الشيخ المحقق سعيد بن خلفان الخليلي والاجتهاد في الفتوى

الشيخ المحقق سعيد بن خلفان الخليلي والاجتهاد في الفتوى*

 إعداد: أ. سعيد بن راشد السلماني

 (الواعظ المكلف بالإشراف على الكوادر الوعظية بولاية السيب، سلطنة عمان)

 

الحمد لله الذي جعل أحمد أعلم هذه الأمَّة، وشهابها الذي يزيل عنها كلّ غمة، ونصلِّي ونسلِّم على الحبيب المصطفى، وعلى آله وأصحابه أهل الوفا، وعلى من سار على نهجهم واقتفى.

أمَّا بعد؛ فإنَّ العلماء على مرّ العصور وتعاقب الدهور، كانوا نبراس الأمة في جميع شؤون حياتها، والنور الوقاد في كلِّ ما يهمها في دنياها وأخراها؛ فلذلك كانت تدوّن أحوالهم وينقل كلامهم، ولاسيما فتاواهم في نوازل الناس من أحداث مستجدة وقضايا مستحدثة، ومن هؤلاء العالم المحقق الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، الذي كان مدار الفتوى وقطب الرحى في عصره. ونسأل الله التوفيق والسداد في هذا البحث المختصر عن المحقق الخليلي واجتهاده بالفتوى.

أولا: التعريف بالشيخ سعيد بن خلفان الخليلِي:

الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي من أقطاب عمان ورجالاتها على مرِّ التاريخ، وكان فريد عصره ووحيد زمانه، وبِما أن المنهجية العلمية تقتضي أن نقف لنعرف بالشيخ الخليلي وَإِلاَّ فهو أشهر من أن نعرِّفه نحن، وربَّمَا يشفع لنا وقفتنا هذه أن هذا العصر أصبح فيه رواد الحضارة الإسلامية من الصحابة والتابعين قد خفيت سيرتهم على أبناء هذا الزمان، فكيف بغيرهم من رجال العلم والفكر، وسوف نسلك سبيل الاختصار في التعريف بالشيخ الخليلي، ومن أراد التوسّع في التعرّف على هذه الشخصية العظيمة فليرجع إلى المراجع التي نعتمد عليها في تعريفنا به، ولنا في هذا المطلب المباحث التالية:

اسمه ونسبه:

سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح بن يحيى بن أحمد بن عامر بن ناصر بن عامر بن بوسالم بن أحمد، من نسل الإمام الخليل بن عبدالله بن عمر بن محمَّد بن الإمام الخليل بن شاذان بن الإمام الصلت بن مالك بن بلعرب الخروصي، نسبه إلى خروص بن شاري بن اليحمد بن عبدالله وعبدالله من سلالة نصر بن زهران بن كعب بن حارث بن كعب بن عبدالله بن مالك بن نصر بن أزد ابن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان([1]). والظاهر أن هناك بونا من الزمن بين الخليل بن شاذان والصلت بن مالك، وهذا ما دفع بعض الباحثين أن يقولوا إنَّ الخليل بن شاذان يأتي بعده، كذلك الخليل بن شاذان بن الصلت بن مالك([2]). والمحقِّق الخليلي من أسرة عريقة أسرة إمامة، إمامة في العلم وإمامة في الحكم، ففي سلالته نجد ثلاثة من الأئمة:

1-   الصلت بن مالك الذي بويع بالإمامة بعد الإمام المهنا بن جيفر سنة 273هـ، وقد عمَّر بالإمامة ما لم يعمر غيره من أئمة عمان([3]).

2-  الخليل بن شاذان، وهو إمام جليل عقدت له الإمامة سنة 407هـ، وكانت سيرته حسنة في الرعية([4]).

3-   الخليل بن عبدالله، من ذرية الإمام الجليل الخليل بن شاذان كانت بيعته بنزوى، وقاتل النباهنة فيها واستولى عليها([5]).

ويقول الشيخ خلفان بن جميل السيابي في هذا الفرع الذي ينتمي لهذه الدوحة الكريمة:

وفرع نمته إلى العلياء دوحـــــتــه      فناف عن فنن الْمَجد       الـمنيفات

والفرع يزكو إذا كانت مــنــابتـه   تعلقت بــجــــراثيــم زكــيــات

لاغرو لا بدع إن ساد الأنام       فقد تقدمته جدود خــيــر       سادات([6])

  مولده: اختلف في تحديد تاريخ مولد المحقق الخليلي لثلاثة أقوال:

1-        أبو بشير محمَّد بن نور الدين السالمي قال: بأن ولادته كانت عام 1236 هـ([7]).

2-        أما المؤرخ الخصيبي: قال بأنه ولد بتاريخ 1226 هـ([8]).

3-   والأرجح هو قول الشيخ أحمد الخليلي والشيخ سعيد القنوبي: ولد بتاريخ 1231 هـ.([9]) وذلك بناء على أنه توفي وعمره 57 عاما.

 نشأته:

تتَّفق المصادر على أن مولده كان ببوشر، والتي هي الآن من أعمال محافظة مسقط، وَإِلاَّ فالأصل أنَّ أجداده الأقدمين كانوا بالأصل من بهلاء، ومن ثمَّ طردهم بعض البغاة إلى إزكي حيث دارت بينهم وقائع اضطروا للنزوح منها إلى بوشر والاستقرار بها([10]).

والمحقِّق الخليلي توفِّي عنه والده وهو صغير([11])، فنشأ في كنف جده أحمد بن صالح الذي اهتم به وأحسن تربيته. ففي بوشر نشأ هذا العملاق ورضع لبان المجد، وسلك طريق العلم والسؤدد، وفي منشئه الأَوَّل بدأ دراسته للقرآن الكريم حفظا وتلاوة([12])، هذا الكتاب العزيز نجده يفجر في الشيخ ينابيع المعرفة وخزائن العلم وطاقات اليقين.

وبعد وفاة أبيه تزوجت أمه ببوشر بني عمران وكان – رحمه الله – يذهب يوميا ليسلم عليها،([13]) ثم انتقل لمسقط لطلب العلم بها على يد مشايخ أجلاء سنأتي على ذكرهم، وبعد أن تبحر في العلم انتقل للعيش في سمائل وقام بواجبه فيها خير قيام فنشر العلم والتف إليه الطلاب وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وصار يتنقل بين بوشر وسمائل، ففي الصيف أكثر ما يكون بسمائل وفي الشتاء ببوشر ([14]).

 وكذلك سكن فترة من الزمن بالرستاق ومسقط، وذلك فرضه عليه الدور السياسي الذي اضطلع بالقيام به حيث كان ذلك الدور على فترتين:

الفترة الأولى: بالرستاق وصحار وما حولهما حينما دعاه إليها السيد حمود بن عزان بن قيس بن الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي، لأجل أن يقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنظام يشبه نظام الحسبة، وكان معه الشيخ محمَّد بن سلطان البطاشي، ثُمَّ ما لبث السيد أن انقلب على المشايخ وأخرجهم من بلاده، عاد بعدها الشيخ الخليلي إِلَى بوشر([15]).

الفترة الثانية: وهي فترة يظهر فيها الدور السياسي والقيادي الكبير الذي قام به المحقِّق الخليلي، في بعث الإمامة من جديد والرغبة في تحكيم شرع الله حيث نصب الإمام عزان بن قيس البوسعيدي إماما على عمان، هو ومجموعة من المشايخ الأجلاء منهم الشيخ محمَّد بن سليم الغاربي وصالح بن علي الحارثي، واستمرت إمامته سنتين وأربعة أشهر (1869 – 1871هـ) وكان المحقق الخليلي رجل الدولة الأَوَّل في هذه الدولة الفتية، حيث استطاع توحيد عمان وطرد الغزاة الطامعين، وخلال هذه الفترة اتخذ منزلا بمسقط التي كانت عاصمة للدولة في ذلك الحين([16]).

حياته العلمية:

بعد أن نشأ الشيخ نشأة قرآنية تاقت نفسه للعلوم الأخرى، فانتقل إِلَى بلدة سيبا ببوشر للدراسة على يد الشيخ سعيد بن عامر بن خلف الطيواني فتعلم على يديه مبادئ العربية وعلوم الشريعة.([17])

ولقد اعتنى هذا الشيخ عناية فائقة بالخليلي، حيث يروى أَنَّهُ افتقده فترة من الوقت، فذهب لأمه يسألها عن سبب انقطاعه، فذهبت الأم بدورها لابنها فأخذت تلومه وتقرعه على تأخره عن شيخه، فذهب بعد ذلك لشيخه وهو يحمل باكورة إنتاجه العلمي وهي ألفية في فن الصرف شرحها بعد ذلك([18]).

فَلَمَّا توسَّعت مداركه رغب في الاستزادة من العلم؛ انتقل إلى مسقط، وهناك التقى بعالمين من علماء ذلك العصر، وهما:

الأَوَّل: الشيخ ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي وهو يتَّصل نسبه بالإمام الخليل بن شاذان بن الخليل بن شاذان بن الصلت بن مالك بن بلعرب الخروصي. ولقد ولد الشيخ ببلدة العِليا (بكسر العين) من وادي بني خروص سنة 1192هـ، وقد تلقَّى العلم على يد والده العلامة الكبير أبي نبهان جاعد بن خميس المسمى (العالم الرباني والسيد الرئيس)([19])، ولقد عانى كثيرا من شظف العيش وعدم الاستقرار، وابتلي بأهل زمانه لقيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولقد عاش سنة كاملة بعلاية نزوى لا طعام له إِلاَّ الخبز اليابس مع القاشع والليمون، وقد قال الشيخ ناصر عن تلك الفترة:

معيشتنا خبز لغالــــب قــوتــــنــــــــا   وماء وليمون ومــــلــــح وقــــاشــــع

فإن حصلت مع صحة الجسم          والتقى فيا حبذا هذا بما هــــــــو        قــــــانــــــــع

وَلَـمَّا علم عنه حاكم عمان بعصره السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي؛ قربه وأحسن وفادته واستقدمه لمسقط ومن ثم سافر معه لزنجبار وتوفي بها سنة 1263 هـ.

وكان للشيخ ناصر باع طويل في علوم الشريعة الغراء، وأصبح شيخ زمانه([20])، وقد تلقَّى منه الشيخ سعيد بن خلفان أصول الدين وأصول الفقه بتوسع، والفقه بأبوابه المختلفة، وكذلك فقد تأثر بمدرسته السلوكية، فالشيخ ناصر راسخ القدم في علمي الشريعة والحقيقة، وله مؤلفات كثيرة تفوق العشرين مؤلفا.

ولقد عرض المحقّق الخليلي ألفيته مقاليد التصريف على الشيخ ناصر، فأعجب بها وأمره أن يثبت عليها شرحا مختصرا، حيث يقول الخليلي في مقدمة كتابه مقاليد التصريف: “…فقد منَّ الله عليَّ بألفية مغنية في هذا الفن الشريف، سمَّيتها بمقاليد التصريف، وَلَـمَّا اطلع على نظمها العالم الرباني والبحر النوراني وحيد دهره بلا مُمانعة، وفريد عصره بلا منازعة، أبو محمَّد ناصر بن العلامة المولوي الولي أبي نبهان جاعد بن خميس الخليلي الخروصي أمرني أن أثبت عليها شرحا لطيفا مختصرا…”([21])، والذي يظهر أن تأليفه لمقاليد التصريف كان باكورة إنتاجه العلمي، حيث ابتدأ تأليفه وعمره 16سنة، ولقد ذكر كتابه مقاليد التصريف ما يقارب العشر مرات في كتابه مظهر الخافي الذي انتهى من تأليفه وعمره إحدى وعشرون سنة كما يظهر ذلك من مخطوطة “مظهر الخافي” (مخطوطة مصورة بقاعة عمان بمكتبة جامعة السلطان قابوس) التي أثبت فيها المحقّق الخليلي أنه انتهى من تأليفه للكتاب في 23 من ذي القعدة سنة 1257ه،ـ وعلى أساس أَنَّهُ ولد عام 1236هـ فيكون عمره 21 سنة، ثُمَّ توالت بعد ذلك مؤلفاته في العربية والفلك والسلوك وأصول الدين والفقه.

والشيخ الثاني: حماد بن محمَّد البسط الذي كان قاضيا بِمسقط ومطرح، وأصله من نخل بجنوب الباطنة، ومنه أخذ علوم العربية([22]).

وَلَـمَّا ظهر لهذا الشيخ نبوغ تلميذه طلب منه نظم كتاب “الكافي في علمي العروض والقوافي” للخواص البغدادي، فَلَمَّا عرض عليه النظم طلب منه أن يثبت عليه شرحا مختصرا، ففعل وسماه: “مظهر الخافي المضمن الكافي في علمي العروض والقوافي”، وقد بين الخليلي سبب تأليفه لهذا الكتاب في مقدمة كتابه بقوله: “التمس منِّي من كنت ربيط أسباب إحسانه، وغدوت مستمسكا بأوتاد فضله وامتنانه، ذلك الشيخ الفصيح الكامل الذي عناه وصحَّ باسمه هذا الأديب القائل:

           بسط الله نعمة لبني البـســط      كان الأولى بــهــا حــمـــــاد

           فهو لا زال حامد نعمة           المولى   وأولى بالنعمة         الــحــــمــــاد

فهو الذي تحكم علي بأن أنظم له كتاب “الكافي في علمي العروض والقوافي”، وهو كتاب حجمه لطيف مع أَنَّهُ شريف، أنشأه أبو العباس بن شعيب أحمد الشهير بالخواص فالتزمت إجابته…”([23]).

والمصادر لا تذكر شيئا عن الشيخ حمَّاد هذا إِلاَّ النزر القليل، لكن اطَّلعت على مسألة فقهية واحدة فقط في مخطوطة أجوبة الخليلي (رقم60أ) بمكتبة السيد محمَّد بن أحمد البوسعيدي بالسيب، والمسألة تظهر فيها الملكة الفقهية للشيخ حمَّاد البسط وملكة الترجيح التي تمكن منها.

وبعد فترة الطلب توجه الشيخ للعطاء فوفد إليه الطلاب من كُلّ مكان وقصدوه فتخرج على يديه طلاب كثيرون وردوا منهله العذب، فقام بالتدريس أولا في بوشر ثُمَّ انتقل لسمائل وأسّس بها مدرسة فكان ذلك سببا لكثرة من تخرج عنده، ولقد أنفق الكثير من ماله على طلابه حيث كان شديدا في اختبار من يفد عليه فلا يقبل إلا من عرف أن له رغبة أكيدة في طلب العلم؛ فأنتجت مدرسته الكثير من أساطين الفقه والأدب والقلم والسيف، نذكر منهم:

1-        الشيخ الأمير صالح بن علي الحارثي.

2-        العلامة محمَّد بن خميس السيفي

3-        الشيخ الأديب أبو وسيم خميس بن سليم الأزكوي.

4-        الشيخ القاضي سالم بن عديم الرواحي.

5-        الإمام عزان بن قيس البوسعيدي.

6-        الشيخ العلامة الأديب جمعة بن خصيف الهنائي.

7-        الشيخ عمرو بن عدي البطاشي.

8-        الشيخ حمد بن سليمان اليحمدي

9-        الشيخ سعيد بن ناصر الكندي.

5- إنتاجه العلمي: نكتفي بذكرها بالإجمال من غير تفصيل لها:

1-        مقاليد التصريف في فن الصرف، ثلاثة أجزاء مطبوع من غير تحقيق.

2-        مظهر الخافي في نظم الكافي في علمي العروض والقوافي”مخطوطة”.

3-        سمط الجوهر الرفيع في فن البديع “مخطوطة”.

4-        فتح الدوائر منظومة في العروض “مخطوطة”.

5-   كرسي أصول الدين في الولاية للمؤمنين والبراءة من الكافرين، قام بتحقيقه: خليفة البوسعيدي (يوجد بقاعة عمان بمكتبة جامعة السلطان قابوس) ولم يُنشر.

6-   إغاثة الملهوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويسمى كذلك إغاثة الملهوف بالسيف المذكر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قام بتحقيقه محمَّد بن سعيد المعمري، ويوجد بمعهد العلوم الشرعية ولم ينشر، وحققه الشيخ صالح بن سليم الربخي، وموجودة بقاعة عمان بجامعة السلطان قابوس ولم ينشر.

7-        لطايف الحكم في صدقات النعم، في زكاة الأنعام، محقق ومطبوع.

8-        رسالة في الجهاد وأحكامه، حققها محمَّد الرحبي (بمعهد العلوم الشرعية) ولم تنشر.

9-   النواميس الرحمانية في تسهيل الطريق إلى العلوم الربانية، مصور ومنشور وعني بنشره مكتب السيد محمَّد بن أحمد البوسعيدي.

10-  عسجدة المسكين شرح القصيدة السليمانية للشيخ أحمد بن مانع بن سليمان العقري، في الفلك والمنازل، مطبوع وعنى بطبعه مكتب السيد محمَّد بن أحمد البوسعيدي([24]).

11-     كتاب التيسير في شيء من النحو اليسير، حقَّقه محمَّد الذهلي (بِمعهد العلوم الشرعية) ولم ينشر.

12-    تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد مسائل الأحكام والأديان، طبع وزارة التراث في 12 جزءا.

13-     رسالة أخذ الخراج من الساحل، طبع بدون تحقيق.

14-     رسالة في الرد على المنذري وهي موجودة ضمن كتاب التمهيد

15-     رسالة في الانتصار للزمخشري (ذكرها الراشدي ضمن كتاب قراءات في فكر الخليلي).

16-     رسالة في علم التجويد مخطوطة بوزارة التراث ومكتبة السيد محمَّد بن أحمد البوسعيدي.

17-     ديوان شعري مطبوع جمعه وحققه عادل المطاعني

18-  أجوبة الخليلي وأجوبة المسائل، وهي مَجموعة كتب متفرقة مخطوطة تحمل هذا الاسم في مكتبة السيد محمَّد بن أحمد، ومكتبة التراث، وأغلبها يحتوي بعض كتب ورسائل الشيخ المذكورة سابقا، وبعض المسائل التي في غالبها تكرار لما في كتاب التمهيد.

 وفاته:

توفي الشيخ الخليلي في شهر ذي القعدة 1287هـ بمسقط([25])، بعد حياة قضاها في العلم والعمل ورفعة هذا الدين، والراجح أن عمره كان 57 سنة حين وافته المنية t وأرضاه وأسكنه فسيح جناته.

ثانيا: تحديد المفاهيم:

1- الاجتهاد: في اللغة: الاجتهاد مأخوذ من الجهد بفتح الجيم أو ضمّها ويعني: الطاقة، وورد في اللسان لابن منظور: الجهد الطاقة وجهد يجهد جهدا واجتهد، أي جد. والاجتهاد والتجاهد بذل الوسع، والمجهود والاجتهاد بذل الوسع في طلب الأمر، وهو افتعال من الجهد([26])؛ فمعناه اللغوي: هو استعمال القدرة الحادثة في تحصيل أمر على وجه يشقّ، يقال: اجتهد فحمل الصخرة، ولا يقال: اجتهد فحمل الذرة([27]).

أما تعريف الاجتهاد في الاصطلاح: فنجد أنَّ علماء الأصول اختلفوا في تعريفه ويؤخذ على بعضها أنها غير مانعة وليست بجامعة، ونحن هنا ليس مقصدنا تقصي أدقّ التعاريف وضبط أفضلها، بل نكتفي بذكر بعض هذه التعاريف؛ لأنَّ مقصدنا تقريب هذه المصطلحات وتحديد هذه المفاهيم، وَإِلاَّ فمعنى الاجتهاد لا يخفى على أحد، وإليك بعض هذه التعريفات:

1- عرفه الشيخ السالمي: هو أن يطلب الفقيه حصول حكم حادثة بشرع، ويبذل في ذلك مجهوده بحيث لا يُمكنه المزيد عليه في الطلب([28]).

2-  الغزالي: بذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة.

3- الآمدي: استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من نفسه العجز عن المزيد فيه([29]).

4-  الزركشي:بذل الوسع لنيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط.

5-  السبكي: استفراغ الوسع في إدراك الأحكام الشرعية.([30])

وبعد هذه الطائفة من تعريفات العلماء للاجتهاد يمكن أن نذكر تعريفا نظنه الأقرب للصواب، ومن ثمّ نأتي على شرحه شرحا موجزا:

” بذل الفقيه الوسع لتحصيل ظنّ بحكم شرعي عملي بطريق الاستنباط”([31]).

أ‌-                بذل: أي غاية الجهد بحيث لا يبقى لديه شيء من الطاقة، وبالعجز عن المزيد.

ب‌-     الفقيه: وهو إخراج للغوي والمفسر؛ فبذلهم للوسع لا يسمى اجتهادا في اصطلاح الأصوليين, والفقيه عند الأصوليين هو من لديه الملكة على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.

ج- تحصيل الظن: ليخرج البحث في الاعتقادات فإنه لا يكفي فيها الظن بل لا بد من الوصول فيها إلى العلم المفيد للقطع.

د- بحكم شرعي: فالمقصود هو الحكم الشرعي، وليس الحكم العقلي أو الحسي.

هـ – عملي: يخرج الاعتقادية.

و- بطريق الاستنباط: ليخرج أخذ الحكم من ظاهر النصوص أو عن طريق حفظ المسائل أو عن طريق الكتب أو سؤال العلماء.

2- الفتوى:

الفتوى لغة: أفتاه في المسألة يفتيه إذا أجابه، والفتيا: تبيين المشكل من الأحكام، أصله من الفتي الحدث الذي شبّ وقوي، فكأنه يقوي ما أشكل بيانه فيشب ويصير فتيا قويا. والفتيا والفتوى: ما أفتى به الفقيه([32]).

أما في الاصطلاح: فقيل هو الإخبار بحكم الله تعالى عن دليل لمن سأل عنه في أمر نازل([33]).

وقيل: هي الإخبار بحكم الشرع لا على وجه الإلزام.

وتطلق الفتوى: على الحكم الذي وقع به الإفتاء به، فيقال: فتوى مشهورة، والسائل الذي يرغب في معرفة الحكم الشرعي مِـمَّا نزل به يُسَمَّى المستفتي، والمفتي: هو الفقيه المجتهد الذي يعرف المقلدين بالأحكام الشرعية([34]).

وقد أجاد ابن القيم عند حديثه عن الشروط التي تجب فيمن يبلغ عن الله ورسوله “…وَلَـمَّا كان التبليغ عن الله -سبحانه وتعالى- يعتمد العلم فيما يبلغ والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إِلاَّ من اتصف بالعلم والصدق؛ فيكون عالما بِما يبلغ صادقا فيه، ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضي السيرة، عدلا في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحلِّ الذي لا ينكر فضله ولا يجهل قدره وهو أعلى المراتب السنيات؛ فكيف بِمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؟”([35]).

3- الاجتهاد في الفتوى:

فإذا علمنا معنى الاجتهاد ومعنى الفتوى كلا على حدة، فما المقصود بالاجتهاد في الفتوى، بالرجوع لكتب الأصول نجد مصطلح الاجتهاد في الفتوى، هي مرتبة من مراتب الاجتهاد حيث جعلوا مراتب المجتهدين ثلاث طبقات وهي:

1-  المجتهد المطلق أو المستقل: وهو من اتصف بملكة الاجتهاد المطلق، حيث حفظ وفهم أكثر الفقه وأصوله وأدلته وأدرك المقاصد الشرعية العامة دون التقيد بإمام معين أو مذهب معين، كفقهاء الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب.

2-     المجتهد المقيد (أو غير المستقل) وهذان قسمان:

الأول: مجتهد غير مقلد لإمامه في الحكم والدليل لكن نحا نحوه وسلك طريقته في الاجتهاد والفتوى، فما استحسنه من إمامه أخذ به وما رآه مخالفا لاجتهاده تركه. وهذا القسم فتواه كفتوى المجتهد المطلق في العمل والاعتداد بها في الإجماع والخلاف.

الثاني: مجتهد معتد بمذهب إمامه يستقل بتقرير الدليل لكن لا يتعدى أصوله وقواعده، فهو متأثر بمدرسة إمامه وعنده القدرة على التفريغ والتخريج في المسائل المستجدة مستندا لمذهب إمامه.

3-  المجتهد في الفتوى: وهو الذي ليس لديه القدرة على التخريج، بل له الملكة على الترجيح، ويسمَّى بصاحب الترجيح([36]).

فالاجتهاد في الفتوى: هو أن يستفرغ الفقيه جهده في طلب حكم بشرع لأجل أن يخبر به مستفتيه على غير جهة الإلزام؛ فالمجتهد بالفتوى يختلف عن مرتبة مُجتهد في الفتوى، أو ما يسمَّى بصاحب الترجيح، فالمجتهد بالفتوى قد تعتريه مراتب المجتهدين الثلاث، فربَّما يكون مجتهدا اجتهادا مطلقا في فتواه، أو مجتهدا اجتهادا مقيدا أو يكون مجتهدا في الفتوى “صاحب الترجيح”.

ثالثا: الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي والاجتهاد بالفتوى

أن الدين الإسلامي نزل وهو يتصف بخاصيتين تكفل له الوجود إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهما:

1-أَنَّهُ دين واقعي يقرّ بتطور الحياة وتجددها ولا يتصادم مع عجلة التطور بقدر ما يوجهها الوجهة الصحيحة.

2-أَنَّهُ هو الدين الخاتم الذي لا يأتي بعده أي دين ينسخه ويغير أحكامه، وهذا يضمن له الاستمرار والخلود.

فإذا علمنا هاتين المسلمتين في درك الإنسان الحاجة لذلك الفقيه المجتهد القادر على فهم قابلية النصّ الإسلامي لاستيعاب المتغيرات والمستجدات في الكون المحيط بنا، ولله در شيخنا أحمد الخليلي -حفظه الله-حين قال: “.. فما على المسلمين بعد بزوغ شمس الهداية أن يستقوا تصوراتهم من فلاسفة الشرق أو الغرب فالدين كامل والنعمة به تامة فما عليهم إلا أن يفجروا طاقات النصوص الشرعية التي يشع نورها كلما تراكمت فتن كقطع الليل المظلم حتى تبدد ذلك الظلام وبما أن ديننا علمي الشريعة فلا يمكن قصره بمكان أو تحديده بزمان إذ هو يطول الأقطار ويعم العصور استوجب الاجتهاد والتجديد لظهور قضايا لم ينص عليها الكتاب أو السنة صراحة”([37]).

ونحن نجد هذا القطر العربي الإسلامي عمان استطاع أن يقدم للأمة في كل عصر علماء مجتهدين سخروا علمهم وطاقاتهم لاستخراج مكنون الشريعة السمحاء وتنزيل أحكامها في الواقع ولم يتأثروا تأثرا كبيرا بفكرة سد باب الاجتهاد وتعصب كل أهل مذهب لإمامهم، هذه القضية التي جاءت متساوقة مع بداية تخلف المسلمين عن ركب الحضارة البشرية وإخلادهم إلى الأرض حيث ضعفت حركة الاجتهاد من بداية القرن الرابع الهجري وحكر الفقهاء أنفسهم في أقوال أئمة مذاهبهم حيث لم يتجاوزوا آراءهم وانحسار حركة الاجتهاد هي حالة طارئة مخالفة لروح الشريعة السمحاء بل هي مخالفة كذلك لأولئك الأئمة الفحول وهي أيضا مخالفة للمنطق والعقل هذا العقل الذي بدأ يغيب عن المعاش متزامنا مع شعور عام بالضعف والهوان والجمود والتحجر وتقديس العلماء السابقين وربما كان من أسباب هذه الحركة المخالفة لأسس سير الحياة البشرية النظم السياسية التي تسلطت على عقول الناس وفرضت عليهم ما يتناسب مع أهوائها ورغباتها حيث نجد أن الخليفة العباسي المستعصم أمر أساتذة المدرسة المستنصرية أن لا يتعدوا حدود كلام المشايخ السابقين؟.

أما عن الحياة الفكرية في عمان فلا نستطيع أن ندعي أنها تستطيع أن تخرج عن الإطار العام للأمة الإسلامية لكن الباحث المنصف يدرك أن المذهب الأباضي كان له دور ريادي في استمرارية حركة الاجتهاد والتجديد وذلك عن طريق مؤسسة أهل الحل والعقد حتى أن أحد الباحثين المنصفين الجادين استخلص من التاريخ العماني أهمية هذه المؤسسة فقال: ويستخلص بوضوح من التاريخ العماني أن العلماء أهل الحل والعقد ضمير المجتمع وممثليه قاموا بدور مركزيّ…. وفضلا عن دورهم كمرشدين روحيين للمجتمع وكقضاة وحراس لتطبيق مبدأ الشورى والعدالة الاجتماعية إلى غير ذلك، يعود إليهم أيضا أمر التشريع في إطار مبدأ الاجتهاد في كل مستجدات الحياة وخاصة في الشؤون التجارية والعلاقات الخارجية… فقد حرصوا أن يكون أيضا من خلال أعمالهم النظرية والفقهية والتاريخية ذاكرة هذه الثقافة السياسية بل ذاكرة الحضارة العمانية ثقافة وهوية([38]).

ولكن في هذا العصر نفض المسلمون عنهم ركام الجهل، وأخذوا يأتون هذا الفن من بابه، ولقد قال الشيخ علي يحيى معمر كلاما رائعا في ذلك: “.. وإنه لما يبعث على أن شرح قلوب المؤمنين أن أدرك أكثر علماء المسلمين في هذا العصر صواب هذه النظرة عند الإباضيَّة، فانتفضوا يقطعون هذه السلاسل التي كبلت فرقا من المسلمين عصورا طويلة، ويكسرون هذه الأبواب التي أغلقت دون الانطلاق في سماء التفكير والاجتهاد ويقتحمون هذا الميدان المهجور الذي خصصته النظرة الجامدة متحفا للموتى ويبيحون للمسلمين ما أباحه الله لهم بل ندبهم إليه ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾([39])“.

1- منزلته الاجتهادية:

إنّ العلماء المجتهدين الذين زخرت بهم هذه التربة الطيبة الشيخ المحقّق سعيد بن خلفان الخليلي الذي كان مرجع أهل زمانه، ومقصد السائلين وكعبة الوراد، فأثنى عليه علماء عصره ومن جاء بعدهم، فنجد الإمام القطب محمَّد بن يوسف اطفيش عالم إباضيَّة بالمغرب، والذي ألف أكثر من ثلاثمائة عنوان يثني على الشيخ سعيد بن خلفان ويصفه بِجامع المعقول والمنقول([40])، وعندما جاء لتفسير قول الله تعالى في سورة الفتح ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾([41])؛ فالزرع: النَّبِيّ e والشطء: أصحابه، وقيل: الشطء المسلمون إلى يوم القيامة، وهو قول حسن من جهة المعنى ونفس الأمر… وذكر جملة من الأئمة والعلماء ثُمَّ قال: كُلّ هؤلاء أئمة عدول كبار، ومن لم أذكر أكثر مِـمَّا ذكرت ومن أهل عصري العلامة سعيد بن خلفان”([42]).

والشيخ محمَّد بن سليم الغاربي -الذي كان معاصرا للشيخ الخليلي ومن كبار علماء الباطنة يومئذ-كان يطلق عليه إمام المذهب، ولقب الشيخ العالم النبيه مع أن الشيخ الغاربي وقعت بينه وبين المحقق الخليلي معارضة في بعض المسائل، وخاصة في مسألة تغريق أموال البغاة، لكن ذلك لم يمنع الغاربي من أن يخاطبه في أحد رسائله “بسيدي العلامة”([43]). وقال عنه الشيخ نور الدين السالمي في جوهر النظام:

           قاموا يحاكمون بها من          حكم    أيام عزان وذلك        الــعــلــــــم

           أفتى به في المال والنــخــيـــل   إمامنا الــمحقق الـخــلــيــلي

وذلك عند ذكره لمسألة تغريق الأموال، وكذلك يصفه في موضع آخر: “..فبقي الخطاب بينه (يعني صالح بن علي) وبين الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي عالم عمان في ذلك الوقت وأطلق عليه كذلك عالمهم الأكبر… وقد خرجوا ومعهم عالمهم الأكبر الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي”([44]).

أمَّا الشيخ أبو مسلم سالم بن عديم الرواحي فقد وصفه بعدد من الصفات منها قوله: “السيد الجليل العلامه الخليلي… سيدنا الخليلي -رضوان الله عليه أجمعين-… الجهبذة القطب للشيخ المحقق الخليلي”. وقال في موضع آخر: وإنما اتينا بهذا الأثر الرفيع عن سيدنا الخليلي -رضوان الله عليه- لزيادة التحقيق لتلك المعاني السابق ذكرها وحرصا منا على تحصيل بركات آثاره نفعنا الله والمسلمين بها في ديننا ودنيانا ورحمة الله وبركاته عليه وعلى مشايخ الاستقامة أجمعين”([45]).

أما الشيخ الفقيه الأديب محمَّد بن راشد بن عزيز الخصيبي فقد ذكره في منزلة أعلم الشعراء وأشعر العلماء وعده مع ثلاثة من علماء عمان بلغوا هذه المنزلة وهم ابن النظر والمحقق الخليلي وأبو مسلم الرواحي وعد الشيخ المحقق الخليلي بأنه ثاني ثلاثة في هذه المرتبة وقال فيه شعرا:

           والخليلي ذو العلوم ســعـيد       ابن خلفان كاشف المعضـلات

           الإمام المحقق القدوة الثـبــت     زكي الفعال خير الـثـقــــات([46])

أمَّا شيخنا أحمد بن حمد الخليلي فقد وصفه في إحدى الندوات بالعملاق العظيم، حيث قال: “..وإنِّي وان حاول الشيخ العزيز مدير الجلسة بأن يجعل بيني وبين المتحدّث عنه قاسما مشتركا، فإن هذا القاسم لا يعدو كونه مُحاولة للتتلمذ على تراث ذلك العملاق العظيم، وَإِلاَّ فَإِنَّهُ لا يُمكن أن يقاس ما بين الجبل الأشمّ وما بين ربوة متواضعة؛ لأَنَّ هذا القياس متعذر”([47]).

هذه الشهادات ناطقة بمنزلة هذا الرجل وعلو كعبه ورفعة درجته في أعين العلماء فهم الأدرى والأقدر على قياس درجته ومعرفة سعة علمه، فجميع معاصريه والمتأخرين عنه من العلماء شهدوا له بالفضل وسعة العلم ولقد تركنا الكثير من الشهادات مخافة التطويل واكتفينا بشهادة هؤلاء الفحول.

2- مكانته في الفتوى:

فإذا علمنا مكانته الاجتهادية في موازين العلماء فلنعلم أن هذا البحر استطاع أن يسخر علمه لإفادة الناس، وتبصيرهم بدينهم، وتنزيل حكم الله في معاش الناس، مع شدة تواضعه وتحرجه من المسارعة للإفتاء، فهو القائل في أحد فتاويه عن مسألة حدّ الخمر “…وقد تركت التعرض إلى ما فوق سؤالك بما دون الكفاية بما دونه وإنِّي لأكره أن أتعرَّض لكلام السلف بما دون هذه البحوث، ولولا أن الله قد أخذ الميثاق ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ لكان مني في غير هذا الموضوع ما رأيت”([48]).

وكانت تفد إليه مراسلات وفتاوى من زنجبار والمغرب العربي ومصر، وكان معه اتصال بالشيخ العلامة سعيد بن قاسم الشماخي الذي كان أحد رجال الإصلاح بِمصر؛ وقد انتقل إليها من تونس كسفير لها في أرض الكنانة، بعدما كان يسكن جزيرة جربة في تونس… بل إن هناك بعض الكتابات التي تدلّ على أن المحقق كانت بينه وبين علماء مصر الآخرين مراسلات أيضا([49])، وكانت تفد إليه فتاوى من وادي ميزاب بالجزائر مِـمَّا جعل الشيخ محمَّد بن يوسف اطفيش يعترض عليه في بعض المسائل التي اطَّلع عليها، وخاصة في مسألة الاستئذان، وقد ذكر تلك الاعتراضات في كتابه كشف الكرب.

وكذلك كانت بينه وبين الشيخ محمَّد بن علي المنذري عالم زنجبار يومئذ معارضات، مِـمَّا جعل الشيخ المحقق الخليلي يؤلف رسالة في الردِّ على المنذري، وقد تعرَّض فيها لمسألة جواز ذكر المفتي قولا واحدا للمستفتي المبتلى ببعض النوازل، ولم يكن قادرا على الترجيح حسب مقتضى حال المستفتي، ومسألة تنفيذ الوصية التي يوجد بها بعض الأخطاء في كتابتها.

وَلَـمَّا اطَّلع الشيخ المنذري على فقه الشيخ وسعة اطلاعه وقدرته على الاستنباط شهد له بذلك([50]).

ولمنزلته هذه تعددت الأسئلة والاستفتاءات الوافدة إليه فمن مسائل نثرية إلى فتاوي نظمية ومن شفهية إلى مطارحات فقهية ولمكانته الشعرية فقد كثرت الأسئلة الشعرية من تلاميذه خاصة فمن تلك الأسئلة سؤال لخميس بن سليم الأزكوي:

    يا شيخي الزاكي الأفعال والشــيــــم    ومن غدا في الورى نارا على عــلــم

    غير الخليلي ما أعني أحدا فــــهــــــو القمين بمدحي يا أولي الشــمــــــــــم

    فأوضحا لي فحوى قول ســيــــــدنا     محمَّد قال وهو الصادق الكــلــــــم

    ما إن يرد القضا إِلاَّ الدعــــــــــاء      ولا     يزيد في العمر إِلاَّ البر         فــــانــتــــــظــم

    هذا الحديث وأرجو كــشــــفــــــــــــه   لأرى كنه المراد وتم الآن مــــنــتظمي

فجاوبه الخليلي بقوله:

    هذا جواب قصير البــــــاع والــقــدم    عن حل مشكل أسرار الحديث عمي

    ما حل سائله يومــــا بــســــاحــتــــــه إلا لفقدان أهل العلم والــحــــكــــم

    إذ أصبح الناس من فرط العــبــــــادة   قد يستسمنون بلا شحم أخـــــا ورم

    إذ القضا على ضربــيــــــن قــــــــدره رب السماوات مولى بارئ النــــســم

    فمنه ما هو حتم لا مــــرد لــــــــــــــه كالموت للأجل المعلوم في الــــقــــــدم

    ومنه ما هو يقضيه ويــــعــــلــــمــــــه أن لا يكون بأسبــــاب بهــــن         حــمي

    منها الدعاء وسماه الــنَّــبِــــيّ          لــــــه ردا مجازا بحســــــــب         الظاهــــر… إلخ

وغيرها كثير من الأسئلة النظمية المبثوثة في سفر تمهيد قواعد الإيمان.

وباعتباره المرجع الأكبر لأتباع المذهب الإباضي في عصره، فقد تنوعت المسائل التي تفد إليه من العبادات والمعاملات إلى الأحكام والسياسة الشرعية، وما يدلِّل على سعة علمه وكثرة مستفتيه تعدّد الكتب التي اعتنت بجمع أجوبته وفتاويه.

3-كتب الفتاوي والجوابات للشيخ سعيد بن خلفان الخليلي:

لِمكانته في الفتوى السابقة الذكر فقد تناثرت فتاويه في المشرق والمغرب، ولم ييسر الله أن تجمع في كتاب جامع إِلاَّ بعد وفاته من قبل أحد تلاميذه، وهو الشيخ محمَّد بن خميس السيفي النزوي المتوفي سنة 1333هـ، وقد بلغ من العمر 72 سنة([51]). حيث قام بجمع الفتاوى جمعا أوليا في كتاب وسماه: “الجامع الصغير لكتاب تمهيد الإيمان وتقييد شوارد الأحكام والأديان”، فرآه غير مستوعب لمسائل الشيخ حيث يقول في مقدمة كتاب التمهيد: “كنت قد جمعت منها كتابا وسميته الجامع الصغير لكتاب تمهيد الإيمان وتقييد شوارد الأحكام والأديان من جوابات الشيخ العلامة سعيد بن خلفان؛ لكن جاء غير مستوعب المسائل والأبواب، ولم يفهم دليل القول فيه من لحن الخطاب، ولم يشتمل على كيفية النهاية والإتمام، عنَّ لي أن أجمع منها كتابا وألفه أبوابا ليسهل على المطلع إن أسفرت منه المطالع… وسمَّيته: “الجامع الكبير لكتاب تمهيد قواعد الإيمان، وتقييد شوارد مسائل الأحكام والأديان””([52]).

وهذا الكتاب قامت وزارة التراث والثقافة بطبعه في اثني عشر جزءا مع أَنَّهُ كان في الأصل أربعة مجلدات، والكتاب بِحقّ هو ثروة معرفية هائلة لِما اشتمل عليه من تَحقيق لمسائل عويصة، وتخريج لكنوز دفينة، وإفتاء في نوازل عصيبة، بل اشتمل على مسائل لغوية ومطارحات فقهية وقضايا عقدية، بخلاف الفتاوى الفقهية.

ولقد ذكر الشيخ السيفي في مقدِّمته لكتاب التمهيد أَنَّهُ قد ألحق بالكتاب مسائل للشيخ أبي نبهان حيث قال: “وقد ذيَّلنا بعض مسائل هذا الكتاب بأجوبة نسج طرتها، وأبرز للمبصرين غرتها، السيد الجليل أبو نبهان t توضيحا لِما أبهمه شيخنا الخليلي من لبس وإبهام”.

فإن كان أكثر السيفي من ذكر جوابات للشيخ أبي نبهان، لكنا نجد كذلك فتاوى وجوابات للشيخ محمَّد بن سلطان البطاشي، وأيضا: للعالم ناصر بن خميس بن جاعد بن خميس الخروصي([53])، وكذلك جوابات للشيخ محمَّد بن سليم الغاربي([54])، وكذلك مسألة عن القطب([55])، وكذلك ينقل أبوابا من كتب المحقق الخليلي، فهو ينقل من كتاب لطايف الحكم في صدقات النعم، وكذلك من كتاب إغاثة الملهوف بالسيف المذكر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك من رسالة الجهاد، ورسالة ترد للمحقِّق الخليلي ضمن كتاب التمهيد سماها “كتاب الدرة النورانية في الأحكام القرآنية” في عشر صفحات تَقريبا، نقلها السيفي كما يذكر من تساويده في قرطاسة، والذي يظهر أنَّ المحقق لم يتمكَّن من إكمالها([56]).

وكذلك رسالة من عشر صفحات في تفسير سورة الفاتحة([57])، وكذلك خطب بليغة لصلاة العيدين، وكذلك لفظ البيعة للإمامة، وبعض أحكام ومكاتبات الإمام عزان بن قيس، فالشيخ السيفي حفظ لنا تراث قرن كامل، ولولاه لذهب أكثر هذا النتاج الفكري هباء منثورا.

وما يجدر ملاحظته على كتاب التمهيد بطبعته الحالية أَنَّهُ اشتمل على كثير من الأخطاء المطبعية، ولم يحقق تَحقيقا علميا مِـمَّا دعا سماحة الشيخ أحمد الخليلي أن يقول:”إن الذي يطالع الآن ما طبع من مؤلفات الشيخ رُبَّمَا ينتقل من الجهل البسيط إلى الجهل المركب، بسبب الأخطاء التي ملئ بها كتاب مقاليد التصريف، والتي امتلأ بها أيضا كتاب تَمهيد قواعد الإيمان، فكم كنت أتَمنَّى أن يكون الكتابان مطبوعين طبعة مُحقَّقة علمية للاستفادة من هذا التراث العلمي الواسع”([58])، كذلك يسر لي المولى -جل جلاله- أن أطَّلع على بعض المخطوطات التي تَحمل اسم أجوبة المحقق الخليلي في كُلّ من دار المخطوطات والوثائق بوزارة التراث والثقافة، ومكتبة السيد محمَّد بن أحمد البوسعيدي المستشار الخاص لصاحب الجلالة للشؤون الدينية والتاريخية، وهي كالتالي:

1- المخطوطة رقم “183أ” بمكتبة السيد محمَّد بن أحمد البوسعيدي عدد ورقاتها 524.

والمخطوطة تشتمل على كتب: لطايف الحكم، وإغاثة الملهوف، ورسالة الجهاد، وبعض المسائل العقدية، ومسألة في تكبيرة الإحرام والأذان.

2- المخطوطة “442أ” بمكتبة السيد محمَّد بن أحمد البوسعيدي الخاصة بالسيب، تشتمل على العديد من المسائل الفقهية المهمة، كمسائل التسعير، وفتنة الصحابة، وأخذ الخراج من الساحل، وتغريق أموال البغاة، وغيرها من المسائل المتفرقة.

3- المخطوطة “60أ” بمكتبة السيد محمَّد بن أحمد البوسعيدي الخاصة بالسيب وهي مخطوطة مصورة كذلك تشتمل على رسالة الجهاد وكتاب إغاثة الملهوف ورسالة الرد على المنذري، ومجموعة من جوابات المشايخ جاعد بن خميس الخروصي وابنه الشيخ ناصر والشيخ محمَّد بن سليم الغاربي، والشيخ جميل بن خميس السعدي، ومسألة للشيخ حماد البسط مع فتاوى الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، ومراسلات المحقق الخليلي للإمام عزان بن قيس.

4- المخطوطة رقم “729” بِمكتبة السيد محمَّد بن أحمد البوسعيدي الخاصة بالسيب، وهي مخطوطة في الأصل لكتاب “الشمس الشارقة” للشيخ أبي عبيد السليمي، قد ألحق بها مسألة تكبيرة الإحرام للشيخ الخليلي في 30 صفحة تقريبا.

5- المخطوطة رقم “2844” بدار المخطوطات بوزارة التراث والثقافة، فقد ابتدأت بكتاب لطائف الحكم، ومن ثمّ شرح القصيدة الدالية للمحقّق الخليلي التي شرحها الشيخ جمعة بن خصيف الهنائي، ومجموعة من قصائد المحقق الخليلي، وقصيدة للشيخ محمَّد البطاشي فيمن قال بالرؤية، وخطب المحقق الخليلي للعيدين، ومسألة أخذ الخراج من الساحل، ومسألة تغريق أموال البغاة، وفي النهاية رسالة الجهاد.

6- المخطوطة الرقم العام “1479” الخاص “192ب” بدار المخطوطات بوزارة التراث والثقافة؛ فقد ابتدأت أيضا بكتاب لطايف الحكم، ومن ثمَّ بِمسائل الزكاة والنكاح وباب في النوافل وباب في المساجد والطرق وأحكامها، ومسائل في الأذان والإقامة والوصايا، وختمت برسالة الرد على المنذري.

والذي يظهر أنَّ هذه المخطوطات هي كتب خاصة قام أصحابها بِجمع بعض النتاج العلمي للمحقِّق الخليلي، والمادة العلمية التي اشتملت عليها هذه المخطوطات هي أبواب لكتب متفرقة للمحقق الخليلي وهي موجودة، وبعضها محققة بحمد الله وبعضها نشر، والآخر ينتظر من يقوم بنشره، أما المسائل والفتاوى التي في بطون هذه الكتب، فأغلبها موجود بكتاب تمهيد قواعد الإيمان، مع العلم أن هناك مخطوطات تحمل نفس الاسم “أجوبة المحقق الخليلي وأجوبة المسائل” متفرقة في مكتبات عمان الخاصة، ونؤكد على ما قاله الباحث محمَّد بن سعيد المعمري: “…ينبغي التأكد من عدم تكرارها -أعني تكرار المسائل التي فيها- إذ هي تجميع أناس مختلفين في أزمان متفاوتة، وهذا لا يكون إِلاَّ بتظافر الجهود، وتشكيل لجنة من عدَّة أفراد يقومون بحصر كُلّ كتب المحقِّق الخليلي، ومن ثمَّ فرزها وتقسيمها وتبويبها تلافيا للتكرار، وحفظا لها من الضياع”([59]).

4- منهج الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي في فتاويه:

إن العلماء المجتهدين في كُلّ عصر تبرز لهم سمات خاصة في المنهج الذي يَخطونه لأنفسهم، في إصدار فتاويهم والرد على مستفتيهم، والمحقق الخليلي باعتباره قطب الرحى ومدار الفتوى في عمان، في عصر مليء بالمتناقضات السياسية، والنزاعات القبلية والفتن الداخلية والأطماع الخارجية، كان لابد أن يكون له نهج خاص في التعامل مع مستجدات عصره وقضايا مُجتمعه.

فمن خلال تتبعنا لكتاب التمهيد وبعض المخطوطات التي جمعت فتاوى الشيخ يتبيَّن لنا بنظرنا القاصر شيئا من النهج العام، والخطوط العريضة لمنهج المحقق الخليلي في فتاويه، ولا نقول إنَّنا نستطيع أن نسلِّط الضوء على المنهج، فنحن أقصر هامة من أن نتطاول على ذلك العملاق، ولكن نبذل قصارى جهدنا بأن نبيِّن شيئا من ذلك المنهج بحسب ما هدانا إليه رشدنا، فنجد أن المحقق الخليلي يتسم بالآتي:-

1- اعتماده على الأدلَّة الشرعية: فهو وقَّاف عند نصوص الشريعة الغرَّاء، يغوص في أعماقها ويسبر أغوارها، يلتمس الدليل من مظانّه ويطرحه على بساط التحليل والتفكير وفقا للقواعد الأصولية، حيث يقول مبيِّنا ذلك “لا يكون إِلاَّ بِمقدمات تخرج بالتأويل من كتاب أو سنة أو اجتماع، أو أثر صحيح، وهذا بحر واسع، يعسر الخوض فيه”([60]). فاعتماده على الأدلَّة الشرعية يجري فيه وفق أصول الفقه، ويستشهد أحيانا بأئمة هذا الفن في فتاويه كالغزالي مثلا، فمن ذلك قوله: “الاجتهاد الفقهي في أصله أمر ظنّي لا مدخل له في البراهين القطعية، فيجوز التعلّق فيه بأدنى سبب، كما صرَّح به الغزالي”. وإن كان المحقق الخليلي لا يكثر من تلك المصطلحات الأصولية في فتاويه، ولكنه يجري وفق ذلك في الأدلَّة الشرعية واعتمادها من عدمه، بناء على المعايير الأصولية.

ولقد بيَّن الشيخ الأصول التي يعتمد عليها، وقد نص على ذلك بقوله: “وأعلم أن أصول الدين ثلاثة بلا خلاف: كتاب وسنة وإجماع، وإن اختلف أهل الكلام والنظر في ثبوت الإجماع وفي معناه وما ينعقد به، كاختلاف العلماء في ذلك، فليس هنا موضوع بحثه، والفروع في قول أصحابنا ثلاثة أيضا، سمّيت فروعا لتفرعها من الأصول الثلاثة، كما تتفرَّع الشجرة من أصولها، ألا وهي في قولهم: الرأي والقياس والأثر”([61]).

فالقرآن الكريم هو الأصل الأَوَّل، فبما أَنَّهُ قطعي الثبوت لكن دلالته رُبَّمَا تكون قطعيه، فهنا لا يجوز الاختلاف في فهم المراد منه، وَأَمَّا إذا كانت الدلالة ظنية، فلابد أن يجري فيه وفق القواعد الأصولية، ولذلك فهو يوجه أحد مستفتيه بقوله: “القرآن لا يجوز خلاف أحكامه، لكن فيها عموم وخصوص ومحكم ومتشابه، وقد بينته السنة، واستقر على تفصيله الإجماع في موضعه، والاجتهاد في مسائل الفروع، والتعلّق بظواهر الألفاظ لا يسوغ في غالب العبارات القرآنية… فالأمر بالحدود ظاهره مطلق الإباحة لِكُلِّ قادر؛ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾([62])، والإجماع أن هذا للأئمة وقد بينت السنة ذلك”([63]).

أما السنَّة النبوية فهي الأصل الثاني من أصول الشريعة الغراء، ولا بأس أن نذكر نماذج من تعامله مع السنة النبوية؛ فعندما سئل عن حديثين ومدى صحَّتهما جاء جوابه كالتالي: “اعلم أن الحديثين المسؤول عنهما والمؤسسة هذه البحوث فيهما هما من الأخبار المقاطيع التي لم يَثبت لها سند صحيح، ولم نجدهما فيما وقفنا عليه من صحيح جوامع الحديث، كالصحيحين والموطأ وأصحاب السنن الثلاثة أبو داود والنسائي والترمذي، وبحسب ما في تيسير الوصول وجامع الأصول كلا، ولا حفظناهما فيما عرفنا من أصحابنا من خبر في صحيح الأثر، إلاَّ أنني لا أستبيح ردهما جحدا وجزما إذ لم أتيقنهما علما لإمكان أن لا أحيط خبرا، بما شاع بين الناس ذكرا، ولا أجيز اعتقادهما من صحيح الحديث فأعتمدهما، فكيف لي بأن أسندهما إلى من لا يجوز التقوّل عليه -صلوات الله وسلامه عليه-، ولم تثبت الْـحُجَّة بكونهما عنه، ولأنهما لا من المتواتر الشهير ولا من المتصل بالسند الصحيح، فأولى ما بهما عندي ولِمن علمه منهما مثلي أن يكونا موقوفين؛ لكونهما في الأصل مجهولين لا أقطع بصحَّتهما، ولا أقول على الجزم ببطلهما، ولا أتكلف علم الغيب فيهما، ولكن أقول كما قال السلف في مثلهما: أهل الحديث أولى بِما رووا، وَأَمَّا حكمهما لو صحَّ أَنَّهُما من صحيح الحديث فيجوز أن يكون لهما طريق نافذ في تأويل الْـحَقّ لِمن أحسن تخريج ما بهما من جواهر الأحكام، بوضعهما في ميزان الخاص والعام، لكن العناية بهما مع الوقوف عن صحة أصلهما خوض فيما لا طائل تحته”([64]).

فالمحقق الخليلي يعتمد على كتب السنة المشهورة، وعلى كتاب تيسير الوصول إلى جامع الأصول لأبي الربيع الشيباني، وعلى آثار أصحابنا وإن لم يذكر كتاب الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع صراحة، وربَّما كانت تحوجه بعض مصادر كتب الحديث الأخرى التي لم تصل إليه -على الراجح- للحالة السياسية المزرية التي مرَّت بها عمان في ذلك الوقت، من حروب داخلية وأطماع استعمارية، ولذلك نجد أن المحقق الخليلي يعتذر لأحد سائليه لعدم توفّر كتب الحديث بين يديه أثناء مقامه بسمائل، وَإِنَّمَا هي بِمكتبته في بوشر.

ومع ذلك نجد كثيرا ما يشير إلى تخريج الأحاديث التي يستند إليه في فتاويه، ويستشهد بها في ردوده. والمحقق الخليلي لا يجيز الاجتهاد في مواضع النصوص القطعية الدلالة فقد قال: “وفي المجتمع عليه أن القول بالرأي في مواضع الدين حرام مُجتمع على بطلانه، ولا يوسّع فيه القول به، ولا يجوز لأحد قبوله”([65]).

ويرى المحقق أَنَّهُ لا يصحّ أن يقال إنَّ الإجماع ينسخ السنة الصحيحة، حيث قال: “كدعوى أن شيئا من سنته e ينسخ بعده باجتهاد غيره ثُمَّ يجتمع على ذلك فهذا كله ما لا نعلم وجها لصحته، ولا دليلا على أصله، ولسنا نرد على علماء المسلمين قولهم، ولا ننقض أصلهم، ولكن ليس لنا أن نقبل إِلاَّ ما وضح عدله وظهر بِالْـحَقِّ فضله”. وقد ذكر الرازي في المحصول أن هذا عليه اجتماع الأمَّة، ولم يخالف في ذلك إِلاَّ عيسى بن أبان”([66]).

أما الإجماع: فهو الأصل الثالث عنده كما عند باقي علماء الأمة، ولقد أتى على تعريف الإجماع عند احتجاجه بالإجماع على ثبوت أن المسافر يصلِّي تماما مع الإمام المقيم، فقال: “فقالت طائفة -وهو الصحيح-: إن الإجماع عبارة عن حكم ثبت بالتوقيف عن النبي e فاجتمع المسلمون عليه، وإن لم ينقل فيه نص حديث بعينه، كوجوب الجمعة بالنص وسقوطه عن العبد بإجماع، فنفس الإجماع دليل على ثبوته عن رسول الله e إذ ليس لغيره تحكم في الشريعة المقدسة. وقالت فرقة أخرى: بل الإجماع عبارة عن ائتلاف أهل العلم واجتماعهم على قول أو حكم شرعي سواء قالوا به جميعا أم قال به بعضهم وسلم له الآخرون من له القول بالرأي والحجة فيه”([67]).

ثُمَّ استطرد في ذلك من هم الذي يصحّ منهم الإجماع، وأن الإجماع التوقيفي هو الْـحُجَّة لا غيره، ثُمَّ قال: “… وقد وقع العزم على إفراد هذه المسألة العظيمة الشأن بتصنيف قول يكشف حجاب اللبس عن ضعفاء التقليد الذين لم يكن لهم من نور العلم ما يقتدرون به على تَمييز مشتبه الآثار من مُحكمها وخاصها من عامها..”([68])، فالشيخ يشير إلى أَنَّهُ عزم على تأليف رسالة في الإجماع، فلو حقّق عزمه لكانت فريدة من فرائده، لكني لم أجد لها أثرا، وعسى أن يتحفنا أحد باستخراجها فيما نستقبل من أيَّام.

والمحقّق الخليلي يفرق بين الاتِّفاق والإجماع، فعندما سئل عن مسألة تحريم الموطوءة في الدبر أو الحيض قال: “وَأَمَّا تَحريم الموطوءة على العمد من الزوج في الحيض أو الدبر، فهو اتِّفاق من أصحابنا لا إجماع وبين الاتِّفاق، والإجماع فرق ظاهر وفرق بعيد”([69]). فالشيخ يعتبر الاتِّفاق غير الإجماع، فالاتِّفاق عنده أقلّ مرتبة من الإجماع، فعندما يذكر الاتِّفاق يقصد به اتِّفاق الغالبية العظمى من العلماء أما الإجماع فهو اتِّفاق جميع العلماء. وهو يستدل بالإجماع في كثير من فتاويه للاحتجاج به ولا حاجة للتدليل على ذلك.

وَأَمَّا القياس: فهو يعتمده ويجعله الدليل الرابع من أدلته وإن كان يعده من الفروع لا من الأصول. والقياس عرف كمصدر للاجتهاد لدى الإباضيَّة الأوائل منذ النصف الثاني الهجري، وكان مستعملا بكثرة من قبل تلاميذ أبي عبيدة وخاصة عبد الله بن عبد العزيز وأبي المؤرج، بينما كان الربيع وجماعته على النقيض متمسكين جدا بالآثار، ثُمَّ شاع اعتماد منهج القياس لدى الإباضيَّة المتأخِّرين ومارسوه بصورة واسعة جدا”([70]). والشيخ سعيد بن خلفان يعرف القياس بقوله: “والقياس فهو تشبيه بين شيئين لعلة تجمعهما، وقيل: فيما أشبه الشيء فهو مثله، ثُمَّ قال: “وإن أنكر القياس وأباه من لا يجيزه ولا يراه من المخالفين، كالإمام مالك بن أنس الأصبحي ففيه المدينة المشرفة، ومن الموافقين كبعض المغاربة، كما رغب عن الأثر الإمام أبو حنيفة وأشياعه، فلا وجه لقولهما، كما لا وجه لقول من أنكر الرأي أصلا، كما يحكى عن الإمام جعفر الصادق”([71]).

ومع أخذ الخليلي بالقياس إِلاَّ أننا نراه يَحذر من التوسّع فيه وخاصة من غير أهله، ويؤكّد في أحد المسائل على ما قاله شيخه أبو نبهان حيث قال: “وما أحسن ما نبّه عليه من حثّ الضعفاء على التثبّت في الفتيا، وإرشادهم إلى التوقّف، وترك العجلة على استعمال المقاييس التي لا يهتدي إليها إِلاَّ أكابر العلماء المبصرين بنور الله تعالى”([72]). وكذلك يوجه أحد مستفتيه لمنهجه في اعتماد الأدلة الشرعية فيقول: “فانظر إلى ما قلته في هذا الجواب وأعرضه على محكم الكتاب وسنة النبي الأواب وما ثبت بالإجماع وصحيح الرأي في موضوع النزاع من أثر صحيح أو قياس نجيع، فإن تجد به هدى فخذ به معتمدا وإلاَّ فدعه لما هو أهدى فإنه بك أولى”([73]).

2- لا تقديس لأقوال الرجال:

فهو تبع للحق ويقتفي أثر الدليل ولا يضره في ذلك إن خالف شيخه أو خالف الإمام جابر بن زيد t أو الإمام أبي سعيد الكدمي الذي يوقره ويبجله في أكثر من موضع من فتاويه وكتبه فمعه الحق أحق أن يتبع فهو صاحب المقالة المشهورة في رده على مسألة سألها إياه تلميذه الشيخ صالح بن علي الحارثي عن كثرة الأذان بعد الأذان محتجا بذلك بفعل أهل نزوى فرد عليه المحقق الخليلي بكلام رائع حيث يقول “..وأما قولك فقد كان علماؤنا ببيضة الإسلام على هذا مقيمين إن هذه تخرج على معنى الدعوى على من قالها ونحن لا علم لنا بها وعلى المدعي إقامة البينة ومن العجب أن أنص لك الحديث عن رسول الله e وأنت تعارضني بعلماء بيضة الإسلام بغير دليل ولا واضح سبيل أليس هذا في العيان نوعا من الهذيان”.

وله كلام رائع أثر مسألة فند فيها أحد الأقوال وإليك نص مقولته: “فليس في كله ما يستدل به على ما قلناه من تضعيف ذلك القول وتوهينه بشاهد الرد إلى صريح النقل ونتائج العقل وإن قال به غير واحد من الأواخر أو الأوائل فهم بالحق رجال ونحن مثلهم في التعبد رجال وعلى كل مكلف أن يلتمس العدل لنفسه ولا يقنع بشبهة التقليد فيرجع عن برهان الحق السديد لأن ذلك ما لا يكاد يفعله من أشفق على نفسه وإن سماه بعض من في الزمان ورعا أو ألزمه الناس وجوبا لقلة علم وركاكة فهم فلا تعويل بحمد الله عليه”.

فالمحقّق الخليلي من العلماء العاملين الذين يضعون الدليل بين أعينهم وينبذون التقليد، ويجعلونه وراءهم ظهريا ما دام لا يتوافق مع نصوص الشريعة الغراء، ولو فعله من فعله من العلماء السابقين حيث يقول كذلك: “ولا تقليد إِلاَّ لإمام الوجود ذي المقام المحمود المبعوث رحمة للعالمين وهدى”([74])، فهو قول ينسجم مع قول الإمام مالك: “كُلّ يؤخذ من قوله ويردّ إِلاَّ صاحب هذا القبر”، وكذلك قول الإمام الشافعي: “اضربوا بقولي عرض الحائط إن خالف حديث رسول الله e”.

ونَحن نَجد مثلا في كتاب التمهيد عددا من المسائل التي خالف فيها قول شيخه أبي نبهان منها عندما سأل عن قول أبي نبهان “…أنَّه ليس في علم الله لو، وَإِنَّمَا تكون في الممكن من علمنا”، قال: والذي عندي من هذا في جوابه أَنَّهُ مِـمَّا يوجه لصوابه، وما كنَّا بتاركي قول شيخنا ولاَ رادين على أحد من علماء مذهبنا إِلاَّ حيث لاَ يجوز الاتِّباع لِخرقة الإجماع، ثُمَّ قال “…والعجب من هذا الشيخ البصير والجهبذة الكبير؛ كيف تلتبس عليه هذه مع شدّة نورها وكمال ظهورها، ثُمَّ إذا أشكل مثلها عليه فكتاب الله بين يديه، وقد صرَّح بها في غير موضع وهو الْـحُجَّة له، وعليه فكيف يصحّ القول بأنَّه ليس في علمه تعالى لو وكتاب الله مشحون به”([75]).

وكذلك يردّ على شيخه مقولته التي قال فيها “…ولا يجوز إطلاق على أرسطا طاليس ولا على من هو مثله أن ينسب إليه ضالا ما قيل في الفلسفة؛ لأَنَّ أرسطو كان فيما قيل وزير ذي القرنين، ولهما سير لبعضهما بعض ومخاطبات فكيف يضلّ مع ذي القرنين الذي أثنى الله تعالى عليه في الذكر الحكيم، إن أولى ما به أن ينزه عن تأثير كُلّ باطل، وإن روى عنه من روى”.

فقد قام المحقّق الخليلي بتتبّع هذه المقولة وتفنيدها وردها فقال: “وَأَمَّا ما أطنب فيه الشيخ من ذكر أرسطو الحكيم فنحن لم تقم معنا فيه حجة تقطع أحكامه، ولا تصحح إسلامه ولا تثبت عذره، ولا يثبت كفره إِلاَّ ما ينسب إليه في الآثار الإسلامية من مذاهب الضلال الفلسفية.. وإن أرسطو وأفلاطون وأرسطا طاليس وغيرهم كلا منهم على منزلته على حاله رهين أعماله، ولا في مدحه ذي القرنين، ولا في ولايته ما ينقل أحدا منهم من الحكم عن حالته. وليس ذي القرنين بأعظم منزلة من رسول الله e في صحابته، ولم يثبت لهم حكم ولاية بما ثبت من سعادته إلا على الخصوص فيمن كان له سابقة فضل في حكم الظاهر أو شرفه بها الرسول e بنصّ من شهادته”([76]).

وكذلك يردّ على شيخه أبي نبهان في موضع آخر من كتاب التمهيد في مسألة خروج يأجوج ومأجوج وخروج الدابة فقد قال أبو نبهان: “أما خروج يأجوج ومأجوج والدابة فقد نطق بهما القرآن، ويحتمل أن يكون المعنى المقصود هو على ظاهر اللفظ، ولكن معنى ظاهر اللفظ يخالفه قول الله تعالى:﴿لاَ تَأتِيهم إِلاَّ بَغتَةً﴾، والقرآن لا يُخالف معناه بعضه بعضا؛ فَعلى هذا يحتمل أن يكون تقدير لو أي: لو فتحنا عليهم يأجوج ومأجوج فَهم من كُلّ حدب ينسلون فيكون بقاء السد عليهم نِعمة من الله لعباده ذكّر بها عباده المتقين”([77]).

فتتبع المحقق الخليلي كلامه ورد عليه بقوله”ما ذكره الشيخ من تقدير لو في فتح يأجوج ومأجوج وفي خروج الدابة من الأرض لا معتمد له ولا أصل، لعدم الدليل عليه والعدول عن الظاهر لا يصح في التأويل إلا لسبب وجيه ولا دلالة على ذلك هاهنا من لفظ ولا معنى فليس بشيء([78]). فهذا هو شأن الجهابذة المبصرين بنور الله فهم يعرفون الرجال بِالْـحَقِّ ولا يعرفون الْـحَقّ بالرجال ولقد قال الإمام علي -كرم الله وجهه-: “لا تعرف الحق بالرجال بل اعرف الحق تعرف أهله”.

وأيضا: اختلف مع شيخنا أبي نبهان حينما أفتى أبو نبهان فيمن قعد على نية التعليم فلم يأت إليه أحد أنه يجوز له أخذ الأجرة من مال الوقف، وَأَمَّا المحقق الخليلي فلم يبِن له جواز ذلك وعلل ذلك بأن مال المدرسة موقوفا للتعليم به فإذا لم يوجد تعليم اختل شرط الجواز([79]).

فهو كما قال عنه سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي:”وقد كان شجاعا في رأيه كما كان مُحقّقا في بحثه، وهو يحرص أن تكون آراؤه التي يقولها مستندة إلى الدليل، ومتفقة مع الأهداف التي جاء من أجلها الدين الحنيف ومتفقة مع مقاصد الشرع”([80]).

3-نبذ العصبية:

إنَّ التحرّر من العصبية العمياء والمذهبية البغيضة لا يتصف بها إِلاَّ من اتَّصف بِالعلم والصدق، فيكون عالما بما ينقله للناس صادقا فيه سالم الصدر من الآفات القلبية والنزغات الشيطانية، وما فرق أمة محمَّد وجعلها شيعا كُلّ حزب بِما لديهم فرحون، وتقطعوا أمرهم بينهم زبرا إِلاَّ حينما تولى منصب التوقيع عن ربّ السماء رؤوس امتلأت قلوبهم حقدا وحنقا، فأخذوا يقدِّسون أئمتهم ويكيلون فتاوى التكفير والتفسيق والتبديع لبعضهم بعضا، والمحقِّق الخليلي قد نبذ هذه العصبية الجهلاء والفتنة العمياء، وأصدق ما يعبر عن منهجه ذلك قول الشيخ نور الدين السالمي:

           ونأخذ الْـحَـــــقّ مــتــى          نــراه لو كان مبغضا لــنـــــــا آتــــــــاه

           والباطل المردود عندنــا         ولـو أتى به الخلّ الذي لـــه    اصطفوا

           فلا احترام عِندنا لــرجـــــــل    قد خالف الْـحَقّ ولو كان       علي

           نرضى بما يرضى به الإلــــــه في دينه ونأبى مــــــا يــــــأبــــــاه

فالمحقِّق الخليلي عندما سئل عن قول الإمام الزمخشري في طريقة جلد الزاني بأنَّه يجلد جلدا وسطا لا مبرحا ولا هينا مفرقا على الأعضاء كلها ولا يستثنى من ذلك إلا ثلاثة: الوجه والرأس والفرج وأنه لا ينبغي أن يتجاوز الألم على اللحم أجاب: هذا قوله على مقتضى مذهبه ونحن ما خالف أصحابنا في الفروع لا نجزم ببطله ما لم يخرق الإجماع، ونحب الرجوع إلى الأثر الصحيح ولكن هذا بعيد عن معنى قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾”([81]).

فمنهج الشيخ هو كما قال القائل:”قولي صحيح يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب”، فلا إقصاء للآراء المخالفة وتعتيم وتعمية عليها، بل هي رصيد فكري يستفيد منه الإنسان حيث نجد المحقق إن لم يحفظ نصا في المسألة من أثر أصحابنا رجع لأقوال المذاهب الأخرى ورجح للسائل أحدها، مثل ذلك عندما سأل عن حد المرور بين المصلي قال:” لم نجد للمرور المذكور نصا في حد عن أصحابنا وفي أثر قومنا أنه يحد منه إلى محل سجوده وفي قول ثان إلى ثلاثة أذرع وفي قول ثالث قدر رمية حصاة ويشبه عندي أن يكون الأولى في ذلك هو القول الأَوَّل، ولعلَّ الثاني لا يبعد عن الصواب؛ لأَنَّ المراد من المرور المذكور هو الذي يحلّ به التشوّش على المصلي فيكون المار على تعمّده مأثوما؛ لأَنَّهُ شوّش على المصلِّي ما كان منه من حضور باله وإلقائه عن نفسه ما يصده عن اشغاله”([82]).

والحقيقة أن هذه المسألة ذكرها أصحابنا وفصلوا القول فيها واختلفوا إِلَى عدَّة أقوال فيها لأنها مسألة اجتهادية لا نص فيها وإن كان الشيخ لم يحضره ذلك فاستظهر أقوال المذاهب الأخرى واستحسن أحد الأقوال. فالمحقق الخليلي بلغ من الرقي الحضاري ونبذ العصبية العمياء أن يعتبر هذه المذاهب كلها فروعا لهذا الدين الإسلامي الحنيف فما نقص من هذا يكمله المذهب الآخر. وكذلك من خلال أجوبته يوجه سائليه إلى عدم العصبية، أقوال المذهب التي خالف فيها بعض الفرق الإسلامية عندما سأله سائل عن من شك أو اعتقد أن الله تراه العيون جهلا منه بغير تأويل أيبلغ بشكه أو اعتقاده الشرك فنصحه موجها بقوله “وإياك ثم إياك أن تعجل على أهل القبلة بالإشراك من قبل معرفة بأصوله فإنه موضع الهلاك والإهلاك”([83]).

فهو لا ينقل الخلاف بين علماء المذاهب الإسلامية لعوام الناس الذين لا يدركون أبعاده وربما تأخذهم العصبية لإشعال فتنة أو إشعال نار من تحت الرماد.

4- ترسمه قول المذهب ورأي شيخه: 

إن كان الشيخ التزم في مذهبه الاستقلالية في الرأي من غير عصبية ولا تقليد ولكن هذا لا يمنع أن يحفظ لأئمته دورهم ولمشايخه حقهم فهم نور استضاء به عرفوه الدرب فسلكه فكيف يتنكر لفضلهم وينسى قدرهم فمن هؤلاء الذين أثروا في المحقق الخليلي: الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي فقد تأثر به وتتلمذ على يده فإن كان خالف شيخه ناصر مرات قليلة فقد وافقه مرات عديدة وأثنى عليه بعبارات مديدة فمن قوله في شيخه “وما حكاه الشيخ ناصر بن أبي نبهان ونسب إلى أبيه فقد رأينا كذلك منه ولم نقف على نص فيه من غيره كذلك وهم كانوا أكثر منا علما وأصح نظرا لهم في الْـحَقّ تبع -إن شاء الله-ثُمَّ تمثل بقول الشاعر تواضعا منه كما هو شأنه:

    وابن اللبون إذا ما لــــز فــي قــــــــرن        لم يستطع صولة البزل         القناعــيس([84])

وعندما سئل عن قول الشيخ ناصر: “إن البدل للصلوات المفروضة والسنن المؤكّدة من غير ما ضيع منها خارج عنده في حيز اللعب؟”. أجاب:” هذا القول الصحيح وإن لم نحط به علما، ولم ندركه فهما، والصلاة الواجبة بعد الإتيان بها في وقتها لا يمكن القول ببدلها”([85]).

وقد عرض على المحقّق الخليلي قول الشيخ ناصر في مسألة المعراج بعدم تخطئة من قال إنَّ المعراج كان بالروح والجسد، ومن قال كذلك إِنَّهُ كان بالروح فقط، وَأَنَّهُ يَميل أَنَّهُ لم يعرج بجسده، وإن جهل علم وقوع المعراج مِـمَّا يسع فليس هو من العقائد الدينية؛ فقال: المحقّق أثر ذلك: “إن قول شيخنا الفقيه في هذه المسألة العظيمة هو الْـحَقّ الذي لا يأباه منصف، ولا يتجاوزه إِلاَّ متعسّف فهو القول الصحيح، وَالْحَقُّ الصريح”([86]).

فالمحقّق الخليلي أحيانا يجيب السائل بما حفظه من الشيخ أبي نبهان والد الشيخ ناصر ويحيل السائل إليه فعندما سئل عمن أوصى بطعام لمن يقيم بمأتمه وعزاه قال: قد أوضح هذه المسألة شيخنا الفقيه أبو نبهان في مسألة العزاء وهي موجودة في القطعة الأولى من كتاب اللباب تطالعها من هنالك ثُمَّ تجد -إن شاء الله- ما فيه شفاؤك”([87]).

ونراه كذلك يسير على نهج الشيخ أبي نبهان بخصوص لزوم اتخاذ شاهدين وعدم كفاية الواحد كما هو قول بعض المتأخرين منبها السائل على ذلك بقوله: “…وأرى لكم الحجة بإتباع هذا الحق وفي هذا قول السيد الجليل أبي نبهان اتّباع آثاره أقرب سلامة من قول المتأخرين في العمل به خلافا للأقدمين والشيخ العالم أبو نبهان -رحمه الله- قد أوضح من القول عليه ما يكفي عن مراجعة غيره فتبصروا وتأملوا فيه يا أولي الأبصار فإنه كفاه من قول صحيح صريح جزاه الله عنا خيرا”([88]).

وَأَمَّا الشيخ أبي سعيد الكدمي فمن الشخصيات العظيمة التي أثرت أثرا واضحا في الفكر العقدي والفقهي للمحقق الخليلي؛ فالشيخ أبي سعيد محمَّد بن سعيد الناعبي الكدمي من علماء القرن الرابع الهجري([89])، هذا الإمام الذي يتميز بالشمولية والسعة والتوسع فهو العقدي المتكلم والأصولي والفقيه المؤرخ والناظم للشعر تدل على ذلك عباراته وتشهد لذلك مؤلفاته القيمة المفيدة”([90]).

والذي يظهر لي من خلال تتبعي لفتاوى المحقق الخليلي أن أكثر اسم ردده في فتاويه هو الإمام أبي سعيد، ويأتي بعده الشيخ ناصر بن أبي نبهان، ومن ثم الشيخ الرئيس أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي، وقد أجاد الدكتور مبارك الراشدي حين قال:”…وتأثر الشيخ سعيد كثيرا بأسلوب شيخه ناصر هذا، كما أن الشيخ ناصر كان متأثرا جدا بأسلوب والده الشيخ جاعد؛ فالثلاثة كلهم روافد لنهر واحد شرب منه من جاء بعدهم، وما أشبه أسلوب الثلاثة بأسلوب الشيخ أبي سعيد الكدمي ـ رحمه الله ـ وهو الذي يطلق عليه إمام المذهب في الأثر المشرقي”([91]).

وما تأثر الشيخ سعيد بالإمام أبي سعيد إلا للصفات الفذة والعلم الواسع الذي اتصف به هذا الإمام وكأن المحقق الخليلي وجد فيه توأم روحه فأبو سعيد هو القائل:”من تشجع بعلمه كمن تورع به” وقد قال بنفسه:”ليس العالم من حمل الناس على ورعه وإنما العالم من أفتى الناس بما يسعهم في الدين”.

فأبو سعيد كانت له مواقف خلدها التاريخ في جمع كلمة العمانيين بعدما اشتد النزاع بين الفرقة النزوانية والرستاقية وكذلك آراء جريئة خالف بها علماء عصره فلذلك أعجب المحقق الخليلي بهذا الإمام كما أعجب به شيخه وشيخ شيخه من قبله.

فمن موافقته لشيخه أبي سعيد أنه عندما سأل إذا قطع الذابح نصف الحلقوم الذي يمر فيه الماء والطعام أو زاد قليلا أو نقص بقدر ما تموت الذبيحة هل تحل الذبيحة؟ أجاب: وإذا قطع بقدر ما تموت به الذبيحة من الأوداج والمريء والحلقوم فهي حلال كما قال أبو سعيد -رحمه الله-([92]).

ونجده كذلك يثني عليه ويستشهد بقوله في أحد فتاويه حين قال:”…بما أجمعوا عليه من أن الإسلام قول وعمل ونية فدل ذلك أن القول غير النية والنية غير القول وكل منهما أصل في بابه وإلا لكان ذلك من حشو القول وليس به، كما صرح أبو سعيد رحمه الله في معتبره وكفى به حجة لمن أنصف”([93]).

وما حجّية قول أبي سعيد في نظر المحقق هي محض تقليد بل ذلك ناتج من أن أبا سعيد يدور مع الدليل فهو عميق النظر من العلماء المبصرين بنور الله -وأنا لِمثلي أن يتعاطى الحديث عن هؤلاء الفطاحل لكن ذلك من عجائب القدر-، والمحقق الخليلي يصف أبا سعيد بالشيخ الكبير وأستسمح القارئ عذرا بأنني سوف أورد النصّ كاملا الذي ذكر فيه ذلك: “مسألة فيمن أراد أن يصلي فأحرم قبل أن يوجه، فوجه من بعد، أتتم صلاته أم لا؟ وهل من قول يوجد عند أصحابنا في جواز ذلك أم لا؟ الجواب: روي عن النَّبِيّ e عن طريق عائشة -رضي الله عنها- وغيرها أَنَّهُ كان إذا قام إلى الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك وكان بالإشارة عليه بقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾، وهذا ما عليه أصحابنا لا نعلم بينهم اختلافا في العمل به لا يتجاوزون إلى غيره وأعجب الشيخ الكبير أبا سعيد -رحمه الله-أن لا يخطئ من أحرم قبل التوجيه ما لم يتدين بوجوب ذلك…”([94]).

وكذلك وافقه في مسألة النهي عن الصلاة في المقبرة حيث قال: “وجوازها أصح في الحكم كما صرح به الشيخ أبو سعيد -رحمة الله عليه-, إِلاَّ فوق القبر فالمنع أرجح إِلاَّ لعذر، وقيل: بالجوار؛ لكن أعجب الشيخ إعادتها وكفى به نورا يهتدى وبه المقتدى”([95]).

مع أن هذه المسألة هي مسألة خلافيه بين الأصحاب كما هي بين علماء الأمة, وقد روى الإمام الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النَّبِيّ صلعم: «لاَ صلاه في المقبرة ولا في المنحرة ولا في معاطن الإبل ولا في قارعة الطريق»([96]). فأجمع الأصحاب على أن النهي للتحريم ووافقهم أحمد بن حنبل وقد بالغ بعض الأصحاب في التنفير عن ذلك حتى قالوا: بفساد الصلاة إلى القبر إذا كان دون سبعة عشر ذراعا([97]).

لكن المحقق الخليلي أعجب بقول أبي سعيد ورجحه على غيره, لكن موافقة المحقق لأبي سعيد وإعجابه به لا يمنعه من مخالفته إن رأى الحق في غيره , فمن ذلك قوله: “ولا يجوز ان يخالف في وصيته إلا على قوله لبعض القوم في أصله فأقره الشيخ أبو سعيد -رحمه الله- في حكمه فكان رأيا وإن كان العمل في الأكثر بغيره”([98]).

5- عنايته بالمعاني اللغوية ودلالاتها الفقهية:

فلمكانته في علوم اللغة وتبحره فيها، ولكون أوَّل مؤلفاته كانت فيها، نجد أثر ذلك ظاهرا في فتاويه، فعلوم اللغة العربية هي من علوم الآلة التي لاَ غنى عنها لأي مجتهد فقد كان لها حضور بارز في تحقيقاته للمسائل وتفسيره للآيات القرآنية، وشرحه للأحاديث النبوية، ويعجبني أن أدلل على ذلك بأن أنقل جوابه كاملا لأحد المسائل، فعندما سئل عن فطرة المسجد (وهو طعام الإفطار الذي يقدم للصائمين من مال الوقف في رمضان) هل يجوز للصائم أن يرجع مرَّة أخرى بعد أن يصلّي المغرب لأن يأكل من تلك الفطرة، أم يأكل مرَّة واحدة فقط؟ فكان جوابه كالتالي: “هذه دقيقة لا بد من التنبيه والكشف عن أصلها فنبحث أَوَّلاً عن حدِّ الإفطار الشرعي الحكمي المعتبر عند العلماء، وهل هو مخالف للإفطار اللغوي أو لا؟ وهل هذه المسألة منها أو لا؟

فالإفطار لغة وشرعا: أوَّل ما يلج بطن الصائم وبه ينتقض الصيام، وَأَمَّا هذه المسألة فليست من تلك، ولو كان كذلك لَما كان جاز إِلاَّ أكل تَمرة واحدة أو حسوة ماء بعد أن يأكل بعد ذلك من تمر الفطرة تمرة واحدة، فضلا عما فوقها لحصول أَنَّهُ مفطر، فتبين بذلك غير الإفطار، وهو ظاهر لغة وشرعا، فَأَمَّا لغة فالإفطار مصدر أفطر ومن حصل الفعل فقد وجد المصدر ووقع الحكم به؛ لأَنَّهُ الأصل على أكثر ما يوجد فيه من أقوال النحاة، وبه قال ابن مالك في الألفية، والحريري في الملحة وغيرهم، وهو على القولين كذلك حكما لعدم الفرق؛ فإن قيل: فما معنى الفطرة إن لم تكن من ذلك؟ قلت: هي اسم للطعام الذي يأكله الصائم عند إفطاره كالفَطُور (بفتح الفاء) وكالسَّحور (بفتح السين) اسم للطعام الذي يأكله الصائم عند سُحوره (بضم السين)، وَلَـمَّا ثبت أَنَّهُ اسم للطعام جاز للآكلين أن يأكلوا منه بعد إثبات كونهم مفطرين لغة، فلهم ذلك في الإفطار إلى حدّ الكفاية، فعلى هذا فحكم المسألة التي ذكرتها جواز الأكل من تَمر الفطرة ما لم تكن أكلته السابقة مغنية له في حال الترك، بأن قام عن الطعام على نية الاجتزاء لا لقاطع في الحال من تدارك الصلاة، وإما بتمرة أو نحوها فله أن يأكل من بعد الصلاة، وذلك يسمى فطرة في حقه وإن كان مفطرا بتمرة أو حسوة ماء أو نحو ذلك، نعم إن كانت التمرة التي أكلها من غير الفطرة فلا يعود إلى تَمر الفطرة ثانية على ما قاله العلماء، وعلى هذا الاعتبار ففيه نظر ظاهر لِمن تدبَّره، وكأنه في الأصل موضع رأي لمن رآه، فهذا ما حضرني وإن لم نجده مشروحا كذلك، وَإِنَّمَا قلناه على قياس نحوي ولغوي وشعري فلينظر فيه أهل النظر”([99]).

وكذلك عندما سئل عن معنى ورود اللعن للعقرب في الحديث، مع أَنَّهُ ورد الأثر بمنع اللعن للبهائم مطلقا؛ لأَنَّهُن غير مكلفات، بيَّن ذلك بأن اللعن هنا مردود إلى مجاز اللغة، وهو إبعادها عن الخير العاجل فقط، ولا مانع منه وهو معنى قتلها وإهلاكها؛ فالموجب لذلك مبعد من الخير في عاجله، ولهذا الاعتبار سميت كذلك فويسقة من الفواسق الخمس في حديث آخر، وسميت بذلك لأجل تعاطيها أنواع الشرور والمضار التي هي من أعمال الفسقة، ثم فصل وبين بالكتاب العزيز على ذلك.

فالمحقق الخليلي طوَّع اللغة لخدمته في فهم النصوص الشرعية الفهم الصحيح.

 6- مراعاة أحوال الناس:

 نجد أن فتاوى الشيخ تختلف باختلاف أحوال الناس، وذلك حسب ظروف السائل والمقصد من سؤاله فمثلا:

أ- يراعي حال السائل من حيث الغنى والفقر، فيشدد على الغني، ويرخص للفقير، فعندما سأل عن من يذهب للرعي أو الاحتطاب أو الصيد أو جني الجراد، فتجب عليه الصلاة ولا يجد الماء أيجوز له التيمم؟ فكان الجواب كالتالي: “…إذا كانت تلك مكسبته، فيجوز له أن يصلي بالتيمم، وَأَمَّا إذا لم تكن مكسبته ولا مضطرا إليها، فيتوجب عليه طلب الماء إذا حضرته الصلاة إذا كان يأمل أن يدركه في وقت الصلاة،… وَأَمَّا إذا تيسَّر الصيد وحضرت الصلاة، وإذا سار لطلب الماء يخاف ذهابه فهذا يجوز له التيمم، كان غنيا أو فقيرا”([100]).

ب- يحتاط في مسائل الأحكام ولا يسارع للقول فيها لكون غالب أسئلة أهل عصره أعدت للخصومات، ويدلّ على ذلك قوله: “وما ذلك إِلاَّ أن غالب أسئلة هذا الزمان قد أعدت للخصومات والامتحان، وصورها كُلّ فريق منهم بما يراه أقوى في نفسه لغلبة الأقران، فقدموها في المحاكمات بين أيديهم وسيلة،وكانت لهم لأكل أموال الناس بالباطل أنفع حيلة”، ثُمَّ قال: “ولولا كتاب من الله سبق له العهد والميثاق على أهل العلم ليبيننه للناس ولا يكتمونه، وبقي بقية من الخلق يعملون بِالْـحَقِّ ويقبلونه لكان الاعتذار أولى في هذا الدهر عن الجواب في مسائل الأحكام غالبا عين الصواب”([101]).

ج- يعرض عن المسائل التي ليس فيها مزيد فائدة بالنسبة للسائل أو المقصود منها إذكاء فتنة، أو مسائل تصدر من عوام الناس ولا يصلح أن يتحدث أو يخوض غمارها إلا كبار العلماء، فلقد سأله سائل عن القرآن مخلوق أو غير مخلوق، فإن كان مخلوقا فما صفة خلقه وإن كان غير مخلوق فما صفة الاعتقاد فيه؟ فأجابه الشيخ بقوله: “القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله وهذا الاعتقاد كاف فيه إن شاء الله”([102]). وهذا لا يمنع الشيخ من البحث الدقيق في كثير من مسائل الخلاف بحثا موضوعيا، وإن كان هذا ليس لعوام الناس وجهلتهم الذين لا يدركون أبعاد الخلاف وآدابه.

د- تبسيط القول لعوام الناس، ومخاطبتهم بلغة يفهمونها من غير تعمق في الأساليب الأدبية ولا تكلف في العبارات البلاغية، وندلل على ذلك عندما سأله سائل بقوله: “وما تقول فيمن يتوضأ للغسل من الجنابة ولا يريد به الصلاة يقول في وضوئه، ويدعو مثل ما يقول يوم يتوضأ للصلاة؟. فأجاب: يتوضأ ويغسل جميع جوارحه ولا يقول شيئا وإني لا أستعمل دعاء ولا أدعو بشيء يوم أتوضأ للصلاة”([103]). فمثل هذا الجواب وغيره هو نزول من المحقق الخليلي لجمهور الناس الذي يجب أن يخاطبوا بلغة سهلة قريبة مأنوسة وهذا لا يعني بحال من الأحوال أن مستوى فتاويه على هذا النحو جميعها، وَإِنَّمَا هو إدراك منه أن مستويات الناس تتفاوت من حيث الفهم والعلم.

هـ- استخدام لغة رصينة في فتاويه لأهل العلم وطلبته، وهذا في مقابل التبسيط والتسهيل للعوام، فإن كان نزل لهؤلاء فهو نزول ليرتقي بهم، ولذلك نجد أن لغة قوية من حيث السبك وقوة العبارة تبرز واضحة في فتاويه للخواص، وأحب أن أورد هنا نصا لأحد فتاويه الرائقة يظهر فيها عنايته بالجانب الأدبي في فتاويه، فعندما سأل عن قوله e: «أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من نقمتك، وبمعافاتك من عقوبتك” فما وجه هذه الاستعاذة بالرضا والعفو والمعافاة وهي من الصفات، وكيف جاز العدول بالله تعالى؟ فقال الشيخ سعيد بن خلفان: ” أنه جرى في مثل هذا الدعاء على ما عليه عادة العرب، من الإتيان بمعاني الاستعاذة والتخيل إذا قصدوا معنى المبالغة في القول جزالة أو لطفا، وأنه لمن أعظم شعب البلاغة، وأوسع مناهج الفصاحة، فإنه جعل الصفة أو الفعل كالشيء القائم بذاته، تفخيما وتلطفا في الخطاب، وتأنقا في العبادة، واستمدادا للفيض بذكرها، وأن لم تكن هي المقصودة بالأصالة، ولا المراد بالتحقيق، وإنما المراد والمقصود بذلك نفس الموصوف بتلك الصفة لا غير، ومثل ذلك شائع في كلام العرب، مطرد في أساليب كلامهم، مشهور في أعاجيب نظامهم، لا يكاد يخلو منه شعر من بلغائهم، ولا نثر بليغ من فصحائهم كما قال الشاعر:

    أيا جود معن ناج معنا بِــــحاجــتــــي فمالي إلى معن ســــــــــواك رســــول

ألا تراه كيف جعل جود معن كالشيء السامع للخطاب، ثُمَّ سأله أن يشفع له إلى معن، ثُمَّ زعم أَنَّهُ رسول إليه، وأن لا رسول له سواه، والجود صفة من صفات البشر، لا تصلح لشيء من الخطاب، ولا تقدر على رد الجواب، وإنما جاء بها على معنى التخيل والتصور، بأن أنزلها في منزلة من شأنه أن يفعل ذلك لإرادة التعظيم لها والتفخيم، لأن تعظيمها هو نفس التعظيم لمعن، من حيث نعته بجود تلك الصفة، وليس الحقيقة إلا أنه يخاطب معنا بعبارة تضمنت الثناء عليه بوصفه بجود لا يكاد تدرك صفته بغير هذه العبارة، وهذا التقابل هو من البديع المسمى في عرف أهل البيان ومن فهم هذا الأصل العظيم الجدوى الكبير الخطر، ونظر بعين البصيرة، لا بجفن التقليد اقتدر به على تأول كثير من مشكل الآي والأحاديث والآثار، ولم يشكل عليه ما ورد في أدعية المسلمين على النبي e بعد وفاته، وتطوفهم بالبيت وعرصاته، فإنه بالحق إنما يرجع في الأصل إلى معنى فرع إنما تسقى من الماء واحد.”([104])

و- الإيجاز والإطناب بحسب أحوال السائلين من حيث الفكر والثقافة والحاجة للتوسع في القول وذكر أقوال العلماء بحسب النازلة المسؤول عنها. وإن الناظر في فتاوى المحقق الخليلي ليلمس جليا ذلك النفس الطويل في الإجابة على كثير من المسائل، فهو في الغالب لا يكتفي بذكر الجواز من عدمه مجردا، بل يتوسع مستطردا ذاكرا أدلتها وخلاف العلماء فيها ومن ثم ينقد تلك الأقوال ويرجح بينها ويذكر المسائل الشبيهة بتلك المسألة زيادة في الفائدة، وينيه على الحكم الخفية وأسرار الشريعة في تلك الأحكام، فلا غرابة أن تجد سؤالا يجيب عنه في 20 أو 30 ورقة وهذا كثير جدا في جواباته، وقد أشار الشيخ أحمد بن سعود السيابي في أحد محاضراته إلى هذا النسق من الأسلوب في فتاوى المحقق الخليلي حيث ذكر: ” إن الناظر في الحياة الفكرية في عمان ليجد أن هناك مدارس فكرية شتى ظهرت على مر العصور يكون لها نسق خاص في التأليف والتدريس والفتوى، ومن هذه المدارس المدرسة الأبونبهانية التي ضمت الشيخ جاعد بن خميس وابنه الشيخ ناصر والمحقق الخليلي، وارتشف منها أبو مسلم البهلاني بزنجبار تتسم بالنفس الطويل في الفتوى”([105]). وَالْحَقُّ أن هذه المدرسة تحتاج إلى رسالة كاملة تكتب في خصائصها وسماتها التي تميزت بها عن باقي المدارس.

 ومع هذا الإطناب نجده أحيانا يميل إلى الإيجاز وقد بين -رحمه الله-أسباب هذا الإيجاز والإطناب في فتاويه وإليك قوله في ذلك: ” والحق في هذا معنا أن الجهل داء والعلم دواء، والجاهل مريض طبيبه الفقيه، فحقه أن يعطيه من الغذاء ما ينفعه ويكفيه، وأن يمنعه عما يضره منه ويؤذيه، وأن يعالجه من الدواء بما يشفيه، وأن لا يتجاوز حد ما لا يحتله فيه…وكذا فالجهل بالمسائل الأصولية كالداء المتلف الذي لا يدفعه إلا دواء واحد فمن عرفه نجا ومن خالفه فأمره إلى الهلاك عائد، والجهل بالمسائل الفرعية كالداء الذي يختلف قوة وضعفا ويختلف حال المبتلي به بحسب تباين المزاج والسن والمكان والزمان وصفا، فقد ينتفع مريض بما يضر الآخر من الدواء في العلة الواحدة كما لا يخفى”([106]).

هـ- يلتزم جانب النصح والإرشاد إذا علم حاجة السائل إلى ذلك، فالعالم كالطبيب لا يكتفي بصرف الدواء، وَإِنَّمَا يوجِّه المريض لِما فيه مصلحة جسده، والعالم يوجه الناس لِما فيه مصلحة حياتهم في دنياهم وأخراهم، والشيخ سعيد بن خلفان، يكثر من النصح لأهل زمانه وجعل فتاويه بابا من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،من ذلك أَنَّهُ لَـمَّا علم أن جماعة من الحجريين المجتهدين في العبادة قد ولعوا بتقديم صلاة الفجر قبل وضوحه وبيانه واتساع ظهوره، قال لهم: “…وإني لكم يا معاشر المسلمين لناصح أمين، أن لا تعجلوا في صلاة الفجر قبل وضوحه وظهوره وشيوعه، حتى يعرفه الخاصة منكم والعامة، ولا يشك فيه أحد من المبصرين. ولهذا جاء في الحديث النبوي: «أسفروا بالفجر، فَإِنَّهُ أعظم للأجر»، وقد جاء الأثر في وقت الظهر والعصر بتأخيرهما عن أوَّل وقتهما تقدم في قياس. فكذا ينبغي في صلاة الفجر أن تؤخر عن البيان احتياطا حتى يظهر للعيان لأن ينتشر نوره، إذا تَمكَّن ظهوره مستطيرا في الأفق الشرقي كله على عرضه أبيض مستنيرا من مطلع سهيل إلى مطلع بنات نعش لا يجهله من يراه ولا يمكن فيه النزاع، فهذا خير أوقاته وأبرك ساعاته. وإياكم إياكم يا معاشر المسلمين، والمخاطرة بهذا الدين، على دعوى المعرفة واليقين؛ فإني لأخشى عليكم في هذا المقام الدحض بين يدي ربّ العالمين، حين تزلزل أقدام المخاطرين، ويثبت الله أقدام المثبتين، من الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فإنكم تحملتم أمانة عرضت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وصرتم له في بلاده واسطة بين الله وعباده، يتقربون بكم إليه، ويقدمون بصلاتهم معكم عليه؛ فاحفظوا حدوده ولا تنسوا عهوده، ولا تحملوهم على شك أو جهالة، واحذروا كُلّ ضلالة، فاتقوا الله وارجوه، ويحذركم الله نفسه فاحذروه”([107]).

7-التورع عن الفتيا:

وهي سمة واضحة في فتاويه فهو دائما يطلب العذر من سائليه بأنه ضعيف، والأولى أن يسألوا غيره، “وهذا هو منهج الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى ويود كُلّ واحد منهم أن يكفيه إياها غيره، فإذا رأى أنها تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين ثُمَّ أفتى”([108]). فالمحقق الخليلي في كثير من فتاويه يصدر الفتوى بطلب العذر بأنه ليس من أهل الفتوى، ثم يشرع في الإجابة مبينا ومفصلا ويختم فتاويه كذلك بعدم أخذ قوله إِلاَّ ما وافق الْـحَقّ وعرضه على الكتاب والسنة؛ فإن وافقهما فهو الْـحَقّ، وإن خالفهما فليدعوا قوله وينظروا الأصلح لأنفسهم، فمثلا يصدر أحد أجوبته بقوله: “اعلم يا أخي أني قليل المعرفة وليس عندي حفظ فيها ولا أنا مِمَّن يقول بالقياس في الأثر عن علم وبصيرة، ولكن عن تكلف وتخبط إن كرهت الردّ لأحد من الأخوان في الله فلينظروا فيما أقول وليتدبروه، وليأخذوا بالأحسن منه إن وافق وإلا فليهملوه”.

 وقد قال في آخر أحد المسائل: “…فهذا جواب مسألتك وفي ظني أَنَّهُ محيط بجميع ما عنه سألت إِلاَّ أن يكون شيء لم أنتبه له فاعرف ذلك وتدبره حرفا حرفا، وإذا وجدت زللا فأصلحه إن قدرت، وَإِلاَّ فأهمله فإني كثير الغلط والسهو والنسيان، وقد اجتمع الكلّ مع قلة المعرفة والبلادة وأعظم من ذلك التكلف؛ فلا تغفل يا أخي عن نفسك فتتكل علي فإن أكثر ما قلته ليس إلا قياس من نفسي على ما ظهر لي في اجتهادي وإن لم أكن من أهل ذلك، وأنت فانظر في ذلك وناظر فيه العارفين المبصرين بنور الله الهادي إلى الله، والله سبحانه هو المسئول لأن يتولانا جميعا ويسددنا والحمد لله وصلى الله على محمَّد النَّبِيّ وآله وسلم”([109]).

والمحقق الخليلي إذا علمنا أنَّ منهجه هو التورّع في الفتيا وعدم المسارعة إليها نَجده لاَ يأنف من قول لا أدري، كما هو شأن السلف الصالح، فقد قيل: من قال لا أدري فقد أفتى، وقيل: إذا ترك العالم لا أدري فقد أصيبت مقاتله. فقد سئل المحقق الخليلي فيمن أجر ليقرأ القرآن العظيم وهو لا يحسن الضاد، أيحل له أخذ الأجرة؟ فأجاب: ” الله أعلم، وأنا لم أقف على هذه المسألة في الأثر، وأنا ضعيف النظر فتناظروا فيها أهل العلم بالله والمعرفة بمعاني الكتاب والاطلاع على أسرار سنة رسول الله e، ثم أفيضوا علينا مِـمَّا رزقكم الله من إصابة الْـحَقّ والاقتداء بأهله”([110]). ومن ثمَّ سئل عن المسألة عينها مرة أخرى وكأنه بحثها فأجاب وفصل بِما لا يدع مجالا للشكّ بأن كان هذا المستأجر يحسن قراءة القرآن ويضبط إعرابه ولا يبدّل حروفه فهو المؤتمن على ذلك، وتجوز أجرته ولا يلزم بحثه عن الظاء والضاد، والأصل أن كُلّ ما يصلح للصلاة من القرآن جاز للأجرة”([111]).

رابعا: رأي المحقق الخليلي في المتصدِّي للفتوى وبأي الأقوال يأخذ المقلد

إن المحقق الخليلي باعتباره الأمين عَلَى مؤسسة الفتوى فقد كانت له بعض الآراء في هذه القضية، وقد قمت بِجمع أقوال المحقق من مسائل مختلفة التي بين فيها آراءه فيمن تصدَّى للفتوى بماذا يفتي، والمقلد الضعيف بِماذا يأخذ، وجعلت ذلك في النقاط التالية:

1-   أن الفتيا بِما يخالف أصول الْـحَقّ التي لا يسع خلافها هي من القول الحرام المجتمع عليه في دين الإسلام، فما أحله بفتياه أو حرم ما أباحه، لا بد له من حالين؛ لأن قوله لا يعدو عن وجهين، إِمَّا أن يقول هذا حلال في دين الله أو حرام عند الله، وهو في ذلك خلاف الإجماع، وإن كان مِـمَّا لا تقوم الْـحُجَّة فيه إِلاَّ من السماع، فعندي أن هذا غير سالم في حاله، ولا معذور في مقاله؛ لأَنَّهُ قائل بالباطل كاذب على الدين، مفتر على الله تعالى مضل لعباده([112]).

2-   اجتهاد العالم هو حقّ عند الله وعند عباده، وإن كان بعضه أعدل من بعض وهو الذي عليه أهل العلم المعول عليهم([113]).

3-   إن بعض المختلف فيه بالرأي بين أهله مِـمَّا لا يجوز كون الْـحَقّ منه إِلاَّ في واحد أصلا، وشاهده في مسألة الروح أجسم هي أم عرض إلى آخر الأقوال التي وردت فيها وتبلغ تسعة أقوال فلا يعقل أن يكون الْـحَقّ إِلاَّ في واحد فقط، وإن كان الأصل أن يقال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. وكذلك الاختلاف في نبوة الخضر وذي القرنين فلا يصح في عقل ولا نقل أن الْـحَقّ إِلاَّ في واحد من مثل هذه الأقوال؛ لاستحالة جمع الصدق بين قول اثنين أحدهما يقول: إن فلانا نبيّ والآخر ينفي النبوة([114]).

4-   العالم النحرير المتقن في صنوف الفقه المتقوي لوجوه الاستدلال إذا تغلقت عليه أبواب النظر ولم يهتد إلى معرفة الأعدل فيه، فهو في تلك المسألة ضعيف، وهو فيها حكم الضعفاء فيما لزم أو جاز أو وسع([115]).

5-   المقلّد الضعيف العيي إذا أبصر وجه الْـحَقّ في مسألة وعرف الأعدل فيها بحجَّة حقّ لا يرتاب فيها بوجه الاستدلال بالأصول عليها فهو العالم الفقيه فيها، ويجوز له فيها أو يلزمه ما جاز للعلماء بها أو يلزمهم فيها([116]).

6-        ليس اجتهاد بعض القائلين يكون أصلا في دين فيمنع غيره من المجتهدين([117]).

7-   الضعيف إذا أخذ بقول من رأي المسلمين الصحيح أو أثرهم الجائز فواسع له ولا يضيق عليه استعماله، ولا يلزمه في كُلّ قضية أن يستفتي بالفقيه الحاضر فليس قوله بأثبت فيه مِمَّن تقدَّمه فيه([118]).

8-   إذا لم يجد المقلد للفقهاء في مسألته أثرا ولا عرف لهم قولا ولا نظرا، فهو الذي لا بد له من ردّه إليهم وعرضه عليهم، إذ ليس في قدرة غيرهم الاستنباط وهم الهادون إلى سواء الصراط، وبهذا القول قد قال بعض الأقدمين، وشاع عند كثير من المتأخرين، أنه لا يهلك من أخذ بقول من أقوال المسلمين، ولهم في النظر أن يتلقوا بالاستدلال عليه بقول النَّبِيّ e: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» فقد سماهم مهتدين بنفس الاقتداء بهم، والاهتداء بقولهم، والعمل بفتواهم ورأيهم من غير أن يلزمهم اجتهادا فيه بأنفسهم، ولا مناظرة لغيرهم([119]).

9-   إذا أبصر الضعيف الأعدل من الرأي فعمل به فقد أصاب مفصل الْـحَقّ وأتى بِما عليه في الحكم، لكن يجوز له ترك الأعدل إن شاء الأخذ بالأحوط منه، ولربما أجيز له ترك الأعدل والأخذ بما دونه رخصة في موضوع الحاجة إليها لضرورة ملجئة، أو مشقة داعية إلى التوسع بما جاز من الترخص([120]).

10-   على العالم أن يتمهَّل ولا يعجل إلى الفتوى وخاصة في الدماء والفتن فإن المبتلى بِمثل هذه المعاني في الملأ أن يكون كثير الإحجام، طويل التثبت في الأحكام، تاركا للمسارعة على الإقدام حتى يتَّضح له المنهج ويعرف المدخل والمخرج([121]).

11-   إذا كان مجال الرأي في الأحكام فيما له خصم من الأنام، فإن رأى الأعدل من الرأي في ذلك المتنازع فيه كونه لخصمه لا له، لم يجز له أخذه و لا يحاكمه فيه، ولو حكم له به حاكم لم يجز له أخذه عليه بالحكم؛ لأَنَّهُ حق خصمه([122]).

12-   لو كان الخصمان يرى كل واحد منهما أن الرأي الأعدل في المتنازع فيه هو لخصمه، لم يجز لواحد منهما أخذه إلا أن يصطلحا فيه على التراضي منهما بعد المعرفة، بأن كلا منهما يراه لخصمه، وبريء منه إليه([123]).

13-   وإن كان يرى أن كلا من الخصمين فيه الأعدل كونه له هو دون صاحبه، فهما خصمان فيه، يرجعان فيه إلى حكام المسلمين([124]).

14-   إن عدم من يحكم بين المتخاصمين وكان المتنازع فيه بيد أحدهما لم يجز للآخر أن ينتزع منه على وجه القسر، وإن لم تكن لأحدهما فيه يد تثبت، فلكل منهما أن يتمسك فيه فيستبيح أخذه بِما جاز له من الرأي ما لم تمنعه منه حجة حق بحكم ثابت([125]).

15-   على طلبة العلم ترك الاعتراض على الشيوخ وقبول إشاراتهم والتسليم لأمرهم وزجرهم، عمدة طلاب العلوم من أهل الحلوم، ولا سيما سالكي طريق الآخرة بتطهير العيوب، فَإِنَّهُ في حقهم ضروري، ومخالفة الشيخ في حق أمثالهم خروج عن دائرة الأدب، مضاد لحالهم بل يعد ذلك من ذنوبهم ولو لم يزروه عن قلوبهم، ولنسمع لِما في الكتاب العزيز من الخطاب الوجيز الجامع لمجامع آداب المتعلمين بين أيادي المعلمين، في الحكاية التي تروى عن الخضر وموسى -عليهما السلام- حيث قال له: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾([126]) فإن كان الطالب من المجتهدين فواسع له أخذ ما يراه أفضل، أو كان ذا شيخ آخر فاقتدى به فما اعتدى، ولكن عليه حسن الظن بمن سواه وإن خالفه في الاجتهاد بفتواه([127]).

16-   إن العالم البصير بنور عليه واجب عليه أن ينظر الأصلح للناس من كشف المعاني والدلالات التي دعته لتلك، أو كذا سترها تأدبا بآداب الله تعالى لعباده وتخلقا بمعاني حكمته في بلاده([128]).

17-   التقليد لغة: هو في الأصل من قلدت المرأة قلادة أي جعلتها في عنقها، ومنه تقليد الولاة الأعمال، أي: تطويقهم بها في أعناقهم لشدة التمكن على سبيل المجاز، وتقليد العلم الحكم كذلك يعني تفويضه إليه، لكنه باعتبار أحكامه على ثلاثة وجوه:

أحدها: أن يراد به معنى الاتباع فقط، مع قطع النظر، والبحث عن صحة الأصل وفساده ثقة تقابله به، كما روي عن بعض السلف أَنَّهُ لَـمَّا وقف على قبره e بالروضة الشريفة قال: لا تقليد إِلاَّ لصاحب هذا القبر، وَأَمَّا من بعده فهم رجال ونحن رجال، فَإِنَّهُ لم يرد بتقليده إِلاَّ ما ذكرناه، إذ لا يجوز أن يعتقد في اتباعه إن كان حقّا أو باطلا؛ فَإِنَّهُ لا ينطق عن الهوى إن هو إِلاَّ وحي يوحى.

وثانيها: أَنَّهُ ما كان على نية اتباع الفقيه في قوله أو فعله سواء كان حقا أو باطلا، وهذا لا مرية فيه أَنَّهُ أقبح أنواع التقليد، وأضرّ وجوهه، وأفحش صوره؛ لأن الظلم معتمده، والبطل مستنده، فإن كان فاعله غير قاصد للحقّ، ولا طالب للهدى، ولو أصاب الْـحَقّ؛ لكفته النية آثما، فإن لِكُلِّ ما نوى، وعليه ما نوى ولكن ما أظنّ أحدا إِلاَّ وهو يتبرأ من هذا، ولا يسلم له إِلاَّ من سلب عقلا وملئ جهلا ولا عبرة به.

وثالثها: أن كُلّ متبع لأحد في قول فاسد أو عمل باطل، فهو مقلد له ولو اعتقده حقا ودان به صدقا، وظنه أَنَّهُ دين الله جهالة، وتقرّب به إلى الله ضلالة، وقام عليه في زعمه الحجج والبراهين، ودفع عنه شبه المعارضين، أو كان عن هذا كله من الغافلين، إِلاَّ أَنَّهُ دان به فيما به يدين، وخاض به مع الخائضين، وعمل مع العاملين، وهو لمخالفته للحق من الجاهلين، أو به من العالين، أو فيه من الشاكين، فلا عذر له في ذلك وهو به من المقلدين الهالكين، لباطل التقليد المحرم في دين العزيز المجيد([129]).

 

خامسا: نماذج من فتاويه

بِما أن المحقّق الخليلي كان من المتوسعين في الفتيا، فمن الصعب اختيار مسائل من فتاويه وعرضها كنماذج فالباحث يجد أمامه كما هائلا من التخريجات الفقهية للمسائل العويصة، والنوازل المستحدثة، فيبقى في حيرة ماذا يختار ليعرضه للقارئ ليدلل على هذا البحر الزاخر من العلم فعرض قطرة من بحره هل تفي بالغرض؟ نقول نعم حسبنا ذلك فدراسة قطعة من الذهب هي كفيلة أن تدلك على خصائصه وميزاته وتدفعك لاقتنائه.

*- المسألة الأولى: مسألة أخذ الخراج من الساحل:

فقد رفعت هذه المسألة للشيخ خاصة في أخذ الخراج من ميناء مسقط وجواز إيجار الميناء، حيث أفتى الشيخ بجواز ذلك. وهي مسألة يظهر فيها النفس الطويل في الفتيا حيث أجاب عنها في عشرين صفحة من القطع المتوسط ضمن مخطوطة أجوبة الخليلي المحفوظة بمكتبة السيد محمَّد بن أحمد البوسعيدي (442 أ) حيث رد المسألة إلى أصلها في بداية فتواه فقال: “وبالجملة فإن أرض هذا الساحل التي هي حريم البحر لا تخلو من أحد وجهين: إما أن تكون مواتا ويحكم لها بأحكام الموات كما صرح به بعضهم، وَإِنَّمَا تصرف الأيدي والأحداث عنها مخافة الضرر نظرا في المصالح فعلى هذا فقعدها غير جائز. وإما أن تكون موقوفة وقفا حكميا ينتفع بها المسلمون آخر بعد أول فيشبه بذلك حكم الصوافي وأرض بيت المال من حيث إِنَّهَا موقوفة للمصالح العامة والمنافع الإسلامية؛ فيجوز أن تلحق بها في الحكم؛ لأَنَّ ما أشبه الشيء فهو مثله بإجماع، وبهذا الاعتبار يجوز قعدها والإمام أولى بمصالح الإسلام وله النظر فيها، وقد ثبت من قول الفقهاء أَنَّهَا وقف على معنى الإباحة للانتفاع بها لِكُلِّ واحد، ولا يخفى أن أصل المسألة الاجتهاد والنظر وليس هي من باب الأملاك الموقوفة التي لا يجوز تبديل وقفها عما أوقفت له، ولعدم ثبوت الملك في هذه الأرض المذكورة، ولهذا قلنا إنَّ توقيفها حكمي فقط، وتخليص القول فيه أَنَّهُ ليس بوقف حقيقة وَإِنَّمَا أشبه الوقف في حكمه فثبت له حكم الوقف، واسمه عند بعض ولولا ثبوت حكم الوقف لجاز له أن يملكه من أحياه بالماء أو عمره بالبناء، ولو لم يكن كذلك في هذا القول لأشبه الوقف وأعطي حكمه، فلم يبق فرق بين الوقف الملكي وهذا الوقف الحكمي إِلاَّ من حيث الوضع فليتأمل، فَإِنَّهُ بحث غريب وقاعدة لم تشرح كذلك، ونعلم أنَّ أكثر الناس لجهلهم بها وفرط غباوتهم عنها لا يسالموننا على ذلك إذ لم يجدوه نصا كذلك عن الشيخ فلان فعسى أن نورد لهم من الأثر ما يشهد بذلك”([130]).

ثُمَّ أورد المحقِّق مسألتين من كتاب بيان الشرع للكندي وكتاب اللباب للصبحي فأورد أقوالهم في تحديد حريم البحر، وإن كان الصبحي أثبت التوقيف ومنع القعادة، ثُمَّ قال المحقق إثر ذلك: “إن نفس القول بحكم حريم البحر وإثباته إِنَّمَا هو من باب مجرد الإيالة الفقهية نظرا في المصالح الإسلامية لا غير ولا أصل له غير مجرد الاستحسان والنظر في المصالح العائدة وصرف المضار عنهم، وفي هذا الموضوع يقال: “ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن”، ومع اتِّفاقهم عليه فقد اختلفوا في تحديده من أربعين ذراعا إلى خمسمائة ذراع على أن الأربعين كفاية، والقول بالخمسمائة ذراع في البلدان والقرى أقرب إلى الضرر بأهلها كما يعرف بالمشاهدة، وانظر إلى قوة جرأتهم في أحكام الإيالة والنظر أن جعلوه حكما ثابتا ووقفا لازما وعارضوه به الأصلين المجتمع عليهما أن الأرض لله فمن أحيا مواتا فهو له، وذا اليد أولى بما في يده، ولأحكام الإيالة والنظر في المصالح الإسلامية ودفع المضار أبواب عظيمة في القواعد الفقهية اعتمدها الفقهاء وأثبتها السلف.

ومعنى الإِيالة (بكسر الهمزة والياء المثناة من تَحت وتجوز بالباء الموحدة) هي: السياسة، ونريد في هذا الموضوع مجرَّد النظر للمسلمين بِحسب المصالح، ودفع المضار فيما لم يثبت من الكتاب والسنَّة كحريم البحر والأفلاج والطرق والمفاز”([131]).

ثُمَّ فصَّل الشيخ المسألة وشرحها وأتى عليها بِمسائل من أثر أصحابنا شبيهة بمسألة قعد الساحل، وبعد التفصيل رجع وأجمل قوله بردّ قعد هذه المسألة إلى قواعد يصحّ أن تكون كُلّ واحدة أصلا في بابها ووجها يعتمد عليه حيث قال: “القاعدة الأولى: الإيالة.

القاعدة الثانية: التشبيه بالصوافي بعد ثبوته وقفا.

 القاعدة الثالثة: جواز التملك والخورة له قياسا على مسألة الشيخ أبي الحسن بن أحمد ومن وافقه التي ذكرها صاحب بيان الشرع، وهي معتمد قول الشيخ حبيب، حيث أجاز الشيخ أبي الحسن ملك الخورة التي يجزر عنها البحر حينا ويمد إليها حينا.

القاعدة الرابعة: جوازه بجميع هذه القواعد فإن بعضها من بعض وبعضها شاهد للبعض.

القاعدة الخامسة: أن للحاكم أن ينظر في مصالح المسلمين فعند الخوف على فساد الدولة واضمحلال أمرها أن يفرض على الرعية أن يشاركوا في رفعة أمر الدولة بالمال والحال، وأخذه من هذا الوجه أخفّ على الرعية وأسهل من تناوله من سائر الأموال، وفي هذه القاعدة على الخصوص يجوز الأخذ من الأموال التي تنزل من بحر إلى بحر بعد دخولها تحت حماية الإمام في المصر، فيجوز في مالهم ما جاز في أموال الرعية بسبب الحماية”([132]).

دراسة الفتوى:

إن المحقِّق الخليلي في الفتوى يظهر عمق غوره في إدراك القواعد الشرعية؛ فهو يؤصل لقضية ملكية الدولة على الموانئ حيث أعطاها مسمى (الوقف الحكمي) من حيث الحكم، وبيَّن أن هذا البحث غريب وقاعدة لم تشرح، فهي تشبه الوقف من حيث جَواز الانتفاع بها لِكُلِّ أحد وليست بالأرض الموات التي هي لِمن أحياها، وتفارق الوقف من حيث جواز تأجيرها والنظر فيها لمصالح العباد بحسب مقتضيات الحال.

وقد أجاز المحقق الخليلي أن يؤجّر الميناء بإيجار سنوي يدفع للدولة على أن يقوم من يستأجر الميناء بإدارة الميناء وأخذ الضرائب من أصحاب السفن، وبفكره هذا سبق ما يسمى بـ”التخصيص” في الفكر المالي الحديث، فالدول الآن تقوم بإيجار موانيها لشركات تقوم بإدارة الميناء وفرض رسوم على السفن الداخلة للميناء بالاتِّفاق مع الدول المالكة للموانئ. وبنظرة للتاريخ الإسلامي نجد أن عمر بن الخطاب t قد فرض عشورا على التجار المسلمين وغيرهم على أموالهم المعدة للتجارة، في مقابل ما ينتفعون به من مرافق وخدمات عامة كالطرق والموانئ، والحماية والأمن وغيرها من الخدمات الأخرى؛ والمحقق الخليلي بنظرته الثاقبة أدرك أهمية هذا الإيراد للدولة من حيث إِنَّهُ إيراد عام وسنوي ودوري تحصله الدولة كُلّ سنة تستطيع من خلاله تَمويل بعض نفقاتها العامة مِـمَّا يجعله من الإيرادات الأساسية التي تعتمد عليها الدولة، وكذلك فإن هذا الإيراد يمتاز بالمرونة حيث يجوز رفع أو تخفيض الإيجار كما فعل عمر بن الخطاب t عندما خفض الفريضة على تجّار البنط الذين كانوا ينقلون المواد الأساسية كالقمح للمدينة حتى يكثر الحمل إليها، فهذا الإيراد وغيره من الإيرادات الشبيهة من أدوات السياسة المالية التي يمكن أن تستخدم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي([133]).

والمحقّق الخليلي بيَّن أنَّ هذه المسألة مِـمَّا اختلف فيه الشيخ الصبحي والشيخ حبيب بن سالم. فمنع الصبحي القعد وأجازه الشيخ حبيب، لمكانة الشيخ الصبحي، وكونه أكثر علما وأعظم قدرا، ردّ الناس مقالة الشيخ حبيب، والمحقّق الخليلي اعترض على هذا المبدأ وبين الْـحَقّ أن قول العالم لا يرد ما لم يخالف الأصول الثلاثة والفروع الثلاثة، ثمَّ انتصر لقول الحبيب وأيَّده بالبراهين، فمن هنا تلمس منهج المحقق الخليلي في الاستقلالية الفكرية وعدم قناعة بالتقليد الأعمى.

*- والمسألة الثانية: في رؤية الهلال في المرآة والماء وبالمنظار (الدوربين):

وهي مسألة تعدّ من النوازل في الفقه في عصر المحقق الخليلي، ولذلك افتتح جوابه بأنه لا يدري ما لأهل العلم فيها من نظر ولا ما زاد من أثر, ثُمَّ اعتذر كعادته في تواضعه بأنّه ليس من أهل البصر في مسائل الأحكام, ولكونه يقول عَلَى سبيل المذاكرة، ثُمَّ شرع في الإجابة رادا المسألة إلى أصلها فقال: والذي يتَّجه لي في هذا أَنَّهُ إذا كان الله تعالى قد تعبَّد الخلق برؤية الهلال بالعين الناظرة لقول النَّبِيّ e: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»([134])… ثُمَّ شرع في الحديث عن القسم الأول من المسألة وهو رؤية الهلال عن طريق انعكاس صورته في المرآة فقال: “فالهلال شكل نورانيّ في الأفق السماوي فرؤيته في الماء على سبيل انعكاس الأشعة إِنَّمَا هي رؤية خيال الهلال لا رؤيته الهلال، وقد يمكن في هذا الخيال أن يرى نفسه أو يرى خيال خياله، كما لو قابلت هذا الخيال مرآة فانطبع فيها لم ينعكس منها إِلاَّ خيال خيال الخيال إلى غيرها، وهكذا لكن رؤيته هذه الخيالات وإن كانت في الظاهر نتيجة لرؤيته الهلال فهي غير رؤية الهلال المتعبد برؤيته فيما عندي، والذي رأى هذا الخيال لا يصدق عليه أَنَّهُ قد رأى الهلال”([135]).

فالمحقق حكم بعدم صحَّة هذه الرؤيا؛ لأَنَّهَا ليست في الحقيقة رؤية للهلال، وإن كان يوجب على من رأى الهلال على هذه الصفة الصوم على سبيل الاحتياط.

ثُمَّ شرع في الإجابة على القسم الثاني من السؤال وهو حكم رؤية الهلال عن طريق المنظار أو ما يُسَمَّى بالدوربين فقال: “وَأَمَّا أن يراه بعينه من وراء حائل شفاف كالزجاجة، ومنها ما يُسَمَّى في عرفكم بالدوربين فهذا له حكم النظرة بالعين، ولا تضره تقوية الزجاجة في معنى تقوية النظر، وإعانته على نظر المرئيات، إذ ليس لها في التشبيه إِلاَّ حكم الهواء، والذي لا يمنع ما وراءه كالغيم الرقيق… وأصحّ الأدلة في هذا وأوضحها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾، وقد وصفت الزجاجة بأنَّهَا مقوية لنور المصباح وغير مانعة له من الوصول والإتيان في المشكاة التي هي غير نافذة، وما ثبت في أن الزجاجة لا تمنع من نور المصباح الحلّ بها وتعديه إلى المشكاة، وأنها مقوية له ومفيدة لشدة إنارته لمساعدة صفاوتها وإضافتها؛ فكذلك هذه الزجاجة التي هي جعلت على العين لا تمنع من إيصال نظرها على حقيقته، وَإِنَّمَا هي مقوية ومشددة لوجوده في الحكم فرؤية الهلال بها رؤية حقيقية، لا إشكال فيها فيما يظهر لي اللهم إِلاَّ أن يكون في مخصوص من الزجاج ما يعكس الأشعة على غير وجهها، ويبدلها عن حكم أصلها فيكون مخصوصا بما له من حكم وإن لم يصحّ معنا ذلك في شيء بعينه، وَإِنَّمَا قلناه على سبيل الاحتراز من أن يكون مثل هذا ونحن لا ندريه، والله أعلم”.

دراسة الفتوى:

فالمسألة الأولى: في رؤية الهلال في المرآة أو الماء اعتبرها الشيخ هي رؤية الخيال وليست رؤية حقيقية, ومع ذلك يؤمر الرائي على هذه الصورة بالصوم على سبيل الاحتياط لا اللزوم؛ لاحتمال أن يكون الهلال موجودا حقيقة في السماء حين رأى خياله في الماء أو المرآة.

والمسألة الثانية: في رؤية الهلال بالمنظار (الدوربين) يجيز الشيخ العمل بها، ولا يرى بأسا من الصوم والإفطار برؤية الهلال بالمنظار, فالمنظار ليس سوى تقوية الرؤية فالرؤية عن طريق المنظار رؤية حقيقية, وإن كان العلماء اختلفوا في العصر الحاضر في حكم الرؤية بالمنظار؛ فمنهم من منعها، ومنهم من أجاز ذلك؛ لأَنَّ الرؤية بالمنظار هي من باب الرؤية الحقيقية, ومنهم من نَحى منحا وسطا وجعل الرؤية بالمنظارِ لتحديد مكان الهلال، ومن ثمَّ أخبار الشهور بمكانه بالتحديد حتى يتحرّوا رؤيته بالعين المجردة. والخليلي لا يرى بأسا من الصوم والإفطار برؤية الهلال بالمنظار, فالمنظار ليس سوى تقوية للرؤية، فالرؤية عن طريق المنظار رؤية حقيقية.

*-المسألة الثالثة في حجِّ النافلة, أهو فضيلة وبه يؤمر أم فيه كراهية وعنه يزجر؟

 هذا السؤال عن حجِّ النافلة والمفاضلة بينه وبين باقي الطاعات, أتى الجواب عليه جوابا رائقا جميلا يجول بك فيه المحقق الخليلي بين روعة اللغة وجمال المنطق وقوة الدليل, ويعطف بك على تزكية النفس ومقامات الصديقين ودرجات الصالحين, حيث أجاب عن هذا السؤال في كتاب التمهيد فيما يقارب 25 صفحة, وقد ابتدأ جوابه كما هو نهجه بالاعتذار حيث قال:

“أما إيضاح الطريقة فليس إليَّ, ولا كشف الحقيقة بيديّ, لكوني في مقام العجز عن العثور بهذا الكنز, مع ما أنا فيه من قلة النباهة وكثرة البلاهة, فكيف لي بإطلاق العنان لمجاراة الفرسان في هذا الميدان, إِلاَّ أن يأخذ بيدي الرحمن, فيعلمني البيان ويظهر من خفايا ألطافه ما تكون لساني عنه كالترجمان, فما أنا إِلاَّ مسخر له بين إصبعين, مقلب القلب بين الأمرين إن ألهمني الْـحَقّ فمن فضله, وإن تركني ونفسي فبعدله, فسبحان الملك الفتاح واهب الإيضاح وهادي الصواب”([136]).

ثُمَّ شرع في الجواب فقال: “إن ثبوت فضل حجِّ النافلة فذلك مُجتمع عليه بلا جدال فيه ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا)([137])، فالآية في عمومها تتأدّى لِكُلِّ متصف بالاستطاعة للخروج في هذه الطاعة بلا تحديد فيها لغاية ببلوغ إلى نهاية, إِلاَّ ما بينته السنة بوجوبها فرضا في العمر مرَّة واحدة, وما سواها فهو المندوب إليه نافلة لمن شاء أن يأخذ من دنياه زادا لأخراه، وقربة لمولاه، وذلك دأب الصالحين من قبل وديدن العارفين من بعد”([138]).

ثُمَّ بدأ بالحديث عن التفاضل وصعوبة ذلك, وإليك نصّ جوابه: “وأما كشف قناع التفاضل عن وجه الفاضل, فَإِنَّهُ البحر اللجّي من السرّ الخفيّ, إظهاره ستر, والإكثار فيه نزر, فأنّى بالتعرض لتفضيله, بِما يأتي على جميع وجوه تأويله, وهو حريّ أن يقال فيه, وعلى تفنن واصفيه, وحسنه يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف, فَإِنَّهُ مجال الفكر ومجرى النظر في حقائق الشريعة ودقائق الحقيقة جميعا. كلا فلا مطمع لذي بال في استقصائه بمقال, لإحصائه بحال, ولكن فلا بأس في التعرض لبيان الجمل تنبيها على مأخذ القياس للمبصرين من الناس, دون من ران الهوى على عقله واتَّزر برداء جهله فلا خطاب لمثله, وإن تكن من ذوي هذا الشأن فاسمع لِما فيه لحن البيان.

أقول: لا بدَّ لمن طلب التدقيق وران التحقيق من المقايسة بين المتفاضلين بحصر وجوه الطرفين, أصالة وعرضا وظاهرا وباطنا, فيقضي للفاضل بِما فضل عن المفضول من مرتبة أو درجة أو دقيقة، أو ثانية أو ثالثة وهلم جرا, ثُمَّ يجمع الحاصل بين الجهتين, فيطرح له من مضاهيه ما يساويه من جميع جهاته على اختلاف حالاته, فإن تعذرت المساواة وظهرت المناواة, لاختلاف بينهما من جهة الظاهر والباطن، أو من حيث اختلاف الصور عدل عن الكمية إلى الكيفية, فأيهما كان أدلَّ على كمال الصفة قضى له بالأفضل, ولا يخرج لمفاضلة هذا البتة”([139]).

أما حكم الأصالة أم من دون التفات إلى العوارض فيحكم الوقت لِمن حضر الحجّ أيام الحجّ, أفضل من جميع العبادات البدنية، وكذلك القربات المالية لا نعلم أفضل من الثج بعد الحج”([140]).

ثُمَّ بدأ بالحديث عن العوارض وبحسب كُلّ إنسان, فقال: “وَأَمَّا بالنظر من حيث الطوارئ المعارضة بالعوائق العارضة, فالكلام في هذا مقصور على معرفة حال العامل، ثُمَّ العمل المتفاضل فالمكلف إِمَّا مشغول بعمل دنيوي، أو عمل أخروي، أو صاحب بطالة, ولا رابعة لهن إِلاَّ من أضاع النفس النفسية, في المعاصي الخسيسة؛ فلا كلام فيه”([141]).

ثُمَّ ذكر كلاما رائعا في تزكية النفس وكيف أن الأعمال تتفاوت درجاتها بحسب العمل والعامل والحال وبعد ذلك قال: “وإن اختلفت العوارض رجح الأرجح, وَكُلّما قارب الوجوب فأرجح, كبر الوالدين لا مطلقا, والحكم بهذا التأصيل يحتاج إلى زائد فهم, وكثير علم, وسنأتي فيه بمثل إن شاء الله؛ فنقول: العالم إن لم يستغن عنه في المصر بعلمه فالمقام له أفضل, وإذا اشتغل بنشر علم، وإزاحة شبهة, وإرشاد ضعيف, وهداية ضال؛ فالمقام له أفضل, ولو قام بذلك غيره, وإن قطعه الخروج عن ازدياد العلم فالمقام له أفضل, وإن خاف عليه الفتنة في الخروج فالمقام أفضل, وإن خاف الفتنة على الناس بخروجه فالمقام أفضل.

ومع ظهور شواهد ذلك ففيهما شوب وحوب, وإن كان لا يقطعه الخروج عن عمله, وهو مستغن عنه فالخروج أفضل, وإن كان أرباب علمه فهو الأفضل, وإن استوى الأمران فالخروج أفضل, وإن كان في مقامه مفتونا فالمقام أفضل, وكذلك باقي العوارض بالقياس, على باقي الناس, فالمقام لكسب الحلال على العيال, قد يكون لحاجة إليه الخروج مع الاستغناء, قد يكون أفضل, وفي كُلّ منهما ندب ولزوم وخصوص وعموم. وتفصيل جميع العوارض لا سبيل إليه”([142]).

ثُمَّ ختم فتاواه تلك بحديث عن خلجات نفسه الزكية التي تأسف على حال الأمَّة من غياب علماء الآخرة, فقد قال: “أين البصير السالك بهذه المسالك من علماء الآخرة, الذين كوشفوا بأسرار النفوس, وخطرات القلوب, ودقائق الأعمال, فيرجى بهم إنقاذ العباد من مهالك فساد الشيطان, والدنيا والنفس والهوى. كلا، فأين البصير بالداء والدواء, أين الرجال الأبدال, أين الأولياء, أين الأتقياء, أين العلماء, أين الحكماء, أين العقلاء, أين الفضلاء؟ ما لنا لا نرى منهم في الورى إِلاَّ صورة مأثورة في كتب مسطورة, وأخبار ممدوحة في الكونين, وسيرة محمودة في الثقلين, وأنوار مبثوثة في العالمين, ففي بطن الثرى إشراقها, وعلى كُلّ الورى إغراقها.

ليت شعري أفي مثلهم مطمع, فيرضى في طلبه السياحة, أم وقع الإياس فحقّت عليهم النياحة, أم طال بعدهم الزمان الغابر, فنسي أولئك الأكابر, وقلّ الذكر والذاكر, وتاهت القلوب في بيداء الغفلات”([143]).

دراسة الفتوى:

في هذه الفتوى يظهر ذلك النفس الرائع لعلماء الآخرة, مع أن المسألة في نظرنا لا تَحتاج لطويل بحث في 25 صفحة؛ فليست هي من دقائق الفقه واختلاف العلماء, لكن الشيخ أعمق، ففتواه هي خطاب للأمة لتزكية النفس والارتفاع عن الشهوات، والارتقاء لدرجات الصالحين, فهو يعلم أن التزكية من مهمات الرسل وأهداف المتقيين، ورسالة العلماء الصالحين لأقوامهم؛ فالحقّ تبارك وتعالى يقول على لسان موسى لفرعون: ﴿هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾([144])، وكذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾([145]).

وبِما أن التزكية أصابها الضعف في الأجيال المتأخرة كان لا بد أن يُطيل الحديث فيها، واقتضى كلاما خاصا بها, ولذلك نَجده يكثر الأسف في ختام فتواه على قلَّة علماء الآخرة المبصرين بنور الله, وللمحقِّق قصائد رائعة يظهر فيها أنَّاته على واقع أمته الأليم، ومن ذلك قوله:

    فيا لك ليلا قد دجـــــى فَتـــكـــدرت     شموس الضحى فالصبح أسود أسفع

    ألا تنجلي يا ليل عن صــبــح           فتــيـــة كرام بهم قد رد للعــــــدل       يــــوشــــع

    كأن مثاني ذكرهم في تـــهــــــجـــــــــد         مزامير داود بها قــــد         تــســجـــــعــــــوا

وقصيدته المعراج الأسنى يظهر فيها جليلا هذا التوجه نحو التزكية التي يقول في مطلعها:

    سلوك طريق العابديــن بِــعرفــــــــان يلذ لأرواح غــديــــن بــــإيــمــــــــان

    يطيب لها فيما عناها فلــــم تــــــــزل   مسافرة لا تســتــقــــــر بــــــأوطــــــان

    من العلم أعلام لــهــــــــا ودلائــــــل   ومن همة شماء والعــــزم ظــهــــران

    وزاد من التقوى لتقــــوى بــنــهــجها   ومن فقرها أوفى رفيق ومــعــــــــوان

هذا، وفي الختام نسأل الله التوفيق والسداد, فإن قلنا حقا فهو من الله، وإن كان من خطأ فهو من نفسي والشيطان, وما أبرِّئ نفسي إنّ النفس لأمَّارة بالسوء إِلاَّ ما رحم ربِّي. والله ولي التوفيق.


[1]) مُـحَمَّد بن عبدالله السالمي: نهضة الأعيان بحرية عمان، مطابع دار الكتاب العربي مصر، القاهرة، ص377.

[2]) يراجع: أحمد بن سعود السيابي، سعيد بن خلفان الخليلي وأثره وعلمه (تسجيل فيديو) مسقط، جامعة السلطان قابوس بمركز تقنيات التعليم. ومبارك الراشدي القراءة السادسة (الشيخ العلامة سعيد بن خلفان الخليلي وفكره) ص111 من كتاب المنتدى الأدبي، قراءات في فكر الخليلي، مسقط وزارة التراث، ط 1/1414 هـ1994م، وسليمان بن خلف الخروصي، ملامح من التاريخ العماني، مكتبة الضامري، مسقط.

[3]) انظر: دليل أعلام عمان، إشراف محمد بن الزبير، جامعة السلطان قابوس، مكتبة لبنان، ص96 وابن زريق، الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان، وزارة التراث والثقافة 1405 هـ، 1984م، ص48.

[4]) راجع: دليل أعلام عمان 59، وابن زريق، الشعاع الشائع، ص67.

[5]) دليل أعلام عمان ص59.

[6]) خلفان بن جميل السيابي، بهجة المجالس، وزارة التراث، مسقط، ط2/1409هـ،ص257.

[7]) السالمي، نهضة الأعيان، ص381.

[8]) محمد بن راشد الخصيبي، شقائق النعمان، وزارة التراث، مسقط، 1984، ج 2 / 233

[9]) مُـحَمَّد بن سعيد المعمري، مقدمة تحقيق كتاب إغاثة الملهوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للمحقق الخليلي، رسالة بكالوريوس، معهد العلوم الشرعية، 1996، غير منشور ص32.

[10]) يراجع: شريفة اليحيائية، شعر سعيد بن خلفان الخلييلي، دراسة تحليلية، رسالة ماجستير، جامعة السلطان قابوس 1995، غير منشور، ص15-16.

[11]) السالمي. نهضة الأعيان، ص381.

[12]) الراشدي،الشيخ سعيد بن خلفان وفكره، من كتاب المنتدى الأدبي قراءات في فكر الخليلي، مسقط وزارة التراث، ط1/1414هـ1994م، ص115.

[13]) أحمد بن سعود السيابي، سعيد بن خلفان الخليلي وأثره وعلمه (تسجيل فيديو) مسقط، جامعة السلطان قابوس بمركز تقنيات التعليم. ومبارك الراشدي القراءة السادسة (الشيخ العلامة سعيد بن خلفان الخليلي وفكره)، ص111.

[14]) الراشدي، قراءات في فكر الخليلي، (الورقة السادسة)، ص115.

[15]) يراجع: أحمد بن سعود السيابي، مرجع سابق

[16]) انظر: محمد السالمي، نهضة الأعيان، ص387، والسالمي تحفة الأعيان 2/ 259.

[17]) الراشدي، الشيخ سعيد بن خلفان وفكره، ص115

[18]) الشيخ أحمد الخليلي، قراءات في فكر الخليلي (الورقة الأولى)، ص13

[19]) الراشدي، الشيخ سعيد بن خلفان وفكره، ص119.

[20]) انظر: السالمي، نهضة الأعيان، ص387، والسالمي: تحفة الأعيان، ج 2 / 259.

[21]) الشيخ أحمد الخليلي، فقيها ومحققا، ص14، (ضمن كتاب قراءات في فكر الخليلي).

[22]) أحمد السيابي (مرجع سابق).

[23]) مقدمة تحقيق لطايف الحكم في صدقات النعم للشيخ سعيد الخليلي وتحقيق سلطان بن خميس الناعبي، مكتبة الجيل الواعد، مسقط ص32-33، نقلا من مخطوطة من وزارة التراث رقم 2515.

[24]) بعض الباحثين نسب بعض المؤلفات للمحقق الخليلي وهي ليست له كالباحث د.إبراهيم الدسوقي في القراءة الثانية (مقاليد التصريف دراسة مقارنة) من كتاب قراءات في فكر الخليلي ص32، ذكر من كتب المحقق الخليلي كتاب الإنفاق ركيزة من ركائز الإيمان وكتاب جواهر التفسير وكتاب الحق الدامغ وهي كتب لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي وليست للمحقق سعيد بن خلفان الخليلي، وكذلك نجد الباحث سلطان بن خميس الناعبي في مقدمة تحقيقه لكتاب لطايف الحكم، ص48، ذكر أن له مختصرا في الفقه بدار المخطوطات بوزارة التراث تحت رقم ” 1479 ” والرقم الخاص ” ب 192″، والواقع أنه ليس كذلك وَإِنَّمَا هو كتاب يشتمل على كتاب لطايف الحكم ورسالة الرد على المنذري ومسائل متفرقة.

[25]) الراشدي، سعيد بن خلفان وفكره، ص206.

[26]) ابن منظور، لسان العرب، مادة جهد، 3 / 133- 134

[27]) نور الدين السالمي، طلعة الشمس، وزارة التراث، مسقط، 1405 – 1985، 2/274.

[28]) السالمي، طلعة الشمس، 2/274.

[29]) الآمدي: الأحكام في أصول الأحكام.

[30]) ابن السبكي، الابهاج في شرح المنهاج، دار الكتب العلمية بيروت 1404-1984، ط1، 3/ 246.

[31]) ندوة الاجتهاد في الإسلام، بحث ضوابط الاستدلال لقيس عبدالله الحميدي، مؤسسة آل البيت 1419هـ1998، ص834.

[32]) لسان العرب، مادة فتو، ج 10، 180-181، تاج العروس، مادة فتو، ج 20 /، ص38-39

[33]) د. محمد سليمان الأشقر، الواضح في أصول الفقه، دار النفائس، الأردن، ط5، 1421- 2001 م، ص277

[34]) أبي القاسم بن سراج الأندلسي، فتاوى قاضي الجماعة، تحيقق د. محمد أبو الأجفان، المجمع الثقافي، أبو ظبي، 1420- 2000، ص48.

[35]) ابن القيم الجوزية، أعلام الموقعين عن رب العالمين، دار الكتاب العربي، بيروت ط 2، 1418- 1998، 1/19-20.

[36]) راجع: عبداللطيف كساب، أضواء حول قضية الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، بدون ناشر، ط1، 1404 – 1984، وندوة الاجتهاد في الإسلام التي عقدت بسقط، مؤسسة آل البيت، 1419-1998، ص116 و 878.

 [37]) بحث الاجتهاد وأثره في التجديد, للشيخ أحمد بن حمد الخليلي, ضمن كتاب الاجتهاد والتجديد, إعداد سيد جلال الدين مير آقاتي, المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية, ط1 , 1424-2003, 1/95.

[38]) د. حسين عبيد غانم غباش, عمان الديمقراطية الإسلامية, دار الجديد, ط1, 1997, ص347

[39]) علي يحيى معمر , الإباضية في موكب التاريخ, مكتبة الاستقامة, مسقط, ط2/1410هـ1989م, 1/74. والآية من سورة التوبة: 122.

[40]) الراشدي, سعيد بن خلفان وفكره, ص146.

[41]) سورة الفتح: الآية29.

[42]) محمَّد يوسف اطفيش, تيسير التفسير, ط1, وزارة التراث, عمان, 12/344.

[43]) انظر: الراشدي, سعيد بن خلفان وفكره, ص144.

[44]) السالمي، تحفة الأعيان، 2/194.

[45]) السالمي، تحفة الأعيان، 2/194.

[46]) محمد بن راشد الخصيبي، شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان، وزارة التراث عمان، 1984، 2/332.

[47]) الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: الخليلي فقيها ومحققا، ص12

[48]) التمهيد، 13 / 275.

[49]) الشيخ أحمد الخليلي: الخليلي فقيها ومحققا، ص؟.

[50]) الراشدي، سعيد بن خلفان وفكره، ص145.

[51]) السالمي، نهضة الأعيان، ص233.

[52]) التمهيد، 1/8-9.

[53]) انظر: التمهيد، 8/ 278.

[54]) التمهيد، 7 / 278.

[55]) التمهيد، 1/9.

[56]) انظر: التمهيد، 1/ 169.

[57]) التمهيد، 1/150-160.

[58]) الشيخ أحمد الخليلي: الخليلي فقيها ومحققا،ص12.

[59]) مُـحَمَّد بن سعيد المعمري، مقدمة تحقيق إغاثة الملهوف، ص94.

[60]) التمهيد،2/185.

[61]) التمهيد، 2/174.

[62]) سورة النور الآية: 2.

[63]) التمهيد،.

[64]) التمهيد، 6/12.

[65]) التمهيد، 2/214.

[66]) الفخر الرازي المحصول في علم الأصول، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط1، 1420-1990، 1/260.

 [67]) التمهيد، 3/20.

 [68]) 5/205.

[69]) التمهيد، 11/193.

[70]) د. مصطفى باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضية، الجيل الواعد، ط1/1426هـ، 2005م، ص313، نقلا عن د/عمر النامي.

[71]) التمهيد، 2/176.

[72]) التمهيد، 2/166.

[73]) التمهيد، 6/27.

[74]) التمهيد، 7/85.

[75]) التمهيد، 1/135.

[76]) التمهيد، 1 / 141-142.

[77]) التمهيد، 1/90.

[78]) التمهيد، 1/90-91.

[79]) التمهيد، 8/7.

[80]) الشيخ أحمد الخليلي: الخليلي فقيها ومحققا، قراءات في فكر الخليلي ص22.

[81]) الآية من سورة النور الآية: 2. وانظر: التمهيد، 13/283.

[82]) راجع: لشيخ محمد بن إبراهيم الكني، بيان الشرع، وزارة التراث والثقافة، 1404هـ1984م، 12/35-43.

[83]) التمهيد، 1/224

[84]) التمهيد، 13/259.

[85]) التمهيد، 5/171.

[86]) التمهيد، 1/110.

[87]) التمهيد، 12/233.

[88]) التمهيد،12/65.

[89]) انظر: سيف البطاشي، إتحاف الأعيان، الناشر مكتبة المستشار الخاص لجلالة السلطان، ط2/1425هـ2004م.

[90]) أحمد بن سعود السيابي، الإمام أبي سعيد الكدمي حياته وفكره، ضمن كتاب قراءات في فكر أبي سعيد الكدمي، المنتدى الأدبي، وزارة التراث الثقافة، عمان، ط1/1422هـ2001م.

[91]) د. مبارك الراشدي، الشيخ سعيد بن خلفان وفكره، ص116.

[92]) التمهيد، 6/239.

[93]) التمهيد،5 /215.

[94]) التمهيد، 5/82.

[95]) التمهيد، 6/18.

[96]) رواه البخاري في كتاب الصلاة 52. وابن ماجه في كتاب الطهارة، 21.

[97]) انظر: السالمي، معارج الآمال على مدارج الكمال، وزارة التراث والثقافة، 1404-1983م، 6/99-104. والسالمي، شرح الجامع الصحيح، مكتبة الاستقامة، عمان، 1/441.

[98]) التمهيد، 6/25.

[99]) التمهيد، 8/78-79.

[100]) التمهيد،3/325-326

[101]) التمهيد، 12/91-92

[102]) التمهيد، 1/33

[103]) التمهيد، 3/225

[104]) التمهيد، 3/25-27.

[105]) بتصرف، أحمد بن سعود السيابي، محاضرة (فيديو).بمركز تقنيات التعليم بجامعة السلطان قابوس.

[106]) التمهيد، 12/90-91.

[107]) التمهيد، 5/83-84.

[108]) ابن القيم، أعلام الموقعين،1/41.

[109]) التمهيد، 8/30.

[110]) التمهيد، 8/175.

[111]) التمهيد، 8/175- 179.

[112]) راجع: التمهيد، 2/213 – 214.

[113]) راجع: التمهيد، 2/179.

[114]) راجع: التمهيد، 2/196- 197.

[115]) راجع: التمهيد، 2/179.

[116]) التمهيد، 2/179.

[117]) أجوبة المحقق الخليلي، مخطوطة رقم (83 أ) بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، السيب، ص155.

[118]) التمهيد، 2/178.

[119]) التمهيد، 2/178.

[120]) التمهيد، 2/181.

[121]) بتصرف التمهيد، 13/ 255.

[122]) التمهيد، 2/182.

[123]) التمهيد، 2/183.

[124]) التمهيد، 2/183.

[125]) التمهيد، 2/183.

[126]) سورة الكهف: 66.

[127]) راجع: التمهيد، 5 / 256-258.

[128]) بتصرف التمهيد، 5 / 257.

[129]) التمهيد، 3 / 350- 351.

[130]) مخطوطة أجوبة الخليلي (442أ) مكتبة السيد أحمد بن محمد البوسعيدي السيب ص46- 47.

[131]) مخطوط أجوبة الخليلي (442أ)، ص49 – 50.

 1) بتصرف مخطوط أجوبة الخليلي (442أ)، ص49 – 50

2) راجع: د. وليد الشايجي، المدخل إلى المالية العامة الإسلامية، دار النفائس، الأردن، ط1، 1425هـ2005م، ص.

[134]) التمهيد، 6/63.

[135]) التمهيد، 6/63.

[136]) التمهيد، 3/109.

[137]) سورة آل عمران الآية: 97.

[138]) التمهيد، 3/109 – 110.

[139]) التمهيد، 3/110- 111

[140]) التمهيد، 3/112

[141]) التمهيد، 3/113

[142]) التمهيد، 3/126- 127

[143]) التمهيد، 3/132

[144]) سورة النازعات: 18-19.

[145]) سورة الشمس: 9-10.

 

*  ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان ” فقه النوازل وتجديد الفتوى”

المنعقدة خلال الفترة: 13-16 ربيع الأول 1428هـ/ 1-4 إبريل 2007م

سلطنة عمان – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك