العربيةEnglishFrançaisItalianoDeutsch

مسالك الفتوى في الإسلام المعاصر

مسالك الفتوى في الإسلام المعاصر*

إعداد: أ. معتز الخطيب

 (مدير تحرير الملتقى الفكري للإبداع من ضوابط الإفتاء، بالجمهورية العربية السورية)

 

 ما فتئت الحياة داخل المجتمعات الإسلامية تعجّ بالكثير من النوازل والمستجدات، حتى تغلغلت المقولة القديمة التي كانت تهيمن على كثير من العقول: بأنَّه “ما ترك الأول للآخر شيئًا”؛ فالحياة الحديثة موّارة بالمتغيرات التي زجت بالفقه الإسلامي في ساحتها، وبثت فيه الكثير من الحيوية وأرغمته على الدخول في مجالات لم يعهدها، إلا أن هذا التفاعل – وإن غطى جوانب كثيرة – أسفر عن بعض القصور في المنهجية القياسية السائدة التي كانت تأخذ بجِمَاع صنيع الفقهاء، وتحملهم على إلحاق ما استجدّ ونزل؛ بشبيهٍ أو مقاربٍ له بالأمس. فصدمة الغرب، وتهديد الوجود الإسلامي ذاته، حملت على إعادة اكتشاف الإسلام من جديد، والتفتيش عن مسالك قادرة على الوفاء بتلك المستجدات – على شمولها واتساعها- فضلاً عن جدّتها بما لم يُعهد؛ فكان أن نشأت فكرة “المجال العام” أو “المنافع العمومية”، الأمر الذي أثمر توسعًا في الاجتهاد ومدّ سلطان الفقه إلى كثير من المجالات الحديثة التي كان قصر عنها في زمن الانحطاط.

غير أن المستجدات نفسها، وتوسع الاجتهاد، في ظل متغيرات واقع السياسة ونظامها الحديث، كلُّ ذلك أدى إلى اضطرابات عديدة في مسالك الفتوى، خاصة مع نشوء “الفتاوى السياسية”؛ من مدخلين: أن الإسلام نظام شامل، وأن الفقه نفسه احتوى مسائل السياسة، وخاصة ما سمي بالسياسة الشرعية.

إلا أن الذي لم يتمّ الانتباه إليه أن شمولية الإسلام لم تعنِ شمولية الفقيه في ذاته، بحيث يصبح هو وحده المتحكم بالمجال العام، وأن كتب السياسة الشرعية تختلف عن كتب السياسة السلطانية، فالأولى أكثر ما تنشغل بالجانب المدني من حياة المسلم من حقوق وحدود، بينما أكثر ما تنشغل الثانية بالجانب السياسي للدولة من وظائف وجيش وأشكال التدبير السياسي وحكم الرعايا([1]).

بل إن الماوردي نفسه يقسم الآداب الاجتماعية إلى قسمين: أدب شريعة وأدب سياسة، فأدب الشريعة ما أدى الفرض، وأدب السياسة ما عَمَر الأرض، “وكلاهما يرجع إلى العدل الذي به سلامة السلطان، وعمارة البلدان؛ لأن من ترك الفرض فقد ظلم نفسه، ومن خرّب الأرض فقد ظلم غيره” ([2]). وبهذا فإنه كان هناك تفريق وتمييز بين شمولية الإسلام، ووظيفة الفقه والفقهاء، كما كان هناك تمايز بين الفقه والسياسة، إلا أن متغيرات الواقع السياسي هي التي أدت إلى هذا الاضطراب الحاصل الآن في “الأدوار” ووظيفة الفتوى ومجالها وحدودها كما سنوضح.

يقوم هذا البحث على معالجة أربع مسائل تتصل بجملة ما سبق التمهيد له، هي:

1-مركزية الفقه في تاريخ الحضارة الإسلامية.

2- ومسالك الفتوى التي انتظمت مسار الفقه وفتاويه.

3-ثم جدلية العلاقة بين الفقه والسياسة.

4- وانتهاء بالحديث عن ظاهرة الفتاوى السياسية وإشكالاتها.

أولاً: مركزية الفقه:

شكّل علم الفقه في تاريخ الحضارة الإسلامية أحد أبرز العلوم الإسلامية التي نشأ في ظلها عدد من العلوم، فحتى بعض المدونات المبكرة في الحديث النبوي اعتُبرت مدونات فقهية كموطأ مالك ثُمَّ صحيح البخاري، وكذلك كتب السنن التي لم يكن هدفها الأَوَّل جمع الأحاديث النبوية بقدر ما كان الهدف جمع السنن بحسب الوعي الفقهي المبكر، لتكون فيما بعدُ مادةً لعمل الفقيه، بل إن الانقسام القديم الذي نشأ في نهاية القرن الهجري الأَوَّل بين من سُموا بـ”أهل الحديث” و”أهل الرأي” كان في حقيقته انقسامًا داخل دائرة واحدة هي دائرة طريقة الاستنباط وبناء الأحكام الفقهية، قبل أن ينفصل الحديث عن الفقه مع فئة انشغلت بجمع الروايات دون فقهها.

والفقه الذي يعني الفهم، وبمعناه الاصطلاحي هو العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، يتداخل مع الشريعة، فالشريعة الإسلامية هي جملة الأوامر الإلهية التي تنظم حياة كل مسلم مكلف -بتعبير الفقهاء- من جميع وجوهها. وهذه الوجوه الشاملة تشمل العبادات والشعائر الدينية والقواعد السياسية والقانونية وآداب الطهارة وصور التحية وآداب الأكل وعيادة المرضى، وصولاً إلى أصول النظام السياسي التي تحدد واجبات الإمام وحقوقه على الرعية.

وهكذا يتداخل الفقه بالشريعة، وينوب المفتي مقام النبي، من حيث تبليغ الأحكام الشرعية، المستندة إلى المصادر المعروفة في التشريع، فالمسافة التي تفصل بين الوحي والاجتهاد البشري تضيق كثيرًا في ظل ذلك التداخل؛ بحيث يصعب التفريق بين الشريعة التي هي أحكام الله الخالصة، والفقه الذي أنشئ من حول الشريعة ومد سلطانها على سائر المستجدات والأزمان والوقائع التي طرأت عبر تاريخ الحياة الإسلامية.

فالشريعة الإسلامية إذن هي أبرز مظهر يميز أسلوب الحياة الإسلامية، وهي لب الإسلام ولبابه، وقد أصبح لهذا المصطلح شيوع في الثمانينيات من القرن العشرين في سياق سياسي خاص أضفى عليه بعدًا سياسيًّا في ظل الصراع على السلطة ومرجعية الدولة، فبات يحمل تعبير: “تطبيق الشريعة”.

وقد “ظهر التشريع الإسلامي إلى الوجود ونما في ضوء خلفية سياسية وإدارية متنوعة الصور” منذ عصر النبي e مرورًا بخلفائه إلى دولة الأمويين ثم العباسيين، و”آخر الأمر صار للتشريع الإسلامي على عقول المسلمين سلطان أكبر مِـمَّا فقده من سيطرة على أجسادهم” في بعض الفترات التاريخية السياسية. وعلى الرغم من انقسام الواقع السياسي للمسلمين، بقي التشريع الإسلامي يمثل العامل الرئيس في الوحدة، من خلال الخاصية الرئيسة التي ترتكز فيه وهي نظرته لجميع أفعال البشر وعلاقاتهم بعضهم ببعض، وعبر كل المجالات الفردي والجماعي، القانوني والعبادي وغير ذلك.

“إن التشريع الإسلامي يقدم مثالاً لظاهرة فريدة يقوم فيها العلم القانوني، لا الدولة، بدور المشرع، وتكون فيها لمؤلفات العلماء قوة القانون، وكان هذا يعتمد على توافر شرطين: هما أن العلم القانوني كان هو الضامن لاستقرار ذاته واستمراره، وأن سلطة الدولة حلت محلها سلطة أخرى هي سلطة الفقه والفقهاء، وكانت هذه السلطة من العلو بحيث فرضت نفسها على الحاكم والمحكوم. وقد تحقق الشرط الأول بفضل مبدأ الإجماع الذي له السلطة العليا بين أصول الفقه الإسلامي، وحقق الشرط الثاني القول بأن أساس الشريعة الإسلامية هو حكم الله” ([3]).

 

ثانيًا: مسالك الفتوى:

أجمع فقهاء المسلمين – على اختلاف مذاهبهم واتجاهاتهم؛ ما بين أثري وقياسي وظاهري، ومقاصديّ – على أن الشريعة حاكمة على جميع أفعال المكلفين، لا يخلو فعلٌ لمكلَّف إلا وللشريعة فيه حكم مندرج في الأحكام الخمسة: الوجوب والندب والحرام والمكروه والمباح، ومن هنا مدّ الفقه الإسلامي سلطانه على المسلمين جميعًا، فتناول خطابه جميع تصرفاتهم وأفعالهم وأقوالهم بتحديد موقعها من الشريعة أو موقف الشريعة منها، ومن ثم شغلت الفتوى مساحة كبيرة من تاريخ حياة المسلمين الذين كانوا -ولا يزالون- يفزعون إلى المفتي لمعرفة حكم تصرفاتهم وأقوالهم من الشريعة.

وقد عرّفوا الفقه بأنه “العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية”، وهذه الأحكام بنوها على مصادر هي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وهذه المصادر المتفق عليها بينهم يفزعون إليها لمعرفة الحكم الشرعي على اختلاف منهجياتهم في طرق الاستنباط منها، ولكن لَـمَّا كانت النصوص متناهية والوقائع والأحداث غير متناهية بحكم تراكم العصور، وكثافة المتغيرات والمستجدات، ما أمكن أن يستمر الاتجاه الأثريّ طويلاً على جموده على النصوص والآثار، ومذهبه في الإمساك عن القول بمسألة ليس له فيها إمام من أئمة السلف، وإلا تعطلت صلاحية الشريعة للأزمنة اللاحقة، ولهذا فما كان بدٌّ من إعمال الرأي والاجتهاد، حتى لا نكاد نجد فقيهًا الآن في هذا العصر إلا وهو قائلٌ أو ممارس للرأي على نحو من الأنحاء مضيِّقًا كان أو موسعًا.

وأصول الفقه الذي هو الأساس المنهجي لتنزيل النصوص المتناهية على الوقائع غير المتناهية، أو لاستنباط تلك الأحكام الخمسة لإنزالها على وقائع الدهور وتصرفات الناس، تنحصر في ركنين: “أحدهما: علم لسان العرب، وثانيهما: علم أسرار الشريعة ومقاصدها…”([4])، والنوع الأَوَّل مع ما ضُمّ إليه من تصور الأحكام ومقدمات علم الكلام ومسائله هو “غالب ما صُنف في أصول الفقه”([5])، الذي “معظم مسائله لا ترجع إلى خدمة حكمة الشريعة ومقصدها، وَكُلُّها تدور حول محور استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع؛ بواسطة قواعد تمكّن العارف من انتزاع الفروع منها، أو من انتزاع أوصافٍ تؤذن بها تلك الألفاظ، ويمكن أن تجعل تلك الأوصاف باعثًا على التشريع؛ فتقاس فروع كثيرة على مورد لفظ منها؛ باعتقاد اشتمال تلك الفروع كلها على الوصف الذي اعتقدوا أَنَّهُ مراد من لفظ الشارع، وهو الوصف المسمى بالعلَّة”؛ فهم “قصروا مباحثهم على ألفاظ الشريعة وعلى المعاني التي أنبأت عنها الألفاظ؛ وهي علل الأحكام القياسية”([6]).

وبالرغم من وجود مصادر أخرى لمعرفة الأحكام الخمسة، فإن تلك الأربعة السابقة هي التي اتفقت عليها المذاهب في استنباطها للأحكام، سواء كان الحكم منصوصًا عليه في القرآن أو السنة، أم لم يكن منصوصًا عليه، ولهذا قال الإمام الشافعي: “كُلّ ما نزل بِمسلم ففيه حكم لازم، أو على سبيل الْـحَقّ فيه دلالة موجودة، وعليه: فإذا كان فيه بعينه حكم لزم اتباعه. وإذا لم يكن فيه بعينه طُلب الدلالة على سبيل الْـحَقّ فيه بالاجتهاد، والاجتهاد: القياس”([7]).

وعلى هذا فالقياس كان هو المدخل الشرعي -على الأقل في نظر الشافعي- لِمدِّ سلطان نصّ الوحي على الوقائع المستجدة والنوازل المستحدثة، ومن ثم فلا تخلو واقعة أو نازلة إلا ولله فيها حكم منصوص أو مقيس على المنصوص؛ وهي بهذا دائرة في حمى النصوص فقط. هذا كان المسلك الأول والرئيس الذي غلب على الفقه الإسلامي منذ نشأته المبكرة، ولا يزال مستمرًّا حتى الآن، بل إن القياس توسع لاحقًا مع نشأة التقليد في القرن الرابع الهجري واستقرار المذاهب الأربعة ونشأة القول بوجوب تقليد أحدها، وحدثت فرقة قالت: “إذا نزلت بالمفتي والحاكم نازلة لم يجز أن ينظر فيها كتاب الله ولا سنة رسوله e ولا أقوال الصحابة؛ بل إلى ما قاله متبوعه ومن جعله عيارًا على القرآن والسنة، فما وافق قوله أفتى به وحكم به، وما خالفه لم يجز له أن يفتي ولا يقضي به، وإن فعل ذلك تعرض لعزله عن منصب الفتوى والحكم” ([8]).

توسُّع القياس هنا جاء من إحلال نص الفقيه محل نص الشارع ([9])، قال أبو عمرو ابن الصلاح (ت643هـ): “وإذا كان المفتي يفتي على مذهب إمام، فرجع لكونه بان له قطعًا مخالفة نص مذهب إمامه، وجب نقضه -وإن كان في محل الاجتهاد – لأن نص مذهب إمامه في حقه كنص الشارع في حق المجتهد المستقل” ([10]). ولهذا اشترطوا في المجتهد المقيّد أن يكون “قيِّمًا بإلحاق ما ليس منصوصًا عليه لإمامه بأصوله… ثم يتخذ نصوص إمامه أصولاً يستنبط منها كفعل المستقل بنصوص الشارع”([11]).

لقد شكّل القياس منهجية طاغية عبر تاريخ الفقه الإسلامي، سواء لجهة تنزيل الوقائع المستجدة على نصوص الوحي من قبل المجتهدين المستقلين، أم لجهة إلحاق وتنزيل الوقائع على نصوص الفقهاء السابقين من قبل مُجتهدي المذاهب أو المجتهدين المقيدين([12])، وهذا المسلك لا يزال ساريًا حتى اليوم لدى كثير من الفقهاء، وأبرز ما يظهر في المستجدات والنوازل، ولقد شهدت عددًا من وقائع الجدل في مجمع الفقه الإسلامي الدولي (التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي) الذي يجمع كثيرًا من فقهاء العالم الإسلامي، وكان عامتهم يجادل في إلحاق جميع أو جلّ العقود والشركات المستحدثة على الشركات والعقود التي عرفها الفقه الإسلامي قديمًا، رغم المتغيرات الهائلة التي انطوى عليها الاقتصاد الحديث، وكأن تلك المنهجية تريد القول: إن كلَّ جديد اليوم لا يعتدّ به إِلاَّ إذا كان له قديم مشابه أو مقارب يمكن إلحاقه به، وعلى هذا فالمسلك القياسي لا يعدو هنا أن يكون تفريعًا على الموجود لدى فقهائنا الأقدمين. وما ذلك إِلاَّ وفق منهجية “التخريج” التي ابتكرها مقلّدة المذاهب لإلحاق ما لا نصَّ فيه لإمامهم على ما فيه نص له.

المسلك الثاني من المسالك التي تنتظم فتاوى الفقه الإسلامي عامة: هو المسلك المصلحيّ، أو مسلك المصلحة، والتي هي ركن القول بالمقاصد، وقد تَمَّت إعادة اكتشاف المقاصد في أواخر القرن التاسع عشر، وتحديدًا سنة 1884م حين تَمَّ طبع كتاب الموافقات للشاطبي لأوَّل مرَّة في تونس([13])، يقول الإمام الطاهر بن عاشور: “لا ينبغي الاختلاف بين العلماء بتصاريف الشريعة المحيطين بأدلتها: في وجوب اعتبار مصالح هذه الأمة ومفاسد أحوالها عندما تنزل بها النوازل، وتحدث لها النوائب. وإنه ليس للعالم أن يترقب حتى يجد المصالح المثبتة أحكامها بالتعيين، أو الملحقة بأحكام نظائرها بالقياس، بل يجب عليه تحصيل المصالح غير المثبتة أحكامها بالتعيين ولا الملحقة بأحكام نظائرها بالقياس” ([14]).

وينقل ابن عاشور عن شيخه سالم بوحاجب قوله: “إن الله سبحانه ما جعل شريعتنا خاتمة الشرائع، إلا وقد أودع فيها اعتبار المصالح التي تتجدَّد بها الأزمان والمواقع بحيث مهما حدث شيء يُعرض على موازينها العادلة، فإن لم يوجد فيها ما يمنعه لم يُتوقف في الانتفاع به، خصوصًا على القول بالإباحة الأصلية”([15]).

ومن المفيد هنا التذكير بأن اكتشاف موافقات الشاطبي الذي يتحدث عن مقاصد الشريعة، كان من قبل الإصلاحية التونسية، والتي بفضلها عرف محمَّد عبده هذا الكتاب ونبه إليه تلامذته فنشطت فكرة المقاصد في الإصلاحية المصرية أيضا وانتشرت.

لكن أي فارق بين المسلكين الإفتائيين؟ وما دلالة نشوء مسلك المصلحة أو المقاصد على يد الإصلاحيين؟

في الواقع أن المسلك القياسي -على أهميته- لم يفِ باحتياجات المجتهد ومتغيرات العصر، فهو نهج تقنيّ الطابع، جزئي، يقتصر على قياس حادثة محدودة على سابقة محدودة معينة ثبت فيها حكم بنصّ شرعيّ، أمَّا القضايا العامة فلا يفي بحقها هذا القياس الذي “لم يجاوز بالعقل المسلم دائرة الانتقال من جزئي إلى جزئي… ولم يترتَّب عليه النقلة المنهجية والمعرفية التجريبية المنتظرة والتي ظهرت بعد ذلك في أوربا” ([16]).

لكن ينبغي القول إنَّه منذ أن حصر الشافعي الاجتهاد بالقياس، واعتُبر القياس المصدر الرابع من مصادر التشريع المتَّفَق عليها، أنتج الفقه القياسيّ إنتاجًا ضخمًا في كلّ المذاهب الفقهية، عبر العصور، ولكن تلك الآلية القياسية تراجعت تحت وطأة عاملين اثنين، أحدهما اجتماعي سياسي، والآخر ثقافي تقني. “أول هذين العاملين: الانفصام التدريجي للسياسة عن الشريعة في التاريخ السياسي والثقافي الإسلامي الذي أوجزه هنا بالتقابلات التاريخية التالية: الخليفة المأمون في مواجهة المحدثين والفقهاء، ثم السلطنة في مواجهة الخلافة، ثم أهل السيف في مواجهة أهل القلم. هذا التطور التاريخي الذي استمر قرونًا وعاه ابن عقيل الحنبلي (513هـ) باعتباره تجاوزًَا للشريعة لحساب السياسة، ثم وعاه المقريزي (845هـ) باعتباره انفصامًا بين الشريعة والسياسة. وثاني هذين العاملين: إقامة آليات القياس على المنطق الصوري الأرسطي؛ وهو منطق شكلي تجريدي أساسه فكرة الكليات في حين أن مجال عمل الفقه الإسلامي فقه الفروع، هو عالم الجزئيات والوقائع” ([17]).

أما دلالة إعادة اكتشاف واستثمار المصلحة على يد الإصلاحيين، فعنى الكثير؛ ففي سياق صدمة الغرب وهاجس البحث عن التقدم ووطأة الإحساس بالتخلف، وفي مواجهة الموقف المحافظ والتقليدي في العلاقة مع الغرب، لجأ الإصلاحيون إلى استثمار فكرة المقاصد والمصالح، لبناء وتأسيس مشروعية الأخذ الانتقائي عن الغرب بما يتوافق مع الشريعة، وضرورة المقاصد بالنسبة لهم جاءت من حيث إن العوالم الجديدة والتجديد المطلوب إحداثه في ظل هجمة الغرب أو “السيل الذي لا يمكن دفعه” لا يفي بها المسلك القياسيّ. فقد وصل خير الدين التونسي ومحمود قابادو (1871م) بعد تحليل للأوضاع الأوربية إلى أن أسباب التقدم والقوة والمناعة لكل أمة واحدة وهذه الوسائل كامنة في التقدم العلمي لدى الأمم، وخاصة في تقدم العلوم الرياضية والطبيعية، وهما يتفقان على التشهير بمن يرون الأخذ عن الغرب بدعة وكفرًا ولو كان علمًا نافعًا وخطة محكمة([18])، بل إن سالم بو حاجب تلميذ قابادو وشيخ ابن عاشور (سلسلة المقاصد والإصلاح في المغرب) يستثمر النهج المقاصدي في بيان ضرورة العلوم فيقول: “ولا شك أن إمعان النظر في العلوم المشار إليها [العلوم الطبيعية من طب ورياضيات...] من شأنه أن يبين رجوعها إلى حفظ الأمور التي اتفقت الشرائع على وجوب المحافظة عليها، أعني الدين والبدن والعرض والمال” ([19]).

أما خير الدين التونسي الصدر الأعظم، فقد كان همه جمع ما تيسر من مستجدات الأوربيين المتعلقة بسياستي الاقتصاد والتنظيم، والتخير منها لِما هو أليق بنا وبنصوص شريعتنا([20])، وقال: “العلماء الهداة جديرون بالتبصر في منوال الشريعة معتبرين فيها من المصالح أحقها، ومن المضار اللازمة أخفها”([21]). وهذا يحمل دلالة عن علاقة رجل الدولة برجل الإصلاح الديني سنعود إليها لاحقا.

إذن واجه العثمانيون ورجالات الدولة في عهد محمَّد عليّ، وكذلك إصلاحيو تونس وغيرهم، واجهوا تحديات بناء دولة عصرية بما يتطلبه ذلك من بناء المجال العام الاجتماعي والسياسي وغيرها، بمعنى استحداث مؤسسات جديدة تمامًا، لا عهد للفقه القديم بالتعاطي معها، وهي على هذا تعدّ من أهم النوازل بالتعبير الفقهي القديم، لكن مسلك التعاطي مع النوازل الذي هو في الغالب قياسي تقني جزئي لا يصلح للتعاطي معها، وكذلك مسألة “فرض الكفاية” لا تفي للتعاطي مع هذا الشمول، من هنا جاء اكتشاف أو استثمار فكرتي المصالح والمقاصد، في هذا الإصلاح الشامل، ولهذا اعتبرتُ سابقًا أن فكرة المقاصد هي تجاوز لمسألة “فرض الكفاية”([22]).

ومسائل الشأن العام أو المجال العام التي بسط الفقه الإسلامي الجديد سلطانه عليها هي النظام السياسي ومؤسساته، وبناء الجيش، والنظام التعليمي، والخدمات العامة، والحياة السياسية والدستور والانتخابات، وصولاً إلى مسائل حقوق الإنسان وحماية البيئة، والعقود والشركات الحديثة، وغير ذلك، وهي في مجملها نتاج المسلك المصلحي -أو المقاصدي كما غلب على تسميته- وإن كان يُستدل لبعضها بِمقولات فقهية قديمة أو قياسات.  


ثالثًا: جدلية العلاقة بين الفقه والسياسة:

إذا كانت الشريعة حاكمة على جميع أفعال المكلفين، فإن الفقه – الذي يرادف الشريعة لدى البعض، أو هي جزء منه لدى آخرين -بأحكامه الخمسة السابقة يحكم على تلك الأفعال أيضًا، وهذه الأفعال تعمّ كُلّ المجالات، فالسياسة داخلة فيها إذن. وعلى هذا فـ”ليست هناك مسافة بين الفقه والسياسة”([23]). بل إن أطروحة “الإسلام نظام شامل” لا تقرّ بمشروعية سؤال العلاقة بين الفقه والسياسة.

نشأت أطروحة النظام الشامل، في ظلِّ الصراع الأيديولوجي بين القائلين بوجوب الحلّ الإسلامي (أي المرجعية الإسلامية للأمة)، والقائلين بالحلّ الغربي العلماني على اختلاف توجهاته الليبرالية والاشتراكية وغيرها. وفي هذا السياق “قدم حسن البنا فكرة شمول الإسلام، وارتباط الفكر بالعمل، والدعوة بالتنظيم الحركي، والدين بالسياسة”، واعتُبرت دعوة البنّا دعوة تُنشئ “تنظيمًا يجمع الناس وينظمهم ويأخذهم بالتعليم والتربية الدينية والسياسية”([24]). يذهب الشيخ القرضاوي على أن أطروحة النظام الشامل هي أصيلة وتكوينية في الإسلام، وليست طارئة عليه، يعني أن البنا لم يستحدثها([25])، وهذا المعنى أدركه بعض المستشرقين، حتى إن شاخت قال: “إن الشريعة الإسلامية هي جملة الأوامر الإلهية التي تنظم حياة كل مسلم من جميع وجوهها، وهي تشتمل على أحكام خاصة بالعبادات والشعائر الدينية، كما تشتمل على قواعد سياسية وقانونية (بالمعنى المحدود)، وعلى تفاصيل آداب الطهارة وصور التحية وآداب الأكل وعيادة المرضى. والشريعة الإسلامية هي أبرز مظهر يُميِّز أسلوب الحياة الإسلامية، وهي لبّ الإسلام ولبابه”([26]).

وفي إطار هذا التصور جاء كتاب القرضاوي “الحل الإسلامي فريضة وضرورة” (ط1/1974م) يتناول قضايا الإسلام الشامل والجوانب الدستورية والحرية وغير المسلمين والسياسة الخارجية وشروط المرشحين للمجالس النيابية وغير ذلك بمنهجية متجاوزة لمسلك القياس الفقهي.

غير أنه لا بد من توضيح جملة من المسائل هنا لا يتم التنبه إليها أو التفريق بينها، أولاها أن الإسلام نظام حياة يشمل نشاط المسلم بما هو إنسان يعيش حياته مستهديًا بالوحي، يوازن بين النصّ والواقع، ويجتهد في تنزيل النصوص على الوقائع التي تتناولها (تحقيق المناط)، كما يجتهد في تحقيق المقاصد والمصالح في مسائل “العفو” التي خلت منها النصوص وفوّضت أمرها لتقديرات البشر ومتغيرات الأزمان والأعراف وتراكم المعارف.

لكن التطور الذي حدث في العصر الحديث هو ذلك الانفصال بين الشريعة والسياسة في بناء وتصور ومرجعية الدولة الحديثة، بما هي مهيمنة على تفاصيل حياة البشر، وفي هذا السياق حدثت تحولات كبيرة في وعي تلك الفكرة المركزية في الإسلام، وهي “النظام الشامل”، فتحولت من إطار دولة مجِّسدة لها وقائمة بها، إلى إطار جماعة أو تنظيمات إسلامية، فجرى الدمج بين الإسلام بوصفه نظامًا شاملاً، وبين ما سمي لاحقًا بـ”الإسلام السياسي” على معنى المشاركة في السلطة، أو السعي إليها كما سنبينه تاليًا.

فاشتمال الشريعة الإسلامية على مسائل السياسة أمر لا مفرّ من الإقرار به، وهو ما يشهد به ذلك النتاج الفقهي الضخم، والتاريخ الإسلامي أيضًا، بل ويشهد به التحليل المنطقي الذي قدمناه عن تعريف الفقه الإسلامي وبناء تصوراته. لكن الجديد والطارئ هو مَنْ يمارس السلطة، ويقوم على تطبيق تلك التصورات. هنا حدث – ويحدث – الكثير من الاضطراب منذ نشأة الدولة الوطنية الحديثة والصراع على السلطة والمرجعية أيضًا.

الإسلام منذ نشأته الأولى ما قام على سُوقه إلا في ظل وجود دولة وسلطة حاكمة تستند إليه في الحكم والمرجعية، وفي ظل هذه الأجواء بُني الفقه كله وخضعت تصوراته الكلية وأحكامه التفصيلية إلى ذلك الأفق الذي يُظلله، أي إلى مسلّمة موجودة وهي وجود سلطة (إسلامية) تطبق شريعته، ومكمن الإشكالية الإسلامية المعاصرة هي معضلة التعايش في ظل سلطة مناهضة للمرجعية الإسلامية في معظم الأحيان، أو مهمِّشة لها في أحيان كثيرة، والمطلوب من الفقيه في ظل هذه السلطة تنزيل النصوص وتطبيق تصورات الفقه (الشامل) المؤسّس على الشكل المشار إليه (في ظل سلطة إسلامية) على أرض واقعٍ كهذا (الإسلام فيه مناهَض أو مهمّش)، وعن هذه المعضلة تنشأ كل مشكلات الظاهرة الإسلامية الحديثة والمعاصرة، وتنبثق فئات كثيرة تعكس كلٌّ منها استجابة معينة لتلك المعضلة.

وحتى الاجتهادات الفقهية التي تحاول التجاوب مع هذا الواقع تعاني من ارتباك كبير؛ إذ تحاول -جاهدة- تكييف تصورات هي نتاج فضاء معين، مع واقع مختلف كليًّا عن واقع إنتاج الفقه المتراكم عبر قرون طويلة، كما أنها لا تستطيع تجاوزه، ومن هنا تتنوع تلك الاجتهادات وتضطرب أحيانًا في علاقتها بالسلطة القائمة أو في ممارستها لمسائل الشأن العام أو في موقفها من القضايا الكبرى والعلاقات الدولية بالمقارنة مع تاريخ الفقه الإسلامي وتصوراته.

فالسلطة الإسلامية التي نشأ في ظلها الفقه الإسلامي كله، كان يقف على رأسها الخليفة أو الإمام، وقد عرّف الفقهاء الإمامة أو الخلافة بأنها: “نيابة عامة عن صاحب الشرع – وهو رسول الله e- في حراسة الدين وسياسة الدنيا به”([27])، فالخلافة حراسة وسياسة، ومن هنا اعتُبر “الدين والمُلك توأمين”، منذ عهد أردشير الفارسي وحتى عهد الآداب السلطانية([28]).

غير أن هذه المسألة حين تتم قراءتها – وفق مرجعية علمانية – تصبح معكوسة؛ فيصبح فقهاء الآداب السلطانية “عملوا على توسيع دائرة الديني في الفقه والشريعة لتشمل فضاء السياسي في المستوى العقائدي ويضمن عدم الفصل بين شؤون الحكم وشؤون الشريعة الإسلامية” ([29])، دون أن يعي هؤلاء أنهم يقرؤون التاريخ قراءة منحازة مسبقًا، وأنهم يحاكمونه إلى مفهوم مستحدث طارئ هو مفهوم “الفصل” بين الديني والسياسي، أو “توسيع” الديني وهي مفاهيم علمانية نشأت بعد ذلك بقرون!.

فالغرض من الإمامة أصلاً هو حفظ الدين، يقول الجويني: “الغرض استيفاء قواعد الإسلام طوعًا أو كرهًا، والمقصد الدينُ، ولكنه لما استمد استمراره من الدنيا كانت هذه القضية مرعية”([30])، كما أن الواجبات التي يتعين على الإمام القيام بها هي: حفظ الدين، وتنفيذ الأحكام بين المتخاصمين، وحماية البيضة، وإقامة الحدود، وتحصين الثغور وجهاد من عاند الإسلام، وجباية الفيء والصدقات وتقدير العطايا واستكفاء الأمناء وأن يباشر الإمام بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال([31])، وهكذا فإن “سلطة الإمام كانت ببساطة تفويضًا يهدف إلى تطبيق الشريعة الإسلامية والدفاع عنها فقد ورث عن الرسول السلطتين القضائية والتنفيذية فحسب، أما السلطة التشريعية فلم يكن له منها شيء، بل إن سلطته في الاجتهاد كانت محدودة” ([32]).

غير أن الذي حدث مع قيام الدولة الوطنية الحديثة، ونشأة القول بالعلمانية، أنه انفصلت الدولة عن الشرعية، والشرعية هنا كما هي في الفقه الإسلامي شرعية دينية تكون فيها السلطة محتكمة إلى الشريعة وصادرة عنها؛ ويقوم فيها الإمام بحفظ الدين وباقي الواجبات المذكورة سابقًا. وبهذا انفصلت السلطة عن الشريعة، وقام ما سمي “بالإسلام السياسي” ليتولى هذا الشأن، فاختلت التصورات والأفعال التي أرساها ما سمي بالسياسة الشرعية التي نظمت العلاقة بين الإمام والرعية، وحددت واجباته وحقوقه، وبيّنت ما يختص به مما لا يحق له التدخل فيه من الشأن الديني: أصله وفروعه، كما نجدها لدى الجويني مثلا.

وفي ظلّ ذلك التنظيم كانت العلاقة بين الفقيه والإمام تقوم على اختصاصات وتمايز، فالإمام يختص بالشأن السياسي، يقول الجويني: “لا يختص به -أي السلطان- إلاَّ ما يتعلق بالسياسة”([33]). ويوجب على نظام الملك الحاكم في عصره، أن يراجع العلماء فيقول: “ومِمَّا ألقيه إلى المجلس السامي وجوب مراجعة العلماء فيما يأتي ويذر؛ فإنهم قدوة الأحكام وأعلام الإسلام وورثة النبوة، وقادة الأمة، وسادة الملة، ومفاتيح الهدى، ومصابيح الدجى، وهم على الحقيقة أصحاب الأمر استحقاقًا، وذوو النجدة مأمورون بارتسام مراسمهم، واقتصاص أمرهم، والانكفاف عن مزاجرهم” ([34]).

“فحماة الشريعة هم الملوك والأمراء، وحفاظها هم الأئمة العلماء”([35])، وإذا كان الإمام ورث عن الرسول السلطتين القضائية والتنفيذية فحسب، فإن السلطة التشريعية كانت للفقهاء وحدهم. ويقول أحد كبار الفقهاء المعاصرين: “السياسة لها دورها في التطبيق، وأما الفقهاء فدورهم في التأصيل، وينبغي للفقيه أن يكون هو السيد في هذه الأمور، أما الحاكم فهو المنفذ لأصول الشريعة وأحكامها”([36]). ونحو هذا عند الإمام الغزالي الذي يقول: “الفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخَلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات، فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طرق سياسة الخلق وضبطهم لينتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا”([37]).

لكن بالتأكيد لم تكن العلاقة بين الفقيه والسياسيّ على هذا النحو من الاستقرار تاريخيًّا، فقد شهدت فترات اضطراب، ربما بدأ منذ عصر المأمون العباسيّ (198-218هـ) حيث أمر بلعن معاوية على المنابر، وامتحن من اختارهم من علماء بغداد في عقيدتهم في القرآن، وهي ما عرفت لاحقًا بفتنة خلق القرآن. وفي واقع الأمر هذا تدخل من الإمام في الشأن الديني، قد تختلف فيه الأفهام هل يحق له أم لا، وإن كان الجويني مثلاً يرى أنه “يجب اتباع الإمام قطعًا فيما يراه من المجتهدات فيُرتَّب القتال على أمر مقطوع به، وهو تحريم مخالفة الإمام في الأمر الذي دعا إليه وإن كان أصله مظنونًا…” ([38]) وهو يعني هنا الإمام المجتهد ([39])، لكن الإمام أحمد بالتأكيد لم يكن يرى هذا الرأي، بل يرفض رأي الخليفة وأن تكون له كلمة في مسألة هي من صميم اختصاص العلماء، وإلا ما بقي في السجن!. وإنما يقع الصراع في العلاقة أيضا في المسائل التي لا يختص بها الإمام فيحاول اجتذابها، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يختص به، بل هو موكول إلى المسلمين عامة بشروطه، غير أنه لا بد من الإقرار بأنه كان للسلطان مداخل عديدة يتيحها له الفقه الإسلامي نفسه أو السياسة الشرعية على وجه الخصوص، للتدخل في الشأن الديني، من خلال جباية الزكاة، أو اختيار مذهب ونصرته على آخر، أو من خلال عقوبات التعزير التي أوكل أمرها إلى الإمام وهي عقوبات غير مقدرة شرعًا، أو من خلال تقرير المصالح خاصة إذا ضعف مبدأ الشورى، أو تم التشاور مع اعتباره معلِمًا غير ملزِم، وغير ذلك.

وربما يكون هذا النزاع المبكر في عهد المأمون، هو الذي دفع إلى تقرير ما هو شرعي مما هو غير شرعي من شؤون “السياسة” فكتب الفقهاء كتب “السياسة الشرعية” لتوضيح الحقوق والواجبات للإمام والرعية على السواء.

لكن مع كل هذا بقي الإمام يختص بشؤون السياسة، والفقيه يختص بشؤون الدين، حتى عهد الإصلاحية الإسلامية في تونس ومصر، حيث رأى الفقيه أو الإصلاحي أنه مشارك في الشأن السياسي وفي إصلاحه، في ظل الهجمة الاستعمارية، ومحاولة بناء دولة عصرية تقف في وجه ذلك السيل الذي يهدد الوجود والهوية، ويكاد يطيح بالدين. هنا لجأ الفقيه الإصلاحي إلى المصالح والمقاصد لبناء تلك الدولة التي تحمي الوجود والهوية كليهما، وتصون ضرورات الدين التي جاء بها. وقد تحالف رجال الحكم ورجال الإصلاح في تونس من أجل ذلك وتم تشريع المؤسسات الحديثة من باب المصالح كما أشرنا سابقًا، من أجل تحقيق الإصلاح الديني والسياسي معًا، فحدث الوصل بين الفقه والدولة، لكن ذلك لم يستمر طويلاً فسرعان ما انفصل الفقه عن الدولة فوجدت النخبة الإصلاحية نفسها معزولة عن الشأن العام الذي استبد به السياسيّ لكن هذه المرة بمعزل عن الشريعة فاختل الفقه من أساسه، وبقيت المعضلة جاثمة في الفكر الإسلامي المعاصر في كيفية التعاطي مع هذه الدولة الناشئة، التي ما أمكن الاعتراف بشرعيتها، ونشأت أطروحة الدولة الإسلامية، وتحولت المشكلة مع بعض التنظيمات الإسلامية العنيفة إلى تكفير الدولة ومحاولة الحلول محلها ما يعني أن تلك الفئة من الناس رأت من حقها وحدها تولي أمور الشأن العام فحدث الصدام الذي لا تزال آثاره حتى الآن قائمة. وإذا كان الفقه – كما قلنا – ينتظم أفعال الناس جميعها، ويحكمها، فإن هذا يصدق أيضا على السلطان أو الإمام في خاصة نفسه، كما أن الشريعة الشاملة تصدق على السياسة والعبادة وسائر المجالات، ومن هنا فإن الفقه يتناول مسائل السياسة، إلا أن تعاطيه معها بما هي تدبير الشأن العام خارج عن منهج تعاطيه مع مسائل الأفراد، ولهذا أوجد الفقهاء اسمًا خاصًّا لهذا، أسموه “السياسة الشرعية”، وعرفها ابن نجيم الحنفي بأنها “فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي”([40])، مع أنه قال قبل ذلك: “لم أر في كلام مشايخنا تعريف السياسة”. وعماد السياسة الشرعية عند جمهور الفقهاء قائم على المصلحة المرسلة، ولذلك نقل الجويني عن بعضهم قوله: “إن أبناء الزمان ذهبوا إلى أن مناصب السلطنة والولاية لا تستدّ إلا على رأي مالك رضي الله عنه، وكان يرى الازدياد على مبالغ الحدود في التعزيرات، ويسوّغ للوالي أن يقتل في التعزير. ونقل النقلة عنه أنه قال: للإمام أن يقتل ثلث الأمة في استصلاح ثلثيها” ([41])، وقد انتقد الجويني هذا انتقادًا لاذعًا قائلاً: “وهذا الفن يستهين به الأغبياء، وهو على الحقيقة تسبُّبٌ إلى مضادّة ما ابتُعث به سيّد الأنبياء”. فالجويني شافعي ومذهبه أضيق المذاهب في اعتبار المصالح، فقد تقدم أن الشافعي حصر الاجتهاد في القياس فقط وهو المسلك الأول من مسالك الفتوى كما أشرنا.

إذن فكرة المصلحة نفسها، هي جوهر ما عُرف بالسياسة الشرعية، وحين كان رجال الإصلاح هم رجال الدولة توسعت المصالح، ونشأت مقولات وتطورات وإنتاجات فقهية كثيرة لقضايا العصر مدت سلطان الفقه، ونمّته، في ظل مسلك المصلحة والمقاصد دون تجاهل منهجية القياس والنص. وعن مسلك المصلحة والمنافع نشأت مقولات فقه الواقع، والموازنات والأولويات بالاستناد لمقولات ابن القيم والعز بن عبد السلام، والتي أدت إلى نشوء فقه الأقليات، وتوسعة دائرة الحلال، وغيرها بحكم المنزع الدعوي الذي يهدف إلى نشر الإسلام وإعادة الطابع الإسلامي للحياة مع القرضاوي وتيار ما يُعرف بالوسطية.

وفي تقديري أنه أمكن للنهج القياسيّ أن يستمر دون تحديات، وأن يُنتج ذلك النتاج الضخم في ظل تصور يفصل بين المجالين الخاص والعام، تكفل القياس بالمجال الخاص، وتكفلت “السياسة الشرعية” بالمجال العام التي يتولاها الإمام، مثل شؤون الجهاد، قال الجويني: “أما الجهاد فموكول إلى الإمام، ثم يتعين عليه إدامة النظر فيه على ما قدمنا ذكره فيصير أمر الجهاد في حقه بمثابة فرائض الأعيان؛ والسبب فيه أنه تطوّق أمور المسلمين وصار مع اتحاد شخصه كأنه المسلمون بأجمعهم فمن حيث انتاط جرُّ الجنود وعقد الألوية والبنود بالإمام وهو نائب عن كافة أهل الإسلام صار قيامه بها على أقصى الإمكان به كصلاته المفروضة التي يقيمها” ([42]).

بالإضافة إلى وجود حكم فقهي يسمى “فروض الكفاية” يتناول (بعض) مسائل الشأن العام، التي يقوم بها الأفراد. يقول الجويني: “معظم فروض الكفايات مِمَّا لا يتخصص بإقامتها الأئمة، بل يجب على كافة أهل الإمكان ألا يُغفلوه ولا يَغفلوا عنه، كتجهيز الموتى ودفنهم والصلاة عليهم. (…) وأما سائر فروض الكفايات فإنَّها متوزعة على العباد في البلاد، ولا اختصاص لها بالإمام”([43]).

رابعًا: ظاهرة الفتاوى السياسية وإشكالاتها

وهكذا فإن العلاقة بين الفقه والسياسة في الوعي الفقهي الكلاسيكي بقيت محصورة بما سمي بـ”السياسة الشرعية” قبل انفصال السلطة عن الشريعة، أما بعد ذلك، فإن عمل الفقيه توسع مع التحول الذي طرأ على فكرة “النظام الشامل”، فنشأت “الفتاوى السياسية” التي يخاطب بها الجمهور، بعيدًا عن السلطة التي ناهضت أو همّشت الشريعة، والتي اعتمدت مرجعية مفارقة في ظل نظام دولي معاصر. هنا حدث اختلال كبير، ففي التاريخ لم يكن الفقيه بحاجة إلى إصدار الفتاوى في مجال الشأن العام، وفي مسائل تخص الإمام، لكن مع غياب الإمام وفي ظل الصراع معه توسعت دائرة عمل الفقيه لتشمل المجال العام الذي يصطرع عليه مع الحاكم المنفصل عن الشريعة.

هذا التحول الجديد أفرز عددًا من المستجدات، فقد حلت “الفتوى” محل “شرعية” السلطة السياسية، وحلّ الفقيه محل الإمام (الغائب منذ نشأة الدولة الحديثة) في التعاطي مع المجال العام وتقدير المصالح ومخاطبة الجماهير، ومع تعدد الفقهاء أو المفتين حدث اضطراب كان الإمام يحول دونه ويملك سلطة حمل الناس على أحد تلك الاختيارات والمذاهب، بما يضمن وحدة الصفّ وتآلفه. ومع هذا التعدد اضطر المفتون إلى إدراجه ضمن الاختلاف الفقهي المعهود في المذاهب الفقهية دون إدراك الفرق بين فتاوى الأفراد وفتاوى المجال العام، أو بين المسائل الفرعية من العبادات والمعاملات وبين مسائل السياسة الكلية([44]). هذه المتغيرات كلها فرضت إعادة تعريف السياسة بالقول: “السياسة اليوم قد أخذت معنى أوسع؛ لأنها لم تعد متعلقة بالحكام فقط، وإنما هي متعلقة بالمجتمع كله بأفراده ومؤسساته ونقاباته وأحزابه”([45])، هذا التوسع في مفهوم السياسة، اكتسب معنى جديدًا مع نشأة ما سمي بـ”الإسلام السياسي” الذي طرح مفهومًا شاملاً للتدين، ما عاد تدينًا فرديًّا، ولا تديُّنًا عباديًّا قاصرًا فحسب، ولم يعد مرتبطًا بالتقوى والإيمان الوجداني والقلبي فحسب، إنه أبعد من ذلك؛ إذ يعني “عملية رسالية تطلب التغيير الشامل (الشخصي والاجتماعي والسياسي والقانوني)، وتتميز بموقف اجتماعي -نفسي- ثقافي مشخّص: من الآخرين والدولة والمجتمع والعالم بأجمعه”([46]).

الإشكال الأساسي هنا في صناعة “الفتوى السياسية” هو أنها تتبنى لغة المسلك القياسي أولاً؛ من حيث بناء الأحكام الصارمة، وترتيب الإثم والثواب، وإضافة فروض جديدة على المسلم في مجال الشأن العام، حيث تصبح المشاركة في الانتخابات البرلمانية العراقية في ظل وجود الاحتلال فريضة شرعية مثلاً (القرضاوي 11-12-2005، والقره داغي 13-12-2005)، إلى غير ذلك من فتاوى وجوب المقاطعة الاقتصادية وغيرها، وهذه كلها فروض وواجبات شرعية بحسب تلك الفتاوى تنهض بموازاة الدولة الوطنية، ومع فراغ منصب الإمام (الخليفة) الذي تحاول أن تشغل مكانه، بالفتوى إن لم يمكن بالسلطة وذلك أضعف الإيمان، وَمِـمَّا يستلزمه واجب البيان الشرعي بحسب أصحاب تلك الفتاوى.

لكن تحليل هذه الفتاوى ومنطقها القانوني الصارم، يوقع في مشكلات فقهية، لا تقتصر على تعددها واضطرابها في مسائل الشأن العام التي تتطلب قرارًا موحدًا فحسب، بل تطرح تساؤلاً عن موقف الشريعة الإسلامية نفسها من زيادة الفروض الشرعية، وتاليًا تطرح ما موقع هذا المفتي أو ذاك من كون فتواه “توقيعًا عن رب العالمين” كما يعتبرها العلماء وابن القيم على وجه الخصوص، ثم ما حكم مخالف تلك الفريضة الجديدة شرعًا؟ وهل يملك المفتي بناءً على تقديره (الشخصي) للمصالح التي بنى عليها الفتوى الشرعية ترتيب الإثم الشرعي على مخالف تلك الفريضة دون وجود نصوص وحي تتناول ذلك أو تنص عليه؟

هذه أسئلة جديرة بالتأمل والبحث المتأني، بعيدًا عن “تكييفات” بعض المفتين التي تقول مثلاً: “من المرونة أن تكون هناك عدة آراء بعدد المفتين أو العلماء أو المراجع، وكلهم يعتبر أنه يقدم حكمًا شرعيًّا هو حكم الله في هذه المسألة، والأمة تتقبل هذا الحكم أو ذاك وتمضي به، وأي حكم تقبلته الأمة طالما أنه صادر عن دليل شرعي معتمد فهو إن شاء الله حكم مقبول عند الله U”([47]). فضلاً عن أن هناك خلطًا بين الحكم الشرعي الثابت والكلي والفتوى التي هي جزئية ويمكن أن تتغير.

والدخول في مناقشة منطق الفتاوى السياسية يكشف عن إشكالات عدة، خاصة إذا ما استحضرنا متغيرات الواقع الحديث الذي نشأت فيه علوم جديدة، وأدوار فكرية واجتماعية عديدة بات الفقيه واحدًا منها وليس معظمها أو يشغل المركز فيها، فمع نشأة الفكر الحديث، برزت مصطلحات ومفاهيم جديدة على المنظومة الإسلامية، كالمثقف، والمفكر، والسياسي، وغير ذلك. وبقي الفقيه تحديدًا ينظر بعين الريبة إلى ثلاثة مصطلحات على وجه الخصوص هي: المفكر، والمثقف، والداعية، إلا أن مشكلته مع المفكر بقيت أكثر بروزًا وحضورًا، فهو ينازعه في مركزيته بوصفه نواة للعلوم الدينية، ومصدر الأحكام الشرعية، فـ”المفتي قائم مقام النبي”، بتعبير الشاطبي، بل هو “موقّع عن رب العالمين” بتعبير ابن القيم، ولهذا حرَص د. البوطي في مقدمة كتابه “الجهاد” على أن ينبه الناس إلى الفرق الشاسع بين الفقيه والمفكر، ذلك الذي هو بعيد عن أحكام الله (وهي الفقه بطبيعة الحال)، ونحو هذا نجده عند د. القرضاوي الذي اعتبر أن المفكر هو الذي ينطلق من منطلقات فلسفية قد تكون غير شرعية.

السمة الأساسية في الفقه وعمل الفقيه هي الضبط والتقنين (ليس بمعناه القانوني)، ففضلاً عن مركزية الفقه ومرجعية الفقيه بحسب التاريخ الإسلامي، فإن هذه السمة الأساسية التي يختلف فيها المفكر وفكره، والسياسي وعمله، عن الفقيه، ففي حين تشكل النصوص مرجعية الفقيه، فينطلق من النصّ لتنزيله على الواقع، أو من الواقع للبحث له عن حل في النص، فإن المفكر ينطلق أساسًا من الواقع أو من وقائع التاريخ، تاريخ الأحداث والأفراد والأفكار، والمفكر الإسلامي يضم إلى ذلك مرجعية الوحي على سعتها، فنصوص الفقهاء التي شكلت مرجعيات وسيطة للفقيه المعاصر، قد لا تعني المفكر، فقد يتجاوزها إلى ما يجده أقوى وأكثر مصداقية وواقعية.

وفيما يخص الشأن السياسيّ، فقد كان هذا من اختصاص الإمام، أو الخليفة، فحتى الجهاد كان موكولاً أمره إلى الإمام واجتهاده ([48])، ويلزم الرعيةَ طاعته فيما يراه من ذلك. هذا ما صرّح به جمهور الفقهاء؛ وقالوا: إنه أعلم بكثرة العدو وقلّتهم، ومكامن العدو وكيدهم، فينبغي أن يُرجع إلى رأيه؛ لأنه أحوط للمسلمين.

لكن كما نشأ الانفصال بين الدين والدولة، نشأ الانقسام بين الفقيه والسياسي في ظل الدولة الحديثة، ولكون السياسي في الغالب درس السياسة بمفهومها الغربي، والفقيه لم يدرس إلا ما يسمى بالسياسة الشرعية، فإن ذلك الانقسام بين الدين والسياسة، انتقل إلى الفقيه والسياسي؛ ركني الثنائية الأولى، ومن هنا تختلف طبيعة تعاطي كلّ منهما مع الأحداث، وتقديره لها، بل إن الأمر مع الفقيه يزيد عن ذلك، فالسياسة الشرعية -قبل أن تهيمن عليها النزعة الفقهية القانونية-هي بحسب قول ابن عقيل الحنبلي: “السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول، ولا نزل به وحي. فإن أردت بقولك: (إلا ما وافق الشرع) أي لم يخالف ما نطق به الشرع؛ فصحيح. وإن أردت: لا سياسة إِلاَّ ما نطق به الشرع: فغلط، وتغليط للصحابة” ([49]).

وفي هذا ما يَدُلُّ لأمرين: الأَوَّل: أن السياسة بهذا المعنى هي أقرب إلى عمل السياسي الحالي، وليس إلى عمل الفقيه الذي يدور في فلك الأحكام الخمسة التكليفية، فالسياسة بهذا المعنى لصيقة بالفكر ومنهجيته، والثاني: أن فكرة المصلحة ومتعلقاتها هي جوهر فكرة المقاصد الشرعية، والتي توسعت ونضِجت في رحم السياسة الشرعية، مع كتاب “الغياثي” للإمام الجويني، وهي لم تستقل إِلاَّ بعد أن انفصلت عن باب “القياس” الفقهي، والذي هو جوهر عمل الفقيه في المستجدات. وفي هذا إشارة إلى التباين بين النزعتين: الفقهية والفكرية، وتفسيرٌ لماذا يصرّ الفقهاء -على الدوام- على أن مقاصد الشريعة إنما يقتصر دورها على مجرد “الكشف” عن حِكمة الأحكام الفقهية المقررة سلفًا، ولا تصلح دليلاً شرعيًّا.

وإذا كان الفقه -في معظمه- يخاطب الشخصية الطبيعية (الأفراد)، كما لاحظ د. علي جمعة، وكان الفقهاء خصّوا الإمامَ (الخليفة) بالرأي في مسائل الجهاد والقضايا الكبرى، فإن الانفصال بين الدين والدولة، وانهيار ما بني على ذلك من اختصاصات كانت تتوزع على مؤسستين، جعل كثيرًا من الفقهاء يدخلون مساحة القضايا الكبرى والشأن العام (وهي قضايا سياسية) ويفتون فيها وفق منهجيتهم القانونية التي غلب عليها مخاطبة الشخصية الطبيعية (الأفراد) دون إدراك كافٍ بالتبعات والمتغيرات التي تنشأ عن هذا، سواء لجهة المستقبِل للفتوى أم لجهة بناء الفتوى نفسها. وهنا تأتي مقولة “فتاوى الأمة” التي طرحها البعض ([50]) وحاول التنظير لها لتسد ذلك الفراغ الناشئ.

هذا التداخل بين الفقه والسياسة في عمل الفقيه، في سياق تفكك المنظومة القديمة التقليدية، التي كانت تنظّم تلك العلاقات والاختصاصات، ساهم في إذكائه ما سمي بـ “فقه الواقع”، الذي لا نجد له ضبطًا منهجيًّا محكمًا، ليبقى لكل شخص تقدير ما يراه واقعًا، ومن المفارقة أنه تأسس هذا الفقه اعتمادًا على مقولات فقهية متأخرة، أبرزها مقولات ابن القيم نفسه صاحب المنهجية النصية.

فلو مضينا مع هذا، سنجد أن المفكر هو أكثر إدراكًا للواقع من فقيه اليوم نفسه في كثير من الأحيان، لِما سبق شرحه من منهجية كُلّ منهما، غير أننا نجد العكس، فالسلفيون بادروا بالسخرية من “فقه الواقع”، والتقليديون سخروا من “المفكر”، أما السلفيون فرأوا في فقه الواقع تجاوزًا للمنهجية النصية، وأما التقليديون فرأوا أن المفكر يتجاوز المنهجية نفسها وينازعهم في مركزية الفقه لأجل مخاطبة الشخصية الاعتبارية (المجتمع والأمة).

وفي الواقع هناك فئة وسيطة تخلط بين عمل الفقيه والمفكر، فتستعمل لغة الفقهاء في قضايا لا تحتمل ذلك، في محاولة التصدِّي لقضايا كبرى لم يعتد الفقه التقليدي التنظير لها؛ لكونه – في معظمه – كان يخاطب الشخصية الطبيعية (الأفراد) أولاً، ولمنهجيته القانونية الصارمة ثانيًا.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. (الدوحة: 30/3/2007)


[1]) انظر: العلام، عز الدين، الآداب السلطانية، الكويت: عالم المعرفة، عدد 324، ط1، 2006، ص138-139. ولهذا يبدو من كلام الحنفية أن السياسة تتعلق بجانب العقوبات والتأديب لا تتعداه، ولذا قالوا: السياسة والتعزير مترادفان. كما أن المقارنة بين كتاب السياسة الشرعية لابن تيمية وكتاب الآداب السلطانية يظهر فرقًا كبيرًا بينهما.

[2]) الماوردي، أدب الدين والدنيا، تحقيق مصطفى السقا، بيروت: دار الكتب العلمية، ط4/1978م، ص136.

[3] ) شاخت، جوزيف، تراث الإسلام، ترجمة: حسين مؤنس، وإحسان العمد، الكويت: عالم المعرفة، عدد 234، ط3/1998م، 2/160، وانظر:2/ 95-100.

[4]) دراز، عبد الله، مقدمة الموافقات في أصول الشريعة، بيروت: دار المعرفة، 1/5.

[5]) المرجع السابق نفسه.

[6]) ابن عاشور، الطاهر، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق الطاهر الميساوي، الأردن: دار النفائس، ط2/2001م، ص167.

[7]) الشافعي، محمد بن إدريس، الرسالة، شرح أحمد شاكر، القاهرة، ط2، 1979م، ص474.

[8]) صدّيق حسن خان، ذخر المحتي من آداب المفتي، تحقيق أبي عبد الرحمن الباتني، بيروت: دار ابن حزم، ط1، 2000م، ص62. والمؤلف ينتقد ذلك قائلاً: “وهذا من أعظم جنايات فرقة التقليد على الدين”.

[9]) انظر دراسة موسعة في هذا: معتز الخطيب، نصّ الفقيه من تحول السلطة إلى اتحاد السلطة، ضمن كتاب: خطاب التجديد الإسلامي: الأزمنة والأسئلة، دمشق: دار الفكر، ط1، 2004م، ص197-217.

[10]) النووي، محيي الدين، المجموع شرح المهذب، بيروت: دار الفكر، د. ط. 1/45.

[11]) النووي، المجموع، مصدر سابق، 1/43.

[12]) ذهب الطرسوسي (758هـ)، الحنفي في كتابه: “تحفة الترك فيما يجب أن يُعمل في الملك” (نُشر سنة 1993)، إلى تحذير المالكية من القرافي والشاطبي على حد سواء، باعتبار أنهما يخرجان على قواعد المذهب، وكذلك الأمر بالنسبة إلى ابن تيمية مع الحنابلة!.

[13]) انظر: معتز الخطيب، الوظيفة المقاصدية: مشروعيتها وغاياتها، بحث منشور في أعمال ندوة مقاصد الشريعة وسبل تحقيقها في المجتمعات المعاصرة، الجامعة الإسلامية العالمية، كوالالمبور، 2006م، 1/100.

[14]) ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص310.

[15]) ابن عاشور، الطاهر، أليس الصبح بقريب، تونس: الشركة التونسية لفنون الرسم، 1988م، ص110.

[16]) العلواني، طه جابر، تقديم كتاب: الحسني، نظرية المقاصد، عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط2، 2005م، ص6. وانظر تفصيل الحديث عن قصور القياس الفقهي: معتز الخطيب، الوظيفة المقاصدية، مرجع سابق، 1/95.

[17]) السيد، رضوان، سياسيات الإسلام المعاصر: مراجعات ومتابعات، بيروت: دار الكتاب العربي، ط1/1997م، ص172-173.

[18]) عمر بن سالم، قابادو: حياته وآثاره وتفكيره الإصلاحي، تونس: مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، ط1975م، ص320.

[19]) نقل كلامه: ابن عاشور، أليس الصبح بقريب، مرجع سابق، ص110.

[20]) انظر: التونسي، خير الدين، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تحقيق المنصف الشنوفي، تونس: الدار التونسية للنشر، الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، ط1986م، ص85.

[21]) التونسي، أقوم المسالك، ص153.

[22]) في حوار دار بيني وبين د. محمد رأفت عثمان، خلال ندوة مقاصد الشريعة، في مسقط 2006م، وانظر تفاصيل ذلك في: رضوان السيد، مقاصد الشريعة وممارسات الاجتهاد والتجديد، صحيفة الحياة اللندنية، 1/4/2006م.

[23]) محمد حسين فضل الله، حوار سناء الجاك، صحيفة الشرق الأوسط، لندن 15/3/2007.

[24]) البشري، طارق، الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر، القاهرة: دار الشروق، ط2/2005م، ص24-26.

[25]) القرضاوي، يوسف، الدين والسياسة: تأصيل ورد شبهات، تحت الطبع في دار الشروق، ويمكن مطالعته على الرابط التالي: http://www.qaradawi.net/site/topics/static.asp?cu_no=2&lng=0&template_id=

[26]) شاخت، تراث الإسلام، مرجع سابق، 2/95. وهذا هو التصور الصحيح الذي نشأ عليه الفكر الإباضي ودرج عليه علماؤها وفقهاؤها منذ نشأتهم إلى يومنا هذا، وهذا الفكر ينبني على قاعدة لم تنفك عنهم منذ أن نادوا بشعار الإسلام المنبثق من كتاب الله تعالى “الإيمان اعتقاد بالجنان وقول باللسان وفعل للأركان”، فلذلك كان لهم سياسة شرعية على منهج النبوة والخلافة الراشدة جهلها أغلب الكتاب والدارسين يحتاج إلى دراسة واستعراض لمعرفته والاستفادة به. (المراجع)

[27]) انظر: الريّس، ضياء الدين، النظريات السياسية الإسلامية، ط6، ص125. وانظر: ابن جماعة، بدر الدين (733هـ)، تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام، تحقيق فؤاد عبد المنعم، قطر: رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية، ط2/1991م، ص48.

[28]) جاء في عهد أردشير: “اعلموا أن الملك والدين أخوان توأمان لا قوام لأحدهما إلا بصاحبه؛ لأن الدين أسّ الملك وعماده، ثم صار الملك بعدُ حارس الدين…”. وهو ما نجده لدى الماوردي لاحقًا والجويني ثم الغزالي الذي يقول: “إن الدنيا مزرعة الآخرة ولا يتم الدين إلا بالدنيا، والملك والدين توأمان؛ فالدين أصل والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم وما لا حارس له فضائع”. عهد أردشير، تحقيق وتقديم إحسان عباس، بيروت: دار صادر، 1967م، ص53، والغزالي، أبو حامد، إحياء علوم الدين، بيروت: دار المعرفة، باب: العلم الذي هو فرض كفاية، 1/17.

[29]) عبد اللطيف، كمال، في تشريح أصول الاستبداد، بيروت: دار الطليعة، ط1، 1999م، ص239.

[30]) الجويني، أبو المعالي، الغياثي: غياث الأمم في التياث الظلم، تحقيق عبد العظيم الديب، قطر: الشؤون الدينية، ط1/1400هـ، ص183، فقرة 268.

[31]) انظر: الماوردي، الأحكام السلطانية، ص15-16. والجويني، الغياثي، مصدر سابق، ص183 وما بعد. وابن جماعة، تحرير الأحكام، مصدر سابق، ص65 إلا أن ابن جماعة ذكر أن الواجب العاشر هو العدل.

[32]) شاخت، تراث الإسلام، مرجع سابق، 2/121.

[33]) الجويني، الغياثي، مصدر سابق، ص238 فقرة 345.

[34]) الجويني، الغياثي، ص379 فقرة 540.

[35]) ابن جماعة، تحرير الأحكام، ص87.

[36]) الزحيلي، وهبة، الهدنة والسلم، حلقة برنامج الشريعة والحياة، 2007م:

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/75D48BE0-4762-4F86-89AD-87188178BC73.htm

[37]) الغزالي، إحياء علوم الدين، مرجع سابق، 1/17.

[38]) الجويني، الغياثي، ص216-217 فقرة 318.

[39]) يقول الجويني بعد أن يوجب على نظام الملك حاكم عصره مراجعة العلماء لأنهم على الحقيقة أصحاب الأمر استحقاقًا، يقول: “وإذا كان صاحب الأمر مجتهدًا فهو المتبوع الذي يستتبع الكافةَ في اجتهاده ولا يتبع”. الجويني، الغياثي، ص380، فقرة 540..

[40]) ابن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، بيروت: دار المعرفة، ط3، 1993م، 5/76.

[41]) الجويني، الغياثي، ص219 فقرة 321. وانظر ما يؤيد أن السياسة الشرعية عند الفقهاء هي العمل بالمصلحة المرسلة: الحصيّن، خالد، علاقة مقاصد الشريعة بعلم السياسة الشرعية، ندوة مقاصد الشريعة، ندوة مشار إليه سابقًا، 2/166.

[42]) الجويني، الغياثي، 210 فقرة 307. وقد تصور كمال عبد اللطيف في تشريح أصول الاستبداد، ص236 أن العلاقة بين الفقيه والسلطان علاقة تنازع، قائلاً: “إننا أمام قوة تنازع السياسيّ في مجاله الخاص، مجال تدبير الشأن العمومي والعام، تدبير الخراج والجند والحرب والسلام”، وقد أوضحنا أن كتب السياسة الشرعية تقر بأن هذا من اختصاص الإمام، وإن كان للفقيه فيها مدخل من خلال تقرير أحكام الشرع بناء على النصوص، لكن القرار وتقدير المصالح للسلطان.

[43]) الجويني، الغياثي، ص210-فقرة307-308

[44]) يقول فيصل مولوي: “هل اتفقت آراء العلماء جميعا على حكم الله في مسألة من مسائل الفقه الفرعية؟ لم يحصل هذا على الإطلاق، كما أنه لم يحصل في مسائل العبادات الفرعية والمعاملات والأحوال الشخصية، من الطبيعي ألا يحصل في المسائل السياسية ولا يضر”. فيصل مولوي، الفتوى والسياسة، حلقة ضمن برنامج الشريعة والحياة، 2006م: http://www.aljazeera.net/channel/archive/archive?ArchiveId=369055

[45]) فيصل مولوي، المرجع السابق. وكذلك قال الشيخ القرضاوي معلِّقًا على اعتبار الحنفية السياسة تتعلق بجانب العقوبات والتأديب فقط، قال: “الذي أرجحه أن السياسة أعم من التعزير؛ فهي تدخل في أكثر من مجال في شؤون العادات والمعاملات من الإدارة والاقتصاد والسلم والحرب والعلاقات الاجتماعية والدستورية والدولية وغيرها”. القرضاوي، الدين والسياسة، مرجع مشار إليه سابقًا.

[46]) جدعان، فهمي، في الخلاص النهائي: مقال في وعود الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين، الأردن: دار الشروق، ط1/2007م، ص317.

[47] ) مولوي، مرجع مشار إليه سابقًا.

[48] ) انظر: الجويني، الغياثي، ص210، فقرة 307.

[49] ) ابن القيم، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، القاهرة: السنة المحمدية، ص13 – 15.

[50] ) د. سيف الدين عبد الفتاح، مدخل لفهم فتاوى الأمة، ضمن: أمتي في العالم: حولية قضايا العالم الإسلامي، القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، ط 2003م، عدد5، 1/535.

 

*  ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان ” فقه النوازل وتجديد الفتوى”

المنعقدة خلال الفترة: 13-16 ربيع الأول 1428هـ/ 1-4 إبريل 2007م

سلطنة عمان – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك