مؤسسة الإفتاء والتحولات الحضارية في عُمان من 1800-2000 م

مؤسسة الإفتاء والتحولات الحضارية

فِي عمان من 1800-2000م *

  إعداد: د. خلفان بن سنان الشعيلي

 (الواعظ المكلف بالإشراف عَلَى الكوادر الوعظية بولاية السيب، سلطنة عمان)

 

المقدمة

إنَّ الشريعة الإلهية التي جاء بها محمَّد e من عند ربِّه احتاجت إلى كثير من الإيضاح والاِجتهاد، فلقد بيَّن إشكالها الرسول الأمين، وأفتى أصحابه بما يُيَسِّر عليهم أمور دينهم ودنياهم، وتبعه على ذلك السلف الصالح.

حيث اجتهدوا في كثير من المسائل التي اعترضت حياة الناس ومعاشهم، ولم يخلُ قطر إسلامي من عالم مجتهد، وقد سار علماء عُمان على نفس المنهج الذي سلكهُ من قبل السلف الصالح، فلم يقولوا بخلوّ العصر من المجتهدين، ولم يكونوا بمنأى عن المجتمع، بل شاركوا في حياته السياسية والاِجتماعية والاِقتصادية والثقافية وغيرها.

إنَّ المنزلة التي تبوأها العالم العُماني خاصة والإباضي عامة، تُجليها هذه الدراسة، التي تحاول أن تبرز الدور الذي قام به، سواء على صعيد مُجتمعه أم خارجه، وهذا ما يبرز خفايا غفل عنها كثير من الباحثين، إذ يبيِّن منهجية علماء عُمان في الفتيا، ومدى تقبّل المجتمع لفكر العالم العُماني، وتأثرهم بالفتوى التي يصدرها.

لقد جاء هذا البحث ليجيب عن الإشكاليات التالية:

1-ما هي أسس اِختيار المفتي في عُمان؟

2-ما الدور الذي يقوم به المفتي العُماني تفويضي أم تنفيذي؟

3-هل الفتوى العُمانية تُمثّل المنحى الذي وجدت فيه؟

4-ما هي الضوابط التي تسير عليها الفتوى في عُمان، وما مدى تأثر الناس بها؟

5-ما هي القضايا التي تثيرها الفتوى، وما مدى اِرتباطها بالمجتمع العُماني؟

6-ما مدى استجابة الفتوى في عُمان لمقتضيات الفتوى في العالَم الإسلامي؟

 

 

وسنتناول في هذا البحث الموضوعات التالية:-

أَوَّلاً: طبيعة الأوضاع في عُمان خلال (القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين).

ثانيا: ترجمة لأبرز أعلام الإفتاء بعمان في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين.

ثالثا: مؤسسة الإفتاء في عُمان.

رابعا: أرضية الإصلاح في الجانب الاِجتماعي.

 خامسا: الإفتاء العماني ومستجدات العصر.

سادسا: الإفتاء العماني والأحداث العالمية

– الخاتمة.

 
أَوَّلاً: طبيعة الأوضاع في عُمان خلال (القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين).

1)- أوضاع عمان الاِقتصادية.

إن قراءة للاِقتصاد العُماني في تلكم الفترة يَجعلنا نقف على ما كان يعتمد عليه العُمانيون، والذي يمكن اعتباره أزمة مرَّ بها الاِقتصاد العُماني:-

الزراعة: وهي بدائية في حدِّ ذاتها ولا يزرع منها إِلاَّ النخيل والسكر والقطن([1])، والتمور هي أكثر المواد تصديرا من عُمان إلى الولايات المتَّحدة والهند.

الصناعة: اِعتمد الاِقتصاد العُماني على بعض الصناعات الخفيفة مثل: صياغة الذهب، والفضة، وصناعة السيوف، والخناجر العُمانية([2]) وهي صناعات للاِستخدام المحلي وليست للتصدير.

الملاحة البحرية: برغم ما تَملكه عُمان من شواطئ وموانئ بحرية إِلاَّ أَنَّهَا لم تستطع مُجاراة التكنولوجيا البحرية القادمة من العالم الخارجي، فدخول السفن البخارية جعل السفن الشراعية العُمانية لا تستطيع الصمود أمَامها([3]). ولم يُكتَشف النفط في عُمان إِلاَّ عام 1954م، الذي توالت إنتاجياته وتصديراته، وتنوع بسببه دخل الدولة والفرد، وأصبحت هناك عدد من المؤسسات المختلفة.

2)- أوضاع عمان الاِجتماعية

يتكوَّن المجتمع العُماني من مَجموعة من القبائل([4]) المختلفة التي يرأس كُلّ قبيلة منها شيخ يتكلَّم باِسمها. وهذا التكوين القبلي أورث التعاون والتكافل بين أفراد القبيلة الواحدة، إذ صلة القربى التي تجمعهم جعلت القبيلة تهتم برعاية أبنائها، وأيضا مساعدتهم في التغلّب على الصعوبات الحياتية التي تواجههم، حتَّى أن أموال زكاة وصدقات القبيلة الواحدة توزع بين أفرادها الفقراء وأبنائها المعوزين، وفي المقابل فإننا نلحظ أن الاِنتساب للقبيلة أورث التعصب المقيت، وهو ما أوجد عديدا من الصراعات الدموية بين شتى القبائل بعضها مع بعض وخاصة بين سكان الداخل والساحل.

وقد بيَّنت سابقا تدهور الأوضاع الاِقتصادية التي بدورها أثَّرت في الوضع الاِجتماعي فدفعت كثيراً من السكان إلى الهجرة من عُمان إلى دول الخليج وشرق إفريقيا.

ونتيجة لهذا التشتت القبلي، فإن المجتمع العُماني، أصبح أسير عدد من المشاكل (الاِجتماعية، الاِقتصادية، السياسية، الصحية، الثقافية) وأصبح الفرد العُماني من قائد للحضارة إلى مطمع، ولقمة سائغة للآخر([5]) الذي ينتظر سقوطه.

ويبيّن لاندن المنحى العقدي للمجتمع العُماني فيقول: “وأغلبية العُمانيين إباضيون، وهو المذهب الذي ظلّ منذ القدم شعار عقيدة العُماني، ومحور تفكيره وفلسفته باعتباره مضمون الإيديولوجية العُمانية”([6]). إن هذه المقولة تبيّن أن ديانة المجتمع العُماني هي الإسلام أولاً، وثانياً أن الغالبية هي الإباضية، إذ إن عُمان هي موطنهم الأصلي منذ القرن الأَوَّل الهجري، ودولتهم العصرية هي على هذا المذهب لذلك أن أغلب النتاج الفكري والفقهي والتاريخي هو من نتاجهم، إِلاَّ أَنَّهُ في عُمان من أهل السنة عدد كبير على اِختلاف الأئمة في المذاهب([7]).

وعلى الرغم مِـمَّا يحدث في المجتمع العُماني من اِضطرابات اِجتماعية إِلاَّ أَنَّهَا لم تكن يوما بسبب المذهبية([8])، فقد عاش الجميع في تسامح تام وفي تعاون وفي إخاء إسلامي لا مذهبي.

3)- أوضاع عمان الثقافية

الحياة الثقافية والفكرية تأثرت إلى حد بعيد بالأحداث الاِقتصادية والاِجتماعية،إذ شهدت بعض المناطق جمودا فكريا وثقافيا، ووجدت في بعضها مدارس تقليدية أنشأها بعض المصلحين بجهودهم الذاتية نذكر منها:-

–     مدرسة راشد بن سيف اللمكي: إذ اِفتتح مدرسة في مسجد قصرى [ولاية الرستاق] وبقي مدرسا فيها حتى كان جملة من اِجتمع إليه من التلامذة، يسرج لهم في المسجد المذكور، بسبعة مصابيح([9]).

– مدرسة نور الدين عبدالله بن حميد السالمي: أنشأ مدرسة علمية خرّجت العديد من الطلبة العلماء الذين لمع اِسمهم في سماء عُمان، حتى أن من كتبوا سيرته يصفون مدرسته بقولهم: “لا نبالغ إذا قلنا: إن رجال العلم اليوم بعُمان جلهم من تلاميذه، وقد نبغ منهم كثير…”([10]).

–          أمَّا عز الدين التنوخي فيقول: “وما في عُمان اليوم من علماء إلا وهم تلاميذه…”([11]).

وأيضا: هنا مؤسسات علميه قائمه في ذلك الوقت تنشر العلم والمعرفة منها:-

 – مدرسة الرستاق([12])، أسسها السيد قيس بن عزان بن قيس والي الرستاق ووالد الإمام عزان بن قيس فقد فتح حصن الرستاق للعلماء والمتعلمين وقدم لهم كُلّ الخدمات اللازمة التي يحتاجون إليها لأداء واجبهم. وأقبل طلاب العلم على هذه المدرسة من كُلّ حدب وصوب، وكان من هؤلاء الذين جاءوا إلى هذه المدرسة العلامة ماجد بن خميس العبري، ويقول عندما جاء إلى هذه المدرسة: “وجدت من العلماء والمتعلمين عددا كثيرا وأن غرفة الاِستقبال -التي تسمى غرفة الصلاة- في الحصن لا تجد فيها غالبا إِلاَّ ناسخا أو مُمليا أو مصححا أو مدرسا أو مكررا، وأن السيد قيسا كان يجلس إليهم إذا ارتفع من النادي العمومي فيجلب لهم من كُلّ ما يوجد من الطرف والفواكه في السوق كُلّ شيء في أوانه ترغيبا لهم ومحبة لهم، ولما هم فيه من إحياء العلم”([13]).

وفي أغلب المناطق العُمانية تنتشر الكتاتيب التي تعلم القرآن الكريم مع مبادئ القراءة والكتابة، إِلاَّ أنّ الغالبية العظمى من الشعب، لم تستطع مجاراة الثقافة أو التعلم؛ بسبب تدهور الأوضاع العُمانية بكافة أنواعها، مِـمَّا ساعد على رجحان كفة الجهل على العلم، إِلاَّ أن ذلكم قد تبدد إذ تطورت الثقافة العُمانية في سنة 1970م، عندما اِعتلى السلطان قابوس العرش فأنشأ المدارس بأنواعها المختلفة، ووجه الشباب نحو العلم والمعرفة، وسعى إلى تثقيف الشباب وتعليمه، وحارب مصادرة الفكر وإغلاقه، لهذا تجد المثقف العُماني في كُلّ مجال من مجالات الحياة المختلفة.

فهل أثرت تلكم الأوضاع على وجود المفتي في عمان، وما هي أبرز شخصيات الإفتاء في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين؟

ثانيا: ترجمة لأبرز أعلام الإفتاء بعمان في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين

حفل القرنان التاسع عشر والعشرون الميلاديان بوجود العديد من المصلحين العُمانيين، الذين عملوا جهدهم لإخراج المجتمع من دائرته الضيقة إلى حيث الرحابة والاتساع، وهنا لن أعرض كُلّ من أفتى سواء تطوعيا أو رسميا، وَإِنَّمَا أقتصر على الأبرز منهم، ومن هؤلاء:

–   سعيد بن خلفان الخليلي [1236 هـ/1811م -1287هـ/1870م]: محقّق وفقيه وشاعر، ألّف في العلوم الدينية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والفتاوى، من مؤلفاته: (تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد مسائل الأحكام والأديان)، وهو: أسئلة وأجوبة في اِثني عشر مجلدا، قامت بطبعه وزارة التراث القومي والثقافة، يتضمن أجوبة لمسائل مهمَّة، اِعتنى فيه بجميع المسائل الفقهية. (أجوبة المسائل: جوابات العلامة الخليلي)، وله كذلك مراسلات خارجية([14]).

–   صالح بن علي الحارثي [1254 هـ/ 1838م – 1314 هـ/1896م]: علامة وفقيه، يعدّ من أبرز علماء التراث العربي في عُمان، له مؤلفات جليلة وفتاوى عديدة منها، (عين المصالح من أجوبه العلامة الصالح)، وهو أجوبة لمسائل سئل عنها صالح بن علي ويتضمن أغلب المسائل الفقهية مركزا على الجهاد وأحكام البغاة.

–   راشد بن سيف بن سعيد اللمكي الرستاقي [1262هـ/1846م- 1333هـ/ 1915م]: قاض وفقيه وشاعر، عمل بالتدريس، ثُمَّ أصبح قاضي الرستاق ونواحيها، وعين رئيسا للقضاة، ألَّف في الفقه والفتاوى([15]).

–         نور الدين عبدالله بن حميد السالمي [1286 هـ/ 1868 م – 1332 هـ/ 1914م].

مفكِّر ومجدد ومصلح وفقيه، كان مرجع الفتوى والأحكام الشرعية، له مؤلفات تزيد على الثلاثين أكثرها مطبوعة([16]) نذكر منها (جوابات الإمام السالمي).

 طبع أخيرا في سبعة أجزاء تحتوي على مسائل فقهية سئل عنها نور الدين السالمي، ويصفها عبد الستار أبو غدة بقوله: “وتتميز أجوبته بأنه جمع فيها المعقول والمنقول وهو في فتاواه ذو نزعة تجديدية إصلاحية للفقه ويلحظ فيه أيضا العناية الشديدة بنسبة الآراء والمقولات إلى أصحابها، فإن لم تسعفه الظروف لمراجعة الكتب أشار إلى ذلك.

وهو كثير ما يعلق جوابه على النظر في مأخذ الرأي وأحيانا يختلف رأيه في المسألة الواحدة تبعا لإعادته النظر في الموضوع فلا يأنف من التصريح برجوعه عما قال به سابقا، وفي بعض الأحيان يعود إلى ما كان قد عدل عنه ولا يتقيد بالمشهور في المذهب بل يحقق ويجتهد”([17]).

–   ماجد بن خميس بن راشد العبري [1252هـ/ 1836م – 1346هـ/ 1927م]: فقيه وشاعر، حفظ القرآن، ونشأ على حب العلم، واشتغل به تدريساً، وقضاء، وفتوى، حتى صار في زمانه من أكبر فقهاء عُمان، يرجع إليه في مستعصيات الأمور([18]).

–      عامر بن خميس بن مسعود المالكي [1280 هـ/ 1863م – 1346هـ/ 1927م]: فقيه وقاض وشاعر، يعتبر مرجعا للفتوى والأحكام الشرعية، والرأي والسياسة وإدارة الأمور، أصبح رئيسا على كُلّ القضاة في عصره، له مؤلفات عديدة منها (غاية المرام في الأديان والأحكام، غاية المطلوب في الأثر والمنسوب، غاية التحقيق في أحكام الاِنتصار والتغريق)([19]).

–   أبو عبيدة حمد بن عبيد بن مسلم السليمي [1280هـ/ 1863م – 1390هـ/ 1971م]: عالم وفقيه وقاض و مفت، ولد في بلدة اِزكي، له مؤلفات عدة منها (هداية الحكام إلى نهج الأحكام، خزانة الجوهر، قلائد المرجان) ([20]).

–   خلفان بن جميل السيابي السمائلي [1308هـ/1890م – 1392هـ/ 1972م]: فقيه وقاض ومفت، له كتب في الفقه وأصوله ومنظومات شعرية، من أشهر مؤلفاته (بهجة المجالس)، هذا الكتاب ينقسم إلى قسمين:-

– قسم بحوث فقهية نظمها العلامة السيابي في مسائل متنوعة.

– قسم أجوبة لمسائل نظمية وردت للعلامة السيابي وأجاب عنها، وهي أسئلة وأجوبة متنوعة تحوي صنوف المسائل الفقهية المختلفة.

وَمِـمَّن سأله العلامة سالم بن حمود السيابي، سعيد بن ناصر السيفي، محمَّد بن راشد الخصيبي، عبدالله بن علي الخليلي. (سلك الدرر، فصول الأصول، بهجة المجالس)([21]).

– إبراهيم بن سعيد بن محسن العبري [1312هـ/1894 م -1395هـ/1975م]: مفتي عُمان في عهد السلطان قابوس، ورئيس قضاتها في عهد السلطان سعيد بن تيمور، وأحد علمائها البارزين، له مؤلفات في التاريخ والأدب والفقه([22])، من أشهرها: (أسئلة وأجوبة فقهيه متنوعة)، أو هي فتاوى لأسئلة وأجوبة نثرية ونظمية مخطوطة لم تطبع بعد، وهذه التي جمعت ما هي إِلاَّ فتاوى قليلة، فلقد تربع على عرش الإفتاء مدَّة ستين عاما، فهو كفيل بأن يخرج المجلدات من الفتاوى والأجوبة النظمية والنثرية، والسبب في ذهاب كثير من فتاويه يرجع إلى الآتي: -عدم التفاف تلامذته حوله في جميع أحواله، لكثرة أسفاره وتنقلاته في أرجاء عُمان، وكان أينما حل توجه المستفتون بمسائلهم واغترفوا من عبابه العذب، كُلٌ بقدر سعته([23]).

– سالم بن حمود بن شامس السيابي [1326هـ/ 1908م – 1414هـ/ 1993م]: فقيه وقاض ومفت، له مؤلفات عدَّة منها (فصل الخطاب في السؤال والجواب)، قوافٍ نظمية، سئل عنها العلامة فأجاب بنفس وزن السؤال، وهي في أبواب الفقه، والكتاب مخطوط. وله أجوبه عدَّة قامت بنشرها جريده عُمان في الثمانينات من القرن الماضي.

ومن مؤلفاته أيضا (إرشاد الأنام في الأديان والأحكام، العقود المفصلة في الأحكام المؤصلة، هدي الفاروق، وغيرها) ([24]).

-أحمد بن حمد الخليلي: ولد في زنجبار [361 هـ/ 1942م] ونشأ وتعلم فيها، وكانت أكثر مراجعاته العلمية على العلامة أحمد بن حمدون الحارثي، والعلامة عبدالله بن سليمان الحارثي، ولازم أبا إسحاق إطفيش المغربي لَـمَّا زار زنجبار، وعاد إلى عُمان عام [1384هـ/ 1964م]. عمل مدرسا بمسجد الخور بمسقط، وعين مفتيا لعُمان عام1975 م، وهو إلى الآن مفتي السلطنة الحالي([25]) له: (الفتاوى 4 أجزاء: العبادات – المعاملات – النكاح – الجنائز). وهذه الأجزاء الأربعة استفاض فيها بالإجابة عن كل المسائل التعبدية، ومسائل المعاملات، والأنكحة، والجنائز، وحاول من خلال إجاباته تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة بين أفراد المجتمع، وأوضح لهم زيف المعتقدات البالية، ودعاهم إلى التمسك بالكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح، وله إضافة إلى هذه الفتاوى المطبوعة فتاوى أخرى، مجموعة في مكتب الإفتاء بسلطنة عُمان.

– سعيد بن خلف بن محمَّد الخروصي: ولد سنة [1344هـ/1925م]: فقيه وعالم ومفت، تولَّى القضاء في عدد من ولايات السلطنة، وهو الآن مساعد المفتي العام للسلطنة. له عدَّة مؤلفات منها: (الدر المنتخب في الفقه والأدب)([26]).

من هنا ندرك أن العمانيين كان لهم السبق في التأليف المبكر في الفقه والحديث وهم من أوائل من دون الفتوى برغم ما واجهوه من فترات عصيبة، وما كابدوه من صعوبات ومشاق كبيرة، إلا أن العَالِم أبقى لنفسه مكانا ينير به من حوله، في وقت اِنتشر فيه الجهل وانعدمت الثقافة والفكر.

وقد يلحظ القارئ التواصل الكبير بين المفتي والمجتمع حيث الشفافية في طرح السؤال وعدم الحياء من العالم.

والسؤال المطروح ما هي أسس اِختيار المفتي في عُمان؟

ثالثا: مؤسسة الإفتاء في عُمان:

أ – كيفية تعيين المفتي في عُمان:

إن تنظيماً إدارياً بالمعنى الحديث لم يكن معروفاً لدى العُمانيين، إلاَّ في السبعينيات من القرن العشرين، إذ كانت المؤسسات التي تقوم عليها الدولة بدايةً من القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين الميلادي، هي مؤسسات تقليدية، يقوم بتعيينها الحاكم (الإمام-السلطان)، ويشرف هو على سير الأمور، وتنفيذ الأحكام وتطبيقها.

ولم يوجد في التاريخ العُماني -عند قراءته-أي مسمى للمفتي ككلمة (مفتي البلاد، مفتي الإمام، مفتي السلطان…). وإنَّما كان هذا المنصب يشغله كبار العلماء المحيطين بالحاكم أمثال:

1/ سعيد بن خلفان الخليلي (1236 هـ/1811م-1287هـ/ 1870م)، الذي كان المرشد لثورة الإمام عزَّان بن قيس (1868م -1871م)، ومنظمها، ومرجعها التشريعي، والقانوني، ورئيس قضاتها، ومفتِ علمائها([27]).

2/ نور الدين عبدالله بن حميد السالمي (1286 هـ/ 1868م-1332 هـ/ 1914م)، كان على غرار سلفه، اِنتهت إليه الرئاسة العلمية في عُمان، وأصبح المرشد الديني لحكومة الإمام سالم بن راشد الخروصي (1913م-1919م)، وكان المرجع الرئيس لِكُلِّ القضايا والفتاوى الحادثة في المجتمع([28]).

3/ عامر بن خميس المالكي (1280 هـ/ 1863م – 1346هـ/ 1927م)، بعد وفاة شيخه السالمي انتخبه العلماء عام 1914م-ليلقبوه بـ (مدير شؤون الإمامة) ([29])، وهو لقب استحدث في ذلكم الوقت، كما كان المرجع الرئيس لدولة محمَّد بن عبدالله الخليلي (1919م، 1954م)، الذي جعله رئيساً للقضاة، وقائماً بالمرجعية الروحية للدولة، ومفتياً لها([30]).

أو يشغله القضاة والولاة الفقهاء الذين يتم تعيينهم من جانب الإمام أو السلطان دون بيعة أو اِحتفال خاص، ومن المحتمل أن توصي جماعة من العلماء المحيطة بالإمام بفلان أو فلان، ولكن القاضي في اجتهاده يتمتع باِستقلال واضح… لماذا؟

لأَنَّهُم يختارون غالبا من بين صفوف العُلماء الذين يتمتعون بسلطات تشريعية وقضائية مستقلَّة([31]).

إضافة إلى عملهم كقضاة وولاة ومفتين فهم أيضا المؤرخون والمعلمون، ومن بينهم خرج بعض الشعراء المعروفين، وأخيراً فَإِنَّهُم المرجع الفقهي والأخلاقي للمجتمع وضميره([32]).

أما عام 1970م فقد تغير الأمر، إذ أصبح منصب المفتي من ضمن المؤسسات التي تقوم عليها الدولة، فقد تَمَّ تعيين أول مفتٍ رسمي لعُمان، وتقلده العلامة إبراهيم بن سعيد العبري (1312هـ/1894 م -1395هـ/1975م)، وبعد وفاته خلفه أحمد بن حمد الخليلي (المفتي الحالي للسلطنة)، وبتعيينه يصدر مرسوم سلطاني من حاكم البلاد، وتصبح أعمال الفتوى سواء للحكومة أو للأفراد مقصورة على مفتي السلطنة.

ب – وقت الإفتاء.

من خلال اِستقرائنا لمؤلفات الإباضية التاريخية والفقهية، لم نجدها تحدد وقتا للإفتاء يجلسه المفتي للناس، يستقبل فيه تساؤلاتهم واستفهاماتهم، إِلاَّ أن الذي نلحظه أن المفتي العُماني يجيب على أسئلة الناس في أي وقت من أوقات اليوم، بدءاً من طلوع الشمس إلى ما بعد صلاة العشاء.

وأسئلتهم للمفتي متنوعة في فَنِّها وهي مختلفة أيضا في طريقة إلقائها، فهناك الأسئلة الشفوية والتي ينقلها مُرَافقه أو جَامِع فَتوَاه بقوله: سُئل شيخنا، وهناك الأسئلة المكتوبة في أوراق، والمعروضة على المفتي فيجيب عليها في نفس الورقة وبتوقيعه. وأسئلة أخرى نظمية حيث إنَّ السائل ينظم السؤال شعراً فيجيبه العالم شعراً أيضا.

وفي الوقت الحالي حددت الحكومة دواما رسميا للمفتي، يكون موجوداً فيه من الساعة السابعة والنصف إلى الثانية والنصف، إِلاَّ أَنَّهُ لم يقف عند ذلك الدوام المحدد فنجده يجيب على أسئلة السائل حتى وهو مُنتـهٍ من الصلاة، أو عبر هاتف منزله، أو عبر البرنامج التلفازي [سؤال أهل الذكر]، وحديثاً أدخلت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية نظام الفتوى بالانترنت.

وقد أوضح هذه الحقيقة صحفي كويتي عندما كتب عن المفتي الحالي واصفا ما يدور مساء يوم الثلاثاء في جامع السلطان قابوس بروي بقوله: “ويتحلَّقون حول رجل نحيف القامة، يرتدي أبيض بأبيض، وبروح تقشف عز نظيرها، ويضعون بين يديه ما عندهم من هواجس ومشاكل وهموم، فيفتي بينهم ويريح صاحب الكرب، ويشفى غليل الحيران…..”([33]).

إلى أن يقول: “لم يكن الإفتاء عنده مكتبا فخما، ولا ديوانا متراميا، بل حسبه وهو يقابلك أن يتجمع فوق كرسي عادي، وبثوب أبيض عادي، وبعمامته العُمانية على رأسه، فإذا ناديته بصاحب السماحة، قال: استغفر الله، أنا عبد من عبيد الله، الضعفاء المساكين المحتاجين إلى مغفرة الله عز وجل ورضوانه”([34]).

أمَّا يوم الجمعة فيستقبل الزوار قبل الصلاة وبعدها إلى أن تحين صلاة العصر “فيبقى بعد العصر في الجامع للتلاوة والذكر والدعاء، حتى أذان المغرب ملتمسا الساعة المباركة، ثُمَّ يبقى إلى صلاة العشاء هناك ويحبسه الناس بعد الصلاة إلى وقت متأخر من الليل – أحيانا – يستفتونه ويستشيرونه”([35]).

إن هذه الكتابات تدل على أن المفتي العُماني قديما وحديثا أعطى وقته للناس، فهو يعالج مشاكل الأفراد من خلال إجاباته على الأسئلة المطروحة عليه، فهو لا يتقيد بنظام الوقت في الإفتاء، بل كل وقته إفتاء وإفادة، حتى وإن ألزم بدوام رسمي فهو لا يتقيد به؛ لأنه ينظر إلى المصلحة العامة ويقدمها على كل شَيْء.

وهنا نستكشف بعض الملاحظات:-

أ-المفتي العُماني متواضع حتى وهو على كرسيه الحكومي، فيستقبل الجميع في مكتبه، ويقضى لهم حاجاتهم.

ب-إِنَّهُ يلتقي بالناس بعد دوامه الرسمي في حلقة علمية، خصص لها مساء يوم الاثنين (درس فكري) في جامعة السلطان قابوس، ومساء يوم الثلاثاء (درس في التفسير) في جامع السلطان قابوس بروي، فيرشدهم ويفتيهم.

ج-في عطلته الأسبوعية وبالخصوص يوم الجمعة، وأثناء تفرغه للعبادة يحبسه الناس إلى وقت متأخر للفتوى والاِستشارة فيبقى معهم.

د-سهولة الاِلتقاء به في مكتبه، أو بيته، أو حيث يصلي فلا حراسة أو بوابين أو حجاباً. إنهم أعطوا الناس أوقاتهم ليحققوا فيهم الإصلاح المنشود، والاستقامة على منهج الله سبحانه وتعالى.

وهذه الصفات يفقدها الكثير من المفتين، فتجد الواحد منهم متربعاً فوق مكتبه لا يغادره، ولا يخالط الناس، ولا يعرف أدنى مشكلة من مشكلاتهم.

ج – مجلس الإفتاء: من خلال اِستقرائنا للتاريخ العُماني، بدايةً من القرن التاسع عشر إلى الثلث الأخير من القرن العشرين، نجد أن المفتي العُماني لم يكن له مجلس خاص يُطلق عليه مجلس الإفتاء، بل إن كل لحظة يختلط فيها بالمجتمع تعتبر مجلس إفتاء.

وقد بينّا آنفا الدور الذي كان يشغله العالم العُماني، فهو المدرس وفي أثناء تدريسه يفتي ويصدر الفتاوى، وهو القاضي بين الخصوم، فيحكم بينهم، ويفصل بين قضاياهم، ويفتيهم في أمور دينهم ودنياهم، وهو الوالي النائب عن الحاكم في المنطقة الموجود فيها، فيصلح أمر الولاية دينياً من خلال الفتاوى، ودنيويا من خلال المشاريع الإصلاحية في الولاية، وفتاواه إما أن تكون شفهية أو كتابية أو نثرية أو شعرية على حسب إلقاء السؤال ونوعه.

ويُمثل لذلك بـ (جوابات السالمي، فهي أسئلة نثرية سئل عنها فأجاب، وهناك أيضا بهجة المجالس لخلفان بن جميل السيابي، إذ هو عبارة عن أسئلة شعرية وأجاب عنها بنفس الوزن والقافية).

وقد اختلف الأمر عام 1970م، إذ أصبح للمفتي مكتب خاص يُطلق عليه مكتب الإفتاء، يتبع إدارياً وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، وللمكتب موظفون، وإداريون، يساعدون المفتي في تنظيم العملية الإفتائية، من حيث ترتيب الفتاوى، وجمعها، وتبويبها، وحفظها في السجلات الرسمية. كما أنَّ للمفتي معاونين من العلماء الشرعيين، أبرزهم مساعد المفتي، ومستشار مكتب الإفتاء لشؤون الفتوى، وعدد من الباحثين الشرعيين. والجميع كما تقدَّم مقيد بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، وتابع لها، إذ ليس لمكتب الإفتاء ميزانية مالية مستقلة.

وعندما اُستحدث هذا التصنيف الإداري، أوجد للمفتي دواماً مكتبياً ممتداً من الساعة السابعة والنصف صباحاً، إلى الثانية والنصف ظهراً، فيه يستقبل الوفود الرسمية، وأفراد المجتمع، ويجيب عن تساؤلاتهم واِستفساراتهم، كما أنه يلتقي بهم في أثناء إلقائه لدرسه الأسبوعي كل يوم ثلاثاء، في جامع السلطان قابوس بروي (الدرس خاص بتفسير القرآن الكريم)، أو عبر البث المباشر كل يوم أحد، في التلفزيون العُماني، عبر برنامج (سؤال أهل الذكر)، أو كل يوم جمعة بعد اِنتهائه من خطبة وصلاة الجمعة.

كل ذلك يجعلنا نقول: إن ليل ونهار المفتي العُماني قديماً وحديثاً هو مجلس إفتاء.

والمفتي العُماني يُفتي سائليه على حسب طبيعة سُؤاله، وإن بيَّن السائل أَنَّهُ على غير المذهب الإباضي، أو كان المفتي يعرف مذهبه، أجابه على حسب المعمول به في مذهبه، ونادراً ما تخلو فتاوى العلماء العُمانيين من ذكر الخلافات والاِتفاقات المذهبية، مع بعض الترجيح الذي يراه المفتي.

لذلك فإنني أرى أنَّ هذا المجلس الإفتائي فردي يتمثل في شخص المفتي وحده فقط، فلو أُضيف له الآن من حملة العلوم الشرعية، ودرّبوا على الإفتاء، ووزّعوا على المناطق العُمانية، ليمثلوا المفتي في المناطق الموجودين فيها، أو ليُرجِعوا مشاكل المجتمع التي يلاقونها إلى المفتي ليصدر فتاواه الإصلاحية فيها. كذلك لو تَمَّ توسعة مكتب الإفتاء، ليضم بجانب العلـماء الشرعيين، علماء واختصاصيين في (الطب، والاِقتصاد، وعلـم النفس، وعلم الاِجتماع، والبيولوجيا، والوراثة، والجنايات،…. وغيرها)، يرأسهم المفتي الرسمي للدولة، ويجتمعون في حال ظهور قضايا اِجتماعية، أو اِقتصادية، أو طبية، ليُدلي كُلّ واحد في العلم المتخصص فيه، ويناقشها من جانبه، لتخرج الفتوى إلى المجتمع وهي حاملة طابع التكامل من كل جهاته.

– خصائص الإفتاء في عمان

أ – اِستقلالية المفتي في عُمان

المفتي العُماني قديماً وحديثاًَ له اِستقلاليته في إصدار الفتاوى، فلا ضغوطات مفروضة عليه حتى ينتهج منهجا بعينه؛ والحكومة وإن كانت تدفع له مرتَّبه([36]) إِلاَّ أَنَّهَا تحترم اِستقلالية رأيه.

ولم توجد فتاوى خاصة، وفتاوى عامة، وَإِنَّمَا كُلّها تصب من منبع واحد، وتأخذ نفس الحكم، والمفتي يقّدر الجواب مراعيا أحوال السائل والزمان والمكان. ويذكر مؤلف كتاب المثقف والمناضل عن اِستقلالية المفتي العُماني ما يلي:-

– من حقه أن يرد علنا إذا تعرض للطعن والإهانة والهجوم([37]) من قبل شخصيات دينية عالمية أو محلية، ومثال ذلك ردّه على فتوى ابن باز التي يصف فيها العُمانيين الإباضية بقوله: ” [إن مفتي الإباضية] وهي طريقة للازدراء بمفتي عُمان، قال لي شخصيا إنَّ الإباضية لا يؤمنون بأن الله يُرى في يوم القيامة، وحاولت أن أنصح الإباضية بالتخلِّي عن مثل هذا الاِعتقاد”([38]). وقد نقل التلفزيون العُماني في عام 21/ فبراير/ 1987م ردّ المفتي العُماني على الفتوى البازيَّة.

– خطب الجمعة التي يلقيها المفتي كُلّ يوم جمعة، مرتجلا خطابه، تلقى اِستحساناً جماهيرياً وشعبياً كبيراً، وأيضا بموافقة المراتب العليا في الدولة وتنقل عبر التلفاز العُماني([39])، وهو بذلك يبتعد عن الخطب النموذجية التي تعدها الدولة لصلاة الجمعة، والتي يتمّ توزيعها على جميع الخطباء في كافة أنحاء السلطنة منذ عام 1983م([40]).

– للمفتي كثير من الأشرطة المسجلة، التي يبث فيها آراءه الفكرية، ويخاطب مستمعيه، ويحاول فيها الاِستشهاد بمؤلفات الآخرين، حتى ولو كانت محظورة في عُمان.

– فتاواه التي لا تأخذ نوعا معينا أو قسما خاصا بعينه، وَإِنَّمَا تعالج جميع المشكلات السياسية، والاِجتماعية، والاِقتصادية، وترد على اِستفهامات جميع الناس، وتبث مباشرة في التلفاز مساء كُلّ يوم أحد بعنوان [سؤال أهل الذكر]، ونشرت في مجلدات عدة تحت عنوان الفتاوى (الصلاة، الزكاة، الحج، النكاح، الزينة والأعراس، الجنائز…).

ب، خطة الإفتاء واختصاصات المفتي:

إن خطّة الإفتاء لم تظهر كمنصب رسمي في سلطنة عُمان، إِلاَّ في العقود الثلاثة الأخيرة، حيث استحدثت الدولة منصب المفتي، وأطلقت عليه مسمى [المفتي العام للسلطنة]، أما قبل ذلك فإن منصب المفتي يشغله أي فقيه قادر على اِستنباط الأحكام الشرعية من مكنوناتها، حيث كان بعض المفتين يمارسون إلى جانب الإفتاء مهام أخرى، فقد جمع العلامة ماجد بن خميس العبري أربعة مناصب [التدريس، القضاء، الولاية، الإفتاء] ([41]).

وتولّى الفقيه راشد بن سيف اللمكي منصبي القضاء والإفتاء([42])، وأيضا تولى هذين المنصبين العلامة خلفان بن جميل السيابي([43]).

والمفتي إبراهيم بن سعيد العبري تولى منصب القضاء والتدريس والإفتاء، وأصبح أوَّل مفت رسمي لعُمان عام 1973م([44]).

وخلفه بعد ذلك في نفس المنصب العلامة أحمد بن حمد الخليلي ويشغل إلى جانب منصب الإفتاء المناصب التالية:-

–     رئيس مجلس إدارة معاهد السلطان قابوس للثقافة الإسلامية.

–     رئيس معهد العلوم الشرعية.

–     عضو لجنة التظلمات (أعلى هيئة قضاء في السلطنة).

–      رئيس لجنة المطبوعات وتحقيق الكتب بوزارة التراث والثقافة.

–     عضو لجنة مطالعة الأهلة بالسلطنة.

–     عضو مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي.

–     عضو مؤسسة آل البيت [المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية].

–     عضو مجلس أمناء الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد بباكستان([45]).

وننبه هنا إلى أن إحداث خطة الإفتاء كمنصب رسمي لم يقيد الفتوى بعُمان، فقد بقي هذا الباب مرسلا ومفتوحا أمام كل فقيه قادر على ولوجه.

– خصائص الفتوى العُمانية.

أ- عدم اِلتزام المذهب الإباضي:

عندما نستقرئ كتب الفتاوى للعلماء العُمانيين نجد أَنَّهُم تخلو عن النزعة المذهبية، ولم يلتفتوا إليها، وإن كانت توجد بعض الفتاوى التي تحمل صبغة المذهب الإباضي، ويشار إليها بقول (أصحابنا)، إلا أنك في المقابل تجد مقارنة مع بقية المذاهب الإسلامية، حيث تجد كلمة، وهذا هو رأى الجمهور، ونبذ التعصب المذهبي هو السائد عند العلماء العُمانيين، فلا تكاد تطالع كتابا من كتبهم إِلاَّ وتجد الاِعتماد على كثير من كتب غير الإباضية، ومن بين ما اِعتمد عليه السابقون: “صحيح البخاري، ومسلم، والموطأ، وسنن أبي داود، والنسائي، والترمذي”([46]). والسالمي يقول عن نفسه في هذا الجانب:-

ولا تناظـر بكتــــــــاب         الله ولا كـلام الـمصطفـى      الأواه

معناه لم نجعل له نــظــيـــرا   ولو يكـون عالـــمـاً خبيـرا([47])

وقد علَّق الخليلي على فكر السالمي فقال: “والإمام السالمي -رحمه الله تعالى-غير متحيِّز إِلاَّ إلى الدليل، وقد كانت كتبه ملأى بآراء علماء المذاهب الإسلامية المختلفة، وكان يحرص دائما على ما يجمع الشمل ويرأب الصدع، وكان يستفيد مِـمَّا كتبه الكاتبون من العلماء البارزين في شتى المجالات، فقد كان كثيرا ما يعتمد في التفسير على الإمام الفخر الرازي، وبصماته واضحة في “معارج الآمال”([48])، كما أشبع كتابيه معارج الآمال، وشرح المسند بتحقيقات الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري، ويبدو أن الإمام كان معتنيا بالفتح أكثر من غيره من شروح كتب السنة”([49]).

أما العلامة الخليلي فقد أشبع كتبه نقلا عن الآخرين، وهذا واضح مثلا في كتابه جواهر التفسير([50])، حيث نقل عــن أبي حيان من كتابه (البحر المحيط)، الألوسي (روح المعاني)، ابن عاشور (التحرير والتنوير)، الفخر الرازي (التفسير الكبير)، ابن جرير الطبري (جامع البيان)، ونقل كذلك عن محمَّد عبده ورشيد رضا من كتابه (المنار)، وسيد قطب وغيرهم كثير.

ب- الاِستقلال في الفهم والبعد عن العصبية المذهبية: 

إن المفتي العُماني في فتاواه يحاول أن يبتعد عن العصبية المذهبية، فهو يوقر العلماء السابقين ويحترم آراءهم، وما مضى آنفا من اِعتماده على مؤلفات السابقين من أصحاب المذهب الإباضي أو المذاهب الإسلامية الأخرى، ما هو إلا دليل واضح على اِستقلاليته الفكرية وانحيازيته إلى الدليل فقط؛ فالسالمي يقول:-

        ونحن لا نطالـب العبـادا     فـوق شهادتيهـم اعتقــادا

        فمن أتى بالجمـلتين          قلـنا إخواننـا وبالحقـوق       قمـنا([51]).

وقد ألَّف الخليلي -المفتي الحالي- رسالة سماها “نبذ التعصب المذهبي” دعا فيها إلى الوحدة الإسلامية، وعدم التفرق على أساس المذهبية، والطائفية، ثُمَّ عقَّب ذلك بقوله: “وإننا والحمد لله ندرس كتب جميع المسلمين، من غير تفرقة بين مسلم ومسلم، ونأخذ الْـحَقّ متى نراه”([52]). وقد سبقه إلى ذلك السالمي حيث قال:-

      فنأخذ الحـق مـــــتـــى نــــــراه   لـو كـان مــبــغـض لــنـا   أتـــــاه

      والباطل المردود عندنا ولـــــو   أتى به الخل الذي له اصطفوا([53]).

وفي جواب للعلامة الخليلي عن حكم صلاة المخالف للمذهب الإباضي قال: “لم أتعرض في جوابي لصلاة الشافعي ولا غير الشافعي جوازا ولا بطلانا، وما كان لي أن أحكم ببطلان صلاة أحد يتمذهب بمذهب، ويؤدِّي صلاته طبق تعاليم ذلك المذهب، فإن علماء المسلمين لهم اجتهادات وآراء في الصلاة وغيرها من العبادات، ولا يعدّ الخلاف في ذلك من القضايا المفضية إلى الإشكال؛ لأَنَّهُ اختلاف فرعي يكون حتى في المذهب الواحد”([54]).

جـ- النزعة الإصلاحية:

تَجلَّت النزعة الإصلاحية في أغلب الفتاوى العُمانية، فالمفتي لا تمر به فتوى، أو يُسأل عن أمر إِلاَّ أوضح مُشكِلَه، وحاول إبعاد الناس عنه إن كان منكرا، وحببهم إليه إن كان خيرا. وقد اِتسمت بإصلاح الجانب الديني (العقدي) وإصلاح الجانب الاِجتماعي والأخلاقي، وتطرقت كذلك إلى إصلاح الجانب السياسي. ونجد المفتي يستغل جميع المناسبات لإرشاد الناس، ومن أمثلة ذلك:-

إن السالمي في مؤلفاته العقدية والفكرية يحرص على ما يجمع شمل الأمة ويلم شعثها، ويوحد كلمتها ويرأب صدعها، ولذلك يحرص على حسن الظن بالمسلمين الذين يدينون لله -تعالى-بالشهادتين؛ لأَنَّ للشهادتين حرمة عظيمة، ومن أمثلة ما قاله في ذلك ما جاء في أرجوزته:-

        ونَحن لا نطالــب الــعــبـادا     فـوق شهادتيهـم اعــتــقـــادا

        فمن أتى بالجملتيـن قــــلــنـا    إخواننـا وبالحقـوق قـــــمـنـا

        إلا إذا ما اظـهروا ضـــــلالا   واعتقدوا في دينهـم مـحـالا

        قمنا نبيـن الصـواب لــــهــم     ونحسبـن ذلك مـن حــقـهـم

        فما رأيتـه مـن الــتــــحــريــر في كتب التوحيـد والتقــريـر

        رد مسائـل وحـل شــبــــــــه    جاء بهـا من ظـل للــمـنـتبـه

        قمنا نردهـا ونبدي الــحـــقا     بجهدنا كي لا يضـلوا الخلقـا

        لو سكتوا عنا سكتنا عــنهم     ونكتفي منهم بأن يسلمـوا([55])

ولا أدلَّ على حرصه على جمع الكلمة تحت لواء التوحيد من رسالته الجوابية التي وجهها إلى المصلح والقائد الكبير سليمان باشا الباروني([56])، عندما سأله عن رأيه في اِجتماع المذاهب الإسلامية تحت كلمة واحدة، وما ينبغي أن يتخذ من الوسائل من أجل ذلك وقد أجابه إجابة شهيرة([57]).

د-الارتباط بالواقع:

من سمات الفتوى العُمانية في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين أنها ارتبطت بالواقع الذي صدرت فيه، حيث عايشت الأحداث السياسية والاِجتماعية في تلك الفترة. فقد عملت على وحدة الصف العُماني، ونبذ الخلافات القبلية الموجودة بين العُمانيين أنفسهم، وأيضا مواجهة الغزو البريطاني على المنطقة والتحذير منه، هذا على المستوى السياسي.

أما على المستوى الاِجتماعي: فقد تغلغلت الفتوى في نفسية الفرد العُماني، من خلال مخاطبتها لجزئيات حياته المختلفة، فهناك الفتاوى التي تبث الاِعتقاد الصحيح، وترك الاِستعانة بغير الله تعالى، وأيضا هناك الفتاوى التي تصحح ما شاع بين أفراد المجتمع، من بدع في الأعياد والولائم والمأتم.

رابعا: أرضية الإصلاح في الجانب الاِجتماعي:

الإصلاح الاِجتماعي من أولويات اِهتمام الفقيه العُماني، إذ يسعى لمحاربة البدع الضارّة ويدعو الناس إلى نبذها وتركها. ويسلك في ذلك سبيل التوعية والتنوير من خلال كشف اِنحرافها عن الشريعة الإسلامية. والعالم لم يكن دوره مقتصرا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على التنظير وتسويد الصفحات بل تعدى ذلك إلى اقتران القول بالعمل، ومخاطبة المجتمع من خلال اللقاءات والمحاضرات والاستفسارات، بما يجلو الأفهام، ويبعد الفكر عن كل ما يخالف المنهج الإلهي.

أ – أقسام البدع المنتشرة في المجتمع.

يُمكن تقسيم البدع المنتشرة في المجتمعات إلى أربعة أقسام:-

1/ قسم مصادم للدين أصلا وفرعا.

2/ قسم مقرر الأصل في الدين إلا أن العوارض التي عرضت له أبعدته عن الدين ومبادئه.

3/ قسم مضاد لطرف حفظ الصحة، وأساليب الوقاية المعرف بها في الشرع.

4/ قسم مضاد لقاعدة الاِقتصاد والتوسط، ومستند للإفساد والإسراف والتبذير([58]).

وقد بذل الفقيه العُماني وسعه في تخليص المجتمع من البدع المنتشرة فيه، إذ يحدّث العلامة الخليلي (مفتي السلطنة الحالي) عن ما وجده في المجتمع العُماني، فيقول: كانت صلاة الرجل سريعة جدا، يلتفت فيها يمنة ويسرة، لا يكاد يستقر رأسه، وقد وجدنا صعوبة في تعليم الناس قول: لا إله إلا الله، إذ كانوا يقولون: لا إله إنَّ الله.

وعندما سئل عن أهم الصعوبات التي واجهها في طريقه الإصلاحي، قال: الجهل من ناحية، وعدم تقبل الناس للإصلاح والإرشاد بسبب الجهل أيضا، فلم يكن هناك حماس لهذا الشيء كله، فقد كان شيئا غريبا بالنسبة لهم([59]). وقد حوت كتب الفتاوى الكثير من الإرشادات الدينية، إذ يستغل المفتي سؤال السائل عن حكم بعينه، فيبين له بما يجلو الفكر ويشرح النفس. وقد حوت مؤلفاتهم الأخرى إرشادات واضحة إلى أهمية ترك البدع والتخلص منها وضرورة التمسك بأهداب الشريعة الغراء، ونقتصر على نوعين من البدع هما.

– بدع المآتم والجنائز:

كما بينا من قبل اِهتمام العلماء والمفتين بتوجيه الناس في حال فرحهم وسرورهم نجد أنهم لا يتناسون الجانب الآخر، وهو جانب الحزن والمصائب، حيث يستمر التوجيه والإرشاد إلى قبول المصيبة بما لا يخالف أمرا من كتاب الله أو سنة نبيه محمَّد e.

وفي هذا المطلب نستقرئ المخالفات التي ابتدعها الناس رجالا ونساء في المجتمع العُماني، ووقف لها العلماء موقف المُغَيِّر والمُبَدِّل لهذه المخالفة.

فقد شاع بين المجتمع عند موت أحد الأقرباء العويل والصراخ والدعاء بالويل والشق للثياب؛ فأنكر ذلك السالمي فقال:

      ويجب الصبر مـع المصـاب فلاَ يجـوز الشـقّ للـــثــــيـــاب

      ولا يجـوز اللطـم للخـدود     ولا الدعاء بالويل والحقود([60])

وَمِـمَّا أنكروه ما شاع بين الناس من حمل الجنازات وتشييعها مع رفع الأصوات بالأذكار والدعاء وبقول (لا اله إلا الله) و (اذكر ربَّك يا غافل) و (صل على الحبيب محمَّد) فقد وردت فتاوى العلامة الخليلي([61]) كُلّها تنكر هذه الأفعال وتعدّها من البدع المنكرة، وأن على الناس الصمت والتذكر للموت والاتعاظ منه.

وهناك أيضا عادات مذمومة في المآتم تختصّ بها المرآة وتفعلها في أثناء العدَّة مثل:-

– لبس السواد، عدم النظر في المرآة، عدم رؤية الرجال، عدم الذهاب للمستشفى حتى ولو كانت مريضة… وغيرها([62]).

فأنكر العلامة الخليلي هذه البدع النسائية الضالة وبيّن مشددا على ذلك بقوله: “إن المعتدة لا تختلف عن غيرها إِلاَّ في ثلاث حالات، والزيادة على ذلك بدعة، فلا تتزين بلبس الحلي وما شابه ذلك، ولا تتطيب، ولا تتردد لغير حاجة، أما إذا دعتها الحاجة للخروج فتخرج…”([63]).

وأنكر السالمي كذلك في جواباته ما شاع في أوساط الناس من أن صاحب العزاء يصنع للمعزين الطعام ويقدمه لهم من مال الورثة حتى صاروا يتسابقون إلى ذلك، ويخرج صاحب المصيبة وقد حمل هَمَّ مَصَابِهِ وهَمَّ ديونه، فقال منكرا: “والسنة في العزاء أن يعمل جيران المصاب طعاما يرسلونه إلى صاحب المصاب، لأنه مشغول بمصيبتة عن معالجة الطعام، هذه هي السنة في أيام النبي صلعم، عكس الناس، فصار أهل المصيبة يطعمون الجيران، وغيرهم من المواصلين، فجمعوا عليهم هَميّن هم المصيبة، وهم المعالجة والمعاناة، وجمعوا عليهم مصيبتين مصيبة الحال، ومصيبة المال”([64]).

– إنكار ظاهرة الشعوذة:

 المفتي يحارب التوسُّل بغير الله تعالى ويرى أنَّ التعلّق بالخرافة ضرب من الكفر والشرك، فالله وحده النافع والضار. ولكن للأسف ترسَّخت في عقول بعض الناس أن هناك من يستطيع أن يكشف التحديات التي يواجهونها مثل: المرض، الجفاف، عدم التوفيق في الزواج… وهؤلاء هم المشعوذون والسحرة والكهان أو البُصَّار. لذلك تجد العوام الجهلة يذبحون لهم الذبائح ويقربون لهم القرابين ويستغيثون بهم طلبا لنفع أو درءا لضر.

وحيث إنَّ هذه الاعتقادات خرافية فقد واجهها المفتي بكل إنكار، وتصدى لإزالتها من عقول الناس وأفكارهم، إذ نجده يقول: “تصديق الكهان والعرافين والمنجمين والمشعوذين ضرب من الجاهلية التي جاء الإسلام ليحاربها أيما محاربة ولذلك جاء في الحديث: «من صدق بما يقوله أي العرافين والكهان فقد كفر بما أنزل على محمَّد e»([65])؛ لأَنَّ هذه الأمور أمور غيبية والغيب لا يعلمه إِلاَّ الله عزّ وجل، والنبي صلعم، على جلالة قدره وعظم شأنه لا يعلم الغيب إِلاَّ بما أوحاه الله إليه، فكيف نصدق أمثال هؤلاء الدجالين والكذابين الذين لا يخافون الله ولا رسولهe”([66]).

وفي بدعة لعبة الزار([67]) -كما يسمونها-وهي: أن يجتمع المغنون ويضرب له بالدف والطبل ويحصل الاِختلاط؛ لأجل أن يشفى المريض، ويكون المُعَلِّم على حسب تسميتهم يستحضر الجن والشياطين.

فشددوا النكير على من فعل هذا الفعل وبينوا معصية فاعله، حيث قال العلامة الخليلي: “والذي عندي أن مثل هذا الزار وعلاجه بالمعاصي والأوزار أَنَّهُ لا جواز له في حال؛ لأَنَّهُ نوع ضلال لِما به من فساد ظاهره في العباد، وليس هو من التداوي الجائز في شيء أبدأ…” إلى أن قال: “وليس في دين الله ولا في رأي المسلمين ما يبيح الرقص للزار في موضع الضرورة فضلا عن الاِختيار، ولكن في كتاب الله تعالى ما دلَّ على منعه، وأمر بقطعه؛ لأَنَّهُ في شمول المعنى أنواع من جنس الإعاذة بالجنّ والشياطين، واعتقاد النفع والضر منهم، وذلك باطل في الدين”([68]). وتابعه على ذلك المفتي الحالي حيث قال: “طلب العون والمدد من دون الله كفر به، ولا يفعل أمثال هذه الأمور إلا جاهل غارق في جهله إلى شحمة أذنيه…” ([69]). وهو رأي السالمي([70])، وفتاوى اللجنة الدائمة بالمملكة العربية السعودية([71]).

وعلى هذا فإنّ الإنسان عليه أن يستعين بالله تعالى في كُلّ خطوة من خطوات حياته، ويلتجئ إليه في كُلّ صغيرة أو كبيرة من أعماله، ولا يطلب من المخلوق نفعا، فَإِنَّهُ لن ينفعه أو يضره إِلاَّ بإذن الله، وعلى طلبة العلم أن ينشروا العلم بين الجهلة ويفقهوهم في الدين حتى تندرس هذه الأفكار والمعتقدات الخاطئة، ويتمسكوا بهدي المصطفى e.

نلحظ أن الإصلاح الإفتائي قد أدى دوره بين أفراد المجتمع، حتى أنهم يسألون المفتي عن كُلّ صغيرة وكبيرة من أمور حياتهم، ويلتمسوا الأحكام الشرعية في كل ما يستجد في العالم أو تصدره الحضارة الغربية، وهذا ما جعل الفتوى تخرج عن طور التقليد لتتجه إلى الإجابة عن كُلّ ما تفرزه الحضارة من تطورات.

أدرك المفتي العماني ضرورة مسايرة الفتوى لوقائع العصر المختلفة، فأجابت الفتوى عن كثير من الاستفسارات المختلفة في كثير من المجالات وهنا نقتصر على بعضها للمثال فقط.

– مسايرة الفتوى للمستجدات في المجال التعبدي.

– المفطرات في مجال التداوي.

 الصوم عبادة روحية يتقرب المسلم فيها إلى الله تعالى، محققا المقصد الرباني ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾([72]). فغاية الصيام السامية هي تقوى الله تعالى؛ إذ تنغرس هذه الفضيلة في جميع جوارحه، لتخرج منه مسلما متمسكا بالمبادئ الإسلامية كلها، والصيام هو الإمساك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس([73]).

فمن هذا التعريف نستمد أن الصائم يمتنع عن شهوتي الفرج والبطن، سواء كان هذا الداخل إلى الجوف مطعوما أم غير مطعوم. فإن دخل شئ إلى جوفه منهما فسد صومه([74]).

وفي هذا المطلب نستقرىء المفطرات في مجال التداوي؛ إذ أغلب المفطرات الأخرى ازدحمت بها كتب الفقه من العصور الأولى إلى عصرنا الحاضر، وتجد أسئلة الناس المتكررة عن أحكام واقعة في زاوية الفتاوى الرمضانية في الصحف والمجلات مع عدم وضوح الحكم الإفتائي في مجال التداوي، حيث نذكر بعض العلاجات الطبية وحكمها الفقهي، وأثرها على الصيام ومن ذلك نذكر الآتي:

– غاز الأوكسجين:

الأوكسجين هواء يستنشقه جميع الناس، ويحتاجون إليه لاستمرار حياتهم، فالسليم يأخذه من الطبيعة، أما المريض فيحتاج إلى وضع كمامة في أنفه موصولة بأجهزة لتساعده على اِستنشاق هذا الهواء واستمرار حياته.

ويرى الفقهاء أن اِستنشاق هذا الهواء عن طريق الجهاز غير مفطر لصيام المريض([75])، أما الأطباء فعضدوا حكم الفقهاء بقولهم: “الأوكسجين الذي يعطى لبعض المرضى هواء ليس فيه مواد عالقة، لا مغذيه ولا غيرها. ويذهب أغلبه إلى الجهاز التنفسي وتنفس الهواء كما هو معلوم ضروري لحياة الإنسان ولم يقل أحد أن استنشاق الهواء مفطر للصيام”([76]).

– ما يدخل عن طريق العين: الكحل وقطرة العين في نهار رمضان اِختلف فيهما الفقهاء، فمن قال: إنها تفسد الصيام ومن يرى خلاف هذا القول. والإباضية لهم رأيان في هذه المسألة: – فمنهم من رخص في الكحل للصائم ولو وجد طعمه في حلقه. جاء في بيان الشرع: “معي أَنَّهُ قيل: إن الكحل لا بأس به عندي ولو دخل في حلقه طعمه أو أي شَيْء منه تبين له؛ لأنه ليس في مجاري الحلق”([77]).

وفي كتاب النيل: ” والأكثر على إجازة الاِكتحال نهارا مطلقا”([78]). أما السالمي فعند ذكره لمسألة الكحل قال: ” وقد أجازه أصحابنا إذ لم تكن العين معهم من مجاري الطعام، فإن وجد في حلقه شيئا من ذلك مَجَّه ولا يبتلعه…” ([79]). وهذا الرأي موافق لما عليه الطب الحديث إذ يقول حسان شمسي باشا: ” والحقيقة أن كمية قطرة العين التي تعارف عليها الأطباء كمية زهيدة جدا وما يتذوق من طعمها المر فَإِنَّمَا يتذوق من مؤخرة اللسان حيث إن الحليمات الذوقية موجودة في اللسان فقط، وفي ظني أن قطرة العين لا تفسد الصيام”([80]).

أما أصحاب القول الثاني: فقالوا إن العين موصلة إلى الحلق والاِكتحال وقطرة العين مفطرتان لصيام الصائم. وهو قول الخليلي مفتي السلطنة الحالي([81]). وعليه فإنني أرجح الرأي الأول؛ إذ أن الكحل وقطرة العين لا تؤديان إلى المعدة أو الجوف؛ حيث إِنَّهُما طبيا لا يتعديان مؤخرة اللسان.

– ما يدخل عن طريق الأنف: إن كان ما يدخل عن طريق الأنف قليلا فذلك معفو عنه، أما إن كان كثيرا فهو ناقض للصيام ومفسد له.

– ما يدخل عن طريق الأذن: لا خلاف في الداخل عن طريق الأذن؛ لأَنَّ الأذن غير موصلة لجوف، فلهذا فإن دخول الماء أو الدواء إليها لا يؤثر على الصيام.

يقول محمَّد علي باشا: ” والطبلة مثل الجلد تماما في تركيبها وتشربها الدواء أو السائل مثل تشرب الجلد وتدخل في حكمه، لذا فإن ما يوضع في الأذن ليس سببا للإفطار ولا يصل إلى الجوف “([82]).

– الحقن أو الإبر الجلدية: الحقن التي تؤخذ عن طريق الجلد أو في العضل أو الوريد. العلماء نظروا إليها نظرتين اثنتين: -إبر غير مغذية: سواء أخذت للتداوي (خفض الحرارة، خفض الضغط)، أو كانت مشتملة على الفيتامينات. فهذا النوع لا يفطر الصيام([83]).

– إبر مغذية: فمن العلماء من يرى أنها مفطرة لأنها تحمل غذاء يصل إلى الجسم وفيها تغذية مثل (الجلوكوز) ([84]). ومنهم من يرى أنها لا تفطر لأنه لم يصل الغذاء إلى الجسم من منفذ طبيعي مفتوح بل لم يدخل إلى الجوف([85]). وهو الذي يرجحه القرضاوي.

– ما يصل الجسم عن طريق الجلد:

لا شك أن الأدهان الجلدية والمروخات واللصقات الجلدية التي تعطى للمصابين بالذبحة الصدرية كُلّها تمتصّ عن طريق الجلد، ولكن لا علاقة له بالجهاز الهضمي ولا تفسد الصيام([86]). وهو رأي مفتي السلطنة الحالي([87]).

– مسايرة الفتوى للتطورات الاِقتصادية.

– حقوق الملكية الفكرية.

إن للإنسان حق التملك في هذه الحياة، على اختلاف هذا التملك وتنوعه، فهناك التملك المادي لأرض أو عقار أو سيارة ونحوها ولكن لم يوجد لمن يملك موهبة علمية أثراها في التأليف حق الاِحتفاظ بهذه الثروة والمقاضاة عليها؛ إذ التاريخ لا يذكر إلا بعض أعطيات الخلفاء للعلماء مقابل تآليفهم العلمية، وَالْحَقُّ أن علماء عمان إلى وقت قريب لم توجد معهم كلمة حقوق الطبع محفوظة، بل إن أغلب الكتب تناقلوها فيما بينهم عن طريق النساخ، إذ إن الناسخ يفخر بهذا العمل ويذكر في آخر الكتاب: بخط ناسخه فلان أو نسخته لشيخي..- حتى أن نفس الكلمة لا تكاد تجدها في مصنفاتهم؛ لأنهم يرون أن حق العلم مشاع للجميع، وكتم العلم لا يجوز لحديث الرسول صلعم: «من كتم علما ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة».

وقد اِنقسم العلماء قسمين:-

– قسم يرى أنه لا يجوز طباعة أو نسخ أي مادة من المواد الفكرية إلا بإذن من أصحابها أو مالكيها.

– قسم يرى أنه لا حقوق لهم؛ لأَنَّ ذلك يعد كتمانا للعلم وحجرا على نشره.

وقد فصَّل الخليلي في هذه المسألة حيث أجاب: “لا يجوز الاِحتكار للعلم؛ فإن الانتفاع به حق مشروع، ولا أصل لقول: “أن حقوق الطبع أو النسخ محفوظة ” هذا في حال عدم تضرر مؤلف الكتاب أو ناشره([88]). أما في حال تضرر المؤلف أو الناشر فقد قال: ” فإن كان فتح باب الطبع أو التسجيل يؤدي إلى تضرر بعض المؤسسات التي قامت من أجل النهوض بالعلم ونشره، بحيث يخشى لو لم يتقيد بهذا النظام أن يفضى الحال إلى تعثرها وعدم قدرتها على النهوض بأعباء مهماتها العلمية فلا مانع من مراعاة هذا النظام والتقيد به، وهو مِـمَّا يدخل ضمن المصالح المرسلة التي اِعتمدها الفقهاء في ترجيح الآراء واِستنباط الأحكام”([89]).

ومهما يكن من رأي للعلماء فإن الحكومات قد راعت دور النشر والإنتاج الفكري بمختلف أنواعها، وأصدرت في ذلك الأنظمة التي تحمي حقوق الملكية الفكرية للآخرين، وقامت في نفس المنوال منظمات مهمتها متابعة القرصنة الفكرية وتقديمها للعدالة القضائية، وحماية الفكر بكل أنواعه؛ لهذا فإنني أرى أن العمل الذهني الذي يبذله المفكر بكافة أنواعه وأشكاله لابد أن يقاس بالجهد البدني الذي يبذله العامل في عمله، وأيضا لابد من حماية هذا الإنتاج الفكري من العبث والاستغلال، وإلاَّ أدَّى ذَلِك الأمر إلى تقاعس الناس عن العلم وطلبه، وأيضا اِنتحال الآخر وفكره.

– مسايرة الفتوى للتطورات الطبية.

– رفع أجهزة الإنعاش [الموت الدماغي].  

الإنسان في حياته الدنيوية قابل للتغيير، وفق النواميس الإلهية التي تعتريه، فمن صغر إلى كبر، ومن صحة إلى مرض، فيشكر الله تعالى على نعمائه ويصبر على بلائه. والبلاء الذي يصيب الإنسان يختلف من حيث الشدة والخفة، ومن بين ما يبتلى به المسلم، المرض الذي يصيب بدنه وينهك صحته. فلم يغفل عنه علماء الشريعة؛ إذ حوت المكتبة الفقهية الكثير من الأحكام التي تتعلق بالمرض، والتي ينبغي للمسلم أن يعرفها حتى يكيف حياته أثناء مرضه، كما يكيفها أثناء صحته.

ومن هذه الأحكام أهمية التداوي للمريض، والوقاية الصحية من المرض والتيسيرات الإلهية للعبادات أثناء المرض، وقد يبلغ المرض بالمريض شدته، فتعجز المؤسسات الصحية عن علاجه ويُخبر الأطباء أهله بموته دماغيا مع استمرار حياته صناعيا أي أن المريض يموت دماغيا مع استمرار نبضات القلب بفضل وجود الأجهزة، فإذا رُفِعت الأجهزة فإنه يفارق الحياة، فهل يجوز إنهاء حياة الميت دماغيا؟ إن هذه المسألة من المسائل المستحدثة فلم يتحدث فيها الفقهاء السابقون وخاصة في المذهب الإباضي؛ إذ لا نجد في تصانيفهم الفقهية ذكراً لها، إلا ما كان من جواب لمفتي عُمان الحالي حيث أجاب عن مثل هذا السؤال بقوله: ” الأطباء ذكروا أن المريض في هذه الحالة لا تكون فيه حياة إِلاَّ الحياة المكتسبة من وجود الأجهزة التي تبقي نبضات قلبه، وَإِلاَّ فإن حياته لا ترجى بحال من الأحوال، فإن كان المريض بهذه الحالة، وكانت هذه الأجهزة لا تكلف الدولة ولا تكلف المجتمع شيئا من النفقات، لو كان ذلك كذلك، فعندئذ إبقاء هذه الأجهزة هو الواجب لعدم التكليف، ولكن بما أن هذه الأجهزة مكلفة والحاجة إليها داعية، وقد يحتاج إليها من ترجى حياته، وهذا لا ترجى حياته، فسحب الأجهزة ليس قتلا له، وَإِنَّمَا هو أمر يترتب عليه أن تتوقف نبضات قلبه؛ لأَنَّ تلكم النبضات أصبحت صناعية بسبب ذلك الجهاز، والأجهزة تكلف حسبما فهمنا من الأطباء الدولة مبالغ هائلة مع رجاء الحياة لذلك المريض إذ هو في حكم الميت، وَإِنَّمَا نبضات قلبه كما ذكرنا لا تعدو أن تكون صناعية بسبب وجود تلكم الأجهزة، ففي هذه الحالة توفر فائدة هذه الأجهزة للذين ترجى حياتهم، لا للذي هو ميئوس من حياته”([90]).

وقال في موضع آخر: ” ولماذا تبقى هذه الأجهزة فيه؟ لأَنَّها مثار ريبة، ما دام معلوما أن الرجل ميت وأن هذه النبضات ليست إلا من فعل الأجهزة، وليست هي من إفراز الطبيعة، فيجب أن تفصل هذه الأجهزة حتى يتحقق موته، وعندئذ تترتب أحكام موته من إرث وغير ذلك…” ([91]).

وهو رأي القرضاوي حيث قال: “وبناء على ذلك يكون هذا أمرا مشروعا ولا حرج فيه أيضا، وبخاصة أن هذه الأجهزة تبقي عليه هذه الحياة الظاهرية، المتمثلة في التنفس والدورة الدموية، وإن كان المريض ميتا بالفعل، فهو لا يعي ولا يحس ولا يشعر؛ نظرا لتلف مصدر ذلك كله وهو المخ. وبقاء المريض على هذه الحالة يتكلف نفقات كثيرة دون طائل، ويحجز أجهزة وأدوية وأهله يظلون في قلق وألم ما دام على هذه الحالة، التي قد تطول إلى عشر سنوات أو أكثر…”([92]).

– رأي مجمع الفقه الإسلامي في رفع أجهزة الإنعاش:

قرر مجلس مَجمع الفقه الإسلامي ما يلي:-

يعتبر شرعا أن الشخص قد مات وتترتب جميع الأحكام المقررة شرعا للوفاة عند ذلك، إذا ثبتت فيه إحدى العلامتين التاليتين:-

 1/ إذا توقف قلبه وتنفسه توقفا تاما وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه.

2/ إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلا نهائيا، وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه وأخذ دماغه في التحلل.

وفي هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص، وإن كان بعض الأعضاء كالقلب مثلا لا يزال يعمل آليا بفعل الأجهزة المركبة([93]).

وبناء على هذه الآراء، فإن الطبيب لا حرج عليه وهو يزيل تلكم الأجهزة من المريض، ولا ضمان عليه؛ لأَنَّهُ يريد راحة المريض الأبدية أولا، وراحة أهله الذين سئموا الانتظار ثانيا، وآخرها يريد إنقاذ حياة مريض أخر يرجى شفاؤه بفضل هذا الجهاز.

سادسا: الإفتاء العماني والأحداث العالمية

– قضية الإرهاب:

الإرهاب ظاهرة عالمية شاملة، لا تختص بها المجتمعات الإسلامية وحدها، بل قد أصبحت من مميزات الحضارة الحديثة، خصوصا في الفترة الأخيرة التي اِستحكمت فيها مظاهر الأزمات العاتية، فعصفت باِقتصاديات البلدان الغنية والفقيرة، وأفضت إلى اختلال التوازن الاِجتماعي والسياسي في أغلب بلدان العالم وعلى رأسها البلدان الغربية ذاتها.

وتكفي الإشارة هنا إلى (الإرهاب الصربي) في يوغوسلافيا السابقة “الذي لا يدعى في الإعلام الغربي إرهابا مسيحيا على الرغم من أَنَّهُ يستهدف استئصال الإسلام في أوروبا باسم النقاء العرقي والديني. وكذلك الإرهاب الأيرلندي في بريطانيا، وحركات التطرف والعنصرية في ألمانيا وإيطاليا وأسبانيا… ([94]).

أما الإرهاب المنسوب إلى الإسلام والذي تروج له بعض الأنظمة، لا يرتضيه العقل ولا يقبله الدين الإسلامي، وَإِنَّمَا هو حماقات يرتكبها أناس باسم الإسلام. والإسلام براء من ذلك كله، وهذا ما لم يفتِ بإجازته عالم مترسخ في الدين أو متفقه في شرع الله تعالى، ويكفي هنا أن نورد إيضاحات حول هذا المفهوم لهذه القضية من كلام مفتي عُمان الحالي حيث قال: “أولئك الذين ارتكبوا المآسي العظيمة لم يبالوا بالحرمات؛ فقتلوا الأطفال والنساء وشردوا الآمنين وارتكبوا ما ارتكبوا باسم الإسلام، والإسلام براء من كل ذلك، فإن الإسلام دين يدعو إلى الرحمة في أي موقف من المواقف، ولذلك ينهى أتباعه كُلّ النهي وأشده عن العدوان، وحتى عندما يقابل المسلمون العدوان عليهم أن يردوا عدوان المعتدي وحده، وألا يتعدوا إلى غيره؛ فالله تعالى يقول في كتابه ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾([95]) فكيف يرضى المسلم مع ذلك أن يعامل إخوانه المسلمين من أهل بلدته، وأبناء جلدته هذه المعاملة القاسية؟ ويتنكر للمبادئ الإنسانية حتى يكون سبعا ضاريا لا يبالي بأن يفتك بالأطفال والنساء والشيوخ الكبار وكل ضعيف، إن هذه الحالة حالة شاذة بعيدة كل البعد عن تعاليم الإسلام وقيمه، فليت هؤلاء ما انتموا إلى الإسلام قط، وليتهم لم يرضوا بأن يلحقوا بهذا الدين الحنيف النظيف هذه التهم القذرة التي يبرأ الدين منها”([96]).

إنَّ ترويع الآمنين وقتل الأبرياء والأطفال والمستأمنين باسم الدفاع عن الإسلام، يعتبر مخالفة لمبادئ الإسلام، ولا يفعل ذلك إلا من ملأ الحقد قلبه ولم يأخذ من الإسلام إلا قشوره وترك لبه، وأين عن الجميع التعايش التسامحي في المجتمع المدني الذي كونه الرسول e وصحبه.

الملاحظ أن المفتي العماني يسعى إلى التسامح ويدعو إليه، ويحارب التعصب المقيت وينبذه، وهذا الفكر التسامحي نجده في أتباعه حيث إِنَّهُم ينظرون إلى الأحداث بنظرة واقعية ليس فيها غلو أو تطرف.

وأيضا لم يدع المفتي العماني إلى قتل الأبرياء مهما كانت ديانتهم ودعا للمحافظة على الاتفاقيات الدولية وعدم المساس بها.

 

الْخَـاتِمَـة:

– الفتوى في تنظيرها الكتابي لم تجد لها مؤلفا مستقلا عند الإباضية، وَإِنَّمَا ضمنوها مباحث في مصنفاتهم الفقهية.

– إن الفقيه العُماني لم يقتصر دوره على الإفتاء في مقره الرسمي، بل تعدى ذلك ليصل إلى أنه يجيب على أسئلة سائليه في أثناء وجوده في المسجد أو البيت، أو إلقاءه للمحاضرات والدروس الدينية، أو ذهابه لزيارة أصدقائه ومعارفه وهذا ملاحظ ومشهور.

– المفتي العُماني له اِستقلاليته التامة في إصدار الفتاوى، فلا يتعرض لضغوطات تجبره أن يصدر فتاوى تحليليه أو تحريميه أو إرضائية، ولا يحاول أن ينال بفتاواه رضاء أحد من البشر.

– لقد أبرزت هذه الدراسة فعالية الفقيه العُماني في محيطه الاِجتماعي طيلة القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، حيث اِلتزم بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا المبدأ لم يكن مبدأً تنظيرياً فقط، وَإِنَّمَا تعداه إلى مخاطبة الناس شفاهة بعاقبة من يصادم أمراً ربانياً أو يبتدع في الدين ما لم يأتي به الله.

ومن بين ما رصده الباحث من حضور للفقيه العُماني في الإصلاح الاِجتماعي الآتي:-

-مواجهته لِما اِنحرف عن الكتاب والسنة، من عادات الناس وتقاليدهم، سواء في حياتهم اليومية، أو مناسباتهم الخاصة والعامة، وسعى إلى توجيههم الوجهة الصحيحة، ومن بين تلك العادات التي أنكرها (عادة التبرج والاِختلاط، الزينة والتعطر، الشعوذة، بدع الأعياد والأعراس، بدع الجنائز).

– تصدِّيه للظواهر الدخيلة على المجتمع العُماني، وذلك من خلال تحريمه للتدخين، إذ لم يخالف في هذا الحكم أي من فقهاء القطر العُماني، ونبهوا المجتمع إلى مخاطره الاِجتماعية والصحية والمالية.

3- لاحظتُ أن الفتوى العُمانية كانت مسايرة للمستجدات العصرية، في الوقت الذي وجدت فيه، وعالجت مشكلات العصر الحديثة، بما لا يخالف الكتاب والسنة، وسيجد القارئ في ثنايا البحث الأمثلة البارزة لذلك.

–    الفتوى العُمانية لم توجد لها مؤسسة تحتضنها خلال القرون السابقة، إذ كانت الفتوى إما شفهية، أو كتابية، مع ملاحظتي أن أغلب الفقهاء العُمانيين نقرأ عن كنوزهم الإفتائية، لكننا لا نجد لها أثرا؛ والسبب الرئيس ما ذكرناه سابقا، وأيضا النفسية التواضعية التي اِلتصقت بالفقيه العُماني، وجعلته يُبعِد نفسه، أو طَلَبَتُهُ، أو سائليه عن الكتابة، والاكتفاء بالإجابة السريعة في الزمان والمكان.

–    إن ما قامت به الحكومة العُمانية من إنشاء للأمانة العامة للإفتاء، التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، جهدٌ تشكر عليه، إذ اِحتفظت بفتاوى علماء عُمان الحاليين، وكونت للفتوى داراً تحتضنها، إلا إنه يُراد منها أن تقوم بدورٍ أكبر في جمع فتاوى علماء عُمان السابقين، تحت سقف واحد، وتبويبها على أبواب العقيدة والفقه والمعاملات وغيرها، ونشرها في مجلدات تحمل عناوينها التي عنونها بها أصحابها أو مجلدا متكاملا يحمل مسمى (مسيرة الفتوى العمانية خلال مائة عام) أو غيرها من المسميات الأخرى، كذلك نشرها على الشبكة المعلوماتية؛ ليستفيد منها القراء والباحثون.

–    إن المفتي العماني الرسمي من المذهب الإباضي (المذهب الرسمي للدولة)، وطبيعة المفتي العماني قديما وحديثا أَنَّهُ لا يتعصب لمذهبه، وَإِنَّمَا يذكر في فتاواه الخلاف المذهبي، ولا يلزم سائله الأخذ بقوله، وإن كان السائل من غير المذهب الإباضي أفتاه المفتي بما يوافق مذهبه.

–    المجلس الإفتائي في عمان فردي يعتمد على شخص المفتي وحده، فلو أضيف له من حملة العلوم الشرعية ودربوا على الإفتاء ووزعوا على المناطق العمانية ليمثلوا المفتي في المناطق الموجودين فيها لأغنى الحركة الإفتائية في عمان.

–    إن الاِجتهاد الفردي الآن قد أدى دوره على أحسن وجه، إِلاَّ أن الاِجتهاد الجماعي إلى الآن لم يوجد في عُمان، لهذا فإن بعض القضايا العصرية لا تجد لها الإجابة المعالجة من جميع جهاتها، لهذا فإنني أقترح: توسعة مكتب الإفتاء، ليضم بجانب العلـماء الشرعيين، علماء واختصاصيين في (الطب، والاِقتصاد، وعلـم النفس، وعلم الاِجتماع، والبيولوجيا، والوراثة، والجنايات،…. وغيرها)، يرأسهم المفتي الرسمي للدولة، ويجتمعون في حال ظهور قضايا اِجتماعية، أو اِقتصادية، أو طبية، ليُدلي كل واحد في العلم المتخصص فيه، ويناقشها من جانبه، لتخرج الفتوى إلى المجتمع وهي حاملة طابع التكامل من كل جهاته.


[1]– ر/ ولستد جيمس: تاريخ عُمان، ترجمة: عبد العزيز إبراهيم، ط 1 / 2002م، دار الساقي، بيروت ص202. وما بعدها بتصرف. العبيدلي: أحمد، الدولة العُمانية الأولى، ط/ 1994م، دار جريدة عُمان، مسقط، ص45 وما بعدها.

[2]– ولستد: تاريخ عُمان، ص202.

[3]– لاندن: عُمان مسيرا ومصيرا، ص136.

[4]-ر/ لاندن: روبرت، عُمان مسيراً ومصيراً، ص46 وما بعدها. وفيه ذكر ما تقوم به القبيلة العُمانية من أدوار إيجابية وسلبية.

[5]– ر/ السالمي: عبدالله، تحفة الأعيان، (دت ط)، مكتبة الاستقامة، مسقط، 2/236 وما بعدها. غباش: حسين، عُمان الديمقراطية، ص226 وما بعدها، حيث ذكرا التنازعات القبلية في المجتمع الواحد، وأيضا: مطامع بريطانيا الاستعمارية، ومحاولة الحركة الوهابية الدخول في المجتمع العُماني.

[6]– لاندن: روبرت، عُمان مسيرا ومصيرا، ص49.

[7]– ر/ السالمي: محمد، نهضة الأعيان، (دت ط)، مكتبة التراث، ص72.

[8]-الهاشمي: مبارك، الإمام نور الدين السالمي وآراؤه في الإلهيات، ص52، بتصرف كبير.

[9]– السالمي: محمد، نهضة الأعيان، ص275 بتصرف.

[10]-ر/ السالمي: جوهر النظام، ج1، ترجمه المؤلف بقلم أبو إسحاق اطفيش، صز.

[11]-ر/ السالمي: عبدالله، شرح الجامع الصحيح، ط3، (دت ط)، مكتبة الاستقامة، روي، سلطنة عمان، ج1، مقدمة للكتاب بقلم عز الدين التنوخي، صط.

[12]-السالمي: محمد، نهضة الأعيان، ص45.

[13]-الهاشمي: مبارك، الإمام نور الدين السالمي، ص54-55.

[14]– ر/ قراءات في فكر الخليلي، ندوة أعدها المنتدى الأدبي وطبعها عام 1994م.

[15]– الحارثي: عبدالله، أضواء على بعض أعلام عُمان، ص34.

[16]– الحارثي: عبدالله، أضواء على بعض أعلام عُمان، ص59.

[17]– السالمي: جوابات الإمام السالمي، ط 2 / 1419 هـ – 1999 م، مطابع النهضة – سلطنة عمان، ص14.

[18]– الحارثي: عبدالله، أضواء على بعض أعلام عُمان، ص76.

[19]– م. ن، ص85.

[20]– الخصيبي: محمد، شقائق النعُمان، ط / 1984 م، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، المطابع الوطنية، مسقط، سلطنة عمان، 3/275 وما بعدها.

[21]– الحارثي: عبدالله، أضواء على بعض عمان، ص84 2.

[22]– م. ن، ص115.

[23]– العبري: علي بن هلال، العلامة المفتي إبراهيم العبري مؤرخا، ورقه قدمت في ذكرى المرحوم إبراهيم العبري 1999م وطبعت ضمن فعاليات ومناشط المنتدى الأدبي، ص19.

[24]– ر/ العامري: يوسف، سيرة العلامة سالم بن حمود السيابي، بحث مرقون مقدم للمعهد العلوم الشرعية السنة الجامعية، 2004-2005م، حيث حوى سيرته كاملة.

[25]– الجهضمي: زايد، من معالم الفكر التربوي، ص17 وما بعدها.

[26]– الخصيبي: محمد، شقائق النعمان، 3/357.

[27]– غباش: حسين، عمان الديمقراطية، ص220. عبيدلي: أحمد، الإمام عزان بن قيس، ص68.

[28]– السالمي: محمد، نهضة الأعيان، ص118 وما بعدها.

[29]– غباش: عُمان الديمقراطية، ص282.

[30]– م. ن، ص292. السالمي: محمد، نهضة الأعيان، ص466 وما بعدها.

[31]– م. ن، ص81.

[32]– م. ن، ص78 بتصرف.

[33]– الجهضمي: زايد، من معالم الفكر التربوي، ط 2 / 1424هـ – 2003م، مطابع النهضة، مسقط، ص71 وما بعدها.

[34]– م. ن، ص72.

[35]– م. ن، ص73 بتصرف بسيط.

[36]– كيبال وأخر، المثقف والمناضل، ص96.

[37]– م. ن، ص94.

[38]– ر/ م. ن، ص93. السيابي: أحمد بن سعود، الرد على فتوى ابن باز، ص3 وما بعدها. السبحاني: جعفر، أصول على الشيعة الإمامية، ص688 وما بعدها.

[39]– م. ن، ص93.

[40]– م. ن، ص92.

[41]– السالمي: محمد، نهضة الأعيان، ص385.

[42]– م. ن، ص232.

[43]– الحارثي: عبد الله، أضواء على بعض أعلام عُمان، (دت ط)، المطابع العالمية، سلطنة عُمان، ص94.

[44]– م. ن، ص115.

[45]– الجهضمي: زايد، من معالم الفكر التربوي، ص161 وما بعدها.

[46]– الخليلي: سعيد، التمهيد، ط / 1407هـ – 1986م، وزارة التراث العُمانية، مسقط، 6/12.

[47]– السالمي: عبدالله، جوهر النظام، تصحيح أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، (دت ط)، مطبعة النصر، القاهرة، 1/7.

[48]– ر/ على سبيل المثال: معارج الآمال، ط/ 1404 هـ -1983م، وزارة التراث العمانية، مسقط، 1/95، لمعرفة اِعتماد السالمي على أقوال الفخر.

[49]– الخليلي: أحمد، منهج السالمي في مؤلفاته الفقهية، قراءة مقدمة لندوة قراءات في الفكر السالمي، ط 1 / 1423هـ – 1993م، المنتدى الأدبي، وزارة التراث العُمانية، مسقط، ص26 وما بعدها بتصرف.

[50]– ر/ الخليلي أحمد، جواهر التفسير، ط / 1409 هـ – 1988 م، مكتبة الاستقامة، مسقط، لمعرفة منقولاته عن علماء المذاهب الإسلامية.

[51]– السالمي: عبدالله، كشف الحقيقة، ط 2 / 1411هـ – 1991م، مكتبة الضامري – سلطنة عمان، ص66.

[52]– الخليلي: أحمد، نبذ التعصب المذهبي، ط 1 / 1420 هـ – 2000 م، مكتبة الضامري – السيب – سلطنة عُمان،ص48.

[53]– السالمي: عبدالله، كشف الحقيقة، ص50.

[54]– الخليلي: أحمد، الفتاوى، ص218 وما بعدها.

[55]– السالمي: عبدالله، كشف الحقيقة، ص66 وما بعدها.

[56]– الباروني: سليمان بن عبدالله بن يحيى[الباشا]، (1287 هـ – 1870 م / 1359 هـ – 1940م) فذ من أفذاذ العلماء في العالم الإسلامي، وزعيم من زعماء النهضة العربية الإسلامية الحديثة. ولد بجادو في جبل نفوسه بليبيا. له زيارات إلى عدد من الأقطار العربية والإسلامية كالعراق وتركيا وسلطنة عُمان وغيرها. من أهم مؤلفاته: الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية. ر/ بحاز إبراهيم وآخرون: معجم أعلام الإباضية، 2/206، وما بعدها.

[57]– ر/ السالمي: محمد، نهضة الأعيان، ص122 وما بعدها.

[58]– ليوبي: لحسن، الفتاوى الفقهية، ص251 وما بعدها.

[59]– الجهضمي: زايد، من معالم الفكر التربوي، ص131.

[60]– السالمي: جوهر النظام، 1/160. والأبيات من بحر الرجز.

[61]– الخليلي: أحمد، فتوى مرقونة في مكتبة الباحث.

[62]– ر/ الخليلي: أحمد، المعتدة بين البدعة والسنة، ط 1 / 1416 هـ – 1996 م، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان، حيث ذكر فيه عدة المرأة الشرعية وحاول جاهدا محو البدع المنكرة في العدة.

[63]– م. ن، ص24.

[64]– السالمي: جوابات، 1/524.

[65]– رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، 5/42، حديث رقم 23528.

[66]– الخليلي: أحمد، فتوى مخطوطة بمكتبة الباحث.

[67]– ر/ صالح: عبد المحسن، الإنسان الحائر بين العلم والخرافة، ط2 / 1998م، عالم المعرفة – الكويت، ص85 وما بعدها، إذ تكلم عن هذه اللعبة في فصل سماه العلاج بالخرافات في بعض الشعوب العربية.

[68]– الخليلي: سعيد، تمهيد، 3/184.

[69]-الخليلي: أحمد، الفتاوى مخطوط في مكتبه الباحث.

[70]– السالمي: عبدالله، جوابات الإمام السالمي، 5/470.

[71]– الجريسي: خالد، الفتاوى الشرعية في المسائل العصرية، ص1481 وما بعدها.

[72]– سورة البقرة آية: 183.

[73]– الزحيلي: وهبه، الفقه الإسلامي وأدلته، 2/566.

[74]– م. ن، 2/566.

[75]– الصوافي: إبراهيم: الأدوية الحديثة وأثرها على الصيام، ط 1/ 1425هـ، مكتبة الكوكب الصغير، سلطنة عمان، ص22.

[76]– البار: محمد، المفطرات في مجال التداوي، بحث مقدم لندوة رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة، إشراف وتقديم: عبد الرحمن عبدالله العوضي، تحرير: أحمد رجائي الجندي، ط 1 / 1999م، المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، الكويت، ص394.

[77]– الكندي: بيان الشرع، ط/ 1404 هـ – 1984م، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 20/235.

[78]– اطفيش: شرح النيل، ط / 1406 هـ – 1986 م، وزارة التراث العمانية – مسقط، 3/345.

[79]– السالمي: معارج الآمال، 1،8/154.

[80]– باشا: حسان، التداوي والمفطرات، بحث مقدم لندوة رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة، إشراف وتقديم: عبد الرحمن عبدالله العوضي، تحرير: أحمد رجائي الجندي، ط 1 / 1999م، المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، الكويت، 1،8/154.

[81]– الخليلي: أحمد، الفتاوى [كتاب الصوم]، ص37.

[82]– البار: محمد، المفطرات في مجال التداوي، ص396.

[83]– ر/ القرضاوي: يوسف، المفطرات في الصيام، بحث مقدم لندوة رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة، إشراف وتقديم: عبد الرحمن عبدالله العوضي، تحرير: أحمد رجائي الجندي، ط 1 / 1999م، المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية – الكويت، ص342. الخليلي: أحمد، الفتاوى [كتاب الصوم]، ص42.

[84]– ر/ القرضاوي: يوسف، المفطرات في مجال الصيام، ص343.

[85]– ر/ م. ن، ص343.

[86]– باشا: حسان، التداوي والمفطرات، ص416.

[87]– الخليلي: أحمد، الفتاوى [كتاب الصوم]، ص47.

[88]– الخليلي: أحمد، فتاوى المعاملات، ص124 وما بعدها.

[89]– الخليلي: أحمد، فتاوى المعاملات، ص124 وما بعدها.

[90]– الخليلي: أحمد، الفتاوى مرقون بمكتبة الباحث.

[91]– م. ن، فتاوى مرقونه في مكتبة الباحث.

[92]– القرضاوي: يوسف، فتاوى معاصرة، 2/529.

[93]– الزحيلي: وهبة، الفقه الإسلامي وأدلته، 9/500، أبو غدة: عبد الستار، قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي، ص36.

[94]– ولد أباه: عبدالله السيد، كلمة ألقاها في المؤتمر القومي الإسلامي الأول، ط 1 / 1995، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ص456.

[95]– البقرة آية: 190.

[96]– الجهضمي: زايد، من معالم الفكر التربوي، ص155 وما بعدها.

 

*  ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان ” فقه النوازل وتجديد الفتوى”

المنعقدة خلال الفترة: 13-16 ربيع الأول 1428هـ/ 1-4 إبريل 2007م

سلطنة عمان – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك