/ج1/503،504، ع3/ج2/774، 788

[74] مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع3/ج2/809.

[75] في دورته العاشرة المنعقدة في مكة المكرمة (1408هـ) بواسطة الطبيب أدبه وفقهه ص198.

[76] فقه النوازل 1/234، موت الدماغ لندى الدقر ص216 ـ 217.

[77] الإنعاش للسلامي ضمن مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع2/ج1/483، فقه النوازل 1/231، موت الدماغ لندى الدقر ص215. ومجلة البحوث الفقهية 42/43.

[78] – هذا البحث مأخوذٌ من بحثٍ لشيخنا الدكتور/ عبدالله الطريقي (حفظه الله). وانظر أيضاً مجلة البحوث الفقهية 42/52.

1- الأشباه والنظائر للسيوطي، ص87، القاعدة الخامسة.

[80] – قواعد الأحكام 1/103.

[81] -قواعد ابن رجب، ص197 رقم 86.

1- ذكرها السيوطي ص87. إرشاد الفحول ص2762.

[83] – المبسوط 10/64 وتحفة الفقهاء 3/295 وبدائع الصنائع 7/100. وبداية المجتهد 1/385 والشرح الكبير على متن خليل 2/178. وحاشية الدسوقي 2/178 والأم 4/287 وروضة الطالبين 10/146 ومنهاج الطالبين 137 والمغني 13/141. وفتاوى ابن تيمية 28/546. والإنصاف 4/129. وأما من منع فاستدل بقوله تعالى: ﴿لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً﴾ (الفتح 25).

[84]) أخرجه النسائي في سننه، كتاب الجنائز، النهي عن كسر عظام الميت، 1/516 ( 1616) عن عائشة. وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجنائز باب في الحفار يجد العظم هل يتنكب ذلك المكان، 2/231 ( 3207). وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 6/58،168 ـ 169، 200، 64).

[85]) انظر: كشف الأسرار عن أصول البزدوي 4/397. وتكملة البحر الرائق 8/205. والأشباه والنظائر لابن نجيم 88. والدر المختار شرح تنوير الأبصار مع حاشية الدسوقي 6/192. والتاج والإكليل للمواق بهامش مواهب الجليل 2/254. والشرح الكبير للدردير 1/429. وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/429. والتنبيه للشيرازي 52. والمهذب 1/138. والمجموع 5/101. وروضة الطالبين 2/140. ومختصر الخرقي والمغني 3/497. والإنصاف 2/556. وانظر: أبحاث هيئة كبار العلماء 2/27.

[86]) كشف الأسرار عن أصول البزدوي 4/297.

[87]) تكملة البحر الرائق 8/205.

[88]) الأشباه والنظائر لابن نجيم 88.

[89]) الدر المختار شرح تنوير الأبصار مع حاشية ابن عابدين، 6/192.

[90]) المبسوط 24/48، حاشية الدسوقي 2/ 136،نهاية المحتج 8/23، مطالب أولي النهى، 6/ 323.

[91]) الضرر لا يزال بضرر مثله، ولا أكثر منه بالأولى، إذاً يشترط بأن يزال الضرر بلا إضرار بالغير إن أمكن وإلا فبأخف منه، انظر: درر الحكام شرح مجلة الأحكام، 30 مادة (25).

[92]) المغني والشرح الكبير 11/74.

[93]) انظر: أحكام الأطعمة في الشريعة الاسلامية.

[94]) المبسوط 24/48 وحاشية ابن عابدين 6/338. وحاشية الدسوقي 2/136 والتاج والإكليل لمختصر خليل بهامش مواهب الجليل 2/254. والشرح الصغير بهامش بلغة السالك 1/323. والشرح الكبير بحاشية الدسوقي1/429. ونهاية المحتاج 8/23 والمجموع 9/44. وروضة الطالبين 3/284. وفتح الوهاب بشرح منهج الطلاب للشيخ أبي يحيى زكريا الأنصاري 2/193. ومطالب أولي النهى 6/323. والمغني والشرح الكبير 11/74.

4 -حاشية ابن عابدين 6/383.

1 -والمغني 13/338. والإنصاف 10/376. ومعونة أولي النهى شرح المنتهى لابن النجار، 8/613. وانظر: أحكام الأطعمة في الشريعة الإسلامية للدكتور عبدالله الطريقي..

2-القرعة: السهم والنصيب، وهي لتطييب القلوب وإزاحة الميل. والفقهاء قد اختلفوا في القرعة،فقال بعضهم: لا تجوز لأنها قمارٌ وميسر وجوازها منسوخ، وقال الجمهور: تجوز، وَمِـمَّا يَدُلُّ على ذلك ما قصه الله لنا في قصة يونس لَـمَّا وقفت بهم السفينة فقالوا: ما يمنعها أن تجري إِلاَّ علة بها، وما علتها إلا ذو ذنب، فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس u قال تعالى ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ﴾، وكذا ما قصه الله لنا في المقترعين على كفالة مريم -عليها السلام-. وقد عمل بها النَّبِيّ e فكان يقرع بين نسائه كما في الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها-وفي صحيح مسلم عن عمران بن حصين في قصة الذي أعتق ستة مَملوكين، ولم يكن له مالٌ غيرهم فأقرع بينهم رسول الله e. والراجح ما قال به الجمهور من مشروعية القرعة بدليل الكتاب والسنة كما سبق.

3- انظر: فتح الباري 5/294 والطرق الحكيمة، لابن القيم 354 وتكملة فتح القدير 8/363 وأحكام القرآن، لابن العربي 4/1623. والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي 15/126 وأبحاث هيئة كبار العلماء 2/38.

1-قواعد الأحكام 1/82.

[99] -سنن أبي داود، كتاب أول كتاب الخاتم، باب ما جاء في ربط الأسنان بالذهب، الحديث4232، 4/92.

1-شرح صحيح مسلم للنووي 13/107.

[101] – النساء الآية 194.

[102] -رواه البخاري 3/199. ومسلم 3/339. والنمص: نتف الشعر، والفلج: الفرجة بين الثنايا والرباعيات من الأسنان، تفعله العجوز تشبهاً بصغار البنات. والوشم: تقريح الجلد وغرزه بالإبرة وحشوه بالنيل أو الكحل أو دخان الشحم وغيره من السواد. شرح صحيح مسلم للنووي 14/106،107. والمغرب للمطرزي 2/239،330.

[103] – رواه أحمد 1/417.

[104] – الموسوعة الطبية الحديثة، لمجموعة من الأطباء 3/455.

[105]-سورة الحجرات: 12.

[106]-سورة النور: 12.

[107]-سورة النور: 3.

[108]-هذا رأي نسبه الجصاص والقرطبي في أحكام القرآن إِلَى الإمام جابر بن زيد، ولم يصحّ ذَلِك عنه عند جمهور الإباضية؛ إذ نقل عنه يوسف ابن خلفون في أجوبته (ص35): أنّ ذلك حرام ولا يحلّ بأيّ حال؛ لأنَّ الحرام عنده يحرّم الحلال، وما حرَّم الحلال فالحرام أشدّ تَحريما. وهو قول كثير من الصحابة كابن مسعود وعائشة والبراء وعليّ وأبي هريرة وجابر بن عبد الله،ومن التابعين كالحسن البصري وابن سيرين وإبراهيم النخعي.. وغيرهم. (المراجع)

 

*  ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان ” فقه النوازل وتجديد الفتوى”

المنعقدة خلال الفترة: 13-16 ربيع الأول 1428هـ/ 1-4 إبريل 2007م

سلطنة عمان – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

هذه المقالة تحتوي على تعليق (1)

تعليق واحد ل “فقه النوازل في العالم الغربي”

  1. marian says:

    إشعار الجمهور.
    وبفضل هذا الرجل العظيم الدكتور oshogum الذين مساعدتي استعادة حبي وتحقيق رغبتي القلب عاطفيا.
    أنا نانسي بيك وهو طبيب من حيث المهنة، قد تكون واحدة على مدى السنوات ال 4 الماضية بعد أن فقدت زوجي لامرأة أخرى بسبب التحديات الصحية بلدي.
    بالنسبة لي، وجود الرجل الذي سوف تناسب لي، والحب لي مرة أخرى، وكان رجلا من فئة تحسد عليه وكأنه حلم أنا لا يمكن أبدا تحقيق. ولكن على 18 يوليو 2013 عندما ألتقي الممسوح DR OSHOGUM على هذا الموقع، وأنا أرسلت له الإلكتروني التي تتكون من مشاكلي .. فأجاب لي مع الأشياء الضرورية أحتاج مني أن أفعل للمساعدة في حل مشاكلي مع أي تأثير. بعد يومين كان يلقي الإملائي قبالة لي وها أنا الآن تلتئم بقوته وأنا متزوجة من رجل معروف الكندية.
    وأعتقد جازما أن هذا هو وقتك الشهادة، وتحقيق كل ما تريد ويكون الرجل أو المرأة التي تريدها فقط مع مساعدة من DR oshogum
    الاتصال به الآن عن طريق
    greatoshogumspelltemple@gmail.com

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك