من ضوابط الإفتاء في قضايا النوازل

من ضوابط الإفتاء في قضايا النوازل*

خبرة (إسلام أون لاين) خلال سبع سنوات

 إعداد: د. رجب أبو مليح محمَّد

 (مشرف موقع إسلام أون لاين، جمهورية مصر العربية)

 

مقدمة:

الفتوى منصب عظيم الأثر، بعيد الخطر؛ فالمفتي -كما قال الإمام الشاطبي-: قائم مقام النَّبِيّ صلعم، فهو خليفته ووارثه، «العلماء ورثة الأنبياء»، وهو نائب عنه في تبليغ الأحكام، وتعليم الأنام، وإنذارهم بها لعلهم يحذرون، وهو إلى جوار تبليغه في المنقول عن صاحب الشريعة.. قائم مقامه في إنشاء الأحكام في المستنبط منها بحسب نظره واجتهاده، فهو من هذا الوجه – كما قال الشاطبي – شارع، واجب اتباعه، والعمل على وفق ما قاله، وهذه هي الخلافة على التحقيق.

واعتبر الإمام أبو عبد الله ابن القيم المفتي مُوقِّعًا عن الله تعالى فيما يفتي به، وألف في ذلك كتابه القيم المشهور “إعلام الموقعين عن ربِّ العالمين” الذي قال في فاتحته: “إذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؟!”. وقد عرف السلف y للفتوى كريم مقامها، وعظيم منزلتها وأثرها في دين الله وحياة الناس، ومن هذا تهيّبهم للفتوى، وتريثهم في أمرها، وتوقفهم في بعض الأحيان عن القول، وتعظيمهم لِمن قال: “لا أدري” فيما لا يدري، وإزراؤهم على المتجرئين عليها دون اكتراث، استعظاما منهم لشأنها، وشعورا بعظم التبعة فيها.

وأوّل الناس في ذلك الصحابة؛ فكان كثير منهم لا يجيب عن مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه، مع ما رُزقوا من البصيرة والطهارة والتوفيق والسداد، كيف لا، وقد كان النَّبِيّ صلعم يسأل أحيانا فلا يجيب حتى يسأل جبريل؟. وكان الخلفاء الراشدون -مع ما آتاهم الله من سعة العلم- يجمعون علماء الصحابة وفضلاءهم عندما تعرض لهم مشكلات المسائل، يستشيرونهم، ويستنيرون برأيهم، ومن هذا اللون من الفتاوى الجماعية نشأ الإجماع في العصر الأول.

وكان بعضهم يتوقف عن الفتوى فلا يجيب ويحيل إلى غيره أو يقول: لا أدري. قال عتبة بن مسلم: صَحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهرا؛ فكان كثيرا ما يُسأل فيقول: لا أدري!([1]).

يقول الإمام النووي في مقدمة كتاب المجموع شرح المهذب: “اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر،‏ كبير الموقع،‏ كثير الفضل؛‏ لأن المفتي وارث الأنبياء ‏‏-صلوات الله وسلامه عليهم‏-‏ وقائم بفرض الكفاية ولكنه معرض للخطأ‏؛ ولهذا قالوا:‏ المفتي موقع عن الله تعالى”.

وروينا عن ابن المنكدر قال:‏ “العالم بين الله تعالى وخلقه،‏ فلينظر كيف يدخل بينهم”.‏

وروينا عن السلف وفضلاء الخلف من التوقّف عن الفتيا أشياء كثيرة معروفة، نذكر منها أحرفا تبركا.

وروينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:‏ “أدركتُ عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله e يُسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا،‏ وهذا إلى هذا،‏ حتى ترجع إلى الأَوَّل”.‏ وفي رواية:‏ “ما منهم من يحدث بحديث‏ إِلاَّ وَدَّ أن أخاه كفاه إياه،‏ ولا يستفتى عن شيء إِلاَّ ودّ أن أخاه كفاه الفتيا”.‏ ‏

‏وعن ابن مسعود وابن عباس y: “مَنْ أفتى عن كلِّ ما يُسأل فهو مجنون”.

وعن ابن عباس ومحمَّد بن عجلان:‏ “إذا أغفل العالم ‏”لا أدري”‏ أُصِيبت مقاتله”.‏

وعن الشعبي والحسن وأبي حَصِين -بفتح الحاء- التابعيين قالا:‏ “إن أحدَكَم ليفتي في المسألة ولو وَرَدَتْ على عُمَر بن الخطاب t لجمع لها أهل بدر”.

وعن عطاء بن السائب التابعي:‏ “أدركتُ أقواما يُسأل أحدهم عن الشيء فيتكلم وهو يرعد”. وعن سفيان بن عيينة وسحنون:‏ “أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما”.‏

وعن الشافعي -وقد سئل عن مسألةٍ فلم يجب-،‏ فقيل له،‏ فقال:‏ “حتى أدري أن الفضل في السكوت أو في الجواب”.‏

وعن الأثرم:‏ سمعتُ أحمد بن حنبل يكثر أن يقول:‏ “لا أدري”،‏ وذلك فيما عرف الأقاويل فيه.‏ وعن الهيثم بن جميل:‏ “شهدتُّ مالكا سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها:‏ “لا أدري””.‏

وعن مالك أيضا أَنَّهُ رُبَّمَا كان يُسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها،‏ وكان يقول:‏ “من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الْـجَنَّة والنار، وكيف خلاصه، ثُمَّ يجيب”.‏ وسئل عن مسألة فقال:‏ “لا أدري”،‏ فقيل:‏ هي مسألة خفيفة سهلة،‏ فغضب وقال:‏ “ليس في العلم شيء خفيف”.‏

وقال الشافعي:‏ “ما رأيتُ أحدا جمع الله تعالى فيه من آلة الفتيا ما جمع في ابن عيينة أسكت منه عن الفتيا”.‏

وقال أبو حنيفة:‏ “لولا الفَرَقُ -الخوف- من الله تعالى أن يضيع العلم ما أفتيتُ،‏ يكون لهم المهنأ وعلي الوزر”.‏ وأقوالهم في هذا كثيرة معروفة.‏

قال الصيمري والخطيب:‏ “قلَّ من حرص على الفتيا،‏ وسابق إليها،‏ وثابر عليها،‏ إلا قلَّ توفيقُه،‏ واضطرب في أموره،‏ وإن كان كارها لذلك،‏ غير مؤثر له ما وجد عنه مندوحة،‏ وأحال الأمر فيه على غيره،‏ كانت المعونة له من الله أكثر،‏ والصلاح في جوابه أغلب”. واستَدَلا بقوله e في الحديث الصحيح:‏ ‏«لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها،‏ وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعِنتَ عليها»([2]).

هذا عن الإفتاء بصفة عامة، أما الإفتاء في قضايا النوازل فإنه أعظم خطرا، وأشد أثرا؛ فالمفتي يسير في طريق غير معبَّد، وواقع يشتبك فيه السياسي والاجتماعي والاقتصادي مع الفقهي والشرعي، ولا بد من التريث؛ حيث إن العجلة مدمرة هنا، بخاصة إن كان الأمر يتعلق بفتاوى الأمة لا بفتاوى الأفراد؛ فبهذه الفتوى تُحل دماء أو تُحرم، وتُستباح حرمات أو تصان؛ فعلى المفتي التأني والتدبر والتشاور للوقوف على الأمر بكافة جوانبه، ومعرفة مآلات الفتوى، وكثيرا ما نردد أن قضايا كثيرة من قضايا الأمة لا يصلح لها الفرد مهما كان علمه غزيرا وعقله رشيدا وبصره حديدا؛ بل لا بد من أن يجتمع عليها عدد من العلماء من تخصصات متعددة ينضجونها بالنقاش والحوار، ثم يأتي الفقيه أو مجموعة من الفقهاء بعد أن يعوا الواقع ويعلموه من كل جوانبه ليصدروا فتواهم في هذه المسألة.

وهذا بحث أردت أن أسجل فيه خبرة موقع (إسلام أون لاين)؛ حيث إنه من أوائل المواقع التي قدّمت الفتوى على الإنترنت منذ عام 1999م، وحتى كتابة هذه السطور، وقد كنت شاهدا على هذه الخبرة ومشاركا فيها طوال هذه الفترة، ولأن المجال لا يتَّسع لرصد هذه الخبرة بكل جوانبها اضطررت إلى اختيار بعض النماذج التي عالجناها خلال هذه الفترة الماضية.

وقد قسمت البحث إلى سبعة مباحث:

المبحث الأول (تمهيد) ويتناول:

1-                   تعريف الفتوى لغة واصطلاحا.

2-                   تعريف النوازل لغة واصطلاحا.

3-                   منهج إسلام أون لاين في تقديم الفتوى.

4-                   آداب المفتي والمستفتي.

5-                   ضوابط الإفتاء في قضايا النوازل.

المبحث الثاني: نماذج من فتاوى النوازل في العبادات:

1-                             استحالة النجاسة (الأدوية ومستحضرات التجميل، مياه الصرف الصحي، أطعمة بها شحوم الخنزير).

2-             إمامة المرأة للمسلمين في صلاة الجمعة.

المبحث الثالث: نماذج من فتاوى النوازل في المعاملات المالية.

1-              فتاوى المسابقات.

2-              التسوق الشبكي.

3-              التعامل مع البنوك الربوية: بين تحريم المجامع الفقهية وإباحة الأفراد.

4-              التأمين والمعاملات المصرفية.

5-             إجراء العقود بوسائل الاتصالات الحديثة.

المبحث الرابع: نماذج من قضايا النوازل في الأحوال الشخصية

1-              بقاء المسلمة التي أسلمت دون زوجها مع زوجها.

2-              صور مستحدثة من النكاح (زواج المسيار – الزواج السري – زواج الأصدقاء…).

3-             الخطبة والزواج عن طريق الإنترنت.

المبحث الخامس: نماذج من قضايا النوازل في الحدود والجنايات

1-              حوادث النقل الجماعي وكيفية دفع الدية.

2-              اختطاف الرهائن والطائرات.

المبحث السادس: نماذج من قضايا النوازل في القضايا الطبية

1-              رفع أجهزة الإنعاش عن المريض.

2-              نقل الأعضاء وزراعتها.

3-             استئجار الأرحام والتلقيح الصناعي خارج الرحم.

المبحث السابع: نماذج من قضايا النوازل في السياسة الشرعية

1-              القواعد العسكرية في البلاد الإسلامية.

2-              مشاركة المسلم الأمريكي في الحرب على المسلمين.

 

المبحث الأوَّل:

1- تعريف الفتوى لغة واصطلاحا:

الفتوى لغة: اسم مصدر بمعنى الإفتاء، والجمع الفتاوى والفتاوي. يقال: أفتيته فَتْوى وفتيا، إذا أجبته عن مسألته. والفتيا: تبيين المشكل من الأحكام. وتفاتوَا إلى فلان: تحاكموا إليه وارتفعوا إليه في الفتيا. والتفاتي: التخاصم. ويقال: أفتيت فلانا رؤيا رآها، إذا عَبَرَتها له، ومنه قوله تعالى حاكيا عن ملك مصر: ﴿يَا أَيُّهَا الْمََلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي﴾([3]).

والاستفتاء لغة: طلب الجواب عن الأمر المشكل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾([4]). وقد يكون بمعنى مجرد السؤال، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾([5])، قال المفسرون: أي اسألهم.

والفتوى في الاصطلاح: تبيين الحكم الشرعي عن دليل لمن سأل عنه، وهذا يشمل السؤال في الوقائع وغيرها.

والمفتي لغة: اسم فاعل أفتى؛ فمن أفتى مرة فهو مفتٍ، ولكنه يحمل في العرف الشرعي بمعنى أخص من ذلك، قال الصيرفي: هذا الاسم موضوع لمن قام للناس بأمر دينهم، وعَلِم جُمَل عموم القرآن وخصوصه، وناسخه ومنسوخه، وكذلك السنن والاستنباط، ولم يوضع لمن عَلِم مسألة وأدرك حقيقتها؛ فمن بَلَغ هذه المرتبة سمّوهُ بهذا الاسم، ومن استحقه أفتى فيما اسُتفتي فيه.

وقال الزركشي: المفتي من كان عالما بجميع الأحكام الشرعية بالقوة القريبة من الفعل، وهذا إن قلنا بعدم تجزؤ الاجتهاد([6]).

2- تعريف النوازل لغة واصطلاحا

فقه النوازل: مركَّب إضافي من كلمتين: كلمة (الفقه)، وكلمة (النوازل)، والفقه هو الفهم العميق. واصطلاحا: العلم بالأحكام العملية الشرعية من أدلتها التفصيلية.

والنوازل: جمع نازلة، والنازلة هي الشيء الذي حل، وقد أصبح اسما على الشدة من شدائد الدهر كما يقول الشاعر:

ولرُب نازلةِ يضيقُ بها الفـتــى     ذرعا وعند الله فيها الـمخرجُ

وتطلق عند الحنفية على الفتاوى والمسائل التي استنبطها المجتهدون المتأخرون في المذهب، ولم يجدوا فيها شيئا عن أهل المذهب المتقدمون من أصحاب أبي حنيفة t.

وعند المالكية: يراد بها القضايا والوقائع التي يفصل فيها القضاء، ومن هنا أتى كتاب أبي الوليد القرطبي (ت606هـ) (المفيد للحكام فيما يعرض لهم من نوازل الأحكام).

واشتهر عند الفقهاء: أن النوازل هي المسائل الجديدة التي تتطلب اجتهادا وبيان حكم.

ويمكننا أن نخلص مِـمَّا سبق أن فقه النوازل هو معرفة الأحكام الشرعية للوقائع المستجدة الملحة([7]).

فالنوازل لا بد أن تتوافر فيها شروط ثلاثة:

أَوَّلاً: أَنَّهَا واقعة بالفعل وليست متخيلة، كمن يسأل الآن عن أحكام الزراعة على سطح القمر، وهل يصدق عليها أحكام إحياء الأرض الموات أم لا؟ فهذه مسألة لم تحدث، ووقوعها صعب الآن وإن لم يكن مستحيلا؛ فإن وقعت اجتمع لها العلماء في ضوء المعلومات والمستجدات الموجودة واجتهدوا فيها رأيهم.

وهذا لا ينافي أن يكون الفقه سباقا إلى المسائل التي أصبحت قريبة الحدوث أو متوقعة، مثل: أحكام الاستنساخ التي نجحت في النباتات والحيوانات ولم تنجح على الإنسان حتى الآن، لكنها قد تقع في وقت قريب، وهذه تحتاج إلى اجتهاد يتناول حكم الاستنساخ، وحكم ما يترتب عليه من قضايا النسب والميراث وغير ذلك.

ثانيا: أن تكون ملحة؛ أي تتطلب حكما فقهيا في أقرب وقت، وإلا فات وقتها؛ فكثير من الفتاوى التي تتعلق بالإجهاض مثلا تتطلب حكما فقهيا سريعا؛ لأن عامل الزمن يؤثر في الحكم الفقهي عند من يجيزون الإجهاض قبل الأربعين يوما الأولى أو قبل المائة وعشرين يوما، وكذلك معرفة بداية الشهور القمرية ونهايتها، وتحديد يوم عرفة وغير ذلك من الأحكام التي تتأثر بعامل الزمن.

ثالثا: أن تكون مستجدَّة؛ فإن كانت قديمة وأفتى فيها العلماء من قبل لم تُعد نازلة، لكن مصدر الجدَّة هنا رُبَّمَا لا يأتي من المسألة نفسها لكن يأتي من تغير الزمان والمكان والأحوال، وهذا يؤثر في تغيّر الأحكام.

– ما يقدمه إسلام أون لاين من الفتوى:

– رصد خبرة الفتوى في الموقع: بدأت خدمة الفتوى مع بداية الموقع في أكتوبر 1999م، وقد تَمَّت الإجابة عما يزيد عن 500000 (خمسمائة ألف) فتوى خلال السنوات السبع الماضية، تتقسم هذه الفتاوى إلى ما يلي:

أوَّلا: فتاوى البنك الدائم: وفيه 13000 فتوى مصنفة حسب الموضوع واسم المفتي، ويمكن للمستخدم أن يبحث بأي كلمة في العنوان أو النص، كما يمكنه البحث من خلال اسم المفتي، وهذا البنك يضم الفتاوى التي سألها الناس خلال هذه الفترة، وأيضا كتب الفتوى المعاصرة، مثل: ما كتبه فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي، والشيخ جاد الحق، والشيخ عطية صقر، وبعض ما كتبه الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ ابن عثيمين، وسماحة الشيخ الخليلي وغيرهم، سواء كانت فتاوى مُجتهدين أفراد أو فتاوى مجامع فقهية، مثل: مجمع الفقه الدولي بجدة، والمجمع الفقهي بمكة، ومجمع البحوث الإسلامية بمصر، والمجلس الأوربي للبحوث والإفتاء وغير ذلك من فتاوى دور الإفتاء في العالم الإسلامي.

ويستطيع المسلم العادي الحصول على فتاواه من خلال البحث في موضوعات البنك المصنفة حسب ترتيب أبواب الفقه من خلال شجرة فقهية، تصنف فيها المسائل حسب موضوعها الأصلي من عبادات ومعاملات وأحكام أسرة وغيرها، وحسب موضوع فرعي مثل الطهارة والغسل مثلا.

ويستطيع الباحث الحصول على مادة متكاملة من خلال البحث الموضوعي؛ فلدينا عشرات الفتاوى عن السياسة الشرعية، وعشرات الفتاوى عن التربية الجنسية وآدابها وحدودها وعلاقة الرجل بالمرأة؛ سواء كانت أجنبيَّة أو مخطوبة أو زوجة أو غير ذلك.

كما يستطيع الباحث الحصول على مجموعة متكاملة عن فتاوى الحرب الأمريكية وأثرها على الأمة الإسلامية، وكذلك فتاوى فلسطين والعراق وغيرها من القضايا المثارة في الوقت الحالي، بالإضافة لفتاوى العبادات والمعاملات وغيرها.

ثانيا: الفتاوى المباشرة: وقد عقدت ما يزيد على 1000 حلقة للفتاوى المباشرة، متوسط عدد الفتاوى في هذه الحلقات 25 فتوى؛ فيكون مجموع الفتاوى 25000 فتوى تقريبا، وتتميز الفتاوى في هذه الخدمة بسرعة الردّ على المستفتي، لكنها ربما تفتقد إلى شيء من التأصيل والتفصيل لكنها تفي بحاجة المستفتي.

وما يُميّز هذه الفتاوى هو السرعة في تلقي الإجابة؛ حيث يتلقى السائل الإجابة خلال دقائق من إرسال السؤال، ويستطيع أن يتواصل مع المفتي بالاستيضاح أو التعقيب أو غير ذلك.

كما تتميَّز أيضا بوضع السائل على الحكم مباشرة دون الدخول في تفاصيل كثيرة، قد تشغله في بعض الأحيان عن الوصول إلى الحكم الشرعي بوضوح.

وتتميز أيضا هذه الفتاوى بالتواصل مع عدد كبير من المفتين يغطون رقعة واسعة من العالم العربي والإسلامي؛ فلدينا أكثر من مائة عالم وفقيه يمثلون معظم الدول العربية والإسلامية.

ثالثا: فتاوى البنك المؤقت: وهذه تمثل النسبة الكبرى في الفتاوى الواردة، وهذه إما مكررة أو تحمل نوعا من الخصوصية يريد السائل أن تظل محفوظة له، وهي موجودة لدينا على قاعدة بيانات لكنها غير معلنة.

– ما تقدمه صفحة الفتوى: وتعنى صفحة الفتاوى بالرد على أسئلة المستفتين في كل ما يقابلهم من مسائل تعرض لهم في الفقه والعقيدة والتفسير والحديث، كما تعرض لما يقابلهم من مشاكل نفسية أو فكرية ولها مدخل شرعي، كما تتناول جانب الأخلاق والآداب من وجهة نظر الشرع أيضا.

كما تقوم الصفحة بإثارة القضايا الجديدة التي ربما لا يلتفت إليها المستفتون؛ فتقوم بعرضها على العلماء والمتخصصين لإبداء الرأي حولها، سواء كانت في جانب السياسة الشرعية أو في جانب المعاملات المالية الحديثة أو غير ذلك.

تتنوع الأسئلة الواردة إلى الصفحة؛ فبعضها يسأل عن المسائل الفقهية القديمة كالطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج والأحوال الشخصية وسائر المعاملات المالية وغيرها والحدود والجنايات، وبعضها يسأل عن الأمور المستجدة التي تقابل المسلم في البلاد (غير الإسلامية)، وبعضها يسأل عن المعاملات المالية الحديثة كسوق الأوراق المالية وغيرها.

وتأخذ قضايا الإنترنت حيزا معقولا من هذه الأسئلة الواردة كالمراسلة بين الرجل والمرأة عبر الإنترنت والزواج والبيع والشراء عن طريق الإنترنت، وغير ذلك من القضايا الحديثة التي أثيرت بسبب استعمال الناس للإنترنت في البيع والشراء والزواج والطلاق والتعامل المادي وغير ذلك.

كما تثار عبر الصفحة مسائل العلاقة الخاصة بين الزوجين وآداب المعاشرة، خاصة تلك التي عرفها المسلمون من خلال احتكاكهم بالغرب؛ سواء كان الاحتكاك مباشرا أم عن طريق وسائل الإعلام المسموعة والمرئية.

4- منهج إسلام أون لاين في تقديم الفتوى:

يعتمد الموقع منهج الوسطية في تقديم الفتوى للجمهور، ونعني بالوسطية في تقديم الفتوى الميزان والموازنة والتوازن بين الثبات والتغير، بين الحركة والسكون، وهي التي تأخذ بالعزائم دون التجافي عن الرخص في مواطنها.

وهي التي تطبق الثوابت دون إهمال للمتغيرات، تتعامل مع تحقيق المناط في الأشخاص والأنواع، تقيم وزنا للزمان ولا تحكمه في كُلّ الأحيان، تفرق بين المتماثلات والمتباينات؛ إعمالا للحاجات وللمصالح وعموم البلوى والغلبة وعسر الاحتراز.

ونعني بالوسطية هنا: المقارنة بين الكليّ والجزئيّ، والموازنة بين المقاصد والفروع، والربط بين النصوص ومعتبرات المصالح في الفتاوى والآراء؛ فلا شطط ولا وكس.

وللتدليل على مفهوم الوسطية في الفتوى نقتطف من الموافقات القطوف التالية إذ يقول الشاطبي: “المفتى البالغ ذِروة الدرجة هو الذي يَحمِلُ الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور؛ فلا يذهب بهم مذهبَ الشِّدَّة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال. والدليل على صحة هذا أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة؛ فإنه قد مر أن مقصد الشارع من المكلفِ الحملُ على التوسط من غير إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع، ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموما عند العلماء الراسخين. وأيضا: فإن هذا المذهب كان المفهومَ من شأن رسول الله e وأصحابه الأكرمين، وقد رد عليه الصلاة والسلام التبتل.

وقال لمعاذ لَـمَّا أطال بالناس في الصلاة:«أفتان أنت يا مُعاذ؟»([8]). وقال: «إن منكم مُنَفِّرين»([9]). وقال: «سَدِّدوا وقارِبوا واغدُوا ورُوحوا وشيءُ من الدُّلْجة والقصدَ القصدَ تَبلُغُوا»([10])، وقال: «عَلَيْكُم مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ؛ فإنَّ اللهَ لا يمَلُّ حتى تمَلُّوا». وقال: «أَحَبُّ العَمَلِ إِلَى اللهِ مَا دَاومَ عَلَيْهِ صَاحِبُه وإِنْ قَلَّ»([11]). وردَّ عليهم الوصال، وكثير من هذا.

وأيضا: فإن الخروج إلى الأطراف خارج عن العدل، ولا تقوم به مصلحة الخلق. أما في طرف التشديد فإنه مهلكة، وأما في طرف الانحلال فكذلك أيضا؛ لأَنَّ المستفتي إذا ذُهب به مذهب العنت والحرج بغض إليه الدين، وأدى إلى الانقطاع عن السلوك طريق الآخرة وهو مشاهد.

وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة.

والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى، واتباع الهوى مهلكة، والأدلة كثيرة”([12]).

وتقوم وسطية الفتوى على أربع ركائز:

أولا- قاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان: 

وكان عمر t مِمَّن له نصيب في تأصيل هذه القاعدة؛ فمن ذلك أنه لم يعط المؤلفة قلوبهم مع ورود ذلك في القرآن، ورأى أن عز الإسلام موجب لحرمانهم. وكذلك إلغاؤه للنفي في حد الزاني البكر خوفا من فتنة المحدود والتحاقه بدار الكفر؛ لأن إيمان الناس يضعف مع الزمن.

ومن ذلك أمر عثمان بالتقاط ضالة الإبل، مع ورود النهي عن هذا الفعل؛ وذلك لما رأى من فساد الأخلاق وخراب الذمم، وورّث تماضر الأسدية لمّا طلقها عبد الرحمن في مرض موته..

وأمير المؤمنين علي t يضمن الصناع بعد أن كانت يد الصانع أمانة قائلا: (لا يُصلح الناس إلا ذاك).

وقد وردت هذه القاعدة في مجلة الأحكام العدلية بعنوان: (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان).

غير أن هذه القاعدة ليست على إطلاقها؛ فالمأمورات والمنهيات المعلومة من الدين بالضرورة لا تخضع لقاعدة التغير بسبب الزمان.

فالذي يتغير هو الأحكام الاجتهادية، وَأَمَّا القطعيات من الأحكام فلا تتغيَّر؛ فلا يمكن أن تتغيَّر المواريث بدعوى أن المرأة أصبح لها شأن، ولا يمكن أن يتغير تحريم ربا النسيئة في بلاد الإسلام، ولا تحريم أكل الميتة والخنزير.

وتغير الفتوى لا يكون إلا لترجح مصلحة شرعية لم تكن راجحة في وقت من الأوقات، أو لدرء مفسدة حادثة لم تكن قائمة في زمن من الأزمنة.

والأمثلة في المذاهب كثيرة، منها ما نقله ابن عابدين في حاشيته من أن المتقدمين من فقهاء المذهب يرون بطلان الإجارَة على الطاعات، ولكن جاء المتأخرون، وصححوها على تعليم القرآن، ثُمَّ جاء من بعدهم وصححوها على الأذان والإمامة، وذلك للضرورة، والحفاظ على تعليم القرآن وإقامة الشعائر.

وفي مذهب الأحناف أيضا أن المرأة إذا قبضت معجل المهر، فعليها اتباع زوجها حيث شاء، ثُمَّ جاء المتأخرون وأفتوا بخلاف ذلك، ورأوا بأن المرأة لا تجبر على السفر مع زوجها إلى مكان إذا لم يكن وطنا لها وذلك لفساد الزمان والأخلاق([13]).

ثانيا- قاعدة العرف:

 وهذا أصل هام من أصول الفتوى، نطق به العلماء؛ حيث قال ابن عابدين: “ليس للمفتي ولا للقاضي أن يحكما بظاهر الرواية ويتركا العرف”([14]). وقال الإمام القرافي في حديثه عن العرف: “وعلى هذا القانون تُراعى الفتاوى على طول الأيام؛ فمهما تجدد في العرف اعتبره ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك؛ بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تُجرِه على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده، وأجره عليه، وأفته به دون بلدك والمقرر في كتبك؛ فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين، وعلى هذه القاعدة تتخرج أيمان الطلاق والعتاق وصيغ الصرائح والكنايات؛ فقد يصير الصريح كناية يفتقر إلى النية، وقد تصير الكناية صريحا مستغنية عن النيّة”([15]).

ثالثا: قاعدة النظر في المآلات:

وَمِـمَّا يصب في جداول المصلحة ويسير في دربها قاعدة النظر في المآلات في الأقوال والأفعال، وقد نص الشاطبي على أن المفتي عليه أن ينظر في مآل فتواه، وقد فصل الإمام الشاطبي في هذا الأمر، ورأى أن المفتي عليه أن يتمهل، وأن ينظر ما يؤول الأمر في فتواه؛ فقد يكون هناك شيء مشروع لجلب منفعة، أو لدرء مفسدة، ولكنه له مآل على خلاف ما قصد، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك.

وتأصيل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّوا اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾([16])، وقوله e: «لولا قومك حديث عهد بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم»([17]). وقوله في تعليل انصرافه عن قتل المنافقين: دعه لا يتحدَّث الناس أن محمَّدا يقتل أصحابه، أخاف أن يتحدَّث الناس أن محمَّدا يقتل أصحابه”([18]).

والصحابة y كانوا يفهمون مقصد الشارع، ويتصرفون وفقا لهذا الفهم؛ فهذا أمير المؤمنين عمر t يترك تغريب الزاني البكر مع وروده في الحديث؛ حيث قضى -عليه الصلاة والسلام- بجلده مائة وتغريبه سنة؛ وذلك لما وجد أن التغريب قد يؤدي إلى مفسدة أكبر، وهى اللحاق بأرض العدو، وقال: “لا أغرب مسلما”. وقال أمير المؤمنين علي t: “كفى بالنفي فتنة”.

وأيضا: فإن عمر بن عبد العزيز t لَـمَّا تولَّى الملك أجّل تطبيق بعض أحكام الشريعة، فلمّا استعجله ابنه في ذلك أجابه بقوله: “أخاف أن أحمل الناس على الْـحَقّ جملة فيدفعونه جملة، ويكون من ذا فتنة”([19]).

وهذا الإمام ابن تيمية حين رأى صاحبا له يكلمه عن التتار يشربون الخمر، وأنه واجب عليه أن ينهاهم، فقال له: “إنَّما حرَّم الله الخمر؛ لأنَّها تصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذّرية وأخذ الأموال فدعهم”([20]).

رابعا- قاعدة تحقيق المناط في الأشخاص والأنواع: 

و تحقيق المناط في الأنواع، واتفاقُ الناس عليه في الجملة مما يشهد له كثير من الأدلة، من ذلك: ما ورد عن ابن سيرين أَنَّهُ قال: كان أبو بكر يُخافِت، وكان عمرُ يَجهر -يعني في الصلاة- فقيل لأبي بكر: كيف تفعل؟ قال: أناجي ربِّي وأتضرع إليه، وقيل لعمر: كيف تفعل؟ قال: أوقِظُ الوَسْنانَ، وأطردُ الشَّيطان، وأُرضي الرحمن. فقيل لأبي بكر: ارفعْ شيئا، وقيل لعمر: اخْفِض شيئا.

وفي الصحيح: أن ناسا جاءوا إلى النَّبِيّ e فقالوا: إنا نجدُ في أنفسنا ما يتعاظم أحدُنا أن يتكلَّمَ به. قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذلك صريحُ الإيمان. وقال عليّ: “حدِّثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يُكذَّبَ اللهُ ورسوله؟”؛ فجعل إلقاء العلم مقيدا؛ فَرُبَّ مسألةٍ تصلُح لقوم دون قوم، وقد قالوا في الرَّباني: إنه الذي يُعلِّمُ بصغارِ العلم قبل كِباره؛ فهذا الترتيب من ذلك.

وقد فرَّع العلماء على هذا الأصل؛ كما قالوا في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾([21]).

إن الآية تقتضي مطلق التخيير، ثم رأوا أنه مقيَّدُ بالاجتهاد؛ فالقتل في موضع، والصلب في موضع، والقطع في موضع، والنفي في موضع، وكذلك التخيير في الأسارى بين الْمَنِّ والفداء.

وكذلك جاء في الشَّريعة الأمرُ بالنِّكاحِ وعَدُّوه من السُّنن، ولكن قسَّموه إلى الأحكام الخمسة([22]).

ونستطيع أن نلخص منهج تقديم الفتوى في الموقع في النقاط التالية:

1: التحرّر من العصبية المذهبية، والتقليد غير العلمي للمتقدمين أو المتأخرين: فالموقع لا يعتمد مذهبا فقهيا واحد في كُلّ فتاويه؛ فليست الفتاوى التي تصدر عنه تعبر عن المذهب الشافعي وحده ولا الحنفي دون غيره؛ بل يأخذ من المذاهب كلها، ولا يقف عند مذاهب أهل السنة بل يأخذ من الفقه الإباضي والزيدي والظاهري وغيره.

وهو أيضا لا يقف عند فقهاء بلد بعينه؛ فيأخذ من فقهاء مصر والشام والمغرب والخليج بل يمتد ليشمل الفقهاء في بلاد الهند وغيرهم الذين يعيشون في أمريكا وأوربا وغيرها حسب حاجة السؤال.

يقول فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي في مقدمة كتابه (فتاوى معاصرة): “حسب العالم المستقلّ في هذا الموقف أمور:

(أ) ألا يلتزم رأيًا في قضية بدون دليل قوي، سالم من معارض معتبر، ولا يكون كبعض الناس الذين ينصرون رأيًا معينًا لأنه قول فلان، أو مذهب فلان، دون نظر إلى دليل أو برهان، مع أن الله تعالى يقول: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾، ولا يسمى العلم علمًا إذا كان ناشئًا من غير دليل. ولقد قال الإمام علي -كرّم الله وجهه-: (لا تعرف الْـحَقّ بالرجال، بل اعرف الْـحَقّ تعرف أهله).

(ب) أن يكون قادرًا على الترجيح بين الأقوال المختلفة، والآراء المتعارضة بالموازنة بين أدلتها، والنظر في مستنداتها من النقل والعقل؛ ليختار منها ما كان أسعد بنصوص الشرع، وأقرب إلى مقاصده، وأولى بإقامة مصالح الخلق التي نزلت لتحقيقها شريعة الخالق. وهذا أمر ليس بالعسير على من ملك وسائله من دراسة العربية وعلومها، وفهم المقاصد الكلية للشريعة، بجانب الاطلاع على كتب التفسير والحديث والمقارنة.

(ج) أن يكون أهلا للاجتهاد الجزئي: أي الاجتهاد في مسألة معينة من المسائل وإن لم يكن فيها حكم للمتقدمين؛ بحيث يستطيع أن يعطيها حكمها بإدخالها تحت عموم نص ثابت، أو بقياسها على مسألة مشابهة منصوص على حكمها، أو بإدراجها تحت الاستحسان أو المصالح المرسلة، أو غير ذلك من الاعتبارات والمآخذ الشرعية. والقول بتجزئة الاجتهاد هو الصحيح الذي اتفق عليه المحققون. ومن أبين العبارات في ذلك ما قاله ابن القيم: “الاجتهاد حالة””([23]).

2: تغليب روح التيسير والتخفيف على التشديد والتعسير:

فالدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، والتشديد يجيده كل أحد، وإنما العلم رخصة من ثقة، وبهذا تضافرت الأدلة من القرآن والسنة، والتيسير مبدأ أصيل في الشريعة الإسلامية، ومقصد أعلى من مقاصد التشريع الإسلامي؛ فما من حكم من الأحكام الشرعية العملية إلا والتيسير لحمته وسداه، والذي يتأمل التشريع الإسلامي يوقن بهذه الحقيقة يقينا لا يخالطه شك ولا ريب، وقد قال ابن تيمية رحمه الله: “ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، ولا ييسر آمِرٌ على مأموريه ويرفع عنهم ما لا يطيقونه إِلاَّ والله تعالى أعظم تيسيرا على مأموريه وأعظم رفعا لما لا يطيقونه عنهم، وكل من تدبر الشرائع لا سيما شريعة محمَّد صلعم وجد هذا فيها أظهر من الشمس”([24]).

وقد دلَّتْ النصوص من الكتاب والسُّنَّة أن التيسير والتخفيف أَحَبُّ إلى الله تعالى ورسوله صلعم. يقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُم اليُسْرَ ولا يُريدُ بِكُم العُسْرَ﴾([25]). ويقول سبحانه: ﴿يُريدُ الُله أن يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا﴾([26]). ويقول U: (ما يُريدُ اللهُ لِيَجعلَ عَليْكُم مِّنْ حَرَجٍ)([27]). ويقول الرسول الكريم: «خَيرُ دينِكم أَيْسرُه»([28]). وتقول عائشة: “ما خُيِّرَ رسول الله صلعم بين أمرين إلاَّ أَخَذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإذا كان إثمًا كان أبعد الناس عنه”([29]). ويقول صلعم: «إن الله يُحبُّ أن تُؤتَى رُخَصُه، كما يَكره أن تُؤْتَى معصيته»([30]).

ويتأكد ترجيح الرُّخْصة واختيار التيسير إذا ظهرت الحاجة إليها؛ لضعف أو مرض أو شيخوخة أو لشدَّة مَشَقَّة، أو غير ذلك من المُرَجِّحات.

روى جابر بن عبد الله قال: “كان رسول الله e في سفر؛ فرأى زحامًا ورجلا قد ظُلِّل عليه، فقال: «ما هذا؟»، فقالوا: صائم، فقال: «ليس من البِرِّ الصيام في السَّفَر»”([31]). أما إذا لم يكن في السفر مثل هذه المشقة فيجوز له أن يصوم، بدليل ما رَوَتْه عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبيِّ صلعم: “أأصوم في السفر؟”، وكان كثير الصيام، فقال: «إن شئتَ فصُمْ، وإن شِئْتَ فأفطِرْ»([32]).

وكان الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز يقول بشأن الصوم والفِطْر للمسافر، واختلاف الفقهاء: أيهما أفضل، كان يقول: أفضلهما أيسرهما عليه، وهذا قول مقبول، فمِنَ الناس مَن يكون الصوم مع الناس أهون عليه من أن يَقضي بعد ذلك والناس مُفطِرون، وغيره بعكسه، فما كان أيسر عليه فهو الأفضل في حَقِّه.

ودعا -عليه الصلاة والسلام- إلى تعجيل الفُطور وتأخير السحور تيسيرًا على الصائم.

ونجد كثيرًا من الفقهاء في بعض الأحكام التي تختلف فيها الأنظار يُرَجِّحون منها ما يكون أيسر على الناس، وخصوصًا في أبواب المعاملات، وقد اشتهرتْ عنهم هذه العبارة: “هذا القول أرفق بالناس!”([33]).

3: مخاطبة الناس بلغة عصرهم التي يفهمون، متجنبين وعورة المصطلحات الصعبة، وخشونة الألفاظ الغريبة، متوخين السهولة والدقة:

وقد جاء عن الإمام علي: “حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون. أتريدون أن يُكذَّب الله ورسوله؟”. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾([34]).

ولكل عصر لسان أو لغة تميزه وتعبر عن وجهته؛ فلا بد لمن يريد التحدث إلى الناس في عصرنا أن يفهم لغتهم ويحدثهم بها.

ولا أعني باللغة مجرد ألفاظ يعبر بها قوم عن أغراضهم، بل ما هو أعمق من ذلك، مِـمَّا يتصل بخصائص التفكير، وطرائق الفهم والإفهام.

ولغة عصرنا تتطلب عدة أشياء، يجب على المفتي أن يراعيها:

(أ) أن يعتمد على مخاطبة العقول بالمنطق، لا على إثارة العواطف بالمبالغات؛ فمعجزة الإسلام الكبرى معجزة عقلية هي القرآن الذي تحدى الله به، ولم يتحد بالخوارق مع وقوعها للنبي صلعم ولم تعرف البشرية دينًا يحترم العقل والعلم كما يحترمه الإسلام.

(ب) أن يدع التكلف والتقعر في استخدام العبارات والأساليب؛ حيث إن جمهور المستفتين ليسوا في مستوى واحد من الثقافة والفكر؛ فمنهم الأستاذ الكبير، ومنهم الطالب الصغير، ومنهم التاجر، ومنهم العامل، وكلهم يجب أن يفهم ويعي، وإفهام المستويات المتفاوتة أمر صعب.

(ج) أن يذكر الحكم مقرونًا بحكمته وعلته، مربوطًا بالفلسفة العامة للإسلام؛ وذلك لأمرين:

الأَوَّل: أن هذه هي طريقة القرآن والسنة. فالقرآن حين يفتي في المحيض -وقد سألوا عنه- يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾([35]). فأمر النَّبِيّ e أن يبين لهم أن علة الحكم -وهو الأذى- مقدمة للحكم نفسه، وهو الاعتزال.

وفي تقسيم الفيء بيّن الفئات المستحقة له، ومنهم اليتامى والمساكين وابن السبيل، يذكر الله تعالى الحكمة في ذلك فيقول: ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾([36]). أي: حتى لا يكون المال متداولا بين طبقة الأغنياء وحدهم، ويحرم منه سائر الطبقات؛ فهذا مصدر الشرور، وهو أبرز خصائص الرأسمالية الطاغية.

حتى العبادات الشعائرية يأمر بها القرآن مقرونة بعلل وأحكام تقبلها الفطر السليمة، والعقول الرشيدة([37]).

4: الإعراض عما لا ينفع الناس:

فأسئلة الناس لا تنتهي، وكثير منهم يسأل مسائل أصبحت في ذمة التاريخ، ولم يعد لها وجود في الواقع الآن؛ فربما ينغمس الناس في المعاصي إلى آذانهم، ولا يسألون عنها، ويسألون عن التافه من الأمور التي لا صلة لهم بواقعهم ولا مستقبلهم، ومن بين هذه المسائل الألغاز الفقهية التي رُبَّمَا تكون لها فائدة لتدريب طلاب العلم، لكنها لا تفيد السائل العادي الذي يريد فتوى لمسألة واقعة بالفعل.

أما الأسئلة التي يريد بها أصحابها المراء والجدل، أو التعالم والتفاصح، أو امتحان المفتي وتعجيزه، أو الخوض فيما لا يحسنونه، وإثارة الأحقاد والفتن بين الناس، أو نحو ذلك؛ فلا تدخل في مجال الفتوى التي يحتاج إليها الناس. وَمِـمَّا قاله في ذلك الإمام شهاب الدين القرافي: “ينبغي للمفتي إذا جاءته فتيا في شأن رسول الله e، أو فيما يتعلق بالربوبية، يسأل فيها عن أمور لا تصلح لذلك السائل لكونه من العوام الجُلف، أو يسأل عن المعضلات، ودقائق الديانات، ومتشابه الآيات والأمور التي لا يخوض فيها إلا كبار العلماء، ويعلم أن الباعث له على ذلك إِنَّمَا هو الفراغ والفضول والتصدي لِما لا يصلح له، فلا يجيبه أصلا. ويظهر له الإنكار على مثل هذا، ويقول له: اشتغل بما يعنيك من السؤال عن صلاتك وأمور معاملاتك، ولا تخُض فيما عساه يهلكك، لعدم استعدادك له. وإن كان الباعث له شبهة عرضت له؛ فينبغي أن يقبل عليه، ويتلطف به في إزالتها عنه بما يصل إليه عقله؛ فهداية الخلق فرض على من سُئل. قال: والأحسن أن يكون البيان له باللفظ دون الكتابة؛ فإن اللسان يُفهِم ما لا يُفهِم القلم؛ لأنه حي، والقلم موات. فإن الخلق عباد الله، وأقربهم إليه أنفعهم لعباده، ولا سيما في أمر الدين وما يرجع إلى العقائد”([38]).

5: الاعتدال بين المتحللين والمتزمتين:

وقد سبق أن قدمنا بأننا نختار المنهج الوسطي في تقديم الفتوى والتزام روح التوسط دائمًا، والاعتدال بين التفريط والإفراط.. بين الذين يريدون أن يتحللوا من عرى الأحكام الثابتة بدعوى مسايرة التطور من المتعبدين بكل جديد، والذين يريدون أن يظل كل ما كان على ما كان من الفتاوى والأقاويل والاعتبارات، تقديسًا منهم لكل قديم. يقول الإمام ابن القيم: “لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنه أحلَّ كذا أو حرَّمه أو أوجبه أو كرهه إِلاَّ مِـمَّا يعلم أن الأمر فيه كذلك، مِـمَّا نصَّ الله ورسوله على إباحته أو تحريمه أو إيجابه أو كراهته. وَأَمَّا ما وجده في كتابه الذي تلقاه عمَّن قلده دينه، فليس له أن يشهد على الله ورسوله به، ويقرّ الناس بذلك، ولا علم له بحكم الله ورسوله.

قال غير واحد من السلف: ليحذر أحدكم أن يقول: أحل الله كذا، أو حرم الله كذا، فيقول الله له: كذبت. لم أحلَّ كذا، ولم أحرمه.

وثبت في صحيح مسلم من حديث بريدة بن الحصيب أن رسول الله e قال: «وإذا حاصرت حصنًا فسألوك أن تنزلهم على حكم الله ورسوله، فلا تنزلهم على حكم الله ورسوله؛ فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟ ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك»”([39]).

ويقول الإمام مالك: “لم يكن من أمر الناس، ولا من مضى من سلفنا الذين يقتدى بهم، ويعول الإسلام عليهم أن يقولوا: هذا حلال، وهذا حرام، ولكن يقول: أنا أكره كذا، وأحب كذا. وَأَمَّا حلال وحرام فهذا الافتراء على الله، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ…﴾([40]) الآية؛ لأن الحلال ما أحلّه الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله”([41]).

6: إعطاء الفتوى حقها من الشرح والإيضاح:

وعندنا الفتاوى قسمان: قسم: يرسل من خلال الفتاوى المباشرة التي يفتي فيه المفتي من الذاكرة دون بحث ولا تدقيق ولا توثيق؛ لأَنَّها فتاوى مباشرة ينتظرها المستفتي في نفس الوقت الذي يرسلها فيه، وهذه نكتفي فيها ببيان الحكم الشرعي دون الدخول في التفاصيل والتدليل، وغالبا ما تكون مسائل مطروقة بسيطة غير معقدة.

أما القسم الثاني: فهول الذي يرسل عبر الموقع، وتكون الإجابة عنها خلال عدة أيام، وهذا لا بد فيه من التوضيح والتفصيل، وذكر الآراء الفقهية المعتبرة والترجيح بينها.

ويقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: “والحق أني أعتبر نفسي عند إجابة السائلين مفتيًا، ومعلمًا، ومصلحًا، وطبيبًا، ومرشدًا. وهذا يقتضي أن أبسط بعض الإجابات وأوسعها شرحًا وتحليلا، حتى يتعلم الجاهل، ويتنبه الغافل، ويقتنع المتشكك، ويثبت المتردد، وينهزم المكابر، ويزداد العالم علمًا، والمؤمن إيمانًا.

ولا بأس أن أسجل أهم الخطوات التي كنت أتبعها في الشرح والبيان. وقد أشرت إلى بعضها فيما سبق:

(أ) أن الفتوى لا معنى لها إذا لم يذكر معها دليلها، بل جمال الفتوى وروحها الدليل كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية. وقد يحوج الأمر إلى مناقشة أدلة المخالفين عند اللزوم في المسائل الهامة ليسلم ذهن السائل من تشويش المعارضات.

(ب) ثُمَّ إن ذكر الحكمة والعلة أمر لا يستغنى عنه، وخصوصًا في عصرنا، كما بيّنا ذلك من قبل، وإلقاء الفتوى ساذجة مجردة من حكمة التشريع، وسر التحليل والتحريم يجعلها جافة، غير مستساغة لدى كثير من العقول، بخلاف ما إذا عرفت سرها وعلة حكمها، وقد قيل: إذا عرف السبب بطل العجب.

(ج) وَمِـمَّا أجده نافعًا في أحوال كثيرة: المقارنة أو الموازنة بين موقف الإسلام في القضية المسئول عنها، وموقف غيره من الأديان أو المذاهب والفلسفات.

(د) ومن خطتي كذلك التمهيد للحكم المستغرب بما يجعله مقبولا لدى السائلين، وقد ذكر ابن القيم أن الحكم إذا كان مما لم تألفه النفوس، وإنما ألفت خلافه؛ فينبغي للمفتي أن يوطئ قبله ما يكون مؤذنًا به، كالدليل عليه، والمقدمة بين يديه([42]).

(هـ) وَمِـمَّا يحتاج إليه المفتي كثيرًا ربط الحكم المسئول عنه بغيره من أحكام الإسلام؛ حتى تتضح عدالته، وتتبين روعته؛ فإن أخذ الحكم منفصلا عن غيره قد لا يعطي الصورة المضيئة لعدل الإسلام، ومحاسن شرعه.

(و) وقد يحتاج المفتي في بعض الأحيان إلى ترك الإجابة عن سؤال السائل؛ لعدم أهميته.. مثل سؤال بعضهم عن القرآن: أهو مخلوق أم غير مخلوق؟. فهذا سؤال لا وزن له في هذا العصر، ولا حاجة إلى إثارته، وقد مضى زمن أصاب المسلمين من ورائه شر مستطير، ومحنة عظيمة وأوذي فيها علماء المسلمين وخيارهم. فإحياء هذه المشكلة التاريخية لا معنى له، ولا جدوى منه، إلا إهدار الطاقات الفكرية للأمة في جدل بيزنطي كما يقولون. فكان الأولى بالسائل عن هذا أن يسأل عن وجه إعجاز القرآن -مثلا- ليقنع غير المسلمين بأنه من عند الله، وأنه تنزيل من حكيم حميد. أو يسأل عن بعض قصص القرآن، ليأخذ منها العظة، ويلتمس العبرة والذكرى له، ولكل من كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد.

أو يسأل عن شيء من أحكام القرآن وتشريعه، ليرى فيه عدل الله بين عباده، ورحمته ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾([43])([44]).

7: المعالجة النفسية للسائل حتى لا يتلقى أوامر الله بجفاء وغلظة:

 فلا بد من هذه المعالجة النفسية للمستفتي؛ فلا يقف دور المفتي عند التحريم والتحليل فقط، ولسان حاله يقول للناس: “هذا هو الدين؛ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”!، ولكن لا بد من التذكير ببركة اتباع الحلال والوقوف عند حرمات الله، فلا يقترب منها ولا يتعداها، وليعلم أَنَّهُ ما ترك شيئا لله إِلاَّ أبدله الله خيرا منه، وأن رزقه قد كتب وهو في بطن أمه كما أخبر النَّبِيّ e يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثُمَّ يكون علقة مثل ذلك، ثُمَّ يكون مضغة مثل ذلك، ثُمَّ يأمر الله الملك بكتابة رزقه وأجله وشقي أم سعيد.

إن دائرة الحلال قد ضاقت على الناس في هذا الوقت، والأصل فيها أَنَّهَا متسعة كما أرادها الله. ودائرة الحرام قد اتسعت، والأصل فيها أنها ضيقة كما أرادها الله. ولكن الإنسان عبث في هذه الموازين، وقلب هذه الفطرة؛ فأصبح الشاب الذي يتخرج في الجامعة أمامه أكثر من فرصة للعمل في الحرام، ولا يكاد يجد فرصة واحدة للعمل في الحلال، فهو يسأل عن العمل في البنوك الربوية، والفنادق السياحية التي تقدم الخمور والقمار والميسر، ووسائل الإعلام الماجنة، والقروض الربوية المحرمة، وغير ذلك الكثير، وَكُلّما لاحت أمامه فرصة للخروج من طابور العاطلين إذا به يصطدم بالشرع حيث لا يجيز له العمل في هذه الأماكن؛ لأن الشريعة كُلّما حرمت شيئا سدت جميع النوافذ الموصلة إليه.

والمفتي مطالب تجاه هؤلاء الشباب أن يمهد لهذا كله بزرع الثقة في الله في قلوب المستفتين حتى لا ينفروا من الشرع، ويقدِموا على الحرام، خاصة أَنَّهُ في كثير من الأوقات لا يستطيع أن يقدم البديل الشرعي المناسب؛ لأَنَّ هذا البديل ترفضه الأنظمة والقوانين التي يعيش فيها السائل؛ فكل البنوك الربوية بغير استثناء لا تعرف في قوانينها ولا أنظمتها المرابحة ولا المشاركة ولا المضاربة، ولا غيرها من البدائل الشرعية للقرض الربوي، وبالتالي فذكر هذه البدائل عبث الآن في أنظمة لا تأخذ بها ولا تعترف بأهميتها، وبالتالي فإن عجزنا على أن نقدم له البديل الحلال، فلا أقلّ من أن نحثه على الصبر والأخذ بالعزيمة حتى يجعل الله له من بعد عسر يسرا.

8: البحث عن البديل الحلال ما أمكن فلا نكتفي بأن نحرم على الناس ما يسألون عنه؛ ولكننا نبين لهم البديل الحلال ما أمكن:

ودائرة الحلال في الفقه الإسلامي أوسع وأرحب بكثير من دائرة الحرام؛ إذ الأصل في الأشياء الإباحة، ومن آداب المفتي البحث عن البديل الحلال ليقدمه بعد الحكم بالتحريم حتى يذهب الحرج عن الناس ويذهب عنهم العنت والمشقة؛ فمن الفتاوى ما يحرّم على المستفتى أمرًا كان يظن إباحته، أو يريدها ويتمناها لحاجة إليه، أو تعلقه به؛ فينبغي هنا أن يدل على البديل الحلال، مادمنا قد سددنا في وجهه طريق الحرام. وما من شيء حرمه الله إلا وفيما أحله ما يغني عنه.

فمن سألنا عن إيداع المال في المصارف (البنوك) بالفوائد الربوية منعناه منها حتى لا يأذن بحرب من الله ورسوله، ودللناه على المضاربة المشروعة، وهي أن يشترك اثنان أو جماعة في تجارة أو صناعة، بعضهم بالمال، وبعضهم بالخبرة والجهد، ويتقاسمون الربح أو الخسارة على حسب ما يتفقون.

ومن سأل عن الاستخارة بفتح الكتاب، أو الخط على الرمل، أو نحو ذلك.. بيّنا له حرمته، ودللناه على الاستخارة الشرعية، وهي صلاة ركعتين، يعقبها بالدعاء المأثور المعروف.

ومن سأل عن صيام يوم الجمعة بيّنا له كراهة إفراده، ودللناه على استحباب صوم يومي الاثنين والخميس، أو الثلاثة الأيام البيض من كل شهر.

ومن سأل عن صرف الزكاة في بناء مسجد في بلاد عامرة بالمساجد، بيّنا له الحكم ودللناه على مصارف أهم منه للأمة؛ مثل: نشر الدعوة الإسلامية، والوعي الإسلامي، ومقاومة المخططات الصليبية واليهودية والشيوعية لطرد الإسلام من الحياة. فهذا هو مصرف «في سبيل الله» في عصرنا، وهكذا حين نحرم شيئًا أو نمنع من شيء، ندلّ على بديل مثله أو خير منه. وما حرَّم الله شيئًا يضطر الناس إليه، أو يحتاجون إليه حاجة حقيقية، بل لو اضطروا إلى الحرام لعاد حلالا، فإنما أحل الله الطيبات وحرم الخبائث. ولهذا لا يوجد حرام ممنوع إلا وله في الواقع بديل مباح بيقين.

وهذا ما ينبغي للمفتي أن يرشد إليه ويدل عليه؛ فذلك من فقهه ونصحه، قال العلامة ابن القيم: “وهذا لا يأتي إِلاَّ من عالم ناصح مشفق، قد تاجر الله، وعامله بعلمه؛ فمثاله في العلماء مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء، يحمي العليل عما يضره، ويصف له ما ينفعه؛ فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان”([45]).

وفي الصحيح عن النَّبِيّ صلعم أَنَّهُ قال: «ما بعث الله من نبي إِلاَّ كان حقًا عليه أن يَدُلُّ أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم». وهذا شأن خلفاء الرسل وورثتهم من بعدهم، وكان شيخ الإسلام يتحرى ذلك في فتاويه مهما أمكنه، ومن تأمل فتاويه وجد ذلك ظاهرًا فيها.

وقد منع النَّبِيّ e بلالا أن يشتري صاعًا من التمر الجيِّد بصاعين من الرديء -سدًا للذريعة إلى الربا في أي صورة من صوره- ثُمَّ أمره أن يبيع الرديء الذي عنده بالدراهم، ثُمَّ يشتري بالدراهم الجيد الذي يريده؛ فمنعه من المحظور، وأرشده إلى المباح.

رابعا: آداب وشروط المفتي والمستفتي:

(أ) آداب وشروط المفتي:

– أن تكون له نية: فإن لم تكن له نية، لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور، وأن يخلص بهذا العمل لله، يقول الإمام النووي: قالوا:‏ “وينبغي أن يكون المفتي ظاهر الورع، مشهورا بالديانة الظاهرة،‏ والصيانة الباهرة.‏ وكان الإمام مالك يعمل بما لا يلزمه الناس،‏ ويقول:‏ لا يكون عالما حتى يعمل في خاصَّةِ نفسه بما لا يلزمه الناس مما لو تركه لم يأثم”. وكان يحكي نحوه عن شيخه ربيعة‏([46]).

أن يشعر بالافتقار إلى الله تعالى: وصدق التوجّه إليه، وأن يقف على بابه متضرعا، داعيا أن يوفقه للصواب، ويجنبه زلل الفكر واللسان والقلم، ويحفظه من اتباع الهوى. يقول الإمام ابن القيم: “ينبغي للمفتي الموفق إذا نزلت به المسألة أن ينبعث من قلبه الافتقار الحقيقي الحالي لا العلمي المجرد إلى ملهم الصواب، ومعلم الخير، وهادي القلوب أن يلهمه الصواب، ويفتح له طريق السداد، ويدله على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة؛ فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق، وما أجدر من أمّل فضل ربه أن لا يحرمه إياه. فإذا وجد في قلبه هذه الهمة فهي طلائع بشرى التوفيق؛ فعليه أن يوجه وجهه ويحدق نظره إلى منبع الهدى، ومعدن الصواب، ومطلع الرشد؛ وهو النصوص من القرآن والسنة وآثار الصحابة؛ فيستفرغ وسعه في تعرف حكم تلك النازلة منها، فإن ظفر بذلك أخبر به، وإن اشتبه عليه بادر إلى التوبة والاستغفار والإكثار من ذكر الله، فإن العلم نور الله يقذفه في قلب عبده، والهوى والمعصية رياح عاصفة تطفئ ذَلِك النور أو تكاد، ولا بد أن تضعفه، وشهدتُ شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- إذا أعيته المسائل واستصعب عليه، فرَّ منها إلى التوبة والاستغفار والاستغاثة بالله واللجوء إليه، واستنزال الصواب من عنده، والاستفتاح من خزائن رحمته؛ فقلما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مدا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهنَّ يبدأ، ولا ريب أن من وُفِّق هذا الافتقار علما وحالا، وسار قلبه في ميادينه بحقيقة وقصد؛ فقد أُعطي حظه من التوفيق، ومن حُرمه فقد مُنع الطريق والرفيق؛ فمتى أُعين مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحق فقد سلك به الصراط المستقيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم([47]).

– أن يحيل سائله إلى من هو أعلم منه بموضوع الفتوى، ولا يجد في ذلك حرجا في صدره؛ فقد فعل ذلك معظم أئمة الدين.

– أن يسأل هو إخوانه من أهل العلم ويشاورهم: ليزداد استيثاقا واطمئنانا إلى الأمر، كما كان يفعل عمر؛ حيث يجمع علماء الصحابة ويشاورهم؛ بل كان يطلب رأي صغار السن فيهم مثل عبد الله بن عباس، الذي قال له مرة: تكلم ولا يمنعك حداثة سنك.

– أن يرجع عن الخطأ إذا تبيَّن له؛ فالرجوع إلى الحق خير له من التمادي في الباطل، ولا إثم عليه في خطئه؛ لأنه مأجور عليه، وإنما يأثم إذا عرفه ثُمَّ أصر عليه عنادا وكبرا، أو خجلا من الناس، والله لا يستحيي من الحق.

– أن يفتي بما يعلم أَنَّهُ الْـحَقّ ويصرّ عليه: ولو أغضب من أغضب من أهل الدنيا، وأصحاب السلطان، وحسبه أن يرضي الله تبارك وتعالى.

– أن يكون له حلم ووقار وسكينة.

– أن يكون على قدر كبير من العلم بالإسلام: والإحاطة بأدلة الأحكام، والدراية بعلوم العربية، مع البصيرة والمعرفة بالحياة وبالناس أيضا بالإضافة إلى ملكة الفقه والاستنباط.  

أن تكون له صلة وثيقة وخبرة عميقة بالقرآن الكريم: حفظا، وتلاوة، وفهما وتدبرا، وأن يلم بعلوم القرآن وعلوم السنة المطهرة.

أن تكون له ملكة في فهم لغة العرب وتذوقها: ومعرفة علومها وآدابها حتى يقدر على فهم القرآن والحديث.  

– أن يكون متمرسا بأقوال الفقهاء: ليعرف منها مدارك الأحكام، وطرائق الاستنباط، ويعرف منها كذلك مواضع الإجماع ومواقع الخلاف، وأن يكون معايشا للفقهاء في كتبهم وأقوالهم، ويطلع على اختلافهم، وتعدد مداركهم، وتنوع مشاربهم، ولهذا قالوا: “من لم يعرف اختلاف الفقهاء لم يشمّ رائحة الفقه”.  

 – أن يكون عالما بالفقه وأصوله، ومعرفة القياس والعلة، ومتى يستعمل القياس، ومتى لا يجوز([48]).

ونستطيع أن نضيف إلى ذلك بعض الآداب للمفتي الذي يفتي الناس عبر وسائل الاتصال الحديثة كالإنترنت والإذاعة والتلفاز ما يلي:

– أن يكون عالما بواقع الناس، مدركا لمشكلاتهم الاجتماعية والنفسية.

– معرفة الواقع بكلِّ تشابكاته السياسية والاقتصادية المحلية والدولية، وأن يكون له مستشارون أمناء متخصصون في هذه الجوانب يرجع إليهم لمعرفة الواقع قبل أن يفتي فيه.

– التوقف في المسائل التي يكون فيه تنازع بين الأطراف حتى يسمع من الطرفين معا كمسائل الطلاق مثلا أو ينص في الإجابة على أن السائل يسأل عن كذا فإن كان ما يقوله صحيحا فالإجابة كذا.

-معرفة وسائل الاتصالات الحديثة كالإنترنت وكيفية توقيع العقود عليها مثل البيع والشراء، والزواج والطلاق، وغير ذلك من المعاملات الحديثة؛ حتى يتصور المسائلة تصورا دقيقا؛ حيث إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

-معرفة قرارات المجامع الفقهية المعتبرة، وعدم الخروج عليها إلا بدليل قوي، بخاصة في الفتاوى التي تهم الأمة.

-معرفة خصوصية الفتوى عبر الإنترنت؛ حيث إن شخصية السائل مجهولة، ومكانه أيضا ربما يكون مجهولا أو مجهّلا، وكذا سنه وجنسه؛ فلا بد من وضع هذه الاعتبارات جميعا، وكذلك الفتوى الخاصة قد تتحول إلى عامة؛ حيث يقوم المستفتي بنشرها بشتى الطرق المتاحة لديه.

(2) آداب المستفتي:

-أن يُحسن صياغة السؤال: ولا يخفي من ملابساته شيئا، حتى يأتي حكم المفتي موافقا لحكم الحادثة، فإنما مثل المستفتي مع المفتي كمثل الطبيب مع المريض. 

-السؤال عما ينفع: يجب عليه أن يحسن السؤال؛ فحسن السؤال نصف العلم، كما هو مأثور، وتطبيقا لهذا المعنى يجب أن يكون سؤاله عما ينفع، أي يسأل في واقعة يعانيها هو أو غيره ويريد الحكم فيها، ولا يسأل فيما هو مفترض بعيد الوقوع؛ فهذا من “أغاليط المسائل” التي جاء الحديث بالنهي عنها.

-أن يستفتي أهل العلم: لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ﴾([49])، وأهل الذكر هم العلماء الفقهاء الذين يعرفون أحكام الشرع، ويعرفون وقائع الناس، وينزلون أحكام الشرع على تلك الوقائع، وأن يختار من أهل العلم أكثرهم ورعا وأشدهم تقوى؛ فإن تعددوا اختار من بينهم، وإلا فمن تيسر.

-يجب على المستفتى أن يبين عن مسألته والظروف التي تكتنفها؛ لأن الفتوى تتغير بذلك، من غير تمويه أو مواربة، وأن لا يُخفي شيئا مما يتعلق بمسألته حتى يكون الحكم منزلا على عين الحقيقة الواقعة.

– الاختصار في عرض الفتوى: أن يراعي المستفتى أن من يتعرض للإجابة عن مسألته مطلوب منه أن يجيب على كثير من مسائل غيره؛ ولذا يجب عليه أن يختصر في مسألته من غير إخلال بوقائعها؛ حتى لا يضيع على غيره الوقوف على وجه الحق فيما يريد السؤال عنه.

– عدم عرض الفتوى أكثر من مرة على أكثر من عالم أو جهة بقصد الحصول على ما يريد: وينبغي لمن يتبع هذا الأسلوب من المستفتين أن يعلم بأنه أمين في نهاية الأمر على دينه وعلى حقيقة ما يسأل عنه، وأن يعلم أن الله تعالى لا يخدعه أحد.

– لا يجوز للمستفتى بحال أن يتعرَّض لغيره بالهمز أو اللمز من خلال ما يسأل عنه: كما لا يجوز له أن يذكر أسماء أحد (بشكل تفصيلي كأن يذكر الاسم كاملا وعنوانه ووظيفته مثلا) في سؤاله، سواء كان هؤلاء أناسا كان لهم موقف معه، أو مفتين أجابوه قبل ذلك.

– استفتاء القلب: على المستفتي أن يتَّقي الله ويراقبه في استفتائه إذا استفتى، ولا يجعل الفتوى ذريعة إلى أمر يعلم من قرارة نفسه أنَّه غير جائز شرعا، وإنَّما لبّس على المفتي وغرّه بزخرف القول، أو بإخفاء عنصر له تأثير في تكييف القضية المسئول عنها؛ فيجيب المفتي بما يظهر له، غير متفطن إلى خبايا الموضوع وخلفياته. ولو عرضت عليه القضية بوضوح، لا تلبيس فيه ولا تمويه، وظهر له من خباياها ما أخفي عنه، لغير فتواه.  

-تبين الفتوى بكلِّ تفاصيلها وقيودها: على المستفتي بعد ذلك أن يتفحص فتوى مفتيه تمام التفحّص، ويتبيَّن ما فيها من قيود وشروط تمام التبين، ثُمَّ يطبق ذلك على نفسه وحاله. فلا يخطف الجواب خطفا، قبل أن يتأمل أوائله وأواخره، وما يحمل في طيه من قيود أو أوصاف قد لا تنطبق على قضيته عند التطبيق، وقد يجيب المفتي بكلام عام، ثُمَّ ينبه في أثناء فتواه أو على آخرها على قيد أو شرط، أو يستدرك كلامه الأول؛ فيقيد مطلقه، أو يخصص عمومه، أو يفصل مجمله. وهذا أمر في غاية الأهمية فكثيرا ما يسمع المستفتي فتوى الشيخ القرضاوي مثلا أو غيره في الغناء مثلا، فيخرج بنتيجة خاطئة تقول: “إن القرضاوي يبيح الغناء!” هكذا بإطلاقه، ويطلق لنفسه العِنان في استماع الغناء بغير ضابط ولا رابط. مع أن فتوى فضيلة الشيخ واضحة، وقد وضعت الضوابط في السماع بشكل واضح لا يحتمل لبسا؛ فيكون المفتي بريئا من تصرفات الناس الخاطئة التي تقف عند ﴿ولا تقربوا الصلاة﴾!. وكذلك فتواه في شراء البيوت في بلاد الغرب عن طريق البنوك يخرج السامع أو القارئ بنتيجة أن القرضاوي يبيح التعامل مع البنوك!!.

وعشرات المسائل غيرها، وما يحدث مع فضيلة الشيخ يحدث مع غيره، خاصة العلماء الذين يسمع لقولهم ويرتاح الناس لفتواهم في العالم العربي والإسلامي.

– طلب العلم: إن على المسلم أن يتفقه في دينه، ويتعلم من أحكامه ما ينفعه، وما يسير به في طريق سوي، حتى لا تختلط عليه الأمور، ويلتبس عليه الحق بالباطل والحلال بالحرام. ولهذا جاء في الحديث: «طلب العلم فريضة على كُلّ مسلم»،والمراد: كل إنسان مسلم، ذكرا كان أو أنثى؛ فالمسلمة كالمسلم في طلب العلم بالإجماع، وإن لم يرد في الحديث لفظ “مسلمة”. 

– أن يتقي الله ويراقبه في فتواه: فيسأل ليعمل بحكم الشرع، ولا يسأل ليتذرع بالفتوى لارتكاب ما حرم الله؛ لأن المفتي كالقاضي يحكم بناء على ما ظهر له، وحكمه لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالا([50]). 

5- ضوابط الإفتاء في قضايا النوازل:

لا بد للإفتاء بصفة عامة والإفتاء في قضايا النوازل بصفة خاصة من آداب وضوابط، وهذه الضوابط بعضها مشترك بين قضايا النوازل وغيرها، وبعضها خاص بقضايا النوازل، وقد ذكرنا بعض هذه الضوابط في أثناء حديثنا عن منهج الموقع في تقديم الفتوى، وعن ضوابط وآداب واجبة على المفتي والمستفتي، وسنذكر هنا الضوابط التي تفيد في قضايا النوازل وإن كانت مهمة أيضا للإفتاء بصفة عامة:

أَوَّلاً: التأكّد من وقوعها: بعد انتشار وسائل الاتصال الحديثة أصبح التواصل بين المفتي والمستفتي أمرا ميسورا؛ فيستطيع المستفتي أن يسأل من شاء عن أي شيء شاء في أي وقت أراد، ويستطيع أن يختار من يستفتيه مهما بعدت المسافات، وهذا وإن كان ميزة في كثير من الحالات، غير أنه يعتريه بعض المثالب والعيوب؛ فكثير من الناس يشغل باله بمسائل مستحيلة الحدوث أو قليلة الجدوى أو يطلق لخياله العنان لأشياء بعيدة عن الواقع، ثُمَّ يسأل عنها أهل الفتوى؛ حيث إن الأمر لا يكلفه كثيرا ولا قليلا.

ولا أنسى منذ عدَّة سنوات أن نشرت إحدى المجلات المستهترة بعقول وأوقات الناس خبرا مفاده: أن رجلا من الخليج حمل نيابة عن زوجه التي أخبرها الأطباء باستحالة حملها؛ نظرا لمرض خِلقي أثر على الرحم، ومن فرط حب هذا الرجل قَبِل أن يحمل عن امرأته، فأتى الأطباء ببيضة من المرأة وتَمَّ زرعها في جدار المعدة عند زوجها، وقد نَما الجنين والرجل على وشك الولادة!!. فإن سألت: “لماذا لم يتم زرع هذا الجنين في جدار معدة المرأة؟”، كانت الإجابة جاهزة وهي أنها تعاني من عدة أمراض، ولا تتحمل أعباء الحمل والولادة!!.

ثُمَّ هرع الناس يسألون: هل هذا جائز شرعا أم لا؟؟ وما الآثار والأحكام التي تترتب على هذا؟؟ وتوقَّفنا عن الإجابة عن هذا السؤال في الفتوى إجلالا لهذا المنصب، واحتراما له من هذا العبث، وانشغل به آخرون في مساحات أخرى تَحتمل طرح مثل هذه الأفكار. وكنا نظنّ أن أهل الذكر من الأطباء سيغنوننا عن الخوض في هذا الهراء، لكنهم للأسف أفتى بعضهم بأن هذا ممكن عقلا وإن لم يروه بأعينهم، وأن التقدّم العلمي رُبَّمَا يكون قد وصل لشيء من هذا، وأخذوا يعددون الأمراض والتشوهات التي تلحق بهذا الرجل الذي سيتحول إلى مسخ فلا هو بالرجل ولا بالمرأة!!.

وكان لا بد بعد أن أفتي أهل الذكر بأنَّ هذا ليس مستحيلا أن نقول كلمة الشرع في هذا، وكان الكلام فيها مقتضبا مختصرا بناء على ما أفتى به الأطباء المتخصصون من الضرر الذي سيقع على الرجل من جراء هذا الحمل الكاذب؛ فإنه لا ضرر ولا ضرار، ولا يجوز للرجل أن يحمل نيابة عن زوجه، وله في الزواج من أخرى عوض عن هذا العبث، وبعد أكثر من شهر تخرج علينا هذه المجلة المستهترة لتقول: “إن الشهر الماضي كان شهر إبريل، وهذه كذبة إبريل؛ فلا حمل الرجل ولا ولد”!!.

بهذه البساطة تتحدث وسائل الصحافة والإعلام، ولم تفقد المجلة الكاذبة مصداقيتها، ولم يقاطعها الناس لتغلق أبوابها وتكون عبرة لمن يلهو ويلعب بأوقات الآخرين، إِنَّهُ الفراغ الذي حلَّ بكثير من المسلمين، فانصرفوا عن الجد إلى الهزل، ومن الحقِّ إلى الباطل، ولا حول ولا قوة إِلاَّ بالله.

فعلى المفتي أن يتريث ويسأل: هل وقع هذا أم لم يقع؟ وإن كان لم يقع فهل من الممكن حدوثه حتى يكون التفكير فيه من باب استشراف المستقبل، أم أن الأمر ما زال في طور الخيال العلمي؟.

ويؤيد ذلك ما جاء عن سلفنا الصالح من كراهية السؤال عمَّا لم يقع، وامتناعهم عن الإفتاء فيها، وبعضهم ذهب إلى التشديد في ذلك والنهي عنه.  

ويروى عن الصحابة في ذلك آثار كثيرة، منها:

– أن رجلا جاء إلى ابن عمر -رضي الله عنهما- فسأله عن شيء؛ فقال له ابن عمر -رضي الله عنهما-: “لا تسأل عما لم يكن؛ فإني سمعت عمر بن الخطاب t يلعن من سأل عما لم يكن”.

– وكان زيد بن ثابت  إذا سأله إنسان عن شيء قال: “آلله! أكان هذا؟ فإن قال: نعم نظر، وَإِلاَّ لم يتكلم”.

– وعن مسروق قال: كنت أمشي مع أبي بن كعب t فقال فتى: ما تقول يا عماه في كذا وكذا؟؛ قال: يا ابن أخي أكان هذا؟ قال: لا، قال: فأعفنا حتى يكون”.

– ويروى عن عبد الملك بن مروان -رحمه الله- أَنَّهُ سأل ابن شهاب -رحمه الله-، فقال له ابن شهاب: “أكان هذا بأمير المؤمنين؟” قال: “لا”، قال: “فدعه؛ فإنه إذا كان أتى الله U له بفرج”…

فهذه الآثار وغيرها كثير، تبين حرص الصحابة والتابعين على عدم الخوض في مسائل لم تقع، سواءً بالسؤال عنها أو بالجواب فيها؛ لأن النظر فيها لا ينفع، كما هو معلوم عن الصحابة y مع النَّبِيّ e حيث قال فيهم ابن عباس -رضي الله عنهما-: “ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب النَّبِيّ e، وما سألوا إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن، وما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم”.

ويوضِّح ابن القيم -رحمه الله- مقصد ابن عباس بقوله: “(ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة) المسائل التي حكاها الله في القرآن عنهم، وإلا فالمسائل التي سألوه عنها وبيّن لهم أحكامها في السنة لا تكاد تحصى، ولكن إنما كانوا يسألونه عما ينفعهم من الواقعات، ولم يكونوا يسألونه عن المقدرات والأغلوطات وعضل المسائل، ولم يكونوا يشتغلون بتفريع المسائل وتوليدها؛ بل كانت هممهم مقصورة على تنفيذ ما أمرهم به، فإذا وقع بهم أمر سألوا عنه فأجابهم، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾([51]).

فعلى المجتهد أو المفتي في النوازل أن يتأكد من وقوع النازلة، ولا ينظر في المسائل الغريبة والنادرة أو المستبعدة الحصول، ولكن إذا كانت المسألة ولو لم تقع منصوصا عليها، أو كان حصولها متوقعا عقلا فتستحب الإجابة عنها والبحث فيها من أجل البيان والتوضيح ومعرفة حكمها إذا نزلت. وفي هذا يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- بعد أن حكى امتناع السلف عن الإجابة فيما لم يقع: “وَالْحَقُّ التفصيل.. فإذا كان في المسألة نص من كتاب الله أو سنة عن رسول الله e أو أثر عن الصحابة لم يكره الكلام فيها، وإن لم يكن فيها نص ولا أثر؛ فإن كانت بعيدة الوقوع أو مقدرة لا تقع لم يستحب له الكلام فيها.

وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد، وغرض السائل الإحاطة بعلمها ليكون منها على بصيرة إذا وقعت استحب له الجواب بما يعلم، ولا سيما إن كان السائل يتفقه بذلك، ويعتبر بها نظائرها، ويفرع عليها؛ فحيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأولى”([52]).

ثانيا: أن تكون النازلة من المسائل التي يسوغ النظر فيها:

للمجتهد أن يعرف ما يسوغ النظر فيه من المسائل وما لا يسوغ؛ وذلك لأن المجتهد قد يترك الاجتهاد في بعض المسائل التي لا يسوغ فيها النظر؛ لأَنَّ حكمها كحكم ما لم يقع من المسائل لعدم الفائدة والنفع من ورائها؛ فالضابط الذي ينبغي أن يراعيه المجتهد الناظر ألا يشغل نفسه وغيره من أهل العلم إِلاَّ بما ينفع الناس ويحتاجون إليه في واقع دينهم ودنياهم.

أما الأسئلة التي يريد بها أصحابها المراء والجدال أو التعالم والتفاصح أو امتحان المفتي وتعجيزه، أو الخوض فيما لا يحسنه أهل العلم والنظر، أو نحو ذلك.. فهذه مِـمَّا ينبغي للناظر أن لا يلقي لها بالا؛ لأَنَّهَا تضرّ ولا تنفع، وتهدم ولا تبني، وقد تفرق ولا تجمع.

وقد ورد النهي عن ذلك كما جاء عن النَّبِيّ e أنه «نهى عن الغلوطات»([53]). قال الخطابي -رحمه الله- في هذا المعنى: “إِنَّهُ نهى أن يُعترض العلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلط ليستزلوا ويسقط رأيهم فيها، وفيه كراهية التعمق والتكلف فيما لا حاجة للإنسان إليه من المسألة، ووجوب التوقف عما لا علم للمسئول به.

فشداد المسائل وصعابها مِـمَّا لا نفع فيه ولا فائدة إِلاَّ إعنات المسئول لا شك أَنَّهُ مذموم شرعا، ينبغي أن يحذر الفقيه أو الناظر من الانسياق الملهي خلف هذه المسائل، والانشغال بها عما هو أهم وأعظم، كذلك ينبغي للناظر أن لا يقحم نفسه ويجتهد في المسائل التي ورد بها النصّ إذ القاعدة فيها: “لا مساغ للاجتهاد في مورد النصّ”. والمقصود بهذه القاعدة -على وجه الإجمال- ما قاله الإمام الزركشي -رحمه الله- من أن “المجتهد فيه وهو كُلّ حكم شرعي عملي أو علمي يقصد به العلم ليس فيه دليل قطعي”.

ويُمكن من خلال النقاط التالية إبراز ما يسوغ للمجتهد أن ينظر فيه من النوازل بإجمالٍ:

1-أن تكون هذه المسألة المجتهد فيها غير منصوصٍ عليها بنصّ قاطعٍ أو مجمع عليها.

2- أن يكون النصّ الوارد في هذه المسألة -إن ورد فيها نصّ- محتملا قابلا للتأويل.

3- أن تكون المسألة مترددة بين طرفين وضح في كُلّ واحدٍ منهما مقصد الشارع في الإثبات في أحدهما والنفي في الآخر.

4- أن لا تكون المسألة المجتهد فيها من مسائل أصول العقيدة والتوحيد أو في المتشابه من القرآن والسنة.

5- أن تكون المسألة المجتهد فيها من النوازل والوقائع، أو مِـمَّا يمكن وقوعها في الغالب والحاجة إليها ماسة([54]).

ثالثا: فهم النازلة فهما دقيقا:

إن فقه النوازل المعاصرة من أدق مسالك الفقه وأعوصها؛ حيث إن الناظر فيها يطرق موضوعات لم تطرق من قبل، ولم يرد فيها عن السلف قول؛ بل هي قضايا مستجدة، يغلب على معظمها طابع العصر الحديث المتميز بابتكار حلولٍ علمية لمشكلات متنوعة قديمة وحديثة، واستحداث وسائل جديدة لم تكن تخطر ببال البشر يوما من الدهر.

من هذا المنطلق كان لا بد للفقيه المجتهد من فهم النازلة فهما دقيقا، وتصورها تصورا صحيحا قبل البدء في بحث حكمها، والحكم على الشيء فرع عن تصوره، وكم أُتِي الباحث أو العالم من جهة جهله بحقيقة الأمر الذي يتحدث فيه!! فالناس في واقعهم يعيشون أمرا، والباحث يتصور أمرا آخر ويحكم عليه.

فلا بد حينئذ من تفهم المسألة من جميع جوانبها، والتعرف إلى جميع أبعادها وظروفها وأصولها وفروعها ومصطلحاتها وغير ذلك مِمَّا له تأثير في الحكم فيها.

ولأهمية هذا الضابط جاء في كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري  ما يؤكِّد ضرورة الفهم الدقيق للواقعة حيث جاء فيه: “أما بعد.. فإن القضاء فريضة محكمة وسنَّة متبعة؛ فافهم إذا أُدليَ إليك؛ فَإِنَّهُ لا ينفع تكلم بِالْـحَقِّ لا نفاذ له… ثُمَّ الفهمَ الفهمَ فيما أدلي إليك مِمَّا ورد عليك مِمَّا ليس في قرآن ولا سنة، ثُمَّ قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال، ثُمَّ اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق”.

يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- معلقا وشارحا هذا الكتاب: “ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:

أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما.

والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثُمَّ يطبق أحدهما على الآخر؛ فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا… ومن تأمَّل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحةً بهذا، ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم، ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله”([55]).

وكثير من المسائل المعاصرة التي وقع فيها الخطأ كان نتيجة إغفال هذا الضابط، وقد أفتى بعض الفقهاء على جواز الاقتراض من البنوك بالفائدة المحددة سلفا؛ لأنَّ هذا العقد عقد وكالة، وشتَّان بين عقد الوكالة، وهذا العقد الذي ينصّ القانون أَنَّهُ قرض، ولا صلة له بعقد الوكالة من قريب أو بعيد. وأفتى بعضهم بجواز التأمين بكافة صوره وأشكاله؛ نظرا لِما حسبه أَنَّهُ من عقود التبرعات وهو ليس كذلك؛ بل من عقود المعاوضات التي لا يغتفر فيها الغرر ولا الجهالة ولو كانت يسيرة. وليس المجال مَجال حصر لتلك الفتاوى التي بنيت على أساس غير صحيح لتكييف الحادثة وفهمها فهما صحيحا.

رابعا: التثبت والتحري واستشارة أهل الاختصاص:

مِـمَّا ينبغي أيضا للناظر أن يراعيه هنا زيادة التثبت والتحري للمسألة، وعدم الاستعجال في الحكم عليها، والتأني في نظره لها؛ فقد يطرأ ما يغير واقع المسألة أو يصل إليه علم ينافي حقيقتها وما يلزم منها، فإذا أفتى أو حكم من خلال نظرٍ قاصرٍ أو قلة بحثٍ وتثبتٍ وتروٍ؛ فقد يخطئ الصواب، ويقع في محذور يزل فيه خلق كثير. وقد جاء عن النَّبِيّ e ما يؤيد التثبت والتحري في الفتيا والاجتهاد؛ ومن ذلك قوله e: “من أفتى بفتيا غير ثبت، فإنما إثمه على من أفتاه”([56]). وقال أيضا u: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار»([57]).

وكان ابن مسعود t يُسأَل عن المسألة فيتفكر فيها شهرا، ثُمَّ يقول: “اللهم إن كان صوابا فمن عندك، وإن كان خطأ فمن ابن مسعود”.

وجاء عن الإمام مالك -رحمه الله- أَنَّهُ قال: “إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة، فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن”، وقال أيضا: “ربما وردت عليَّ المسألة فأفكر فيها ليالي”.

يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- في ذلك: “حقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعدّ له عدّته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به؛ فإن الله ناصره وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب؟”([58]).

وعلى المفتي في قضايا النوازل أن يسأل ويستشير أهل الاختصاص، خاصة في تلك المسائل المعقدة المتشابكة، وقد حدثت تطورات في المعاملات المالية المعاصرة توجب على المفتي أن يسأل المتخصصين في علم الاقتصاد والقانون وغير ذلك حتى يقف على حقيقة المسألة، ويتمكن من تكييفها ليُلحقها بأحد العقود، أو يرى أنها عقد مستحدث لا يمكن إلحاقه بأي عقد سالف، وعليه فلا بد أن يكون منضبطا بأحكام المعاملات العامة؛ فنحن نسمع عن عقود المرابحة للآمر بالشراء والمضاربة المشتركة والإجارَة أو المشاركة المنتهية بالتمليك وسوق الأوراق المالية، والتسوق الشبكي أو الهرمي، والمسابقات الهاتفية أو التليفزيونية، وبطاقات الائتمان وغيرها، وهذا يتطلب معرفة بالواقع ومراجعة أهل الاختصاص.

خامسا: مراعاة مقاصد الشريعة:

المراد بالمقاصد الشرعية هي: المعاني والحِكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها؛ بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة؛ فيدخل في هذا: أوصاف الشريعة وغايتها العامة، والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها، ويدخل في هذا أيضا معانٍ من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها.

وقد يراد بالمقاصد أيضا: الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد([59]).

فهذه الأسرار والغايات التي وضعت الشريعة لأجلها من حفظ الضروريات وإصلاح لأحوال العباد في الدارين.. معرفتها ضرورية على الدوام ولكل الناس؛ فالمجتهد يحتاج إليها عند استنباط الأحكام وفهم النصوص، وغير المجتهد للتعرف على أسرار التشريع.

ولذلك كان الناظر في النوازل في أمسّ الحاجة إلى مراعاتها عند فهم النصوص لتطبيقها على الوقائع وإلحاق حكمها بالنوازل والمستجدات، وكذلك إذا أراد التوفيق بين الأدلة المتعارضة فإنه لا بد أن يستعين بمقصد الشرع، وإن دعته الحاجة إلى بيان حكم الله في مسألة مستجدة عن طريق القياس أو الاستصلاح أو الاستحسان أو العرف المعتبر تحرى بكل دقة أهداف الشريعة ومقاصدها.

 يقول الإمام البيضاوي: “إن الاستقراء دل على أن الله سبحانه شرع أحكامه لمصالح العباد”. ويؤكد على ذلك الإمام ابن القيم وهو من المعتنين بذلك بقوله: “القرآن وسنة رسول الله e مملوءان من تعليل الأحكام والمصالح وتعليل الخلق بها، والتنبيه على وجوه الحِكم التي لأجلها شرع الأحكام، ولأجلها خلق تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضع أو مائتين لسقناهما، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة”.

فينبغي عندئذٍ أن يراعي الناظر في النوازلتحقيق المصالح في حكمه وفتواه حتى لا يخرج عن كليات الشريعة ومقاصدها العليا.

ومن مظاهر مراعاة المفتي لفقه المقاصد ما يلي:

أ – تحقيق المصلحة الشرعية عند النظر:

يقول الإمام الآمدي: “فلو لم تكن المصلحة المرسلة حجة أفضى ذلك أيضا إلى خلو الوقائع عن الأحكام الشرعية لعدم وجود النصّ أو الإجماع أو القياس فيها”. وقد ذكر الأصوليون عدَة ضوابط من أجل تحقق المصلحة المعتبرة، والعمل بها عند النظر والاجتهاد، وهي بإيجاز:

1- اندراج المصلحة ضمن مقاصد الشريعة.

2- أن لا تخالف نصوص الكتاب والسنة.

3- أن تكون المصلحة قطعية أو يغلب على الظنّ وجودها.

4- أن تكون المصلحة كلية.

5- ألا يفوت اعتبار المصلحة مصلحة أهم منها أو مساوية لها.

ب – اعتبار قاعدة رفع الحرج:

يقصد بالحرج: كل ما يؤدي إلى مشقة زائدة في البدن أو النفس أو المال حالا و مآلا؛ فيكون المراد برفع الحرج: “التيسير على المكلفين بإبعاد المشقة عنهم في مخاطبتهم بتكاليف الشريعة الإسلامية”.

وقد دلَّت الأدلَّة على رفع الحرج من الكتاب والسنة حتى صار أصلا مقطوعا به في الشريعة. وقد سبق بيان هذا عند الحديث عن التيسير في الفتوى، ولكن هناك شروط لا بد للناظر من تحقيقها عند اعتباره لقاعدة رفع الحرج فيما يعرض له من نوازل وواقعات، وهي:

1 – أن يكون الحرج حقيقيا، وهو ما له سبب معين واقع؛ كالمرض والسفر، أو ما تحقق بوجوده مشقة خارجة عن المعتاد، ومن ثُمَّ فلا اعتبار بالحرج التوهمي وهو الذي لم يوجد السبب المرخص لأجله؛ إذ لا يصح أن يبني حكما على سبب لم يوجد بعد، كما أن الظنون والتقديرات غير المحققة راجعة إلى قسم التوهمات.

2- أن لا يعارض نصا؛ فالمشقة والحرج إنما يعتبران في موضع لا نص فيه، وأما في حال مخالفته النصّ فلا يعتد بهما.

3 – أن يكون الحرج عاما، قال ابن العربي: “إذا كان الحرج في نازلة عامة في الناس فإنه يسقط، وإذا كان خاصا لم يعتبر عندنا، وفي بعض أصول الشافعي اعتباره، وذلك يعرض في مسائل الخلاف”.

ج – النظر إلى المآلات: وقد سبق أن تحدَّثنا عن هذه النقطة في أثناء حديثنا عن سمات ومظاهر منهج الوسطية، ونؤكد مرة أخرى على أن اعتبار المآل أصل ثابت في الشريعة دلت عليها النصوص الكثيرة بالاستقراء التام، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ﴾([60]). وقوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾([61]). وما جاء عن النَّبِيّ e حين أشير إليه بقتل من ظهر نفاقه قوله: «أخاف أن يتحدث الناس أن محمَّدا يقتل أصحابه»([62]).

وقوله: «لولا قومك حديث عهدهم بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم”([63]).

يقول الإمام الشاطبي -رحمه الله- في أهمية اعتباره عند النظر والاجتهاد: “النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا كانت الأفعال موافقة أو مخالفه، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل؛ فقد يكون مشروعا لمصلحة قد تُستجلب أو لمفسدة قد تُدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحه تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها؛ فيكون هذا مانعا من انطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة مثلها أو تزيد؛ فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب، جارٍ على مقاصد الشريعة”([64]).

وكم جنت الفتاوى المتسرعة على الأمة الإسلامية من ويلات في الداخل والخارج؛ فقد أفتى بعض الشباب المتسرع في الثلث الأخير من القرن الماضي باستحلال دماء كثير مِمَّن يخالفهم الرأي؛ فسفكوا دماء كثيرة، وأعطوا الفرصة للطغاة بالتسلط عليهم وعلى ذويهم؛ بل راح ضحية هذه الفتاوى عشرات الآلاف من الشباب الطاهر النقي بحق وبغير حق، وخسرت الأمة هذه الطاقات التي لو وجهت وجهة صحيحة لأثمرت وأفادت نفسها وأمتها.

وأفتى بعض العلماء بجواز الصلح مع إسرائيل قياسا على صلح الحديبية، أو أخذا من ظاهر النصوص التي تدعو إلى السلم دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث في بنود هذا الصلح وأثره على الأمة العربية والإسلامية؛ فكان ما كان، وعشنا نجني المر والعلقم من جراء هذه الفتاوى المتسرعة التي لا تراعي المقاصد ولا تنظر في المآلات.

إن الإفتاء في النوازل عملية مركبة تحتاج إلى جهد كبير من المفتي بل من مجموع المفتين؛ حتى تأخذ الفتوى حقها من التأصيل والتفصيل من مراعاة الزمان والمكان والحال، من فهم للوقع واستشراف للمآل.


المبحث الثاني:

نماذج من فتاوى النوازل في العبادات

1- استحالة النجاسة (الأدوية ومستحضرات التجميل، مياه الصرف الصحي بعد المعالجة، أطعمة بها شحوم الخنزير)

موضوع استحالة النجاسة موضوع قديم تكلم فيه عدد من الفقهاء القدامى، وعلى الرغم من ذلك ظهرت هذه المسألة في السنوات الماضية بعد اختلاط المسلمين بغيرهم من غير المسلمين في أوربا وأمريكا وغيرها من بلاد غير المسلمين، وبعد أن تقدم العلم وأصبحت شحوم الخنزير عنصرا أساسا في أشياء كثيرة يستعملها المسلمون بداية من الحلويات ومرورا بالمنظفات ومواد التجميل وغيرها.

والخنزير نجس بإجماع الفقهاء، وبالتالي تصوّر الناس أَنَّهُ إذا وضع في أي شيء طاهر فَإِنَّهُ ينجّسه، وهنا يأتي دور الفتوى في هذا العالم المفتوح لتوظيف التراث الفقهي القديم، والإفادة منه في رفع الحرج والمشقة عن عدد غير قليل من المسلمين في بلاد الغرب والشرق غير المسلم.

وخلاصة الفتوى في هذه المسألة: أن النجاسة سواء كانت خنزيرا أم غيره إذا استحالت إلى عنصر آخر بسبب المعالجة الكيميائية فَإِنَّهَا تتحول إلى شيء آخر غير نجس كما يحدث للخمر إذا تحوَّلت إلى خلّ.

وكذلك مياه الصرف الصحي التي تعالج كيميائيا، وتكرر عدة مرات حتى تعود ماء خالصا خاليا من كُلّ الشوائب العالقة به؛ فَإِنَّهُ يكون طاهرا مطهرا يصلح للشرب والوضوء والاغتسال وغيره.

فعلى الرغم من أن المسألة قديمة لكن التطبيقات الحديثة جعلت منها قضية حديثة تدخل في باب النوازل، وتنطبق عليها الشروط السابقة التي حددناه في بداية هذا البحث؛ فهي حادثة لم تكن في الصدر الأَوَّل؛ فلم يعرف السادة الفقهاء مسألة التحوّل الكيميائي بهذه الصورة التي نتحدث عنها، ولا تنقية الماء بعد تلوثه بفضلات الآدمي، لكنهم عرفوا شيئا قريبا منه.

جاء في (البحر الرائق) من كتب الحنفية: من الأمور التي يكون بها التطهير: انقلاب العين… وإن كان في غيره -أي الخمر- كالخنزير والميتة تقع في المملحة فتصير ملحا: يؤكل، والسرجين (فضلات الحيوان) والعذرة تَحترق فتصير رمادا: تطهر عند محمَّد([65]).

وقال أيضا: وضمّ إلى محمَّد أبا حنيفة في المحيط. وكثير من المشايخ اختاروا قول محمَّد؛ لأَنَّ الشرع رتب وصف النجاسة على تلك الحقيقة، وتنتفي تلك الحقيقة بانتفاء بعض أجزاء مفهومها فكيف بالكل؟ فإن الملح غير العظم واللحم، فإذا صار ملحا ترتب حكم الملح([66]). وفي شرح فتح القدير: العصير طاهر؛ فيصير خمرا فينجس، ويصير خلا فيطهر؛ فعرفنا أن استحالة العين تتبع زوال الوصف المرتب عليها، وعلى قول محمَّد فرّعوا الحكم بطهارة صابون صنع من زيت نجس([67]).

واتفق الحنفية على طهارة الخمر إذا تحولت إلى خل، سواء كان تحولها بنفسها أم بغيرها.

وجاء في (الفتاوى الهندية) عدد من المسائل، منها: الطين النجس إذا جُعل منه الكوز أو القِدْر فطبخ (أي بالنار) يكون طاهرا. وكذا اللبِن، إذا لُبّن بالماء النجس وأحرق.

إذا سَعَّرت المرأة التنور ثُمَّ مسحته بخرقة مبتلة نجسة، ثُمَّ خبزت فيه؛ فإن كانت الحرارة أكلت بلة الماء قبل إلصاق الخبز بالتنور.. لا يتنجس الخبز. والخبز الذي عجن بالخمر لا يطهر بالغسل، ولو صب فيه الخل وذهب أثرها يطهر. والرغيف إذا ألقي في الخمر ثُمَّ صار خلا؛ فالصحيح أنه طاهر إذا لم تبق رائحة الخمر، وكذا البصل إذا ألقي في الخمر ثُمَّ تخلل؛ لأن ما فيه من أجزاء الخمر صار خلا([68]).

ومذهب المالكية المفتى به كمذهب الحنفية في ذلك([69])؛ أعني: المفتى به عندهم من قول محمَّد، وما روي عن أبي حنيفة أيضا.

وكذلك مذهب الظاهرية الذين يمثلهم أبو محمَّد ابن حزم، وله كلام قوي في (المحلّى) يؤيّد به تغير الحكم بانقلاب العين واستحالتها، ينبغي أن يراجع([70]).

وكذلك مذهب الزيديَّة، كما في الأزهار وغيره من كتبهم، ومذهب الإماميَّة أيضا.

وأشدّ المذاهب في رفض التطهير بالاستحالة مذهب الشافعية([71])، الذين يستصحبون حكم النجاسة والحرمة على العين، وإن انقلبت وتحولت إلى شيء آخر، باسم آخر، ووصف آخر، فيما عدا الخمر إذا تخللت بنفسها، بدون تدخل أو معالجة من الإنسان، وجلد الميتة إذا دبغ، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، وقول في مذهب مالك.

وحجَّتهم في تَميّز الخمر عن غيرها أن الخمر استحالت عن شيء طاهر كالعنب وغيره، فإذا انقلبت إلى خلّ، فقد عادت إلى الأصل فطهرت.

وهم في ذلك جدّ مخطئون؛ فإن كلّ الأعيان النجسة مستحيلة عن أعيان طاهرة؛ فقد بينا أَنَّهُ تعالى خلق كُلّ الأشياء طاهرة، ولذا نجد البول والعذرة -وهما النجسان المتفق عليهما- قد استحالا من الطعام والشراب الطاهرين. وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة أيضا.

وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية ما ذهب إليه الحنفية والمالكية، فقال: “وهذا هو الصواب المقطوع به؛ فإنَّ هذه الأعيان لم تتناولها نصوص التحريم، لا لفظا ولا معنى؛ فليست محرمة، ولا في معنى التحريم، فلا وجه لتحريمها، بل تتناولها نصوص الحل، فإنها من الطيبات، وأيضا في معنى ما اتفق على حله؛ فالنص والقياس يقتضي تحليلها، وعلى هذا استحالة الدم أو الميتة أو لحم الخنزير، وكل عين نجسة استحالت إلى عين ثانية”.

ورد ابن تيمية على من فرق بين الخمر وغيرها من النجاسات فقال: “هذا الفرق ضعيف؛ فإن جميع النجاسات نجسة بالاستحالة، فإن الدم مستحيل من أعيان طاهرة، وكذلك العذرة والبول والحيوان النجس مستحيل عن مادة طاهرة مخلوقة، وأيضا فإن الله تعالى حرم الخبائث لَـمَّا قام بها من وصف الخُبث، كما أباح الطيبات لما قام بها من وصف الطيب، وهذه الأعيان المتنازع فيها ليس فيها شيء من وصف الخبث، وإنما فيها وصف الطيبات”([72]).

ويذكر ابن تيمية ما مفاده أن الخمر إذا انقلبت بنفسها حلّت باتفاق المسلمين؛ فغيرها من النجاسات أولى؛ أن تطهر بالانقلاب، إذا قدر أن قطرة خمر وقعت في خل مسلم بغير اختياره فاستحالت، كانت أولى بالطهارة، وقال: إن جميع النجاسات نجست بالاستحالة، فإن الإنسان يأكل الطعام ويشرب الشراب، وهي طاهرة، ثُمَّ تستحيل دما وبولا وغائطا فتنجس، وكذلك الحيوان يكون طاهرا، فإذا مات احتبست فيه الفضلات، وصار حاله بعد الموت خلاف حاله في الحياة فتنجس، ولهذا يطهر الجلد بعد الدباغ عند الجمهور، وقيل: إن الدباغ كالحياة أو إِنَّهُ كالذكاة، فإنَّ في ذلك قولين مشهورين للعلماء، والسنة تدل على أن الدباغ كالذكاة([73]).

وبناء على مسألة تحوّل النجاسة خرجت الفتوى من الموقع بجواز استعمال مياه الصرف الصحي بعد المعالجة، التي نتأكد من خلالها أن الماء خلص من الشوائب وعاد إلى عناصره الطبيعية، فيكون طاهرا ومطهرا. وكذلك استعمال هذه الشحوم ودخولها في بعض الأدوية أو مستحضرات التجميل أو الحلويات أو غيرها.

*- اللقاح المستعمل في تطعيم الأطفال ضد الشلل:

وقد أجاب المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء عن اللقاح المستعمل في تطعيم الأطفال ضدّ شلل الأطفال الذي يُستحضر بفيروس المسبب له على مزرعة نسيجية أي مؤلفة من خلايا متكاثرة، بحيث تشكل نسيجا خلويا تكون فيه الخلايا متلاصقة، وحتى ينجح الزرع، لا بد من فكّ هذه الخلايا بعضها على بعض، ويتم هذا التفكيك باستعمال خميرة (أنزيم) تدعى (التريبسين) تؤخذ من الخنزير، يضاف التريبسين بكميات زهيدة جدّا لا تكاد تذكر؛ لأن الإنزيمات تفعل فعلها بتركيزات بالغة الضآلة، يضاف هذا التريبسين إلى الخلايا المتلاصقة في نسيج، فيفكك بعضها عن بعض في برهة وجيزة، ثُمَّ تغسل الخلايا التي تفاصلت غسلا جيدا بحيث لا يبقى أي تأثير للتريبسين، ثُمَّ تزرع عليها فيروسات شلل الأطفال لتتكاثر، ثُمَّ تحصد هذه الفيروسات التي تكاثرت، ويضاف إليها محلول مناسب لا شبهة فيه، ثُمَّ تصبح جاهزة لتحضير اللقاح الذي تعطى منه قطرتان أو ثلاث لكل طفل بالفم.

بعض الإخوة المسلمين في عدد من أنحاء العالم، ولا سيما في شرقي آسيا، أفتَوْا – من باب الورع – بعدم جواز إعطاء هذا اللقاح لأطفال المسلمين؛ بالنظر إلى استعمال التريبسين الخنزيري المنشأ في استحضاره.

نرجو التفضُّل ببيان الحكم الشرعي في ضوء المعطيات الآنفة الذكر، علما بأن إحجام بعض المسلمين عن تطعيم أطفالهم بهذا اللقاح يعرّض أطفال المسلمين وحدهم للخطر، ويعطي صورة سيئة عن تعطيل المسلمين لعملية تتغيّا استئصال المرض من على ظهر البسيطة إلى الأبد بإذن الله؛ لأن هذا الاستئصال لن يكتمل ما بقي على وجه الأرض طفل واحد يحمل فيروس المرض.

نظر المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء في الموضوع أعلاه، وبعد التدقيق في مقاصد الشريعة، ومآلاتها والقواعد الفقهية وأقوال الفقهاء فيما عُفي عنه قرر ما يلي:

أَوَّلاً: إن استعمال هذا الدواء السائل قد ثبتت فائدته طبيا، وَأَنَّهُ يؤدي إلى تحصين الأطفال ووقايتهم من الشلل بإذن الله تعالى، كما أنه لا يوجد له بديل آخر إلى الآن، وبناء على ذلك فاستعماله في المداواة والوقاية جائز لِما يترتَّب على منع استعماله من أضرار كبيرة، فأبواب الفقه واسعة في العفو عن النجاسات -على القول بنجاسة هذا السائل- وخاصة أن هذه النجاسة مستهلكة في المكاثرة والغسل، كما أنَّ هذه الحالة تدخل في باب الضرورات، أو الحاجيات التي تنزل منزلة الضرورة، وأن من المعلوم أن من أهم مقاصد الشريعة هو تحقيق: المصالح والمنافع ودرء المفاسد والمضار.

ثانيا: يوصي المجلس أئمَّة المسلمين ومسئولي مراكزهم أن لا يتشددوا في مثل هذه الأمور الاجتهادية التي تحقّق مصالح معتبرة لأبناء المسلمين، ما دامت لا تتعارض مع النصوص القطعية. والله أعلم.

– الأدوية التي تشتمل على الكحول أو المخدرات:

إن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في المدة من 21-26/10/1422هـ الذي يوافقه من: 5-10/1/2002م، وبعد النظر في الأبحاث المقدمة عن الأدوية المشتملة على الكحول والمخدرات، والمداولات التي جرت حولها، وبناء على ما اشتملت عليه الشريعة من رفع الحرج، ودفع المشقة، ودفع الضرر بقدره، وأن الضرورات تبيح المحظورات، وارتكاب أخف الضررين لدرء أعلاهما، قرر ما يلي:

(1) لا يجوز استعمال الخمرة الصرفة دواء بحال من الأحوال؛ لقول رسول الله e: «إنَّ اللهَ لم يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّم عَلَيْكُمْ». رواه البخاري في الصحيح.

ولقوله e: «إنَّ اللهَ أنزَل الدَّاءَ وجعَل لِكُلِّ داءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا، ولا تَتَدَاوَوْا بحَرَامٍ». رواه أبو داود في السنن، وابن السُّني، وأبو نعيم. وقال لطارق بن سويد لَـمَّا سأله عن الخمر يُجعَلُ في الدواء: “إنَّ ذلك لَيْسَ بِشِفَاءٍ، ولَكِنَّه دَاءٌ”. رواه ابن ماجه في سننه، وأبو نعيم.

(2) يجوز استعمال الأدوية المشتملة على الكحول بنسب مستهلكة تقتضيها الصناعة الدوائية التي لا بديل عنها، بشرط أن يصفها طبيب عدل، كما يجوز استعمال الكحول مطهّرًا خارجيًّا للجروح، وقاتلا للجراثيم، وفي الكريمات والدهون الخارجية.

(3) يوصي المجمع الفقهي الإسلامي شركات تصنيع الأدوية، والصيادلة، في الدول الإسلامية، ومستوردي الأدوية بأن يعملوا جهدهم في استبعاد الكحول من الأدوية، واستخدام غيرها من البدائل.

(4) كما يوصي المجمع الفقهي الإسلامي الأطباء بالابتعاد عن وصف الأدوية المشتملة على الكحول ما أمكن.

أما عن طهارة مياه الصرف بعد معالجتها وتخليصها من الشوائب: فيقول الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق – رئيس لجنة تحقيق التراث بالكويت -:

قد ثبت قول النَّبِيّ e: «الماء طهور لا ينجسه شيء»، رواه أحمد وصححه، وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع، وهذا الحديث من أعلام نبوة النَّبِيّ e، فإنَّ الماء في ذاته وخاصيته طهور أبدا، وهو يزيل النجاسة من الماء ويحملها، ولكنه لا يتغير بها تركيبه الكيميائي، ولذلك فَإِنَّهُ متى فصلت النجاسة عن الماء، عاد الماء كما كان طهورا لا ينجسه شيء.

وقد قام الإجماع على أن الماء إذا غلبت عليه النجاسة التي يحملها وغيرت صفة من صفاته الثلاث (اللون أو الطعم أو الرائحة) فَإِنَّهُ يكون نجسا لا يَجوز التطهر به. أما إذا كانت النجاسة يسيرة، والماء كثير، ولم تتغيَّر صفة من صفاته، لا لونه ولا طعمه ولا رائحته فَإِنَّهُ يكون طاهرا مطهرا. وَأَمَّا الماء القليل الذي وقعت به نجاسة متيقنة فَإِنَّهُ يكون نجسا وإن لم تتغير أوصافه. وقد استفيد هذا من قول النَّبِيّ e: «إذا قام أحدكم من النوم فأراد أن يتوضأ فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده، ولا على ما وضعها» رواه أبو داود، وصححه الألباني في صحيح الجامع (718)، وللأحاديث السابقة ولقول النَّبِيّ e: «الماء طهور لا ينجسه شيء» نستفيد الأحكام الآتية من عملية فصل النجاسة عن الماء بأي صورة من صور الفصل والمعالجة:

– الماء لا ينجس في ذاته، ولا يستحيل نجسا، وَإِنَّمَا تتغير صفاته بما يحمله من نجس فيكون نجسا لحمله النجاسة، ويكون طاهرا إذا حمل شيئا طاهرا كالملح والطين والسكر والروائح الطاهرة وعصارات الأعشاب… الخ.

– إذا عولج الماء النجس وفصلت منه النجاسة فصلا كاملا عاد طاهرا مطهرا كأصل خلقته. وإذا بقيت فيه نجاسة بعد المعالجة فالحكم عليه بحسب غلبة النجاسة، فإن كانت بقايا النجاسة مغيرة لإحدى صفاته الثلاث: اللون أو الطعم أو الرائحة، فَإِنَّهُ يبقى نجساً، وإن تمت المعالجة حتى يعود الماء كما هو في أصل الخلقة فهو طهور، وإن بقي به نجاسة يسيرة لا تغير أوصافه فهو من العفو إن شاء الله تعالى.

– والماء المعالج الطاهر، الذي فصلت منه النجاسة، وعاد طاهرا يجوز استعماله في كل ما يستعمل فيه الماء الطاهر المطهر كالغسل، والوضوء، وتطهير الثياب والأماكن.

– إذا كان الماء المعالج قد عولج معالجة جزئية، وبقيت أوصافه كلها أو بعضها متغيرة فإن هذا يجوز استخدامه في الري والزراعة في محاصيل يأكلها الإنسان والحيوان، ولكن لا يجوز استعماله في الطهارة.

– إذا حقن الماء المعالج أو مياه الصرف والمجاري قبل المعالجة في الأرض مرة ثانية، وتَمَّ تسريبه خلال طبقات الأرض، ودخل إلى الآبار، فإن حكمه هو حكم المعالج، فإذا وصل إلى الآبار أو المضخات، وتم رفعه، وقد فصلت عنه النجاسة فصلا كاملا ً، وعاد إلى أصل خلقته دون رائحة ودون لون أو طعم إِلاَّ طعم الماء، فهو ماء طاهر مطهر، وأما إذا كان فاقدا لخواص الماء الطاهر فحكمه حكم الماء النجس.

– ولا يخفى أن استخدام الماء في الشرب والطعام له أحكامه الخاصة، وهذا يخضع إلى العوامل الصحية فإن الماء قد ينصح باجتنابه في الشرب والطعام، إذا كانت فيه أنواع من البكتريا الضارة، أو العوالق والمذابات الضارة، ومعلوم أن مثل هذه الأشياء لا يحكم بها على عدم طهورية الماء، ولكن يحكم بها على عدم صلاحيته للشرب، وفرق بين هذا وهذا. انتهى كلام الشيخ

2- إمامة المرأة للمسلمين في صلاة الجمعة:

من القضايا التي أثيرت في الفترة الأخيرة وأخذت من المسلمين وقتا طويلا: مسألة إمامة المرأة في الصلاة، وحدث هذا بعد أن قامت آمنة ودود، رئيسة جمعية “جولة حرية المرأة المسلمة” لأوَّل مرة في الإسلام بإمامة جماعة من المصلين في صلاة جمعة بكاتدرائية مسيحية، في مانهاتن بمدينة نيويورك، بتاريخ 18/3/2005م.

والذي فطن إليه الموقع ساعتها وكثير من الفقهاء أن المسألة ليست مسألة فقهية بسيطة كسائر هذه المسائل، فلو أتى السؤال من امرأة أو رجل عادي يسأل ليتعلَّم ويعرف أحكام دينه ليقف على الحلال والحرام لكانت الإجابة سهلة ميسورة ولا تحتاج إلى جهد كبير.

لكن المسألة ينطبق عليها شروط النوازل السابقة ويجب فيه مراعاة الزمان والمكان والأحوال والأشخاص. فقد وقعت المسألة وليست تخيّلا عقليا، أو أمرا افتراضيا، وهي حادثة لم نسمع عن مثيل لها في تاريخ أمتنا الإسلامية، ثُمَّ كانت الصلاة في كاتدرائية مسيحية بمدينة نيويورك، والتي أقدمت على هذه الفعلة امرأة متَّهمة بتصوراتها وتفسيراتها الخاطئة لكتاب الله تعالى.

ثُمَّ نقلت لنا وسائل الإعلام كيف اصطفَّ الرجال بجوار النساء وهنَّ متبرجات أو شبه متبرِّجات، في صورة غريبة عن ثقافة المسلمين وقيمهم وتقاليدهم خلال أكثر من أربعة عشر قرنا من عمر أمة الإسلام حتى الآن.

فدراسة الحالة توجب دراسة الزمان والمكان والأشخاص، وبالتالي ليست المشكلة فقهية فقط، بل يتداخل فيها السياسي مع الاجتماعي مع الشرعي.

وقد تعامل الموقع مع هذه المسألة وفق خطة مدروسة بعناية قام كُلّ قسم من الأقسام بدوره بداية من الأخبار والتحليلات السياسية، ومرورا بالقسم الاجتماعي والأسرة، وأيضا الثقافي، ثُمَّ انتهاء بالشرعي والفقهي. وكانت عناصر الخطة تشتمل على نقل الموضوع بمنتهى الحيدة، ونقل كافة الملابسات السياسية والاجتماعية وغير ذلك، ثُمَّ استثارة الفقهاء وحثهم على إصدار فتاوى جماعية في هذه المسألة، ثُمَّ دراسة الموضوع وأثره على الناحية الاجتماعية وتأثرها بالنواحي السياسية وغيرها.

وكانت حصيلة هذه الخطَّة أن حصد الموقع عشرات الفتاوى الفردية والجماعية، نكتفي بذكر ثلاث فتاوى فقط من هذه الفتاوى الجماعية وهي كالتالي:

 1- موقف مجمع الفقه الإسلامي بجدة من إمامة المرأة:

جدة في 14‏/02‏/1426هـ الموافق 24‏/03‏/2005م: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وبعد؛ فإنَّ الأمانة العامة لمجمع الفقه الإسلامي بجدة المنبثقة عن منظمة المؤتمر الإسلامي لتعبر باسم علماء الأمة الإسلامية وفقهائها عن استنكارها وأسفها لظهور بدعة مضلّة، وفتنة ظالمة، تمثلت في تقدّم المرأة آمنة ودود “رئيسة جمعية جولة حرية المرأة المسلمة” لأوَّل مرَّة في الإسلام بإمامة جماعة من المصلين في صلاة جمعة بكاتدرائية مسيحية، في مانهاتن بمدينة نيويورك، بتاريخ 18/3/2005م، وفي هذه المبادرة الخرقاء مخالفة لأحكام الشريعة من وجوه:

أذان المرأة للصلاة، وتوليها خطبة الجمعة، وإمامتها للرجال في صلاتها، ووقوف الرجال والنساء من ورائها متجاورين ومختلطين، و صلاة النساء كاشفات لرؤوسهن، وإقامة الجمعة في كاتدرائية مسيحية، وهي أمور تخالف ما عليه اتِّفاق جمهور علماء الإسلام وفقهائه المعتمدين، وتتناقض في جملتها مع ما جاءت به الشريعة الإسلامية، وتضمنته كتب الفقه الإسلامي.

والمعتبر عند فقهاء الإسلام أن الأذان الذي قامت به سهيلة العطار غير معتد به شرعا؛ لأَنَّ الأذان لا يصحّ إِلاَّ من مسلم عاقل ذكر، والمرأة ليست مِمَّن شرع لها الأذان، ولم تنقل عن السلف مشروعيته، فهو من المحدثات، ولأن المؤذن متميز، وله أن يشهر نفسه، ويؤذن من مكان عال، ويرفع صوته، والمرأة منهية عن ذلك كله، كما أن الجمعة فرض على الرجال دون النساء، فهم الذين يقيمونها خطبة وصلاة، وللمرأة جواز حضورها استحبابا لا فرضا، فكيف يسوغ لها مع كل ذلك أن تتقدم على من هو أحق منها بأدائها؟

وقد بيّن رسول الله e أماكن وقوف الرجال والنساء في الصفوف في حديث رواه أبو هريرة t قال فيه: قال e: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها»، رواه مسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة وأحمد والدارمي.

وأورد ابن مسعود في معناه قوله: “وأخِّروهن من حيث أخَّرهن الله”، وكشف المرأة رأسها في صلاتها مبطل لصلاتها، قال تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، وهو الوجه والكفان، وقال e: «لا يقبل الله صلاة حائض إِلاَّ بخمار»، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد، “والحائض: هي المرأة البالغة”. وأجمع أهل العلم على أن المرأة تخمر رأسها إذا صلت، فإذا صلت وجميع رأسها مكشوف تجب عليها الإعادة. وإن من شروط إقامة الجمعة عند الفقهاء أن تكون في مسجد جامع، فضلا عن إقامتها في غيره، فكيف تصح في كنيسة أو كاتدرائية مع وجود المساجد! وبناء على ما سبق فإن هذه الصلاة غير مستوفية للشروط، وعلى من أداها أن يعيدها ظهرا قضاء.

والمجمع يذكّر المسلمين عامة بأن الحقوق والواجبات والتكاليف المتنوعة المرتبطة بالنساء والرجال قد قضى الله فيها، وليس لأحدٍ من الناس تغييرها أو التأويل لها. ولقد خصَّ سبحانه كُلّ جنس من الجنسين الرجال والنساء بما هو محتاج إليه ومفتقر له، قال جل وعلا: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، وفي هذا دليل على أن المنهج الإسلامي يتبع الفطرة، وقد أودع سبحانه كُلّ واحدٍ من الجنسين خصائص يتميز بها عن الآخر تناط على وفقها الأحكام والوظائف المناسبة للشخص رجلا كان أو امرأة، وبهذا تبطل أسباب الخصام والتنازع.

ولا وجه للحملة على الرجال ولا على النساء، كما أَنَّهُ لا مكان للطعن بأن التنوع في التكوين والخصائص للعباد لا يقابله تنوع في التكليف والوظائف في الشريعة، فإن مثل هذه التصورات عبث وسوء فهم للمنهج الإسلامي، ومحاولة لتعطيل القيام بوظيفة كُلّ واحدٍ من الجنسين على الوجه الأكمل.

والمجمع إذ يستنكر هذا الحدث وغيره من الأحداث التي ظهرت بأمريكا وبالغرب، مرَّة باسم تحقيق تقدمية إسلامية تسعى إلى تعزيز مكانة المرأة المسلمة، وأخرى من أجل تحويل الإسلام الشديد المستصعب إلى إسلام معتدل ليبرالي، يعتبر كُلّ ذلك من التغيير للدين الحنيف، وإبطالا لأحكامه وتعاليمه التي نوَّه بها الله U في وصفه للإسلام بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا﴾، وإذا كان المؤمن الْـحَقّ الصادق لا يجد في دينه نقصا يستدعي الإكمال ولا قصورا يستوجب الإضافة ولا محلية أو زمنية تستدعي التطوير والتحوير. فذلك الذي كمل دينه، وعرف ربه، وشمله رضي الله باصطفائه للإسلام وجعله موقنا بأن شريعته من صنع الله وسلطانه لا من صنع أحد غيره وسلطانه، وهو بكمال اعتقاده وتلقيه عن ربه المنهج والشريعة والنظام، ترتفع اهتماماته، وتتهذب نوازعه، وتتجمع طاقته للخير والبناء والارتقاء، فيمضي في سبيله لا يخاف إلا الله وحده ولا يتوكل إلا عليه.

وعلى كُلّ مسلم عاقل يقدم على الاجتهاد في الفقه أن يعرف قدره وألا يتعدى طوره، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وقال وجل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.

وفي هذا بيان، والله الهادي إلى الحق و إلى سواء السبيل وهو من وراء القصد، وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين”.

2 – بيان مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا حول إمامة المرأة لصلاة الجمعة وإلقائها لخطبتها: 

 ورد إلى مَجمع فقهاء الشريعة بأمريكا استفسار حول مدى مشروعية إمامة المرأة لصلاة الجمعة وإلقائها لخطبتها، وذلك بمناسبة ما أعلن عنه مؤخرا من اعتزام بعض النساء على إلقاء خطبة الجمعة، وإمامة صلاتها بأحد مساجد نيويورك، والمجمع إذ يستنكر هذا الموقف البدعي الضالّ، ويستبشعه فَإِنَّه يقرر للأمة الحقائق التالية:

أوَّلا: أن الحجة القاطعة والحكم الأعلى هو الكتاب والسنة، وقد قال e: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي»، وأن الإجماع على فهم نصّ من النصوص حجّة دامغة تقطع الشغب في دلالته، فقد عصم الله مجموع هذه الأمة من أن تجمع على ضلالة، وأن من عدل عن ما أجمع عليه المسلمون عبر القرون كان مفتتحا لباب ضلالة، متبعا لغير سبيل المؤمنين، وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾([74])، وقال e في معرض بيانه للفرقة الناجية في زحام الفرق الهالكة «من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي».

ثانيا: لقد انعقد إجماع الأمة في المشارق والمغارب على أنه لا مدخل للنساء في خطبة الجمعة ولا في إمامة صلاتها، وأن من شارك في ذلك فصلاته باطلة إماما كان أو مأموما، فلم يسطر في كتاب من كتب المسلمين على مدى هذه القرون المتعاقبة من تاريخ الإسلام فيما نعلم قول فقيه واحد: سني أو شيعي، حنفي أو مالكي أو شافعي أو حنبلي يجيز للمرأة خطبة الجمعة أو إمامة صلاتها، فهو قول محدث من جميع الوجوه، باطل في جميع المذاهب المتبوعة، السنية والبدعية على حد سواء!

ثالثا: لقد علم بالضرورة من دين الإسلام أن سنة النساء في الصلاة التأخير عن الرجال، فخير صفوف الرجال أولها وخير صفوف النساء آخرها، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله e: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها» وما ذلك إلا صيانة لهن من الفتنة وقطعا لذريعة الافتنان بهن من جميع الوجوه، فكيف يجوز لهن صعود المنابر والتقدم لإمامة الرجال في المحافل العامة؟

رابعا: لم يثبت أن امرأة واحدة عبر التاريخ الإسلامي قد أقدمت على هذا الفعل أو طالبت به، على مدى هذه العصور المتعاقبة من عمر الإسلام، لا في عصر النبوة ولا في عصر الخلفاء الراشدين ولا في عصر التابعين، ولا فيما تلا ذلك من العصور، وإن ذلك ليؤكد تأكيدا قاطعا على ضلال هذا المسلك وبدعية من دعا إليه أو أعان عليه.

ولو كان شيئا من ذلك جائزا لكان أولى الناس به أمّهات المؤمنين، وقد كان منهن الفقيهات النابغات، وعن بعضهن نقل كثير من الدين، وحسبك بالفصيحة البليغة العالمة النابهة الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، ولو كان في ذلك خير لسبقونا إليه وسنوا لنا سنة الإقتداء به، لقد عرف تاريخ الإسلام فقيهات نابغات ومحدثات ثقات أعلام، وقد أبلى النساء في ذلك بلاء حسنا وعرفن بالصدق والأمانة حتى قال الحافظ الذهبي: “لم يؤثر عن امرأة أنها كذبت في الحديث”، ويقول -رحمه الله-: “وما علمت من النساء من اتهمت ولا من تركوها”([75]).

وحتى كان من شيوخ الحافظ ابن عساكر بضع وثمانون من النساء! ومثله الإمام أبو مسلم الفراهيدي المحدث الذي كتب عن سبعين امرأة، ومن النساء في تاريخ هذه الأمة من كنّ شيوخا لِمثل الشافعي والبخاري وابن خلكان وابن حيان وغيرهم!! ومع ذلك لم يؤثر عن واحدة منهن أنها تطلعت إلى خطبة الجمعة أو تشوفت إلى إمامة الصلاة فيها مع ما تفوقن فيه على كثير من الرجال يومئذ من الفقه في الدين والرواية عن النَّبِيّ e.

لقد عرف تاريخ الإسلام المرأة عاملة على جميع الأصعدة، عرفها عالمة وفقيهة، وعرفها مشاركة في العبادات الجماعية، ومشاركة في العمليات الإغاثية، ومشاركة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنه لم يعرفها خطيبة جمعة ولا إمامة جماعة عامة من الرجال.

وبهذا يعلم بالضرورة والبداهة من دين المسلمين أن الذكورة شرط في خطبة الجمعة وإمامة صلوات الجماعة العامة، وأمام من يجادل في ذلك عمر نوح لكي يفتش في كتب التراث ليخرج لنا شيئا من ذلك، وهيهات هيهات! وما ينبغي لهم وما يستطيعون!

خامسا: أما تعويل من زعم ذلك على ما روي من أن أم ورقة قد أذن لها النَّبِيّ e في إمامة أهل بيتها فإن هذا الحديث على فرض صحته لا علاقة له بموضوع النازلة، فإنه يتحدث عن إمامة خاصة داخل البيت بالنساء أو بهن وببعض أهل البيت من الرجال على أوسع التفسيرات وأكثرها ترخصا فأين ذلك من خطبة الجمعة والإمامة العامة للصلاة؟؟

إن المجمع ليحذر الأمة من الافتتان بمثل هذه الدعوات الضالة المارقة من الدين، والمتبعة لغير سبيل المؤمنين، ويدعوهم إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، ويذكرهم بأنّ هذا العلم دين وأن عليهم أن ينظروا عمن يأخذون دينهم، وأن القابض على دينه في هذه الأزمنة كالقابض على الجمر، ويسأل الله لهذه الأمة السلامة من الفتن والعافية من جميع المحن، وأن يحملها في أحمد الأمور عنده وأجملها عاقبة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل”.

3- المجلس العلمي الأعلى بالمغرب:

أصدر المجلس العلمي الأعلى فتوى أكد فيها عدم جواز إمامة المرأة للصلاة، وأنه لم يثبت في تاريخ المغرب عند علمائه أن أمَّت امرأة الصلاة في المسجد بالرجال ولا بالنساء، في أي وقت من الأوقات. وأوضح المجلس في هذه الفتوى التي أصدرها بناء على سؤال تقدمت به وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تطلب فيه توضيح موقف الشرع من إمامة المرأة للصلاة حسب المذهب المالكي وما جرى به العمل في المغرب على “أن ما ذهب إليه المالكية من القول بعدم جواز إمامة المرأة يتأسس على اعتمادهم عمل أهل المدينة أصلا لتقوية أخبار الآحاد”. وأضاف المجلس في هذه الفتوى التي أصدرها يوم الجمعة 26/5/2006م، إن الفقه الإسلامي ” مجمع على منع إمامة المرأة للصلاة بالرجال، لِما يترتب عنها من تغيير في هيأة الصلاة، وقال “إن صلاة المرأة سرية بينما يعتبر السرّ في الصلاة الجهرية نقصا في صلاة الرجال”. وخلص المجلس إلى القول بأنَّه إذ يصدر هذه الفتوى، فإنه “يحسم كل خلاف فيما يثار حولها من تأويلات ومناقشات”.

وفي ما يلي نص هذه الفتوى: ” جوابا عن السؤال الوارد على الكتابة العامة للمجلس العلمي الأعلى من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المتعلق بالحكم الشرعي في إمامة المرأة في الصلاة هل تجوز أم لا تجوز؟ وبعد تدارس النازلة من هيئة الإفتاء، واستعراض آراء الفقهاء المالكية في الموضوع، نجيب بما يلي: لقد اختار المغرب الأخذ بمذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله تعالى منذ تأسيس الدولة المغربية وكان هذا الاختيار مبنيا على أسس شرعية مستمدة من الكتاب والسنة، وسببا في جمع كلمة المغاربة ووحدتهم المذهبية عبر العصور. وقد اتجه المذهب المالكي في المشهور والراجح الذي به العمل إلى عدم جواز إمامة المرأة، كما يستفاد من أقوال أئمة المذهب من الفقهاء قديما وحديثا. من ذلك قول الشيخ أبي محمَّد عبد الله ابن أبي زيد القيرواني: “ولا تؤم المرأة في فريضة ولا نافلة لا رجالا ولا نساء”. وقول الحافظ ابن عبد البر: ” ولا يجوز الائتمام بامرأة…”، وقول الإمام المازري: ” لا تصح إمامة المرأة عندنا، وليعد صلاته من صلى وراءها وإن خرج الوقت”. وقول الشيخ خليل: ” وبطلت بمن يأتم بامرأة: وقوله في أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك: ” وشرط الإمام إسلام، وتحقق ذكورة، فلا تصح – أي الصلاة- خلف امرأة، فاشتراط الذكورية يحترز به عند الأنوثة “. وما ذهب إليه المالكية من القول بعدم جواز إمامة المرأة يتأسس على اعتمادهم عمل أهل المدينة أصلا لتقوية أخبار الآحاد. ولو كان للمرأة أن تؤم النساء لأدى ذلك حتما إلى استقلال عالم النساء وانفصاله، ولم يعد بهن حاجة إلى أن يشاركن الرجال في المساجد، مع ما يتحقق لهن من حضور المواعظ والمشاركة في الخير، وقد كان مسجد رسول الله e مأهولا بالنساء اللواتي كن يصلين مع الرجال، وكان عليه الصلاة والسلام كثيرا ما يخصهن بالمواعظ ويأمرهن بالصدقة ويقبل منهن بيعة النساء. أما إمامة المرأة بالرجال فإن الفقه الإسلامي مجمع على منعها، لما يترتب عنها من تغيير في هيئة الصلاة، إذ أن صلاة المرأة سرية بينما يعتبر السر في الصلاة الجهرية نقصا في صلاة الرجال. كما أن إمامة المرأة تقتضي حتما تقديمها وتغيير موقعها في مشهد صلاة الجماعة. ولم يثبت في تاريخ المغرب ولا عند علمائه أن أمت امرأة الصلاة في المسجد لا بالرجال ولا بالنساء، في أي وقت من الأوقات، وهذا ما دأب عليه أهل هذا البلد الأمين وجرى به عملهم في مختلف العهود. وكون المرأة لا تؤم في الصلاة لا يحمل على أنه منقصة لها، ولا حط من مكانتها، وإنما هو حكم راعى موجبات أخرى سبقت الإشارة إلى بعضها. وإن المجلس العلمي الأعلى إذ يصدر هذه الفتوى يحسم كل خلاف فيما يثار حولها من تأويلات ومناقشات. والله الموفق للرشاد والهادي إلى سواء السبيل”.


المبحث الثالث:

نماذج من فتاوى النوازل في المعاملات المالية

بعض العقود المستحدثة في العصر الحالي:

ليس الغرض من هذه الدراسة التعرض لِكُلِّ العقود المعاصرة، لكننا سنقف عند بعض أنواع هذه العقود نظرا لأهميتها وانتشارها في الوقت الحالي، ولن نناقش هذه البيوع تفصيلا لكننا سنكتفي بقرارات المجامع إن وجدت، وكذلك بعض الفتاوى الفردية في مثل هذه القضايا المعاصرة التي تفشَّت في غير المسلمين وافدة إليهم من غير المسلمين الذين لا تضبطهم ضوابط شرعية في هذه البيوع، ولا يضبطهم سوى القانون الذي يحل لهم القمار، ويقنن لها القوانين التي تنظم علاقة المتقامرين!!.

جوائز المشترين والمسابقات:

عمد كثير من الناس في هذه الأيَّام إلى طرق جديدة للدعاية والإعلان عن السلع والخدمات، واستحدثت صور كثيرة لتحث الناس على الشراء واستعمال الخدمات، والأصل أن شراء السلع سواء كانت غذائية أو ثقافية أو ترفيهية أو غير ذلك وسيلة وليس غاية، لكن هذه الشركات حولت الشراء إلى غاية في حد ذاته فيشتري الإنسان دون أن يكون له حاجة في الشراء لكنه يشتري من أجل الحصول على الجائزة واختلف الفقهاء المعاصرون حول هذه الجوائز فمنهم من منعها مطلقا، ومنهم من أجازها بشروط وضوابط: ومِمَّن منعها الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة من علماء فلسطين فيقول: “إن ترويج التجارة اليوم أصبح فنا قائما بذاته، وصار التجار يتبعون أساليب كثيرة ومختلفة من أجل تسويق تجاراتهم، وبعض هذه الأساليب غير مشروع كالمثال المذكور في السؤال، فهذا نوع من القمار المسمى باليناصيب لِما يلي:

1. لأنَّ المشتري يقدم على الشراء وهو على خطر فربما يحصل على الجائزة وربما لا يحصل عليها.

2. إنَّ التجار الذين يُمارسون هذا النوع من الترويج لبضائعهم يقومون برفع أثمان السلع حتى يتمكَّنوا من تغطية قيمة الجوائز من مجموع المشترين، فيربحون ويربح واحد من المشترين أو اثنان مثلا، ويخسر الآخرون.

3. إن مثل هذه الأساليب تدفع كثيرا من الناس إلى الشراء دونما حاجة رغبة في الحصول على الجائزة الموعودة، وهذا يؤدي إلى الإسراف وترسيخ النهج الرأسمالي في الاستهلاك.

4. إنَّ مثل هذه الأساليب تؤدي إلى تنمية الضغينة والحقد والحسد في قلوب الخاسرين من المشترين وهم الأكثر؛ لأن الرابحين القلة.

ولا شكَّ أن هذا الأسلوب يدخل في الميسر المحرم (القمار) يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. اهـ.

وفرَّق بعض العلماء بين الهدايا البسيطة التي يقدِّمها التجار تقديرا للمشتري وترغيبا له في الشراء، وبين الهدايا ذات القيمة الكبيرة التي يجري عليها السحب بالأرقام كاليانصيب، فالنوع الأوَّل حلال، أمَّا الثاني فمحرم.

يقول الدكتور مصطفى أحمد الزرقا: “إنَّ رأيي في هذه المسألة هو التمييز بين الهدايا البسيطة التي هي من عادة التجَّار وعرفهم (أنّ من يشتري كمية كبيرة من البضائع عندهم يقدمون إليه هدية بسيطة تقديرية وترغيبية له عبارة عن لعبة أولاد، أو قطعة أو قطعتين زيادة عما اشتراه)، وبين هذه الهدايا ذات القيمة الكبيرة التي يجري عليها سحب بطريقة السحب على اليانصيب بالأرقام، فيفوز بها أحد حاملي هذه البطاقات (الكوبونات) من الزبائن.

فتلك الهدايا البسيطة المعتادة بين جميع التجار لِمن يشتري كمية كبيرة أو مجموعة من الأصناف هي حلال؛ لأَنَّها تقدمة تعبيرية عن تقديرات التاجر لذلك الزبون.

أما هذا النوع من الهدايا ذات القيمة الكبيرة كالسيارة والثلاجة، مِمَّا يجري عليه سحب بحسب أرقام القسائم التي يعطونها لمن يشتري ما لا يقل عن مقدار معيَّن من المشتريات، ثُمَّ يسحب دوريًا على القسائم لاستحقاق تلك الهدية الثمينة، والتي أصبح المشترون يشترون من عند هذا التاجر لأخذ هذه القسائم، فلا أراها إِلاَّ من قبيل اليانصيب التجاري الذي هو اليوم في نظر علماء الشريعة ضَرب من المقامرة محرَّم، يأثم فيه الطرفان التاجر والزبون، ولا يكون ما يستحقه بهذه الطريقة حلالا، ولاسيما أَنَّهُ يضرُّ اقتصاديًا بصغار التجَّار الذين لا يملكون مثل هذه الوسائل القمارية المغرية، فيصرف عنهم الناس ويخرجهم من السوق، وهذا ضرر اقتصادي كبير، والله سبحانه أعلم.

ويقول الدكتور يوسف القرضاوي: أنا أؤيد هذا النظر الفقهي العميق، وأرى -إضافة إلى ذلك- أن هذا الأسلوب هو في النهاية إغلاء لقيمة السلع على حساب عموم المستهلكين، وهو يعُبّر عن النمط الغربي الذي يغري الناس بكثرة الاستهلاك للسلع، وإن لم يكن بهم حاجة إليها، على خلاف المنهج الإسلامي الذي يحثُّ على الاعتدال أبدًا. اهـ.

أما المسابقات فقد أخذت صورا متعددة وأنواعا مختلفة، ما بين مسابقات هاتفية أو تلفازية أو غيرها، وأخذ الناس يلهثون وراء المليون، فدفعوا آلاف الجنيهات من أرزاقهم للحصول على هذا السراب، وقد فاز به عدد قليل منهم، ورجع الآلاف بل قُل الملايين بالحسرة والخسران المبين، ومن ثَمَّ خرجت الفتاوى، وقد اجتمعت كلمة أصحابها على تحريم هذه المسابقات كلّها لاشتمالها على الغرر والمقامرة، وإشاعة روح الحسد بين المتسابقين، فالمتسابق الذي دفع المال الكثير أو القليل من أجل الدخول في هذا السباق غير الحميد، يرى أن الفائز قد أخذ هذا المال من ماله ومال غيره، والفائز الحقيقي في هذا الشأن هو الشركات المنظمة لهذه المسابقات.

وسنتناول بعض صورها من خلال الفتاوى التي وردت إلينا خلال السبع سنوات الماضية في موقع (إسلام أون لاين)، ثُمَّ نختم بقرار مجمع الفقه حول هذه المسابقات:

يقول الأستاذ الدكتور علي السالوس أستاذ الشريعة بقطر: المسابقة في الأمور المباحة دون بذل مال لا حرج فيها، أما المسابقة مع بذل مال لمن يسبق فكان الهدف منها الترغيب في الجهاد والحثّ عليه، ولذلك جاء في الحديث الشريف: «لا سَبَقَ إلاّ في خفّ أو حافر أو نصل» رواه أحمد، وأبو داود والترمذي وابن ماجه في كتاب الجهاد، والإبل والخيل كانت وسائل القتال، والنصال كانت للرمي، والسَّبَق- بفتح الباء- هو المال الذي يجعل للسابق، وهو كما نرى يتعلَّق بالجهاد، غير أنَّ بعض الدول وأهل الخير والإحسان جعلوا أموالا لِمسابقات غير الجهاد.

تكييفها الفقهي وأنواعها:  

والمسابقات في عصرنا كثرت وتعددت، والحديث عنها وبيان أحكامها يحتاج إلى بحث يُمكن أن يكون كتابا كاملا، ولذلك ليس حديثي عنها، وإنَّما بياني هنا لنوع يسمَّى بالمسابقة وليس فيه أي نوع من السَبَق ولا يهدف إليه!! فهدف من يقوم به ومن يشترك فيه هو الكسب، والكسب هنا ليس حلالا، وإنَّما هو قمار محرَّم، فيه ضياع الدين والدنيا معا!!

تطالعنا الفضائيات ليل نهار بأشخاص مَجهولين يعلنون عن مسابقات لكسب الآلاف، ومئات الآلاف والملايين، و من أراد هذا الكسب فما عليه إلا أن يتصل برقم من أرقام الهواتف المعلنة.

والاتصال بهذه الأرقام ليس بالأجور العادية، وَإِنَّمَا بأجور مرتفعة جدا لحساب الشركة المقامرة، وجزء منها لشركة الاتصالات.

والقمار هنا: هو أن الشركة تغرم أموالا في الإعلانات و إعداد المسابقة في انتظار الأموال التي تأتيها من أجور المكالمات. والذين يتصلون يغرمون العشرات، أو المئات، وأحيانا الآلاف، يمنيهم الشيطان بالحصول على المبالغ الضخمة، والسيارات الفاخرة، وغير ذلك مِمَّا هو معلن عنه. فلو غرم المعلنون عن المسابقات شيئا مِمَّا أعلنوا عنه كان هذا من أموال القمار المحرَّم.

وبعض هؤلاء رأوا أن الدعوة إلى الاتصال فقط قد لا تكفي للإغراء، فوضعوا أسئلة ساذجة و دعوا إلى الاتصال للإجابة عنها.

ومن تلبيس إبليس جعل الأسئلة دينية، وتسمية المقامرة باسم: “مسابقة رمضان”! و المقامرات التي تبيحها قوانين بعض الدول كاليانصيب تخضع لجهات رقابية، أما مقامرات الفضائيات فلا تخضع لأي جهة رقابية، و لذلك يعلن المقامرون ما شاءوا، حتى أعلن بعضهم عن جوائز بعشرات الملايين من الدولارات، والمخدوعون بهذه الإعلانات لا توجد أي جهة تضمن لهم الحصول على شيء مِمَّا يأتي في الإعلانات، بل يمكن أن يغرموا مبالغ المكالمات الهاتفية، ثُمَّ يظهر أن الملايين كانت سرابا للخداع فقط، و بذلك يخسر المخدوعون دينهم ودنياهم معا.اهـ.

 ويقول الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي: هذه المسابقات التي يشترك فيها الناس عن طريق الاتصال بالهواتف الدولية أو المحلية، على أمل أن يربحوا المليون، أو ما دون المليون، ثُمَّ تكون النتيجة أن الملايين منهم يخسرون أجرة الاتصالات الهاتفية التي يدفعونها لشركات الهاتف، وتتقاسمها مع منظمي المسابقة، ولا يحصلون في النهاية إلا على الريح.

هذه المسابقات ليست إلا لونًا من القمار – أو الميسر بلغة القرآن – تدخله الملايين الطامعة في المليون أو ما دونه بما تدفعه للهاتف، على احتمال أن تربح أو تخسر، ثُمَّ تخسر الأغلبية الساحقة، ويكسب واحد في المليون أو في كل عدة ملايين. صحيح أنه لا يخسر مبلغا كبيرا، ولكن العبرة بالمبدأ، وليس بحجم الخسارة، المهم أنه دخل العملية مقامرًا، لعله يكسب ويصبح مليونيرًا في لحظة.

والإسلام يحرم القمار أو الميسر تحريمًا باتًا، ويقرنه بالخمر في كتاب الله، ويجعله – مع الخمر والأنصاب والأزلام – رجسا من عمل الشيطان، مِمَّا يدل على أنه من كبائر المحرمات لا من صغائرها، وما ذلك إلا ليحمي الناس من التعلق بالأوهام والأحلام الزائفة، التي تبنى على غير أساس، والإسلام لا يمنع أن يكسب الإنسان المال، ضمن شبكة الأسباب والمسببات، ووفق سنن الله في الكون والمجتمع، والأصل في هذه السنن أن يكسب الإنسان المال بكد اليمين، وعرق الجبين، وإعمال الفكر، وإجهاد الجسم، ومواصلة الليل بالنهار، حتى يحقق الآمال.

أما أن ينام على أذنه، ويغرق في الأحلام، ويحصل الثروة عن طريق (ضربة حظ) تواتيه، فليس هذا من هدي الإسلام، ولا من نهج الإسلام، ولا من خلق المسلمين.

ثم إنَّ هذه الشركات التي تنظم هذه المسابقات وأمثالها تجمع من الناس أضعاف ما تدفع لهم، لأنهم أعداد كبيرة، فهي – من ناحية أخرى – تأكل أموال الناس بالباطل، أي هي بصريح العبارة: عملية سرقة مُقَنَّّعة، ومُغَّلَّفة بالمسابقة.

وَمِمَّا يؤسف له أن يشيع في مُجتمعاتنا المسلمة هذا النوع من المسابقات وجوائز السحب الكبرى وألوان اليانصيب ونحوها، مِمَّا ينكره الإسلام ويحرمه، وينشأ شبابنا المسلم على هذه التطلعات غير المشروعة، ليسبح في غير ماء، ويطير بغير جناح، وقد حذر سيدنا علي t قديما من ذلك ابنه الحسن في وصية له إذ قال: “وإياك والاتكال على المنى، فإنَّها بضائع النَّوكى” (أي الحمقى) وقال الشاعر:

           ولا تكن عبد الـمُنَى فالـمُنَى      رُؤوس أموالِ الـمَفـــالــيس!

قرار مجمع الفقه بشأن بطاقات المسابقات: 

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورته الرابعة عشرة بالدوحة دولة قطر من 8 حتى 13 من ذي القعدة 1423ه- الموافق 11 – 16 يناير/2003م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع بطاقات المسابقات وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله. قرر ما يلي:  

أولا: تعريف المسابقة: المسابقة هي المعاملة التي تقوم على المنافسة بين شخصين فأكثر في تحقيق: أمر أو القيام به بعوض (جائزة)، أو بغير عوض (جائزة).

ثانيا: مشروعية المسابقة:

1- المسابقة بلا عوض جائزة مشروعة في كلِّ أمر لم يرد في تحريمه نصّ، ولم يترتب عليه ترك واجب أو فعل محرم.

2- المسابقة بعوض جائزة إذا توافرت فيها الضوابط الآتية:

أ) أن تكون أهداف المسابقة ووسائلها ومجالاتها مشروعة.

ب) ألا يكون العوض الجائزة فيها من جميع المتسابقين.

ج) أن تحقق المسابقة مقصدًا من المقاصد المعتبرة شرعا.

د) ألا يترتب عليها ترك واجب أو فعل محرم.

ثالثًا: بطاقات كوبونات المسابقات التي تدخل قيمتها أو جزء منها في مجموعة الجوائز لا تجوز شرعًا؛ لأنها ضرب من ضروب الميسر.

رابعًا: المراهنة بين طرفين فأكثر على نتيجة فعل لغيرهم في أمور مادية أو معنوية حرام، لعموم الآيات والأحاديث الواردة في تحريم الميسر.

خامسًا: دفع مبلغ على المكالمات الهاتفية للدخول في المسابقات غير جائز شرعًا، إذا كان ذلك المبلغ أو جزء منه يدخل في قيمة الجوائز؛ منعًا لأكل أموال الناس بالباطل.

سادسًا: لا مانع من استفادة مقدمي الجوائز من ترويج سلعهم فقط – دون الاستفادة المالية- عن طريق المسابقات المشروعة؛ شريطة ألا تكون قيمة الجوائز أو جزء منها من المتسابقين، وألا يكون في الترويج غش أو خداع أو خيانة للمستهلكين.

سابعًا: تصاعد مقدار الجائزة وانخفاضها بالخسارة اللاحقة للفوز غير جائز شرعًا.

ثامنًا: بطاقات الفنادق وشركات الطيران والمؤسسات التي تمنح نقاطًا تجلب منافع مباحة، جائزة إذا كانت مجانية بغير عوض، وأما إذا كانت بعوض فإنها غير جائزة لما فيها من الغرر.

توصيات:

يوصي المجمع عموم المسلمين تحري الحلال في معاملاتهم ونشاطاتهم الفكرية والترويحية والابتعاد عن الإسراف والتبذير.

معاملات (جولد كوست) والتسوق الشبكي:

شركة “جولد كويست” شركة تتعامل في تجارة سبائك ومصوغات ذهبية مقرها في هونج كونج، تبيع السبيكة زنة (12) جرام بما يُعادل (770) $ بعد أن تُنفذ عليها ما يطلبه الزبون من شِعار أو رسوم مخصوصة، على أن يتم السداد بأحد طريقتين:

 أ- إرسال قيمة السبيكة كاملة مضمنة رسوم الشحن وقدرها (60) $ بموجب شيك أو عبر البطاقة الائتمانية.

ب- دفع مبلغ (370) $ بنفس الوسيلة آنفة الذكر والباقي وقدره (400) $ يكون مقابل جلب عشرة مشترين آخرين …تُمهل المؤسسة المشتري مُدَّة عام إن لم يُفلح في جلب الزبائن أو لم يُسدِّد المتأخر عليه ترد له المبلغ (370) $ كاملا دون أية خصومات.

ج- بعد ذلك يحصل المشتري على (400) $ إضافية مُقابل كل عشرة زبائن جُدد يجلبهم للمؤسسة.

وقد اجتمعت كلمة الفقهاء والمفتين أيضا على تحريم هذه المعاملة لما يلي:

 1- هذه الصورة هي بيعتين في بيعة: وقد «نَهَى رَسُولُ الله e عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَة». وفي حديث ابن مسعود قال: «نهى رسول الله صلعم عن صفقتين في صفقة».

والصورة المعروضة في السؤال مطابقة للمنهي عنه في الحديث الشريف (صفقتين في صفقة). فإنه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة ولكن في صفقة واحدة ومبيع واحد،وذلك يؤول إلى الربا، فهو ذريعة إليه، والقاعدة أن كلَّ ما أدَّي إلى حرام فهو حرام.

2- عدم التسليم والتسلّم في الحال صورة من صور الربا: 

وذلك منهيّ عنه شرعا للحديث الصحيح «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح: مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد. فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد “ها وها”». حتى قال عمر بن الخطاب t في ضرورة المناجزة والمقابضة الفورية: “… وإن استنظرك حتى يلج بيته فلا تُنْظره إلا يدا بيد، ها وها، إني أخشى عليكم الرماء، والرماء: هو الربا”.

3- هذه الصورة فيها جهالة وغبن.  

4- جواز الوكالة والسمسرة المنفصلة عن البيع والشراء. 

ويقول الأستاذ الدكتور على السالوس أستاذ الشريعة بقطر: هذه اللعبة تقوم بها شركات نصب و احتيال تتخذ مقرا لها في بلاد الغرب، و لكن الأموال التي تسعى للحصول عليها هي أموال المسلمين في البلاد العربية والإسلامية، حيث لا تجد من تخدعه في الغرب، وظهرت هذه اللعبة بأسماء مختلفة مثل: هانك، و الدولار، و الصاروخي، و البنتاجونو، و غيرها.

و تبدأ بشراء قائمة فيها ستة أسماء -مثلا – مرتبين من المرتبة الأولى إلى السادسة، وفي أسفل القائمة يكتب المشتري اسمه وعنوانه باعتباره مشتركا جديدا.

هذا المبلغ كان عند “هانك” منذ عشرين عاما عشرة دولارات، وبلغ بعد ذلك عند غيره أربعين دولارا.

المشترك الجديد يرسل مبلغا مماثلا للشركة غير المبلغ الذي دفعه ثمنا للقائمة، ويرسل مثله أيضا لحساب المشترك الأول في أعلى القائمة، وبعد هذا يصله من الشركة ثلاث قوائم يحاول أن يبيعها حتى يسترد المبلغ الذي غرمه، فإن لم يتمكن من بيعها خسر ما دفع، ولذلك فهو يضغط على أقاربه و أصدقائه و معارفه لبيع هذه القوائم، وهنا يظهر خبث هذه اللعبة، فكل من اشترى منهم يقوم بالعمل نفسه لتصله ثلاث قوائم يحاول بيعها، وهكذا يظل الضغط على الأقارب والأصدقاء، والأموال يذهب الثلثان منها لشركة النصب ويعود الثلث للمشتركين!! فالثلث الذي يأخذه من يصلون إلى المرتبة الأولى إنما هو من أموال المسلمين الذين خسروا، وليس من أموال الشركة!!

ففي لعبة النصب الهرمية تذهب أموال المسلمين لشركات النصب الغربية دون أي مقابل، ويفرح الذين يصلون إلى المرتبة الأولى ولا يبالون من حيث كسبوا المال.

بعض الشركات التي استفادت من طريقة اللعبة: 

-الشركة الأولى: ” جولد كوست “: هذه الشركة بدلا من أن تبدأ ببيع قائمة لا قيمة لها في ذاتها، جعلت البدء ببيع الذهب، ولكن بسعر قد يبلغ ثلاثة أضعاف الثمن، فمن الذي يشتريه بهذا السعر؟ هنا تأتي الفكرة من لعبة النصب الهرمية!. فالمشتري يدفع نصف الثمن، ولا يتسلم الذهب في الحال اتباعا لأمر الرسول صلى الله عليه و سلم كما هو ثابت و معلوم، وإنما عليه أن يقوم بعملية الضغط التي أشرت إليها حتى يأتي بعشرة مشترين على الأقل، و عندئذ تحسب له الشركة 10% من أموال العشرة، فيصبح كأنه دفع الثمن كاملا، ويرسل إليه الذهب، وما زاد على العشرة من المشترين عن طريقه يرسل إليه نسبة العشرة في المائة وتأخذ الشركة 90%، أما إذا لم يستطع أن يأتي بعشرة مشترين فلا يأخذ شيئا، ولا يرد له ما دفع، و إنما يرسلون إليه نصف سبيكة الذهب.فإلى جانب التحريم في شراء الذهب بالأجل، وجهالة المبيع حيث لا يدري ما الذي سيتسلمه، فإنه يقامر بدفع هذا المبلغ الكبير طمعا فيما قد يحصل عليه من أموال تبعا لنسبة 10%، ورأينا أنه قد لا يحصل على شيء، فالقمار واضح جلي.

أما الشركة فإنها في جميع الحالات تربح ربحا فاحشا، وقد سخرت عددا من الطامعين المخدوعين الذين لا يبالون من حيث كسبوا المال؛ فكسبهم حرام ما دام نشاط الشركة حراما.

– الشركة الثانية: ” بيزناس “:

هذه الشركة تبيع منتجات تتضمن برامج تعليمية و خدمات كمبيوتر و غيرها بثمن مُحدَّد، ولو وقف الأمر عند هذا الحد، وكانت المنتجات مباحة، فإن المشتري يكون راغبا في هذه المنتجات، ويرى أن ثمنها مناسب، وهذا حلال.

غير أن الشركة كسابقتها استفادت من لعبة النصب الهرمية، ليس من جانب النصب، فهذه لها منتجات حقيقة، و لكن من جعل المشتري يرغب في الكسب عن طريق تسويق منتجات الشركة، فيلجأ إلى الأقارب و الأصدقاء و غيرهم كما ذكرت في اللعبة.

فالشركة تغري المشتري بالربح عن طريق التسويق، و تجعل شراءه للمنتجات شرطا للوصول إلى هذا الربح، و لذلك قد يشتري وهو غير راغب في الشراء، و ليس في حاجة إلى المنتجات، أو لا يقبل على شرائها بهذا الثمن، و في هذه الحالة يعتبر الشراء نوعا من القمار؛ فلولا الطمع في ربح أكبر قد يتحقق و قد لا يتحقق، لما أقدم على بذل المال في الشراء.

و مِمَّا يجب التنبيه إليه أن هذه الشركات وأمثالها عندما ترغب في إيجاد فتوى شرعية تبيح أعمالها، تجعل السؤال عن صورة سمسرة بضوابطها الشرعية، دون ذكر لجوانب التحريم التي أشرت إلى شيء منها، فيأتي رد مَن استفتوه بالجواز، فتنشر الفتاوى على أنها تجيز كل أعمال هذه الشركات!! فأرجو أن يتنبه المسلم، و لا ينخدع بالفتاوى التي تروج لها بعض الشركات.

– الشركة الثالثة: (أكوام. كوم):

هذه الشركة يبدو استفادتها من لعبة النصب من البداية، فالمشترك يدفع مائة دولار، ثُمَّ يبدأ الضغط على الأقارب و غيرهم حتى يجعل عشرة يشتركون، فتأخذ الشركة تسعمائة دولار، وترد له المائة التي دفعها، ثُمَّ إن استمر في جذب مشتركين حصل على مبالغ أخرى.

و ما تقدمه الشركة مقابل الاشتراك لا يلتفت إليه، ولا أحد ينظر إليه أو يهتم به، فالمشترك دفع المائة طمعا في المئات أو الآلاف التي قد يحصل عليها نتيجة اشتراك غيره، فإن لم يستطع ندم لضياع ماله هباءً، فهذه صورة من صور القمار. اهـ.

والخلاصة: إن البرامج القائمة على التسلسل الهرمي، ومنها البرنامج المذكور في السؤال، مبنية على أكل المال بالباطل والتغرير بالآخرين؛ لأَنَّ هذا التسلسل لا يمكن أن يستمر بلا نهاية، فإذا توقَّف كانت النتيجة ربح الأقلية على حساب خسارة الأكثرية. كما أن منطق التسويق الهرمي يعتمد على عوائد فاحشة للطبقات العليا على حساب الطبقات الدنيا من الهرم؛ فالطبقات الأخيرة خاسرة دائما حتى لو فرض عدم توقّف البرنامج، ولا يفيد في مشروعية هذا العمل وجود المنتج، بل هذا يجعله داخلا ضمن الحيل المحرمة.

– من لعبة النصب الهرمية إلى شينل الصينية:

إخواننا الأعزاء… السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لعلكم سمعتم عن شركة (شينل الصينية) التي تبيع جهازا طبيا يساعد في علاج أمراض متعددة كما هو مدون في الكتيب المرفق مع الجهاز، وهذه الشركة تشترط على المسوق أن يشتري الجهاز أَوَّلاً، ثُمَّ يقوم بتسويقه ثانيا عن طريق التسوق الشبكي أو الهرمي، بعد إدخال بعض التعديلات عليه.

المهم أن كثيرا من الشباب توجه للعمل في هذه الشركة؛ لأنها تدر عليهم دخلا كبيرا يصل إلى عدة آلاف كل شهر، مِمَّا دفع الشباب لترك كلياتهم والموظفون لترك أعمالهم وتفرغهم للعمل في هذه الشركة؛ لأنها تدر دخلا كان يعتبرا خياليا ولن يصلوا إلى مثله لو أتموا تعليمهم أو مارسوا أي نشاط آخر. ولأن الغالبية العظمى من هذا الشباب هو من الشباب الملتزم دينيا فأردنا أن نعرف رأيكم في هذه المسألة من حيث الجواز أو المنع. وشكر الله لكم وجزاكم عنا خيرا.

وقد أجبت عن هذا السؤال بما يلي:

التسويق الشبكي(الهرمي) بكافة صوره وأشكاله حرام، وبهذا أفتى عدد من فقهاء الشريعة والاقتصاد الإسلامي في العالم العربي والإسلامي، وكذلك بعض المجامع الفقهية ودور الإفتاء التي عرضت للمسألة، وعلة الحكم هنا في هذه المسألة اجتماع عقدين في عقد، واشتمال المعاملة على الغرر والمقامرة والجهالة الفاحشة التي تبطل عقود المعاوضات، وهذا الغرر سببه التسوق الشبكي(الهرمي). ويكفي أن دول أوربا وأمريكا جرمت هذه المعاملات نظرا لخطورتها على الاقتصاد، وقد جاءت الشريعة لرفع الضرر فلا ضرر ولا ضرار. ولو أرادت هذه الشركة تصحيح هذا العقد فلابد أن تتخلى عن طريقة التسوق الشبكي، وألا تجمع عقدين في عقد.

إن الشريعة الإسلامية لا تقف في طريق الربح الحلال مهما كان قدره، بل حثت على تنمية المال واستثماره بكافة الطرق المشروعة، ووضعت البدائل للمعاملات الربوية أو تلك التي تشتمل على الربا والغرر والمقامرة، ودائرة الحلال أوسع وأرحب بكثير من دائرة الحرام، لكن الناس يضيقون على أنفسهم ويحصرونها في دائرة ضيقة وفي معاملات وافدة إلينا من الغرب أو الشرق غير المسلم الذي يصدر إلينا تلك المعاملات الضارة حتى ينتفع بأموالنا ويدمر اقتصادنا ويجعلنا نسايره ونقتفي خطوه في كل سوء ويمنع عنا كل خير وصل إليه حتى نظل تابعين غير متبوعين، سلبيين غير إيجابيين.

 وقد سيطر على الشباب في الفترة الأخيرة شعور الربح السريع لأن الحياة أصبحت سريعة الآن في كل شيء في المواصلات والاتصالات وغيرها فهو يريد أن يختصر المسافات ويقفز على سنن الله التي وضعها في الكون، وربما ينظر إلى والده أو جاره أو قريبه الذي كون ثروة خلال خمسين عاما فلا يصبر على هذه السنين الطوال، ويريد أن يحصّل ما حصّل الناس في عشرات السنين يريد أن يحصله في عام أو بعض عام. ولقد وضع الله سننا في الكون، وسنن الله غلابة فعلينا أن نغالبها ونستفيد منها حسبما أمر الله U.

وأريد أن أقول لهؤلاء الشباب الذين تركوا دراستهم وأعمالهم وساروا في هذا الطريق من أجل هذا الثراء السريع الذين يعيشون في حلم جميل سرعان ما يذهب، أو في سراب خادع سرعان ما ينكشف، أريد أن أضع أيديهم على هذه الحقائق التالية:

أولا: أن الرزق والأجل مضمونان من الله، حيث يقول الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾، ويقول النَّبِيّ e: «إن روح القدس قد نفث في روعي ألا تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها؛ فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا يطلب بمعصيته»، وعن عبد الله بن مسعود t قال: حدثنا رسول الله e وهو الصادق المصدوق: «إن خلق أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يوما وأربعين ليلة، ثُمَّ يكون علقة مثله، ثُمَّ يكون مضغة مثله، ثُمَّ يُبعث إليه الملك، فيُؤذن بأربع كلمات، فيكتب: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد، ثُمَّ ينفخ فيه الروح، فإنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار. وإنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل عمل أهل الجنة فيدخلها».

 وفي رواية مسلم: «يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين، أو خمسة وأربعين ليلة. فيقول: يا رب! أشقي أو سعيد؟ فيكتبان. فيقول: أي رب! أذكر أو أنثى؟ فيكتبان. ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه. ثُمَّ تطوى الصحف. فلا يزاد فيها ولا ينقص».

ثانيا: أن من ترك شيئا لله أبدله الله خيرا منه فلا يغرنكم هذه الأموال الكثيرة فقليل دائم خير من كثير منقطع، وكل دم نبت من سحت فالنار أولى به.

ثالثا: أن فتاوى المجامع الفقهية أولى من فتاوى الأفراد أيا كان علمهم أو قدرهم وبخاصة في تلك القضايا المعقدة المتشابكة الحادثة.

رابعا: أَنَّهُ داخل الفتوى نفسها توجد تخصصات متعددة فلا يوجد فقيه يفتي في كل شيء وعلى السائل أن يقدر التخصص في الفقه والفتوى وبخاصة المعاملات المالية المستحدثة والمستجدة فلا يذهب إلا إلى المتخصص فيها.

خامسا: علينا بعد الأخذ بالأسباب أن نستفتي قلوبنا وإن أفتانا المفتون فالبر سلامة الصدر والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطّلع عليه الناس، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه.

سادسا: لقد حرمت الشريعة الغراء كل ما فيه غرر أو مقامرة أو ثراء على حساب الغير، ونحن نتابع هذه المعاملات منذ سبع سنوات ونجد أنها تشتمل على الغرر والمقامرة وتغليب روح الأثرة والأنانية بين المشتركين فكل واحد منهم يعلم أن ثراءه على حساب أخيه، ولذلك حرم التسوق الشبكي لهذا الغرض.

سابعا:أن البيع والشراء يتحول في مسألة التسوق الشبكي إلى غاية وهدف بعد أن كان وسيلة فكل المتعاملين تحولوا إلى بائعين ومسوقين وهذا ضد طبائع الأشياء وضد الحكمة التي شرع من أجلها البيع.

ثامنا: كل الشركات التي عملت في هذا النوع من التسوق انهارت بعد أن أكلت أموال الناس بالباطل وجعلت بعضهم يأكل مال أخيه ثُمَّ انهارت وخلفت ورائها آلافا بل قل ملايين من المتحسرين على مالهم الذي يذهب أدراج الرياح.

تاسعا: أن خبراء الاقتصاد من المسلمين ومن غير المسلمين أفتوا بخطورة هذه المعاملات على الاقتصاد القومي، لأنها تبيع الوهم مهما كانت هناك سلعة أو جهازا أو برامج أو غيرها فكل ذلك للتحايل فقط، وقد صدرت القوانين في أمريكا وأوربا بتجريم هذه المعاملات على الرغم من أن هذه الدول تبيح القمار والربا والغرر لكنها وجدت أن هذا قمار بغير رقابة تضمن للمتقامرين حقوقهم وتؤثر على الاقتصاد المحلي.

عاشرا: لو أرادت هذه الشركة أن تجعل معاملاتها حلالا؛ فعليها أن تلتزم بشرطين وهما أسباب التحريم:

الأَوَّل: أن تفصل بين عقدي الوساطة والبيع، فتجعلهما عقدين منفصلين لا صلة لأحدهما بالآخر، فمن الممكن أن يشتري المسلم هذا الجهاز إن كان مُحتاجا إليه وثبتت جدواه، أو يسوقه دون أن يشتريه؛ «لنهي النَّبِيّ e عن بيعتين في بيعة»، فقد أخرج الترمذي ‏عن‏ ‏أبي هريرة قال:- «‏نهى رسول الله ‏ ‏e‏ ‏عن‏‏ بيعتين في بيعة». و‏‏عن ‏ ‏عبد الله بن عمرو ‏ ‏وابن عمر ‏ ‏وابن مسعود نفس الحديث بألفاظ مختلفة. ‏‏وقال‏ الترمذي‏ ‏حديث ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏حديث حسن صحيح ‏ ‏والعمل على هذا عند أهل العلم. وهذا بعد اعتماده من كافة الجهات التي تشرف على مثل هذه الأجهزة الطبية حتى لا نغرر بالناس وتذكر أشياء ربما تكون صحيحة أو غير صحيحة، وعندنا من المراكز المعتمدة في إجازة الأجهزة الطبية الكثير بالإضافة إلى نقابة الأطباء أو الصيادلة وغيرها مِمَّا يضمن أن الجهاز مفيد في رفع أو تخفيف المرض…

ثانيا: وهذا هو الأهم أن يكون التوزيع بطريق التسويق العادي الحر، لا الشبكي ولا الهرمي، فكل من يشتري جهازا أو يبيعه يأخذ مبلغا مُحدَّدا من المال دون اللجوء إلى هذه الحيلة التي تغري الناس بالشراء، سواء كانوا محتاجين إلى هذا الجهاز أم لا.

التعامل مع البنوك الربوية: بين تحريم المجامع الفقهية وإباحة الأفراد:

 منذ أن نشأت البنوك الربوية في بلاد غير المسلمين، وانتقلت هذه الآفة المهلكة إلى بلاد المسلمين مطلع القرآن الفائت وقف العلماء لها بالمرصاد، حيث إنهم لم يروا فارقا بينها وبين الربا الذي أجمعت على تحريمه الأمة في القديم والحديث، بل إن خطورة التعامل مع البنوك (في مجال القروض) أخذا أو إعطاء بنسبة محددة سلفا يفوق في خطورته وحرمته تعامل الأفراد، و لقد حسمت مسألة التعامل مع البنوك أخذا أو إعطاء عن طريق الفوائد الربوية المحددة سلفا، وتواترت الفتاوى على مستوى الأفراد أو مستوى المجامع الفقهية المعتبرة على تحريم الفوائد الربوية أخذا أو إعطاء. ولقد انصرف العلماء بعد ذلك إلى البحث عن البدائل المشروعة حتى لا يضيقوا على المسلمين فخرجت فكرة المصارف الإسلامية، وهي مهما اتفقنا أو اختلفنا حول بعض معاملاتها لكنها على أية حال قامت بدور لا ينكر في إيجاد البديل المناسب للبنوك الربوية وكانت ردا بليغا عمليا على ما أشيع من أن البنوك الربوية قدر محتوم على هذه الأمة لا تملك الفرار منه بحال من الأحوال.

غير أن فتوى صدرت من فضيلة الشيخ الدكتور محمَّد سيّد طنطاوي بعد أن تولَّى منصب الإفتاء ببضعة أشهر جعلت المسلمين علماء وغير علماء يدورون في حلقة مفرغة، وبدلا من تطوير المصارف الإسلامية والوقوف بجوارها لمساعدتها في تصويب أخطائها، وتطوير أعمالها انشغل العلماء في الردِّ على هذه الفتوى، وهنا قامت دور الإفتاء والمجامع الفقهية بدور بارز ملموس في هذه المسألة، وأفتت جميعها بحرمة التعامل مع البنوك في مجال القرض أو الاقتراض بفائدة محددة سلفا؛ لأَنَّهُ عين الربا بل أشد وأشنع من الصور التقليدية للربا المحرم.

وتبعا لسياسة الموقع في تقديم رأي المجامع الفقهية على رأي الأفراد مهما كان علمهم فقد اخترنا فتاوى المجامع، بداية من مجمع البحوث الإسلامية بمصر، ومرورا بالمجمع الفقهي التابع لرابطة العلم الإسلامي، وانتهاء بمجمع الفقه الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، واعتمدنا فتاوى الفقهاء المعاصرين الذين وافقوا هذه المجامع أو وافقتهم المجامع، حيث إنهم كانوا أسبق كأمثال الشيخ الغزالي والشيخ الشعراوي -رحمهما الله – أو الشيخ القرضاوي وغيرهم الكثير من المجتهدين المستقلين في العالم العربي والإسلامي.

– قرار المؤتمر الإسلامي الثاني لمجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة: انعقد المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية، بالقاهرة في شهر المحرم سنة 1385ه- الموافق مايو 1965م، والذي ضم ممثلين ومندوبين عن خمس وثلاثين دولة إسلامية فكان اجتماعه نهاية لمرحلة تمت، وبداية لمرحلة جديدة في طريق أداء الرسالة التي يقوم بها المجمع – وهي رسالة نشر المبادئ والثقافة الإسلامية، والتعريف بها في كل مجتمع وبيئة، مع تجلياتها في صورتها الأصيلة الصحيحة، والعمل على إيجاد الحلول للمشاكل التي تَجدُّ وتظهر في حياة المسلمين على أساس من مبادئ الإسلام ومثله، وفي ضوء ما جاء به الكتاب والسنة.

بهذه الروح التقى علماء الإسلام من مختلف البلاد الإسلامية وإخوانهم من أعضاء المجمع في المؤتمر الثاني، فألقيت البحوث ودارت المناقشات، وبحث الكثير من المشاكل التي تمس حياة المسلمين في شؤونهم وفي أقطارهم المختلفة.

هذا بيان المؤتمر الذي صدر به قراراته وتوصياته ونقتصر في هذا المجال على نشر ما قرره المؤتمر بالإجماع بشأن المعاملات المصرفية:.

1 – الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم، لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي، وما يسمى بالقرض الإنتاجي لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين.

2 – كثير الربا وقليله حرام، كما يشير إلى ذلك الفهم الصحيح في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾.

3 – الإقراض بالربا محرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض بالربا محرم كذلك، ولا يرتفع إثمه إلا إذا دعت إليه الضرورة…وكل امرئ متروك لدينه في تقدير ضرورته.

4 – أعمال البنوك من الحسابات الجارية وصرف الشيكات وخطابات الاعتماد والكمبيالات الداخلية التي يقوم عليها العمل بين التُّجَّار والبنوك في الداخل: كل هذا من المعاملات المصرفية الجائزة، وما يؤخذ في نظير هذه الأعمال ليس من الربا.

 5 – الحسابات ذات الأجل، وفتح الاعتماد بفائدة، وسائر أنواع الإقراض نظير فائدة كلها من المعاملات الربوية وهي محرمة.

هذا ما انتهى إليه (مجمع البحوث الإسلامية) في مؤتمره الثاني من قرارات وتوصيات بشأن المعاملات المصرفية..المؤتمر الذي ضم أعضاء مجمع البحوث وأعضاء الوفود الذين اشتركوا في هذا المؤتمر.

– قرار مجمع رابطة العالم الإسلامي:

القرار السادس: بشأن موضوع تفشي المصارف الربوية وتعامل الناس معها وحكم أخذ الفوائد الربوية.

الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا ونبينا محمَّد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته التاسعة المنعقدة بمبنى رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة في الفترة من يوم السبت 12رجب 1406ه- إلى يوم السبت 19رجب 1406هـ قد نظر في موضوع (تفشي المصارف الربوية، وتعامل الناس معها، وعدم توافر البدائل عنها) وهو الذي أحاله إلى المجلس معالي الدكتور الأمين العام نائب رئيس المجلس.

 وقد استمع المجلس إلى كلام السادة الأعضاء حول هذه القضية الخطيرة، التي يقترف فيها محرم بَيِّن، ثبت تحريمه بالكتاب والسنة والإجماع، وأصبح من المعلوم من الدين بالضرورة، واتفق المسلمون كافة على أنه من كبائر الإثم والموبقات السبع، وقد آذن القرآن الكريم مرتكبيه بحرب من الله ورسوله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾([76]). وقد صح عن النَّبِيّ e أَنَّهُ «لُعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء» رواه مسلم. كما روى ابن عباس عنه “إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله U” وروى نحوه ابن مسعود.

وقد أثبتت البحوث الاقتصادية الحديثة أن الربا خطر على اقتصاد العالم وسياسته، وأخلاقياته وسلامته، وأنه وراء كثير من الأزمات التي يعانيها العالم. وألا نجاة من ذلك إلا باستئصال هذا الداء الخبيث الذي هو الربا من جسم العالم، وهو ما سبق به الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا…

ومن هنا قرر المجلس ما يلي:

 أولا: يجب على المسلمين كافة أن ينتهوا عما نهى الله تعالى عنه من التعامل بالربا، أخذًا أو عطاءً، والمعاونة عليه بأي صورة من الصور، حتى لا يحل بهم عذاب الله، ولا يأذنوا بحرب من الله ورسوله.

 ثانيًا: ينظر المجلس بعين الارتياح والرضا إلى قيام المصارف الإسلامية، التي هي البديل الشرعي للمصارف الربوية ويعني بالمصارف الإسلامية كل مصرف ينص نظامه الأساسي على وجوب الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية الغراء في جميع معاملاته ويُلزم إدارته بوجوب وجود رقابة شرعية مُلزمة. ويدعو المجلس المسلمين في كل مكان إلى مساندة هذه المصارف وشد أزرها، وعدم الاستماع إلى الإشاعات المغرضة التي تحاول أن تشوش عليها، وتشوه صورتها بغير حق. ويرى المجلس ضرورة التوسع في إنشاء هذه المصارف في كل أقطار الإسلام، وحيثما وُجِدَ للمسلمين تجمعًا خارج أقطاره، حتى تتكون من هذه المصارف شبكة قوية تهيء لاقتصاد إسلامي متكامل.

ثالثا: يحرم على كل مسلم يتيسر له التعامل مع مصرف إسلامي أن يتعامل مع المصارف الربوية في الداخل أو الخارج، إذ لا عذر له في التعامل معها بعد وجود البديل الإسلامي. ويجب عليه أن يستعيض عن الخبيث بالطيب، ويستغني بالحلال عن الحرام.

 رابعًا: يدعو المجلس المسئولين في البلاد الإسلامية والقائمين على المصارف الربوية فيها إلى المبادرة الجادة لتطهيرها من رجس الربا، استجابة لنداء الله تعالى: ﴿وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، وبذلك يسهمون في تحرير مجتمعاتهم من آثار الاستعمار القانونية والاقتصادية.

 خامسًا: كل مال جاء عن طريق الفوائد الربوية هو مال حرام شرعًا، لا يجوز أن ينتفع به المسلم – مودع المال – لنفسه أو لأحد مِمَّن يعوله في أي شأن من شئونه، ويجب أن يصرف في المصالح العامة للمسلمين، من مدارس ومستشفيات وغيرها. وليس هذا من باب الصدقة وإنما هو من باب التطهر من الحرام. ولا يجوز بحال ترك هذه الفوائد للبنوك الربوية، للتقوي بها، ويزداد الإثم في ذلك بالنسبة للبنوك في الخارج، فإنها في العادة تصرفها إلى المؤسسات التنصيرية واليهودية، وبهذا تغدو أموال المسلمين أسلحة لحرب المسلمين وإضلال أبنائهم عن عقيدتهم.علمًا بأنه لا يجوز أن يستمر في التعامل مع هذه البنوك الربوية بفائدة أو بغير فائدة.

كما يطالب المجلس القائمين على المصارف الإسلامية أن ينتقوا لها العناصر المسلمة الصالحة، وأن يوالوها بالتوعية والتفقيه بأحكام الإسلام وآدابه حتى تكون معاملاتهم وتصرفاتهم موافقة لها.

والله ولي التوفيق وصلى اللهم على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا والحمد لله رب العالمين.

رابعا: قرار مجمع الفقه التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي: 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النَّبِيّين وعلى آله وصحبه. قرار بشأن حكم التعامل المصرفي بالفوائد، وحكم التعامل بالمصارف الإسلامية.

أما بعد: فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من 10 – 16 ربيع الثاني 1406هـ، الموافق 22 – 28ديسمبر 1985م.

 بعد أن عرضت عليه بحوث مختلفة في التعامل المصرفي المعاصر وبعد التأمل فيما قدم ومناقشته مناقشة مركزة أبرزت الآثار السيئة لهذا التعامل على النظام الاقتصادي العالمي، وعلى استقراره خاصة في دول العالم الثالث.

 وبعد التأمل فيما جرَّه هذا النظام من خراب نتيجة إعراضه عما جاء في كتاب الله تعالى من تحريم الربا جزئيًا وكليًا تحريمًا واضحًا بدعوته إلى التوبة منه، وعلى الاقتصار على استعادة رءوس أموال القروض دون زيادة أو نقصان قل أو كثر، وما جاء من تهديد بحرب مدمرة من الله ورسوله للمرابين. قرَّر:

أولا: أن كل زيادة (أو فائدة) على الدين الذي حل أجله وعجز المدين عن الوفاء به مقابل تأجيله، وكذلك الزيادة (أو الفائدة) على القرض منذ بداية العقد: هاتان الصورتان ربًا محرم شرعًا.

 ثانيًا: أن البديل الذي يضمن السيولة المالية والمساعدة على النشاط الاقتصادي حسب الصورة التي يرتضيها الإسلام – هي التعامل وفقًا للأحكام الشرعية – ولا سيما ما صدر عن هيئات الفتوى المعنية بالنظر في جميع أحوال التعامل التي تمارسها المصارف الإسلامية في الواقع العملي.

ثالثا: قرر المجمع التأكيد على دعوة الحكومات الإسلامية إلى تشجيع المصارف الإسلامية القائمة، والتمكين لإقامتها في كل بلد إسلامي لتغطي حاجة المسلمين كيلا يعيش المسلم في تناقض بين واقعه ومقتضيات عقيدته. والله أعلم.

 

عقد التأمين بين المجيزين والمانعين:

من العقود التي أثارت جدلا في الوقت الراهن عقود التأمين بشتى صورها وأنواعها وقد اتفق الفقهاء المعاصرون على جواز التأمين التعاوني والاجتماعي، واختلفوا حول عقد التأمين التجاري وقد تبنى الموقع أيضا رأي المجامع الفقهية حول هذه المسألة.

اختلف الفقهاء حول حكم التأمين؛ فنظر بعضهم إلى التأمين كنظام تعاوني، الغرض منه المواساة والتراحم بين الأفراد المعرضين لخطر واحد، وبناء على ذلك أفتى بالجواز. ونظر البعض الآخر إلى التأمين كعقد يشتمل على الغرر والمقامرة والربا؛ فأفتى بالحرمة.

وقد منع هذا العقد عدد كبير من العلماء من أولهم العلامة الحنفي ابن عابدين -رحمه الله-، والشيخ جاد الحق على جاد الحق شيخ الأزهر السابق والدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور حسين حامد حسان والدكتور عبد الفتاح إدريس، كما أفتت بالحرمة مجامع الفقه المعتبرة في العالم العربي والإسلامي، كمجمع الفقه الإسلامي بمكة، والمجلس الأوربي للبحوث والإفتاء وغيرهم، ويُمكننا إيجاز ما اعتمدوا عليه فيما يلي:

الأَوَّل: عقد التأمين التجاري من عقود المعاوضات المالية الاحتمالية المشتملة على الغرر الفاحش؛ وقد ورد في الحديث الصحيح عن النَّبِيّ e «النهي عن بيع الغرر»([77]).

الثاني: عقد التأمين التجاري ضرب من ضروب المقامرة؛ لما فيه من المخاطرة في معاوضات مالية، ومن الغرم بلا جناية أو تسبب فيها، ومن الغنم بلا مقابل أو مقابل غير مكافئ ويدخل في عموم النهي عن الميسر في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾([78]).

 

الثالث: ‏عقد التأمين التجاري يشتمل على ربا الفضل والنسيئة، وكلاهما محرم بالنص والإجماع. 

الرابع: عقد التأمين التجاري من الرهان المحرم؛ لأن كلا منهما فيه جهالة وغرر ومقامرة.

الخامس: عقد التأمين التجاري فيه أخذ مال الغير بلا مقابل، والأخذ بلا مقابل في عقود المعاوضات التجارية محرم.

السادس: في عقد التأمين التجاري الإلزام بما لا يلزم شرعا.

وردوا ما استدل به المبيحون للتأمين التجاري مطلقا أو في بعض أنواعه بما يلي:

(أ) الاستدلال بالاستصلاح غير صحيح؛ حيث إن عقود التأمين التجاري فيها جهالة وغرر وقمار وربا؛ فكانت مِمَّا شهدت الشريعة بإلغائه لغلبة جانب المفسدة فيه على جانب المصلحة.‏

(ب) الإباحة الأصلية لا تصلح دليلا هنا؛ لأن عقود التأمين التجاري قامت الأدلة على مناقضتها لأدلة الكتاب والسنة.

(ج) “الضرورات تبيح المحظورات”، لا يصح الاستدلال بها هنا؛ فإن ما أباحه الله من طرق كسب الطيبات أكثر أضعافا مضاعفة مِمَّا حرمه عليهم.

(د) لا يصح الاستدلال بالعرف؛ فإن العرف ليس من أدلة تشريع الأحكام، وقد دلت الأدلة دلالة واضحة على منع التأمين؛ فلا اعتبار به معها.

(هـ) الاستدلال بأن عقود التأمين التجاري من عقود المضاربة، أو قياسه على ولاء الموالاة، والوعد الملزم، وضمان المجهول، وضمان خطر الطريق، ونظام العاقلة، وصور التأمين المشروعة كالتأمين الاجتماعي والتأمين التعاوني كل ذلك قياس مع الفارق.

وهذا الخلاف الجديد القديم يرجع في – رأيي – إلى النظر إلى طبيعة هذا العقد فالذين أجازوا العقد نظروا إلى عقد التأمين بمعناه العام أي إلى فكرة التأمين نفسها من حيث المبدأ لا من حيث التطبيق، ونظروا إلى النظرية لا إلى الممارسات والتطبيقات العملية حيث إن التأمين من حيث النظرية هو: تعاون منظم تنظيما دقيقا بين عدد كبير من الناس معرضين جميعا لخطر واحد، حتى إذا تحقق الخطر بالنسبة إلى بعضهم تعاون الجميع على مواجهته بتضحية قليلة، يبذلها كل منهم يتلافون بها أضرارا جسمية تحيق بمن نزل الخطر به منهم لولا هذا التعاون

أو هو (قواعد قانونية موضوعة يقصد بها في التشريع فسح المجال للتعاون على تفتيت آثار المخاطر وإزالتها عن عاتق المصاب، وذلك بطريق التعاقد بين جهتين: مؤمن يلتزم بتعويض المصاب عن الأضرار التي تلحقها الحوادث المؤمن منها، ومستأمن يلتزم بقسط من المال يدفعه للجهة المؤمنة لقاء التزامها بالتعويض عليه إذا وقع الحادث أو الخطر الاحتمالي).

والذين حرموا العقد ومنعوه نظروا إلى عقد التأمين من حيث التأصيل الفقهي والقانوني، ومن حيث التطبيق والممارسات العملية فهو (عقد يلتزم المؤمَّن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمَّن له، أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغًا من المال أو إيرادًا مرتبًا، أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث، أو تحقق الخطر المبين في العقد، وذلك في نظير قسط أو أي دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمن له للمؤمن)

فالقانون واضح وصريح في أن عقد التأمين من عقود المعاوضات، لا من عقود التبرعات، وإذا كانت عقود التبرعات مبنية على التسامح فيغتفر فيها الغرر والجهالة، فإن عقود المعاوضات مبنية على المشاحنة والتنازع ومن ثُمَّ لا يقبل فيها الغرر ولا الجهالة.

تعقيب وترجيح: نستطيع بعد النظر في فتاوى المجامع والأفراد أن نخلص بما يلي:

أولا: إن التأمين باعتباره نظرية ونظامًا غير منظور فيه إلى الوسائل العملية لتحقيق النظرية، وتطبيق النظام أمر يتفق مع مقاصد الشرعية العامة، وتدعو إليه أدلتها الجزئية؛ ذلك أن نظرية التأمين -كما يقول أحد شراح القانون- “ليست إلا تعاونًا منظمًا تنظيمًا دقيقًا بين عدد كبير من الناس معرضين جميعًا لخطر واحد، حتى إذا تحقق هذا الخطر بالنسبة إلى بعضهم تعاون الجميع على مواجهته، بتضحية قليلة يبذلها كل منهم، يتلافون بها أضرارًا جسيمة تحيق بمن ينزل به الخطر منهم، لولا هذا التعاون”.

ونحن لا نظنّ أَنَّهُ قد ثار خلاف في جواز التأمين بهذا المعنى (أعني التعاون والتضامن على تفتيت آثار المخاطر، وتوزيعها على عدد من الناس)، وَإِنَّمَا ثار الخلاف في بعض الوسائل العملية التي ظهرت في العمل لتحقيق النظرية وتطبيق النظام، وأعني بذلك العقود التي تبرمها شركات التأمين التجارية.

 ثانيًا: إن مشروعية الغاية والمقصد لا يلزم منها حتمًا جواز كل وسيلة تؤدي إلى هذه الغاية، أو تحقق ذلك المقصد؛ فمن الأصول المسلمة في الشريعة الإسلامية أن الغايات والمقاصد الشرعية يجب الوصول إليها وتحقيقها بالوسائل الشرعية دون المحرمة؛ لأن الوسيلة المحرمة إذا حققت مقصدًا شرعيًا فوتت مقصدًا شرعيًا آخر، والشارع الحكيم قاصد بشرعه تحقيق جميع مقاصده، ولقد سنّ سبحانه من الأحكام، وشرع من المعاملات ما يكفي لتحقيق جميع مقاصده، وإذا سدت الشريعة طريقًا أو منعت وسيلة تؤدي لمقصد شرعي؛ فإنها تشرع وسائل وتفتح طرقًا أخرى ليحقق هذا المقصد دون تفويت لغيره.

فجمع المدخرات واستثمارها مقصد شرعي، ولكن يجب تحقيقه بوسائل مشروعة لا تقوم على نظرية الفائدة الربوية. وتبادل الأموال مقصد شرعي، يجب تحقيقه بوسائل لا تنطوي على غرر أو قمار أو ربًا؛ فالتعاون والتضامن على ترميم آثار الأخطار، وجبر ما يثمره على الناس من أضرار أمر يتفق مع مقاصد الشريعة، ولكن هذا الترميم وذلك الجبر يجب أن يكون بالوسائل المشروعة التي لا تنطوي على غرر وقمار وربا.

ثالثًا: إن الصيغة العملية التي شرعها الإسلام للتعاون والتضامن وبذل التضحيات هي عقود التبرع؛ حيث لا يقصد المتعاون والمضحي فيها ربحًا من تعاونه وتضامنه، ولا يطلب عوضًا ماليًا مقابلا لِما بذل؛ ومن ثُمَّ جازت هذه العقود مع الجهالة والغرر، ولم يدخلها القمار والمراهنة والربا؛ ذلك أن محل التبرع إذا فات على ما أحسن إليه به بسبب هذه الأمور، لم يلحقه بفواته ضرر؛ لأنه لم يبذل في مقابل هذا الإحسان عوضًا، بخلاف عقود المعاوضات؛ فإن محلَّ المعاوضة إذا فات على من بذل فيه العوض، لحقه الضرر بضياع المال المبذول في مقابلته، وما قيل بشأن الجهالة والغرر والقمار والمراهنة يقال مثله في الربا؛ فالمرابي يعطي القليل ويأخذ الكثير بعد الأجل، والمتبرع يعطي ولا يأخذ؛ فلا يتحقق الربا في التبرع.

رابعًا: إن كلا من التأمين التعاوني والتأمين الاجتماعي يحقِّق الصيغة العملية التي شرعها الإسلام للتعاون والتضامن وبذل التضحيات؛ فهذان النوعان من التأمين يقومان على قصد التعاون والتضامن والتبرع دون الرغبة في استثمار الأموال وطلب الربح؛ فيعدان تطبيقًا سليمًا لنظرية التأمين؛ لأنهما ليسا إلا تعاونًا منظمًا تنظيمًا دقيقًا بين عدد كبير من الناس معرضين جميعًا لخطر واحد، حتى إذا تحقق الخطر بالنسبة إلى بعضهم؛ تعاون الجميع على مواجهته بتضحية قليلة يبذلها كل منهم يتلافون بها أضرارًا جسيمة تحيق بمن ينزل به الخطر منهم لولا هذا التعاون.

خامسًا: إن التأمين بقسط ثابت، وهو الذي تقوم به شركات التأمين لا يحقق الصيغة العملية التي شرعها الإسلام للتعاون والتضامن وبذل التضحيات؛ لأن العقود التي تبرمها هذه الشركات معاوضات مالية دخلها الغرر والقمار والربا، وعقود المعاوضات إذا دخلتها هذه الأمور بطلت.

ولقد بُذلت محاولات كثيرة من بعض الباحثين لنفي هذه الحقيقة؛ تارة بإدخال التأمين في عقود التبرع، واعتباره تعاونًا بين المستأمنين الذين يتعاملون مع شركة التأمين المعنية؛ بدعوى أن هذا العقد ينشئ علاقة بين طائفة المستأمنين أساسها التعاون والتضامن، ويكون دور شركة التأمين في هذا التعاون دور النائب والوسيط الذي ينظم تعاونهم. وتارة أخرى بنفي الغرر في جانب شركة التأمين؛ بدعوى أن عقد التأمين ينشئ علاقة بين شركة التأمين ومجموع المؤمن لهم، وأن هذه الشركة تستطيع بواسطة حساب الاحتمالات، وقانون الكثرة، وقواعد الإحصاء أن تحدد على وجه يقرب من الدقة مقدار ما تعطي لمجموع المؤمن لهم وما تأخذ منهم. وتارة ثالثة بدعوى انتفاء الغرر والقمار في جانب المستأمن على أساس أن المعاوضة في عقد التأمين إنما هي بين الأقساط التي يدفعها المستأمن والأمان الذي يحصل عليه، وأن المستأمن يحصل على هذا الأمان من وقت العقد ودون توقف على وقوع الخطر وعدم وقوعه؛ فهو إذا وقع حصل على الأمان بقيام مبلغ التأمين بإحياء ما هلك من أمواله وحقوقه ومصالحه، وإذا لم يقع فإنه يحصل على الأمان ببقاء أمواله وحقوقه ومصالحه سليمة، وهذه المحاولات جميعًا لم تؤدِّ الهدف المنشود؛ لأنها تقوم على مجرد الفرض والتقدير، ولا تعتمد على واقع هذه العقود.

سادسًا: إن التطبيق الكامل للشريعة الإسلامية يحقق التعاون والتضامن والتكافل على أساس محكم لم يسبق له نظير، وأن توسُّع الدول الإسلامية في التأمينات الاجتماعية حتى تشمل جميع طبقات الشعب التي تعجز مواردها عن مواجهة الأخطار.. أمر لازم لا بد منه؛ فإن الدولة الإسلامية في نظر الإسلام تلتزم بتأمين فرصة عمل لكل قادر على العمل، وبتأمين العاجز عن العمل بإعطائه ما يكفيه مأكلا ومشربًا وملبسًا ومسكنًا ومركبًا كما يقول بعض الفقهاء، ولها في موارد الزكاة ما يقوم بذلك، وإلا كان لها أن تفرض من الضرائب على الأغنياء ما يسد حاجة الفقراء.

سابعًا: إن الصيغة المشروعة المتاحة للأفراد حتى الآن لتحقيق أهداف التأمين ومقاصده من التعاون والتضامن على توقي آثار المخاطر هي التأمين التبادلي، الذي تقوم به الجمعيات التعاونية، إذا قامت دراسات جادة للتوسع في هذا النوع من التأمين، واستخدام الوسائل العلمية لتنظيمه على الوجه الذي يحقق به هذه الغايات والمقاصد، وهناك تجارب مفيدة في هذا المجال قامت بها بعض الدول الإسلامية يمكن الاستفادة منها ([79]).

 


المبحث الرابع:

نماذج من قضايا النوازل في الأحوال الشخصية

1- بقاء المسلمة التي أسلمت دون زوجها مع زوجها:

من قضايا النوازل التي شغلت الفقهاء في العصر الحديث قضيَّة إسلام المرأة دون زوجها، وكانت الفتوى حتى وقت قريب على أن الزوجة التي تسلم ويبقى زوجها على دينه تكون الفرقة بينهما واجبة، فإن أسلمَ والمرأة في العدَّة رجعت إليه دون عقد ولا مهر جديدين، فإن ظلَّ على كفره بانت المرأة وحقّ لها أن تتزوَّج بِمن تشاء بعد انتهاء عدتها.

وقد كتب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي بحثا قيما في هذه المسألة راجع ما كتبه ابن القيم وغيره في هذه المسألة، وخالف جمهور الفقهاء وأفتى بجواز بقاء المرأة التي أسلمت دون زوجها ما لم يخرجها من ديارها أو يفتنها في دينها، وقد اعتمد فضيلة الشيخ رأي بعض السلف في هذه المسألة، ونظر إلى المصلحة، حيث إن هذه الفتوى قد تكون عونا للمسلمات خارج بلاد الإسلام اللاتي يمنعهن الحرص على أولادهنَّ والبقاء مع أزواجهن من الإسلام.

والموقع اكتفي في هذه المسألة بعرض الآراء المختلفة، حيث إن المجامع لم تحسم أمر هذه المسألة حتى الآن.

ومن المقرر شرعًا أَنَّهُ لا يجوز للمرأة المسلمة أن تتزوج غير المسلم، ولكن إن كانت هي غير مسلمة ثُمَّ أسلمت وبقي زوجها على كفره هل تبقى معه وتعاشره معاشرة الأزواج، أم ينفسخ العقد بإسلامها؟

الجمهور: على أن المرأة إذا أسلمت لا يجوز لها أن تعاشر زوجها معاشرة الأزواج، فهو يحرم عليها، أما عقد الزواج فالجمهور على أَنَّهُ يفسخ،ولها أن تتزوج بعد العدَّة، فإن تزوجت بعد العدة انقطعت صلتها بزوجها الأَوَّل. وقيل:تمكث فترة عدَّتها، فإن أسلم لم يحتاجا إلى عقد جديد،بل هو زوجها،وقيل: لها أن تنتظره ولو سنين، ولكن لا تعاشره معاشرة الأزواج،هذا إن شاءت،وإن شاءت تزوجت بعد العدَّة. وهناك رأي يرى أَنَّهَا تمكث معه كزوج لها. وأرجح الآراء أَنَّهَا يحرم عليها معاشرته معاشرة الأزواج وتمكث فترة العدة،وتعرض عليه الإسلام،فإن رفض رفعت دعوى قضائية بفسخ العقد. وقال بعض الفقهاء:بل لإشهار فسخ العقد؛لأَنَّ العقد فسخ ببقائه على الكفر،وإن كان أولى توثيق هذا الفسخ من المحكمة.

وقد تناول الشيخ فيصل مولوي -نائب رئيس المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث- هذا الموضوع أيضا وخلص إلى ما يلي:

بناءً على جميع ما سبق يمكن تحديد الموقف الشرعي للمرأة إذا أسلمت وبقي زوجها على دينه كما يلي:

1 – إذا أسلمت المرأة، وبقي زوجها على دينه تحرم عليها المعاشرة الزوجية ومقدّماتها فورا. وهذا هو المعنى الظاهر من قوله تعالى: ﴿.. لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ..﴾([80]) وعلى هذا الحكم إجماع الفقهاء والمذاهب.

2 – أمّا العقد القائم بينها وبين زوجها فقد أصبح واجب الفسخ، ولكن كيف يتمّ فسخه؟ نجد من المفيد هنا أن نذكر المبادئ العامّة للعقود:

فالعقد هو اتفاق إرادتين بالرضا الكامل على أمر مشروع. وعقد الزواج: هو اتفاق الزوجين على الحياة الزوجية المشتركة. والله تعالى أمرنا بالوفاء بالعقود. والإنسان حين يدخل في الإسلام لا يتحلّل من واجب الوفاء بعقوده السابقة، إلاّ إذا كانت مخالفة للأحكام الشرعية. والعقد الزوجي بين كافرين إذا كان مشروعا عندهم يتعامل معه المسلمون على هذا الأساس. فإذا أسلم الزوجان أو أحدهما وكان عقدهما منضبطا ضمن الأحكام الشرعية فإنّه يستمرّ. وإذا كان مخالفا لأحد هذه الأحكام ولا يمكن تصحيح المخالفة فيجب فسخه.

وإذا تمّ العقد أصلا باتفاق الطرفين، فينبغي أن يتمّ فسخه باتفاق الطرفين أيضا. ولكن قد يطرأ طارئ على أحد الطرفين يمنعه من تنفيذ التزاماته التعاقدية، كما طرأ على الزوجة دخولها في الإسلام، وأصبحت لا تستطيع الوفاء بواجباتها الزوجية، فإذا استطاعت أن تتراضى مع زوجها على فسخ العقد فهو خير، وإذا لم يوافق زوجها على ذلك فعليها اللجوء إلى القضاء، لأنّ فسخ العقد لا يتمّ إلاّ بالتراضي أو بحكم القاضي.

وإذا كانت في دار الإسلام فإن القاضي يفسخ العقد إذا لم يسلم الزوج – سواء بعد عرض الإسلام عليه أو بدون هذا العرض – وفيما أنّ بعض الفقهاء يرون أنّ عقد الزواج مفسوخ أصلا وأنّ مهمّة القاضي إعلان هذا الفسخ، فإنّ البعض الآخر يرى أنّ العقد لا يفسخ إلاّ بقرار القاضي أو السلطان – أي من له قرار الفسخ – يؤيّد ذلك أنّ رسول الله e هو الذي كان يفرّق بين الزوجين إذا لم يسلم الرجل، أو يقرّهما على نكاحهما الأول حين يسلم. وأنّ عمر بن الخطّاب أمير المؤمنين هو الذي فرّق بين التغلبي النصراني وزوجته المسلمة حين عرض عليه الإسلام فامتنع. وقد ذكر الصنعاني في سبل السلام رواية عن الزهري (أنّه إن أسلمت المرأة ولم يسلم زوجها فهما على نكاحهما ما لم يفرّق بينهما سلطان). كما ذكر الدكتور عبد الكريم زيدان في كتابه [المفصل في أحكام المرأة] (وما لم يفرّق الحاكم بينهما يعتبر النكاح قائما). ويقول: (حتّى لو مات الزوج قبل أن يسلم وجب لها المهر وإن لم يكن قد دخل بها، لأنّ النكاح يعتبر قائما، والمهر يتقرّر بالموت) وهذا كلّه فيما لو كانت الزوجة في دار الإسلام.

3 – أمّا إذا أسلمت الزوجة، وبقيت تعيش خارج دار الإسلام، فإنّ حكم تحريم المعاشرة الزوجية بينها وبين زوجها غير المسلم تلزمها. ثُمَّ يجب عليها دعوة زوجها للإسلام، هذا هو واجب كلّ مسلم بشكل عام، وخاصّة تجاه أقربائه وبالأخصّ زوجه، ومن المعلوم أنّ جميع النساء اللائي أسلمن أيّام رسول الله e كنّ يدعون أزواجهنّ للإسلام، وقصّة إسلام صفوان بن أميّة وعكرمة بن أبي جهل بعد إسلام زوجتيهما معروفة. وحجّة عدم عرض الإسلام على الزوج إذا أسلمت زوجته محصورة في دار الإسلام، لأنّنا أمرنا بموجب عقد الذمّة أن نتركهم وما يدينون، وعرض الإسلام فيه شبهة إكراه. أمّا خارج دار الإسلام، فليس هناك عقد ذمّة ولا شبهة إكراه. فإذا أسلم زوجها فالعقد السابق قائم بينهما (ما لم يكن هناك سبب آخر لإلغائه). وإذا لم يسلم حتىّ انقضت عدّتها، تأكّد حكم تحريم المعاشرة الزوجية بينهما بحكم آخر وهو إباحة زواجها من رجل جديد.

4 – ونحن لا ننصح المسلمة في هذه الحالة بالزواج من رجل آخر، إلاّ بعد أن تفسخ عقد زواجها الأول رسميا. هذا الفسخ يتمّ أمام السلطة التي عقدت ذلك الزواج وهي غالبا سلطة مدنية. وقد يتأخّر فسخ العقد إلى سنوات لكنّ الصبر على عدم الزواج أفضل لها، وإلاّ فإنّ زواجها الشرعي من رجل آخر، وبقاء زواجها الرسمي مع الأول، يعرّضها لإشكالات قانونية كثيرة منها تسجيل أولادها من زوجها الثاني على اسم الزوج الأول، أو تسجيلهم كأولاد غير شرعيين، ومنها استحقاق زوجها الأول الميراث بدل الزوج الثاني.. وغير ذلك. لذا فنحن نرى أنّ الفسخ الرسمي لعقد الزواج الأول واجب شرعي عليها سواء كان الفسخ الشرعي قد تمّ بمجرّد إسلامها كما عند ابن حزم، أو بانقضاء عدّتها كما عند الجمهور، أو أنّه لا يتمّ إلاّ بزواجها من رجل آخر بعد انقضاء عدّتها كما يقول ابن القيّم.

5 – إنّ الفسخ الشرعي لعقد الزواج الأول ليس له أهمّية كبيرة – خارج دار الإسلام – إذا قلنا بتحريم المعاشرة الزوجية ومقدّماتها عليها، وبإباحة زواجها من آخر بعد انقضاء عدّتها.

لكنّ الفسخ الرسمي لهذا العقد أمام السلطة التي أبرمته، له أهمّية كبيرة، لأنّه يرفع الإشكالات والتناقضات، ويجعل المسلمة الملزمة بقوانين بلادها غير الإسلامية، توائم بين هذه القوانين وبين أحكام الشريعة.

ومع ذلك فإنّنا نرى مع ابن القيّم:

(أنّ عقد نكاحها الأَوَّل موقوف، فإن أسلم زوجها قبل انقضاء عدّتها فهي زوجته، وإن انقضت عدّتها، فلها أن تنكح من شاءت. وإن أحبّت انتظرته، فإن أسلم ولو بعد سنوات طويلة كانت زوجته من غير حاجة إلى تجديد نكاح.

6 – والعقد الموقوف عقد صحيح عند جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية ورواية عند الحنابلة، والشافعي في القديم). وهو عقد استوفى ركنه وشروطه ولكنّه صدر مِمَّن يملك أهليّة التصرّف دون الولاية، كالفضولي الذي يبيع مال غيره بدون إذن، فعقده صحيح موقوف حتّى يجيزه صاحب المال، فإن أجازه نفذ، وإن لم يجزه ألغي.

وأثناء فترة التوقّف يكون العقد صحيحا، لكن تتوقّف آثاره على الإجازة.

7 – واعتبار عقد زواج المرأة التي تسلم ويبقى زوجها على دينه، عقدا موقوفا حتّى تتزوّج غيره بعد انقضاء عدّتها، أمر صحيح ومشروع، ولو أنّه يؤدّي إلى زيادة حالة جديدة على حالات العقد الموقوف التي ذكرها الفقهاء، وذلك للأدلّة التي ذكرناها آنفا. ونضيف عليها الآن أنّ المرأة المسلمة التي لا تتزوّج رجلا أخر بعد انقضاء عدّتها من زوجها الأول، وفاء له وهي تنتظر إسلامه بفارغ الصبر لتعود إلى حياتها معه، وأنّ الإسلام يسمح لها بذلك، إنّ هذا الموقف يمكن أن يكون له تأثير على زوجها الأول فيدخل في دين الله، كما أنّه يعطي غير المسلمين نظرة إنسانية عن هذا الدين تشجّعهم على التجاوب معه والدخول فيه. وهو أمر يحتاجه المسلمون في بلاد الغرب حيث تمّ تشويه الإسلام أمام الناس بتأثير الأحقاد اليهودية والمطامع الاستعمارية. والله أعلم.

 

2-صور مستحدثة من النكاح (زواج المسيار،الزواج السري، زواج الأصدقاء…):

ظهرت صور متعددة ومتنوعة من النكاح في العصر الحديث، فغلاء المهور وانتشار البطالة وتعقد الحياة المدنية الحديثة جعل الناس يفكرون في وسائل أخرى للنكاح غير الوسائل التقليدية المعروفة.

وبعض هذه الوسائل لم يشتط كثيرا مثل: زواج المسيار وهو: عقد مستوفي كافة أركانه وشروطه من إيجاب وقبول وشهود وتوثيق وولي في بعض الحالات، لكن المرأة تتنازل عن حقها في المبيت والسكن والنفقة من أجل أن تعفّ نفسها عن الحرام، ويخرج الزوج من لوم المجتمع، واعتراض الزوجة الأولى وأهلها دون أن يكلفه هذا الشيء الكثير.

وبعض هذه الصور بعد كثيرا عن حقيقة هذا الرباط المقدس، وأخذ صورا أقرب إلى العبث واللهو منها إلى الجد، وهو لهو ينتشر بين طلاب الجامعة والمراهقين يسترون به جريمة الزنى التي يرتكبونها بهذه الصور التي يسمونها زواجا، وما هي بزواج ولا تمت إليه بصلة، وتدفع البنت في الغالب الثمن غاليا، ويخرج الولد دون عبء يذكر اللهم إلا الذنب العظيم والإثم المبين وكفى به حملا لقوم يعقلون. وأصبحنا نسمع عن زواج الدم وزواج الكاست وزواج يسجل في كشكول المحاضرات وغير ذلك من الصور العبثية.

ومنذ سنتين أو أكثر نادى أحد الدعاة بزواج سماه (زواج فرند) كبديل (للبوي فرند) أو (الجرل فرند)، وقال: إِنَّهُ يصلح للغرب، واقترح أن يعرض على الفقهاء ليقولوا رأيهم فيه، فإن أقروه فقد يساعد هذا في حلّ مشكلات الشباب في الغرب في هذه المجتمعات التي أصبحت العلاقات الجنسية المحرمة كالماء والهواء… وقامت الدنيا ولم تقعد وكثر الاتهام لشخص الرجل ورميه بالتشيع تارة، والفسق تارة أخرى، دون أن نجد قراءة واعية متأنية لهذا الاقتراح تقف على عيوبه الشرعية أو الاجتماعية أو تبين مزاياه إن وجدت.

وكان لزاما علينا في موقع (إسلام أون لاين) وقد انهمرت علينا الأسئلة من كُلّ حدب وصوب أن نقف هذه الوقفة المتأنية، وأن نسأل العلماء أسئلة معدة محددة تعين المفتي على إصدار الفتوى الصحيحة التي توضح الغث والسمين وتفرق بين الحلال والحرام.

ولم يقف الأمر عند حد استصدار الحكم الفقهي في المسألة فحسب بل تعداه إلى البعد الاجتماعي في كل هذه الصور أيضا.

وبعد أن صدرت فتاوى متعددة عن زواج المسيار وزواج الأصدقاء، وغير ذلك من الصور التي كان يحرص موقع (إسلام أون لاين) على عرضها، ناقش المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي أبرز أنواع الأنكحة المستحدثة (زواج المسيار، والزواج مع إضمار نية الطلاق، والزواج بنية الطلاق إذا حدث إنجاب) وخرج المجمع بجواز النوع الأول إذا استكمل أركان النكاح، وبمنع النوعين الآخرين لاشتمال الأَوَّل على التأقيت، والثاني على التدليس.

وإليك نص قرار المجمع في ذلك:-الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الثامنة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من 10-14/3/1427هـ الذي يوافقه 8-12/4/2006م قد نظر في موضوع: (عقود النكاح المستحدثة).

وبعد الاستماع إلى البحوث المقدمة، والمناقشات المستفيضة قرر ما يأتي:

يؤكّد المجمع أن عقود الزواج المستحدثة وإن اختلفت أسماؤها، وأوصافها، وصورها، لابد أن تخضع لقواعد الشريعة المقررة وضوابطها، من توافر الأركان، والشروط، وانتفاء الموانع.

وقد أحدث الناس في عصرنا الحاضر بعض تلك العقود المبينة أحكامها فيما يأتي:

1-إبرام عقد زواج تتنازل فيه المرأة عن السكن والنفقة والقَسْم أو بعض منها، وترضى بأن يأتي الرجل إلى دارها في أي وقت شاء من ليل أو نهار. ويتناول ذلك أيضا: إبرام عقد زواج على أن تظل الفتاة في بيت أهلها، ثُمَّ يلتقيان متى رغبا في بيت أهلها أو في أي مكان آخر، حيث لا يتوافر سكن لهما ولا نفقة. هذان العقدان وأمثالهما صحيحان إذا توافرت فيهما أركان الزواج وشروطه وخلوه من الموانع، ولكن ذلك خلاف الأولى.

2- الزواج المؤقت بالإنجاب وهو: عقد مكتمل الأركان والشروط إلا أن أحد العاقدين يشترط في العقد أَنَّهُ إذا أنجبت المرأة فلا نكاح بينهما أو أن يطلقها. وهذا الزواج فاسد لوجود معنى المتعة فيه؛ لأن التوقيت بمدة معلومة كشهر أو مجهولة كالإنجاب يصيره متعة، ونكاح المتعة مجمع على تحريمه.

 3- الزواج بنية الطلاق وهو: زواج توافرت فيه أركان النكاح وشروطه وأضمر الزوج في نفسه طلاق المرأة بعد مدة معلومة كعشرة أيام، أو مجهولة؛ كتعليق الزواج على إتمام دراسته أو تحقيق الغرض الذي قدم من أجله.

وهذا النوع من النكاح على الرغم من أن جماعة من العلماء أجازوه، إلا أن المجمع يرى منعه؛ لاشتماله على الغش والتدليس. إذ لو علمت المرأة أو وليها بذلك لم يقبلا هذا العقد. ولأنَّه يؤدي إلى مفاسد عظيمة وأضرار جسيمة تسيء إلى سمعة المسلمين.

والله ولي التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمَّد وآله وصحبه.

ونحن نكتفي بهذا القرار ونحيل القارئ إلى الفتوى التي صدرت عن الموقع بشأن زواج المسيار، أو الزواج المؤقت (زواج المتعة)، أو زواج الأصدقاء أو غير ذلك من الصور.

3- الخطبة والزواج عن طريق الانترنت:

بعد هذه الثورة في عالم الاتصالات، وبعد انتشار الشبكة العنكبوتية وسهولة التواصل بالصوت والصورة مهما تباعدت المسافات ظهرت طرق أخرى للخطبة والنكاح، فيدخل الشاب أو الرجل أيا كان سنه ويتجول عبر هذه الشبكة ليصطاد فارسة أحلامه وفي كثير من الأحيان يكون هو هدفا للنساء اللاتي يبحثن عن الزوج أو الصاحب أو العشيق، ويتعرف الناس عبر الانترنت ويقضون الساعات الطوال، سواء كانوا جادين أم هازلين يتبادلون الصور والأخبار، وتنشأ هذه العلاقات عبر هذا الكون الفسيح، وربما تكتشف المرأة بعد هذا التعلق أن من كانت تحدثه طوال هذه الفترة وتسمعه أحلى كلام في العشق والغرام هي امرأة قامت بدور الرجل، وربما يكتشف الرجل أن فتاة أحلامه التي سهر الليل وأضاع العمر والمال والجهد من أجلها هي رجل مثله مثل عليه دور المرأة المتعلقة به العاشقة له. وقد يكون المتحدث يهوديا أو نصرانيا أو ملحدا يحدث فتاة مسلمة، وتكتشف هذا بعد تعلقها به، قد يكون هذا الكلام بين شباب مراهق لم يخض غمار الحياة الزوجية أو بين امرأة أهملها زوجها فراحت تبحث عن كلام العشق والغرام عبر هذا الوهم، أو بين رجل لم تعطه زوجه ما يتخيل وما يريد ففر من واقعه التعس إلى خيال أشد تعاسة.

كل هذا جعل الأسئلة تكثر وتتنوع منها على سبيل المثال: هل تصح الخطبة عبر الانترنت؟؟ وهل يجوز الزواج بناء على هذه الخطبة؟ وما دور الولي هنا؟ وما الآداب التي ينبغي للمسلم مراعاتها عند التعامل مع الجنس الأخر؟ وهل يجوز للمرأة أن تدعو رجلا أو العكس عبر الانترنت كل ذلك كان ينبغي أن نتصدى له ونقدم الإجابة عنه بصورة متزنة لا تغلق الباب أمام الجميع وفي كل الحالات ولا تفتحه دون رابط أو ضابط.

وكانت الفتوى حول هذه المسألة تدور حول الضوابط التالية:

لا حرج في إنشاء مواقع على الإنترنت لتقريب وجهات النظر بين الراغبين في الزواج، ولكن لا بد من مراعاة الآتي:

أولا: أن يكون القائمون على هذه المواقع على قدر من الأمانة والمسئولية بحيث لا تكون هذه المواقع قناة لمرضى النفوس والقلوب يشبعوا من خلالها نزواتهم ورغباتهم.

ثانيا: على الفتاة التي تبحث عن شريك الحياة أن تكون على حذر تام وأن يقتصر الحديث مع الراغب في الزواج على بيان ما هو ضروري ولا يخرج عن موضوع الخطبة وألا يطول الحديث معه لأي سبب من الأسباب حتى لا يقع ما لا تحمد عقباه.

ثالثا: إن قدر الله خيرا فعلى ولي الأمر أن يحتاط لأمر ابنته بالسؤال عن من يتقدم لخطبتها، لمعرفة دينه وخلقه.

وأخيرا نؤكد على أن الإنترنت وسيلة لتقريب وجهات النظر أما الزواج فلا يجوز إلا بحضور العاقدين والشهود في مجلس عقد واحد، مع توافر أركان العقد الشرعية. أما عن إجراء العقود عبر وسائل الاتصال الحديثة فقد خرج قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17-23 شعبان 1410هـ الموافق 14-20 آذار (مارس) 1990م.

بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة، ونظرًا إلى التطور الكبير الذي حصل في وسائل الاتصال وجريان العمل بها في إبرام العقود لسرعة إنجاز المعاملات المالية والتصرفات. وباستحضار ما تعرض له الفقهاء بشأن إبرام العقود بالخطاب وبالكاتبة وبالإشارة وبالرسول، وما تقرر من أن التعاقد بين الحاضرين يشترط له اتحاد المجلس (عدا الوصية والإيصاء والوكالة) وتطابق الإيجاب والقبول، وعدم صدور ما يدل على إعراض أحد العاقدين عن التعاقد، والموالاة بين الإيجاب والقبول بحسب العرف: قرر:

1 – إذا تم التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مكان واحد، ولا يرى أحدهما الآخر معاينة، ولا يسمع كلامه، وكانت وسيلة الاتصال بينهما الكتابة أو الرسالة أو السفارة (الرسول)، وينطبق ذلك على البرق والتلكس والفاكس وشاشات الحاسب الآلي (الكومبيوتر) ففي هذه الحالة ينعقد العقد عند وصول الإيجاب إلى الموجه إليه وقبوله.

2 – إذا تم التعاقد بين طرفين في وقت واحد وهما في مكانين متباعدين، وينطبق هذا على الهاتف واللاسلكي، فإن التعاقد بينهما يعتبر تعاقدًا بين حاضرين وتطبق على هذه الحالة الأحكام الأصلية المقررة لدى الفقهاء المشار إليها في الديباجة.

3 – إذا أصدر العارض بهذه الوسائل إيجابًا محدد المدة يكون ملزمًا بالبقاء على إيجابه خلال تلك المدة، وليس له الرجوع عنه.

4 – أن القواعد السابقة لا تشمل النكاح لاشتراط الإشهاد فيه، ولا الصرف لاشتراط التقابض، ولا السلم لاشتراط تعجيل رأس المال.

5 – ما يتعلق باحتمال التزييف أو التزوير أو الغلط يرجع فيه إلى القواعد العامة للإثبات.

وجاء أيضا قرار مجمع الفقه بالهند في النقاط التالية:

1- المراد من المجلس: الحال التي يشتغل فيها العاقدان بإجراء التعاقد، والقصد من اتحاد المجلس أن يتصل الإيجاب بالقبول في وقت واحد، ومن اختلاف المجلس أن لا يتصل الإيجاب بالقبول في وقت واحد.

2- يصح الإيجاب والقبول في البيع عن طريق الهاتف ومؤتمر الفيديو، وإذا كان العاقدان على الإنترنيت في وقت واحد ويظهر الطرف الآخر قبوله بعد الإيجاب بالفور فينعقد البيع، ويعتبر مجلس العاقدين في هذه الصورة متحدا.

3 – إذا أجاب أحد في البيع على الإنترنت ولم يكن الطرف الآخر موجودا على الإنترنت في وقت الإيجاب، وبعد وقت استلم الإيجاب، فهذه إحدى صور البيع بالكتابة، وعند ما يقرأ الإيجاب يلزمه إظهار القبول في حينه.

4 -إذا أراد المشتري والبائع إخفاء تعاقدهما واستخدما لذلك الأرقام السرية، فلا يجوز لشخص آخر الإطلاع على هذا التعاقد، أما إذا كان لشخص ما حق الشفعة أو حق شرعي آخر متعلقا بذلك العقد أو البيع فيجوز له الإطلاع عليه.

5 -إن عقد النكاح يحمل خطورة أكثر من عقد البيع، وفيه جانب تعبدي،ويشترط فيه الشاهدان، لذلك لا يعتبر مباشرة الإيجاب والقبول للنكاح على الإنترنيت ومؤتمر الفيديو والهاتف، أما إذا استخدمت هذه الوسائل لتوكيل شخص للنكاح، ويقوم الوكيل من جانب موكله بالإيجاب والقبول أمام الشاهدين فيصح النكاح، ويلزم في هذه الصورة أن يكون الشاهدان يعرفان الموكل أو يذكر الموكل باسمه واسم أبيه عند الإيجاب والقبول. والله أعلم.

المبحث الخامس:

نماذج من قضايا النوازل في الحدود والجنايات

1- حوادث النقل الجماعي وكيفية دفع الدية:

كثرت في الفترة الأخيرة حوادث النقل الجماعي، بداية من سيارات النقل الجماعي ومرورا بالسفن وانتهاء بالطائرات، وتساءل الناس عن المسئول عن هذه الحوادث ومن يدفع الدية.

فالدية يدفعها الفرد من ماله إن كان القتل عمدا وتنازل أولياء المقتول عن القصاص إلى الدية، وتدفعها العاقلة إن كان القتل خطأ أو شبه عمد، لكن المقتول هنا ليس فردا واحدا أو اثنين أو ثلاثة، فقد يصل إلى عشرات القتلى أو المئات، بل قد يتجاوز الألف كما في حادث العبَّارَة المنكوبة في مصر عام 2005م، فمن يدفع الدية في هذه الحالة وما مقدارها؟

وقد بحث المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي موضوع حوادث السيارات وقرر فيه ما يلي:

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن في بروناي دار السلام من 1- 7 محرم 1414هـ الموافق 21- 27 حزيران (يونيو) 1993م، بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع حوادث السير، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، بالنظر إلى تفاقم حوادث السير وزيادة أخطارها على أرواح الناس وممتلكاتهم، واقتضاء المصلحة سن الأنظمة المتعلقة بترخيص المركبات بما يحقق شروط الأمن كسلامة الأجهزة وقواعد نقل الملكية ورخص القيادة والاحتياط الكافي بمنح رخص القيادة بالشروط الخاصة بالنسبة للسن والقدرة والرؤية والدراية بقواعد المرور والتقيد بها وتحديد السرعة المعقولة والحمولة.

قرر ما يلي:

أولا: أ- إن الالتزام بتلك الأنظمة التي لا تخالف أحكام الشريعة الإسلامية واجبٌ شرعا، لأنه من طاعة ولي الأمر فيما ينظمه من إجراءات بناءً على دليل المصالح المرسلة، وينبغي أن تشتمل تلك الأنظمة على الأحكام الشرعية التي لم تطبق في هذا المجال.

ب – مِمَّا تقتضيه المصلحة أيضا سنّ الأنظمة الزاجرة بأنواعها، ومنها التعزير المالي، لمن يخالف تلك التعليمات المنظمة للمرور لردع من يُعرّض أمن الناس للخطر في الطرقات والأسواق من أصحاب المركبات ووسائل النقل الأخرى أخذا بأحكام الحسبة المقررة.

ثانيا: الحوادث التي تنتج عن تسيير المركبات تطبق عليها أحكام الجنايات المقررة في الشريعة الإسلامية، وإن كانت في الغالب من قبيل الخطأ، والسائق مسؤول عما يحدثه بالغير من أضرار، سواء في البدن أم المال إذا تحققت عناصرها من خطأ وضرر ولا يعفى من هذه المسؤولية إلا في الحالات الآتية:

أ – إذا كان الحادث نتيجة لقوة قاهرة لا يستطيع دفعها وتعذر عليه الاحتراز منها، وهي كل أمر عارض خارج عن تدخل الإنسان.

ب -إذا كان بسبب فعل المتضرر المؤثر تأثيرا قويا في إحداث النتيجة.

ج – إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير أو تعديه فيتحمل ذلك الغير المسؤولية.

ثالثا: ما تسببه البهائم من حوادث السير في الطرقات يضمن أربابها الأضرار التي تنجم عن فعلها إن كانوا مقصرين في ضبطها، والفصل في ذلك إلى القضاء.

رابعا: إذا اشترك السائق والمتضرر في إحداث الضرر كان على كل واحد منهما تبعة ما تلف من الآخر من نفس أو مال.

خامسا: أ- مع مراعاة ما سيأتي من تفصيل، فإن الأصل أن المباشر ضامن ولو لم يكن متعديا، وأما المتسبب فلا يضمن إلا إذا كان متعديا أو مفرِطا.

ب-إذا اجتمع المباشر مع المتسبب كانت المسؤولية على المباشر دون المتسبب إلا إذا كان المتسبب متعديا والمباشر غير متعدٍّ.

ج- إذا اجتمع سببان مختلفان كل واحد منهما مؤثر في الضرر، فعلى كل واحد من المتسببين المسؤولية بحسب نسبة تأثيره في الضرر، وإذا استويا أو لم تعرف نسبة أثر كل واحد منهما فالتبعة عليهما على السواء، والله أعلم] مجلة المجمع الفقهي عدد 8، جزء2 ص 171.

وقد نص قرار المجمع الفقهي على أن السائق يعفى من المسؤولية في الحالات الآتية:

أ – إذا كان الحادث نتيجة لقوة قاهرة لا يستطيع دفعها وتعذر عليه الاحتراز منها، وهي كُلّ أمر عارض خارج عن تدخل الإنسان.

ب-إذا كان بسبب فعل المتضرر المؤثر تأثيرا قويا في إحداث النتيجة.

ج – إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير أو تعدِّيه فيتحمل ذلك الغير المسؤولية، وما جاء في البندين (ب، وج) ينطبق على الحالة التي نحن بصددها، فلا ضمان على السائق ولا كفارة عليه.

2- اختطاف الرهائن والطائرات:

بعد الهيمنة الأمريكية على العالم، والهيمنة الإسرائيلية على المنطقة العربية واختلال موازين القوى في العالم، وتراجع المجتمع الدولي عما وعد به من توفير الحماية للضعفاء والوقوف في وجه الظالمين ضاق الناس ذرعا من جراء هذا الظلم الصارخ فالدماء تنزف ليل نهار من جسد هذه الأمة المريضة المهيضة الجناح وأرضها تسلب وأعراضها تنتهك ولا أحد يجيب، فكل صم آذانه وأغلق عيونه وكل يوم يمر يزداد الظالم قوة ويزداد المظلوم ضعفا. فانتشرت ظاهرة خطف الرهائن والطائرات تعبيرا عن هذا الظلم ونكاية في هذه الدول التي تكيل بمكاييل عدة حسب مصالحها وأهوائها. لكن الضحية هنا ليس الظالم وإلا لسهل الأمر فقد يكون المختطف شيخا هرما أو امرأة عجوزا أو طفلا رضيعا، قد يكون مسلما أو غير مسلم، لكنهم ليسوا هم الجناة الحقيقيون فهل يجوز خطفهم وترويعهم وقتلهم نكاية في هذه الدول المهيمنة الظالمة، أم أن الحرب عندنا حرب تتميز بالقيم والأخلاق فلا تقتل شيخا ولا امرأة ولاتزر فيها وازرة وزر أخرى؟؟.

كان من الواجب أن نفكر بحيدة وموضوعية دون أن تنسينا هذه المصائب وتلك الكوارث ميزان العقل والعدل فنحن نزعم أننا أمة وسطا أختارها الله لتقيم ميزان العدل في الأرض وتشهد على الناس كل الناس في الدنيا والآخرة.

وقد تبنى الموقع فتوى فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في هذه المسالة التي وافقه عليها كثير من الفقهاء والعلماء في العالم العربي والإسلامي.

يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:إن الإسلام لا يبيح الاعتداء على إنسان بريء، بحال من الأحوال، ومن أي شخص كان، سواء كان الاعتداء على النفس أو العرض أو المال، ولو كان المعتدى هو الأمير أو الخليفة المبايع. فإمارته لا تحل له دماء الناس ولا أموالهم ولا أبشارهم ولا حرماتهم. وقد أعلن النَّبِيّ e في حجة الوداع على رءوس الأشهاد أن دماء الناس وأموالهم وأعراضهم حرام عليهم بعضهم على بعض، دائمة الحرمة إلى يوم القيامة.

ولقد أرسى الإسلام عدة مبادئ في هذه المسألة من أهمها:

المبدأ الأَوَّل: الإسلام يحرم الاعتداء على الأبرياء وليس هذا التحريم مقصورًا على المسلمين، بل يشملهم ويشمل غيرهم مِمَّن ليسوا من أهل الحرب لهم. حتى في حال الحرب والقتال، لم يجز الإسلام قتل من لا يقاتل، من النساء والصبيان والشيوخ، حتى الرهبان المتفرغون للعبادة في صوامعهم لا يقتلون، بل يتركون وما فرغوا أنفسهم له. وهذا ما جعل المؤرخين المنصفين من الغربيين يقولون: ما عرف التاريخ فاتحًا أعدل ولا أرحم من العرب، يعنى المسلمين. وأكثر من ذلك أن الإسلام يحرم الاعتداء على الحيوان الأعجم، فما بالك بالإنسان المكرم؟ وفى الصحيح، عن النَّبِيّ صلعم: «أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض». فكيف بمن حبس البشر وروعهم، وجعلهم يصبحون ويمسون في قلق مفزع وفى فزع مقلق؟

وفي الحديث الذي رواه النعمان بن بشير قال: كنا مع رسول الله e، في مسير أي سفر فخفق رجل على راحلته أي أصابته سنة من النوم فأخذ رجل سهمًا من كنانته، فانتبه الرجل، ففزع يعنى أنه أحس بمن يأخذ السهم من كنانته فانتبه فزعًا مرتاعًا فقال رسول الله صلعم: «لا يحل لرجل أن يروع مسلما» (رواه الطبراني في الكبير ورواته ثقات، ورواه البزار من حديث ابن عمر مختصرا: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلما»). وروى نحوه ابن أبى ليلى عن عدد من أصحاب النَّبِيّ صلعم (رواه أبو داود). أي أن هذا الترويع حرام، ولو في هذه الصورة البسيطة القريبة، ولو كان دافعه المزاح والمداعبة، ما دام عاقبته الترويع والتفزيع.

فكيف بمن عاشوا أيامًا طالت أكثر من أسبوعين، كل ساعة فيها طولها شهر، وكل ليلة طولها دهر، يتوقعون في كل لحظة أن ينفذ الخاطفون وعيدهم بقتل واحد أو أكثر، ليتخذوا من قتله أو قتلهم وسيلة للضغط على من يملكون القرار بعيدًا بعيدًا. وقد يجن جنونهم – وهو ليس بمستبعد – فيفجرون الطائرة بمن فيها؟

كيف بمن عاشوا هذه المدة، وهم لا يستريحون في نومهم إذا ناموا، ولا في جلوسهم إذا جلسوا، وليس لهم حرية الحركة التي للمسجون داخل السجن؟

المبدأ الثاني: ألا تزر وازرة وزر أخرى:

إن كُلّ إنسان مسئول عن عمله هو، وليس عن عمل غيره، ولا يحمل أحد وزر أحد ولو كان ألصق الناس به وأقربهم إليه، فالابن لا يعاقب على جرم أبيه، والأب لا يعاقب على جرم بنيه، وهذا هو الحق والعدل، الذي قرره القرآن في آيات كثيرة، وحكاه عن الكتب السماوية قبله ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾([81]).

لهذا يعجب المرء كل العجب من نفر يدعون الإسلام، ويحملون شارته، ويتحدثون باسمه، ويزعمون أنهم طلاب شهادة، ثُمَّ ينتقمون من أناس عاديين، لا ناقة لهم فيما يطلبونه ولا جمل.

وكيف يتصور أن يجوز لشخص أو بضعة أشخاص، أن يسلطوا على شعب بلد ما للانتقام من أفراده، من أجل خلافهم مع حاكم هذا البلد؟

لنفترض أن الحاكم مخطئ أو مجرم، فما ذنبي أنا المواطن العادي لتعاقبني بخطئه أو جرمه؟ ومن الذي جعل منك أيها الخاطف خصمًا وحكما؟ ومن أعطاك سلطات الاتهام والقضاء والتنفيذ جميعا؟ وقد يكون حكمك على بالموت، بالإعدام! وهذا ما فعله الخاطفون مع بعض الركاب حيث باشروا بالفعل، وقتلوا اثنين منهم وألقوا بجثة كل منهما من أعلى الطائرة فتسقط مهشمة، دون اعتبار لأي حرمة إنسانية، ومن المعروف أن الإسلام يرعى حرمة الإنسان بعد وفاته، كما رعى كرامته في حال الحياة. وقال صلعم: «كسر عظم الميت ككسر عظم الحي». (رواه أحمد وابن ماجة وابن حبان عن عائشة).

إن القتل جريمة بشعة، ولهذا شدد الإسلام فيها أعظم التشديد وجاء فيها من الوعيد ما لا يخفى، وذهب من ذهب من العلماء إلى أن القاتل لا تقبل له توبة! وقرَّر القرآن: ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾، وفي الحديث: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم» (رواه الترمذي والنسائي عن ابن عمر، وروى ابن ماجة نحوه عن البراء). وفي الحديث الآخر: «لو أن أهل سماواته وأهل أرضه، اشتركوا في قتل رجل مؤمن لأكبهم الله في النار» (رواه الترمذي عن أبي سعيد وأبى هريرة معًا. وهذه الأحاديث الثلاثة مذكورة في صحيح الجامع الصغير).

بل جعل النَّبِيّ صلعم مجرد الإشارة إلى مسلم بالسلاح جريمة من الكبائر الموجبة للعنة. يقول: “من أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهي” رواه مسلم. ويقول: «لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار» رواه البخاري، ومسلم. ومعنى “ينزع”: أي يرمي ويفسد.

فإذا كان الإسلام يحذر من مجرد الإشارة بالسلاح، فكيف إذا استُعمل بالفعل، وقتل به إنسان لا حول له ولا طول، ولم يرتكب ما يبيح دمه؟

المبدأ الثالث: الغاية لا تبرر الوسيلة

إن الإسلام لا يقبل الوصول إلى الغايات الطيبة بالوسائل الخبيثة. إنه يرفض الفلسفة “الميكيافيلية” التي ترى أن الغاية تبرر الوسيلة. بل يؤكد كل التأكيد أنه لا بد من اجتماع الأمرين: الغاية الشريفة والوسيلة النظيفة، ولهذا رفض جمع المال من طرق الحرام لينفق في الخيرات وأوجه الصدقات، وقال الرسول الكريم في ذلك: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا»، وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول». رواه مسلم. والغلول ما يؤخذ من مال الغنيمة خفية وخيانة، دون سائر المستحقين، فإذا أخذه ليتصدق به فإن الله يرده عليه ولا يقبل منه.

ولهذا فسر السلف العمل الصالح المقبول بأنه ما اجتمع فيه أمران: الخلوص والصواب، فلا يقبل العمل عند الله إلا إذا كان خالصًا صوابًا. وخلوصه أن يكون لله تعالى، وصوابه أن يكون على السنة، أي على ما شرعه المنهج النبوي الذي يمثل الصراط المستقيم.

فلو افترضنا أن هؤلاء يحملون دوافع خيرة، وبواعث نبيلة، كما دافع عنهم من دافع بأنهم يهدفون إلى إنقاذ إخوان لهم يعتقدون براءتهم، أقول: لو افترضنا صحة هذه الدعوى – على ما فيها من شطط وتجاوز – ما جاز لهم بحال أن يصلوا إلى غاياتهم التي يزعمون شرفها ونبلها ورفعتها بهذه الوسائل القذرة التي تقوم على الاستهانة بالبشر، وتعذيبهم وإرهابهم وترويعهم إلى حد سفك الدم بغير حق. ويزيد من ضخامة الجرم لدى هؤلاء أنهم يتمسحون بالإسلام ويدعون الانتساب إليه، والغيرة عليه، فكل ما تقترفه أيديهم من جرائم يلصق بالإسلام المظلوم، ويشوه بها وجهه بالباطل. والإسلام بكتابه وسنة نبيه، وهدي أصحابه، وفقه أئمته، وروح حضارته، والاتجاه العام لأمته، ينكر كل الإنكار هذا العمل الذي يتسم بالقساوة والوحشية، ويفتقد الإنسانية والأخلاقية.

إن هذا الشباب قد يكون مخلصًا، ولكنه ضل الطريق الصحيح. فاستحل قتل البرآء، وترويع الآمنين، وهو يرى أنه يخدم الإسلام، ويتقرب إلى الله. وهذا يضاعف المسئولية على أهل العلم والبصيرة أن يبذلوا المزيد من الجهد، حتى ينيروا الطريق للحائرين.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.        


المبحث السادس:

نماذج من قضايا النوازل في القضايا الطبية

بعد التقدم الهائل في مجال التداوي ظهرت عدة إشكالات أمام الأطباء أحالوها إلى الفقهاء لمعرفة الحكم الشرعي لها، وهذه الإشكالات لم تكن لدى الفقهاء القدامى، فهو طريق غير مُمهَّد يحتاج من الفقيه الذي ينظر في هذه المسائل الحيطة والحذر، والتفكّر والتأمل، واستشارة أهل الذكر ومشاركتهم الرأي في هذه المسائل التي رُبَّمَا لا يدركها الفقيه بحسب تخصصه ولابد من توضيح الطبيب المتخصص الثقة لهذه المسألة حتى يكون الحكم فيها أقرب إلى الصواب.

ونحن نؤكد مرَّة أخرى على أن هذه المسائل لا يصلح فيها المجتهد الفرد، بل لا بد من اجتهاد جماعي يشترك فيه مع الفقيه الأطباء والعلماء، كُلّ حسب تخصصه، والتشاور في الأمر والخروج برأي فقهي موحد، أو يحظى بأغلبية الحضور على أقل تقدير.

ولسنا هنا بصدد رصد كل المسائل الطبية فهي كثير ومتنوعة ومتعددة لكننا اخترنا ثلاث قضايا نرى أنها أكثر القضايا شيوعا، وهي:

– رفع أجهزة الإنعاش عن المريض.      

– نقل الأعضاء وزراعتها.

– استئجار الأرحام والتلقيح الصناعي خارج الرحم.

1- رفع أجهزة الإنعاش عن المريض:

وعن رفع أجهزة الإنعاش عن المريض الذي مات جذع الدماغ عنده ولكن بقي القلب ينبض والنفس يعمل بواسطة هذه الأجهزة التي يمكنها أن تقوم بدور التنفس الصناعي وضخ الدم إلى أجل محدد أو غير محدد، وفي هذا ربما يتكلف أولياء المريض من الأموال ما لا يطيقون، وربما انشغلت هذه الأجهزة فلم يجد مريض آخر قد يكون ثمة أمل في شفائه لا يجد مكانا يعالج فيه حتى تمر الأزمة التي يعيشها ويعود لحياته مرة أخرى.

ومن هنا فكر العلماء المعاصرون في هذه المسألة هل يجوز رفع أجهزة الإنعاش عن المريض الذي مات جذع دماغه وبقي قلبه ينبض؟؟

وقد جاء قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة بجواز رفع أجهزة الإنعاش عن الميت أكلينيكيا وهذا نص القرار:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، سيدنا ونبينا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، في دورته العاشرة، المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت 42 صفر 1408هـ الموافق 17 أكتوبر 1987م إلى يوم الأربعاء الموافق 28 صفر 1408هـ الموافق 21 أكتوبر 1987م قد نظر في موضوع تقرير حصول الوفاة، بالعلامات الطبية القاطعة، وفي جواز رفع أجهزة الإنعاش عن المريض الموضوعة عليه، في حالة العناية المركزة، واستعرض المجلس الآراء، والبيانات الطبية المقدمة شفهيًّا وخطيًّا، من وزارة الصحة في المملكة العربية السعودية، ومن الأطباء الاختصاصيين. واطلع المجلس كذلك، على قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، المنعقد في مدينة عمان العاصمة الأردنية رقم (5) 3/7/1986م. وبعد المداولة في هذا الموضوع من جميع جوانبه وملابساته، انتهى المجلس إلى القرار التالي:

المريض الذي ركبت على جسمه أجهزة الإنعاش، يجوز رفعها، إذا تعطَّلت جميع وظائف دماغه تعطُّلا نهائيًّا، وقررت لجنة من ثلاثة أطباء اختصاصيين خبراء، أن التعطُّل لا رجعة فيه وإن كان القلب والتنفس لا يزالان يعملان آليًّا، بفعل الأجهزة المركبة. لكن لا يحكم بموته شرعًا، إلا إذا توقف التنفس والقلب، توقُّفًا تامًّا بعد رفع هذه الأجهزة. وصلى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصبحه وسلم تسليمًا كثيرًا. والحمد لله رب العالمين.

2- نقل الأعضاء وزراعتها:

أما نقل الأعضاء فمسألة قديمة نسبيا فقد بدأ الحديث عنها في عالمنا العربي والإسلامي منذ منتصف القرن الماضي وربما قبله بقليل واختلفت كلمة الفقهاء حول هذه المسألة فالبعض يرى أن هذه الأعضاء ليست ملكا للإنسان سواء كان حيا أو ميتا وبالتالي لا يجوز التبرع بها أثناء حياة الإنسان ولا بعد موته، ولا يصح هذا التصرف من الإنسان حال حياته ولا من أهله بعد وفاته.

ويرى البعض الآخر أن في هذا النقل إحياء نفس شارفت على الهلاك ومن أحيا نفسا فكأنما أحيا الناس جميعا وبالتالي يجوز التبرع ببعض الأعضاء حال حياة المريض بحيث لا يؤثر هذا التبرع على حياته أو يعرضه للخطر.

وقد حسم المجمع الفقهي هذا الخلاف فأجاز التبرع بشروط وضوابط نذكرها في هذا القرار التالي:

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 18-23 جمادى الآخرة 1408هـ،الموافق 6-11 فبراير 1988م.

بعد اطلاعه على الأبحاث الفقهية والطبية الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع “انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حيًا أو ميتًا”.

وفي ضوء المناقشات التي وجهت الأنظار إلى أن هذا الموضوع أمر واقع فرضه التقدم العلمي والطبي، وظهرت نتائجه الإيجابية المفيدة والمشوبة في كثير من الأحيان بالأضرار النفسية والاجتماعية الناجمة عن ممارسته دون الضوابط والقيود الشرعية التي تصان بها كرامة الإنسان، مع إعمال مراعاة مقاصد الشريعة الإسلامية الكفيلة بتحقيق كلّ ما هو خير ومصلحة غالبة للفرد والجماعة، والداعية إلى التعاون والتراحم والإيثار.

وبعد حصر هذا الموضوع في النقاط التي يتحرر فيها محل البحث وتنضبط تقسيماته وصوره وحالاته التي يختلف الحكم تبعًا لها. قرر ما يلي:

من حيث التعريف والتقسيم:

أَوَّلاً: يقصد هنا بالعضو: أي جزء من الإنسان، من أنسجة وخلايا ودماء ونحوها، كقرنية العين، سواء أكان متصلا به، أم انفصل عنه.

ثانيًا: الانتفاع الذي هو مَحلّ البحث، هو استفادة دعت إليها ضرورة المستفيد لاستبقاء أصل الحياة، أو المحافظة على وظيفة أساسية من وظائف الجسم كالبصر ونحوه، على أن يكون المستفيد يتمتع بحياة محترمة شرعًا.

ثالثًا: تنقسم صور الانتفاع هذه إلى الأقسام التالية:

1 – نقل العضو من حي.   2 – نقل العضو من ميت. 3 – النقل من الأجنة.

الصورة الأولى: وهي نقل العضو من حي، تشمل الحالات التالية: أ – نقل العضو من مكان من الجسد إلى مكان آخر من الجسد نفسه، كنقل الجلد والغضاريف والعظام والأوردة والدم ونحوها.

ب – نقل العضو من جسم إنسان حي إلى جسم إنسان آخر. وينقسم العضو في هذه الحالة إلى ما تتوقف عليه الحياة وما لا تتوقف عليه.

أما ما تتوقف عليه الحياة، فقد يكون فرديًا، وقد يكون غير فردي، فالأول كالقلب والكبد، والثاني كالكلية والرئتين.

وأما ما لا تتوقف عليه الحياة، فمنه ما يقوم بوظيفة أساسية في الجسم ومنه ما لا يقوم بها، ومنه ما يتجدد تلقائيًا كالدم، ومنه ما لا يتجدَّد، ومنه ما له تأثير على الأنساب والموروثات، والشخصية العامة، كالخصية والمبيض وخلايا الجهاز العصبي، ومنه ما لا تأثير له على شيء من ذلك.

الصورة الثانية: وهي نقل العضو من ميت: ويلاحظ أن الموت يشمل حالتين:

الحالة الأولى: موت الدماغ بتعطل جميع وظائفه تعطلا نهائيًا لا رجعة فيه طبيًا.

الحالة الثانية: توقف القلب والتنفس توقفًا تامًا لا رجعة فيه طبيًا.

فقد روعي في كلتا الحالتين قرار المجمع في دورته الثالثة.

الصورة الثالثة: وهي النقل من الأجنة، وتتم الاستفادة منها في ثلاث حالات:

1-                حالة الأجنة التي تسقط تلقائيًا.

2-                حالة الأجنة التي تسقط لعامل طبي أو جنائي.

3-                حالة “اللقائح المستنبتة خارج الرحم”.

من حيث الأحكام الشرعية:

أولا: يجوز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر من جسمه، مع مراعاة التأكد من أن النفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليها، وبشرط أن يكون ذلك لإيجاد عضو مفقود أو لإعادة شكله أو وظيفته المعهودة له، أو لإصلاح عيب أو إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسيًا أو عضويًا.

ثانيًا: يجوز نقل العضو من جسم إنسان إلى جسم إنسان آخر، إن كان هذا العضو يتجدد تلقائيًا، كالدم والجلد، ويراعى في ذلك اشتراط كون الباذل كامل الأهلية، وتحقق الشروط الشرعية المعتبرة.

ثالثًا: تجوز الاستفادة من جزء من العضو الذي استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر، كأخذ قرنية العين لإنسان ما، عند استئصال العين لعلة مرضية.

رابعًا: يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب من إنسان حي إلى إنسان آخر.

خامسا: يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته، وإن لم تتوقف سلامة أصل الحياة عليها، كنقل قرنية العينين كلتيهما، أما إن كان النقل يعطل جزءًا من وظيفة أساسية فهو محل بحث ونظر كما يأتي في الفقرة الثامنة.

سادسًا: يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو، أو تتوقف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك، بشرط أن يأذن الميت أو ورثته بعد موته، أو بشرط موافقة وليّ المسلمين إن كان المتوفى مجهول الهوية أو لا ورثة له.

سابعًا: وينبغي ملاحظة أن الاتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي تم بيانها، مشروط بأن لا يتم ذلك بوساطة بيع العضو؛ إذ لا يجوز إخضاع أعضاء الإنسان للبيع بحال ما. أما بذل المال من المستفيد؛ ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة أو مكافأة وتكريمًا، فمحل اجتهاد ونظر.

ثامنًا: كل ما عدا الحالات والصور المذكورة، مِمَّا يدخل في أصل الموضوع، فهو محل بحث ونظر، ويجب طرحه للدراسة والبحث في دورة قادمة، على ضوء المعطيات الطبية والأحكام الشرعية.

3- استئجار الأرحام والتلقيح الصناعي خارج الرحم:

أما مسألة استئجار الأرحام فقد رفضها الفقهاء بالإجماع نظرا لِما يترتَّب عليها من مشكلات في نسب الطفل وميراثه، وغير ذلك من المسائل التي لا تمثل عائقا أمام غير المسلمين، لكنها ضرورية بالنسبة لنا ونحن أصحاب شريعة تهتم بالإنسان وهو نطفة في بطن أمه أو قبل ذلك، وتشرع له من الأحكام، وتضع له من الحقوق وعليه من الواجبات حتى يفارق الحياة.

فأجاز الفقهاء التلقيح خارج الرحم من ماء رجل وبويضة امرأة حال زواجهما زواجا شرعيا، مستوفيا كافة شروطه وضوابطه، وأن يكون هذا التلقيح في أنابيب داخل معمل يأتمنه الناس على أنسابهم ثُمَّ يعود هذا التلقيح ليزرع في رحم أمه الحقيقية لا المستأجرة وبناء عليه خرجت فتاوى متعددة نختار منها ما يلي:

 قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته الثالثة:

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8-13 صفر 1407هـ/11 إلى 16 أكتوبر 1986م. بعد استعراضه لموضوع التلقيح الصناعي “أطفال الأنابيب” وذلك بالاطلاع على البحوث المقدمة والاستماع لشرح الخبراء والأطباء.

وبعد التداول تبين للمجلس: أن طرق التلقيح الصناعي المعروفة في هذه الأيام هي سبع: –

الأولى: أن يجري تلقيح بين نطفة مأخوذة من زوج وبويضة مأخوذة من امرأة ليست زوجه ثُمَّ تزرع اللقيحة في رحم زوجته.

الثانية: أن يجري التلقيح بين نطفة رجل غير الزوج وبييضة الزوجة ثُمَّ تزرع تلك اللقيحة في رحم الزوجة.

الثالثة: أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي زوجين ثُمَّ تزرع اللقيحة في رحم امرأة متطوعة بحملها.

الرابعة: أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي رجل أجنبي وبويضة امرأة أجنبيَّة وتزرع اللقيحة في رحم الزوجة.

الخامسة: أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي زوجين ثُمَّ تزرع اللقيحة في رحم الزوجة الأخرى.

السادسة: أن تؤخذ نطفة من زوج وبويضة من زوجته ويتم التلقيح خارجيًا ثُمَّ تزرع اللقيحة في رحم الزوجة.

السابعة: أن تؤخذ بذرة الزوج وتحقن في الموضع المناسب من مهبل زوجته أو رحمها تلقيحًا داخليًا.

وقرر: أن الطرق الخمسة الأولى كلها محرمة شرعًا وممنوعة منعًا باتًا لذاتها أو لما يترتب عليها من اختلاط الأنساب وضياع الأمومة وغير ذلك من المحاذير الشرعية.

أما الطريقان السادس والسابع فقد رأى مجلس المجمع أَنَّهُ لا حرج من اللجوء إليهما عند الحاجة، مع التأكيد على ضرورة أخذ كُلّ الاحتياطات اللازمة. اهـ

ويقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:

ما سماه العلماء: شتل الجنين هو قضية في غاية الغرابة والإثارة، وهي تختلف عما كان يسأل عنه من قبل من “التلقيح الصناعي” الذي تلقح فيه بويضة امرأة بحيوان منوي من رجل غير زوجها، وهذا حرام بيقين لأنه يلتقي مع الزنى في اتجاه واحد، حيث يؤدي إلى اختلاط الأنساب، وإقحام عنصر دخيل على الأسرة أجنبي عنها، مع اعتباره منها نسبًا ومعاملة وميراثًا، وإذا كان الإسلام قد حرم التبني ولعن من انتسب إلى غير أبيه فأحرى به أن يحرم التلقيح المذكور، لأنه أشد شبها بالزنى.

أما قضية “الشتل” المسئول عنها هنا فليس فيها خلط أنساب، لأن البويضة ملقحة بماء الزوج نفسه، ولكنها تترتب عليها أمور أخرى هي غاية في الخطورة من الناحية الإنسانية والأخلاقية.

وإذا كنا نبحث أولا عن مشروعية هذا الأمر من الوجهة الدينية، قبل أن نبحث عن أحكامه إذا حدث بالفعل، فالذي أراه – بعد طول تأمل ونظر – أن الفقه الإسلامي لا يرحب بهذا الأمر المبتدع. ولا يطمئن إليه، ولا يرضى عن نتائجه وآثاره، بل يعمل على منعه للأسباب التالية:-

1- إفساد لمعنى الأمومة: وأول هذه النتائج وأبرزها: أنه يفسد معنى الأمومة كما فطرها الله، وكما عرفها الناس. هذا المعنى الذي ليس في الحياة أجمل ولا أنبل منه. فالأم الحقيقية في التصور المعروض للسؤال، هي صاحبة البويضة الملقحة، التي منها يتكون الجنين، هي التي ينسب إليها الطفل، وهي الأحق بحضانته، وهي التي تناط بها جميع أحكام الأمومة وحقوقها من الحرمة والبر والنفقة والميراث وغيرها. وكل دور هذه الأم في صلتها بالطفل أنها أنتجت يومًا ما بويضة أفرزتها بغير اختيارها، وبغير مكابدة ولا مشقة عانتها في إفرازها.

أما المرأة التي حملت الجنين في أحشائها وغذته من دم قلبها أشهرًا طوالا، حتى غدا بضعة منها، وجزءًا من كيانها، واحتملت في ذلك مشقات الحمل، وأوجاع الوحم، وآلام الوضع، ومتاعب النفاس، فهذه مجرد ” مضيفة ” أو ” حاضنة ” تحمل وتتألم وتلد، فتأتي صاحبة البويضة، فتنتزع مولودها من بين يديها، دون مراعاة لما عانته من آلام، وما تكون لديها من مشاعر، كأنها مجرد ” أنبوب ” من الأنابيب، التي تحدثوا عنها برهة من الزمان، لا إنسان ذو عواطف وأحاسيس.

2- حقيقة الأمومة: وإن من حقنا – ومن حق كل باحث عن الحقيقة – أن يسأل معنا هنا عن ماهية الأمومة التي عظمتها كتب السماء، ونوّه بها الحكماء والعلماء، وتغنى بها الأدباء والشعراء، وناطت بها الشرائع أحكامًا وحقوقًا عديدة الأمومة التي هي أرقى عواطف البشر وأخلدها وأبقاها. وهل تتكون هذه الأمومة الشريفة من مجرد بويضة أفرزها مبيض أنثى ولقحها حيوان منوي من رجل؟ إن الذي يثبته الدين والعلم والواقع، أن هذه الأمومة إنما تتكون مقوماتها، وتستكمل خصائصها، من شيء آخر بعد إنتاج البويضة حاملة عوامل الورثة، إنه المعاناة والمعايشة للحمل أو الجنين، تسعة أشهر كاملة يتغير فيها كيان المرأة البدني كله تغيرًا يقلب نظام حياتها رأسًا على عقب، ويحرمها لذة الطعام والشراب والراحة والهدوء. إنه الوحم والغثيان والوهن طوال مدة الحمل. وهو التوتر والقلق والوجع والتأوه والطلق عند الولادة. وهو الضعف والتعب والهبوط بعد الولادة. إن هذه الصحبة الطويلة – المؤلمة المحببة – للجنين بالجسم والنفس والأعصاب والمشاعر هي التي تولد الأمومة وتفجر نبعها السخي الفياض بالحنو والعطف والحب.

هذا هو جوهر الأمومة: بذل وعطاء، وصبر واحتمال، ومكابدة ومعاناة ولولا هذه المكابدة والمعاناة، ما كان للأمومة فضلها وامتيازها، وما كان ثمة معنى لاعتبار حق الأم أو كد من حق الأب. إن أعباء الحمل، ومتاعب الوضع، هي التي جعلت للأمومة فضلا أي فضل، وحقًا أي حق، وهي التي نوه بها القرآن الكريم، وأحاديث الرسول e ووضعته كرها، وحسبنا أن نقرأ في كتاب الله ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾. ومعنى ” وهنا على وهن “: أي جهدًا على جهد، ومشقة على مشقة، مِمَّا يؤدي بها من ضعف إلى ضعف.

وهذه المعاناة التي تتحمل الأم آلامها وأوصابها راضية قريرة العين، هي السر وراء تأكيد القرآن على حق الأم ومكانتها وأوردها فيما ذكرنا من آيات، وهي السر كذلك وراء تكرار الرسول e الوصية بها، وتأكيد الأمر ببرها، وتحريم عقوقها، وجعل الجنة تحت أقدامها، من مثل: «إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثُمَّ يوصيكم بأمهاتكم، ثُمَّ يوصيكم بأمهاتكم، ثُمَّ يوصيكم بآبائكم، ثُمَّ يوصيكم بالأقرب فالأقرب». وفي الحديث المشهور في إجابة من سأل: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك.. ثُمَّ أمك… ثُمَّ أمك.. ثُمَّ أبوك». وفي مسند البزار: أَنَّ رجلا كان في الطواف حاملا أمه يطوف بها، فسأل النَّبِيّ e: هل أديت حقها؟ فقال: «ولا بزفرة واحدة» أي: من زفرات الطلق والولادة. فإذا كانت الأم لم تتحمل أي شيء من هذه المخاطر والأوجاع والزفرات فما فضل أمومتها؟ ومن أين تستحق كل ما جاءت به الوصايا النبوية من زيادة برها؟

3- الأم هي الوالدة:

ولا شك أن خير وصف يعبر عن الأم وعن حقيقة صلتها بطفلها في لغة العرب هو ” الوالدة ” وسمى الأب ” الوالد ” مشاكلة للأم، وسميا معًا ” الوالدين ” على سبيل التغليب للأم الوالدة الحقيقية، أما الأب فهو في الحقيقية لم يلد، إنما ولدت امرأته. وعلى هذا الأساس سمى ابن المرأة ” ولدًا ” لها، لأنها ولدته، وولدًا لأبيه كذلك؛ لأنها ولدته له. فالولادة إذن أمر مهم، شعر بأهميته واضعو اللغة، وجعلوه محور التعبير عن الأمومة والأبوة والبنوة.

ومالنا نذهب بعيدًا. وهذا القرآن الكريم يحصر حقيقة الأمومة في الولادة بنص حاسم، فيقول في تخطئة المظاهرين (المظاهر من امرأته: من يحرمها على نفسه بأن يقول لها: أنت علي مثل أمي. أو كظهر أمي ويسمى هذا شرعًا ” الظهار “) من نسائهم: ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ﴾ بهذا الأسلوب الجازم الحاصر حدد القرآن معنى الأمومة ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ﴾، فلا أم في حكم القرآن إلا التي ولدت.

والخلاصة: أن الأم التي لا تحمل ولا تلد كيف تسمى “أما” أو “والدة”؟ وكيف تتمتع بمزايا الأمومة دون أن تحمل أعباء الأمومة؟

4-لماذا كانت الأم أحق بالحضانة؟

روى أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وإن أباه طلقني وزعم أنه ينتزعه مني! فقال e: «أنت أحق به ما لم تنكحي» (أي تتزوجي). وهكذا أعطى الشرع حق الحضانة للأم وقدمها على الأب. وجعلها أحق بطفلها منه، لما ذكرته هذه المرأة الشاكية من أسباب وحيثيات تجعلها أحنى على الطفل وأرفق به وأصبر على حضانته من أبيه، فقد صبرت على ما هو أشد وأقسى من الحضانة، حين حملته كرهًا ووضعته كرهًا. فما تقول هذه الأم المستحدثة إذا اختلفت مع زوجها في أمر حضانة الولد؛ وبأي منطق تستحقه وتقدم على أبيه، ولم يكن بطنها له وعاء، ولا ثديها له سقاء؟

إن قالت: إِنَّهَا صاحبة البويضة التي منها خلق، فالأب صاحب الحيوان المنوي الذي لولاه ما صلحت البويضة لشيء، بل لعله هو العنصر الإيجابي النشيط المتحرك في هذه العملية، حتى إن القرآن نسب تكوين الإنسان إليه في قوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ فالماء الدافق هنا هو ماء الرجل.

5- تساؤلات:

ولنا أن نسأل هنا: لماذا يفكر رجال العلم في نقل بويضة امرأة إلى رحم امرأة أخرى؟

سيجيبون: لنوفر للمرأة المحرومة من الولد، لفقدها الرحم الصالح للحمل، ما تشتاق إليه من الأطفال عن طريق أخرى صالحة للحمل. ونود أن نقول هنا: إن الشريعة تقرر قاعدتين مهمتين تكمل إحداهما الأخرى:

الأولى: إن الضرر يزال بقدر الإمكان.     والثانية: إن الضرر لا يزال بالضرر.

ونحن إذا طبقنا هاتين القاعدتين على الواقعة التي معنا، نجد أننا نزيل ضرر امرأة – هي المحرومة من الحمل – بضرر امرأة أخرى، هي التي تحمل وتلد، ثُمَّ لا تتمتع بثمرة حملها وولادتها وعنائها. فنحن نحل مشكلة بخلق أخرى.

إن على العلم أن يتواضع ولا يحسب أن بإمكانه أن يحل كل مشكلات البشر، فإنها لا تنتهي ولن تنتهي. ولو فرض أنه حل مشكلة المرأة التي ليس لها رحم صالح، فكيف يحل مشكلة التي ليس لها مبيض صالح؟ وسؤال آخر: هل هذه هي الطريقة الوحيدة – في نظر العلم – لإزالة ضرر المرأة المحرومة من الإنجاب لعدم الرحم؟

والجواب: إن العلم الحديث نفسه بإمكانه وتطلعاته – فيما حدثني بعض الأخوة الثقات المشتغلين بالعلوم، والمطلعين على أحدث تطوراتها، وتوقعاتها، يفتح أمامنا باب الأمل لوسيلة أخرى أسلم وأفضل من الطريقة المطروحة. وهذه الوسيلة هي زرع الرحم نفسه في المرأة التي عدمته، تتمة لما بدأ به العلم ونجح فيه من زرع الكلية والقرنية وغيرهما، بل زرع القلب ذاته في تجارب معروفة ومنشورة.

احتمالات:

ولقد حصر السائل الصورة المسئول عنها في امرأة ذات مبيض سليم، ولكن لا رحم لها. وهي مشوقة إلى الأولاد، وراغبة في الإنجاب، كأنه بهذا يثير الشفقة عليها، ويستدر العطف من أجلها.

ولكن هذا الباب إذا فتح، ما الذي يمنع أن تدخله كل ذات مال من ربات الجمال والدلال، مِمَّن تريد أن تحافظ على رشاقتها، وأن يظل قوامها كغصن البان، لا يغير خصرها وصدرها الحمل والوضع والإرضاع. فما أيسر عليها أن تستأجر ” مضيفة ” تحمل لها، وتلد عنها، وترضع بدلها، وتسلم لها بعد ذلك ” ولدًا جاهزًا ” تأخذه بيضة مقشورة، ولقمة سائغة، لم يعرق لها فيه جبين، ولا تعبت لها يمين، ولا انتفض لها عرق. وصدق المثل: “رب ساع لقاعد، ورب زارع لحاصد!!”

وإذا كان مبيض الأنثى يفرز في كل شهر قمري بويضة صالحة – بعد التلقيح – ليكون منها طفل، فليت شعري ما يمنع المرأة الثرية أو زوجة الثري أن تنجب في كل شهر طفلا ما دام الإنجاب لا يكلفها حملا ولا يجشمها ولادة!! ومعنى هذا أن المرأة الغنية تستطيع أن تكون أما لاثنى عشر ولدًا في كل سنة، ما دامت الأمومة هينة لينة لا تكلف أكثر من إنتاج البويضة، والبركة في ” الحاضنات ” أو ” المضيفات ” الفقيرات اللائي يقمن بدور الأمومة ومتاعبها لقاء دريهمات معدودة. ويستطيع الرجل الثريّ أيضا أن يكون له جيش من الأولاد بعد أن يتزوج من النساء مثنى وثلاث ورباع، يمكن لكل واحدة أن تنجب حوالي 500 خمسمائة من البنين والبنات بعدد ما تنتج من البويضات، طوال مدة تبلغ أو تتجاوز الأربعين عامًا من سن البلوغ إلى سن اليأس.

والنتيجة من وراء هذا البحث: أن الشريعة لا ترتاح إلى ما يسمَّى “شتل الجنين” لِما ذكرنا من آثار ضارة تترتب عليه، فهو أمر مرفوض شرعًا، ممنوع فقهًا.

 

المبحث السابع:

نماذج من قضايا النوازل في السياسة الشرعية

1- القواعد العسكرية في البلاد الإسلامية:

منذ الثلث الأخير من القرن الماضي وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي أصبح القطب الأوحد هو أمريكا، فسعت تلك الأخيرة لإحكام السيطرة على بلاد العالم العربي والإسلامي، ولأنها تعلمت من التاريخ فلم تشأ أن تكون السيطرة عن طريق الاحتلال العسكري المباشر الذي يكلفها الكثير من خسارة الأموال والأرواح كما أنه يوقظ الشعوب النائمة ويحيي فيها حب الجهاد والدفاع عن الأرض والعرض ويؤلف بين صفوفها ويجعلها تنسى أو تتناسى خلافها وتفرغ لقتال المستعمر.

فقد أحكم السيطرة بشكل مختلف هذه المرة قد أتي في صورة اتفاقات عسكرية ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب ودخل لبلاد العرب والمسلمين طواعية دون كلفة القتال والتضحية بالمال والنفس حيث حصل على موافقة الحكومات في غفلة من شعوبها وأقام قواعده العسكرية في معظم هذه البلاد وضمن أنه يستطيع أن يبدأ الحرب من عمق هذه الدول لو أراد، أو يغير منها على جاراتها مِمَّن يشاركها اللغة والدين ويعود سالما بغير أذى، وكنا عددنا مجموعة من الأسئلة توجهنا بها إلى المستشار فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء وهذه هي الأسئلة وتلكم الإجابة.

* ما معنى القواعد العسكريّة الأجنبيَّة؟ ولماذا تقام القواعد العسكريّة الأجنبيَّة في بلادنا؟ وما الهدف منها؟ وهل يجوز السّماح بانطلاق طائرات من هذه القواعد لتضرب بلدا إسلاميّا آخر وتقديم التّسهيلات لها؟ وهل يعتبر هذا العمل مشاركة في الاعتداء، أم دفاعا عن النّفس؟

* يقول فضيلة المستشار فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء:

للجواب عن هذا السّؤال لابدّ من معرفة الواقع بشكل صحيح.

أولا: ما معنى القواعد العسكريّة الأجنبيَّة؟ هي ما تتخذه دولة ما لنفسها من معسكرات حربية لها في غير أرضها، للانطلاق منها والقيام بعمليّات عسكريّة، تنفيذا لقرارات تتّخذها قيادتها السّياسيّة. وتبقى هذه القواعد وما فيها من قوّات تحت إمرة قيادتها العسكريّة الأجنبيَّة، ولا تدخل تحت إمرة جيوشنا الوطنيّة. وقد يجري نوع من التّنسيق بين الدولة الأجنبيَّة والدولة صاحبة الأرض. والواقع أن هذه القواعد حين تحتاج إلى شيء عندنا، تصدر أوامرها بذلك إلى قياداتنا العسّكريّة أو السّياسيّة التي لا تملك إلاّ التّنفيذ.

ثانيا: لماذا تقام القواعد العسكريّة الأجنبيَّة في بلادنا؟ وما الهدف منها؟ تقام القواعد العسكريّة الأجنبيَّة في أي بلد من بلاد العالم – حين يكون مهزوما أو ضعيفا – من أجل تحقيق المصالح العسكريّة أو السّياسيّة لهذه الدّولة الأجنبيَّة. فالقواعد العسكريّة الأمريكيّة في ألمانيا لا تهدف إلى الدفاع عن ألمانيا، وإنّما لتحقيق المصالح الأمريكيّة في ألمانيا، ومنها منع الألمان من استكمال قوّتهم العسكريّة، والدفاع عن أوروبا في مواجهة الاتحاد السوفياتي السابق.

والقواعد العسكريّة الأمريكيّة في الخليج تدّعي أنّها تريد حماية بلاد الخليج من النّظام العراقي، وهذه أكذوبة نجحت السّياسة الأمريكيّة في ترويجها بعد الغزو العراقي للكويت، ولا تزال تستخدمها من أجل ابتزاز دول الخليج؛ لتمويل هذه القواعد العسكريّة، بل ولتسليح جيوش الخليج بأنواع من الأسلحة ليست بحاجة إليها، أو لا تستطيع استعمالها، ولكن الإدارة الأمريكيّة تضغط على الدّول الخليجيّة من أجل شراء هذه الأسلحة؛ لتشغيل مصانع السّلاح عندهم وتطويره بشكلٍ دائم.

إنّ العدوّ الأوّل لدول الخليج ولجميع الدّول العربيّة والإسلاميّة اليوم هو الكيان الصهيونيّ، فلو قامت إسرائيل بغزو عسكري لاحتلال خيبر، والوصول إلى المدينة المنوّرة -كما يزعمون- فهل ستقوم هذه القواعد الأجنبيَّة بالقتال معنا ضدّ الصّهاينة؟ طبعا لا؛ لأنّ هذه الدّول الأجنبيَّة نفسها هي التي زرعت إسرائيل في بلادنا لتحقيق مصالحها، وهي التي تمدّها بكلّ أسباب القوّة.

إذا فالقواعد العسكريّة الأمريكيّة الموجودة في بلادنا تهدف إلى تحقيق مصالح بلادها، وليس للدفاع عنّا. وعندما انطلقت منها الطائرات الأمريكيّة والبريطانيّة لتضرب مواقع للجيش العراقي قرب بغداد في إحدى المرات، أعلنوا صراحةً أنّهم فعلوا ذلك لمنع الجيش العراقي من تحسين قدرته على مواجهتهم. وكأنّه يجوز للجيوش الأمريكيّة أن تكون عندها قوّة عسكريّة تمكّنها من الضّرب في كلّ أنحاء العالم، ولا يجوز لغيرهم أن تكون له مثل هذه القوّة لمجرّد الدّفاع عن نفسه!! إنّهم يزعمون أنّ ازدياد قوّة الجيش العراقي يهدّد أمن الخليج، بينما هم في الحقيقة يخشون تهديد أمن الكيان الصهيوني.

انطلاقا من هذا التوضيح نقول:

إنّه لا يجوز السّماح بإقامة قواعد عسكريّة أجنبيَّة في بلاد المسلمين؛ للأسباب التالية:

أ- أنّ هذه القواعد تعمل لتحقيق المصالح الأجنبيَّة، ولا يهمّها مصالحنا القوميّة. وغالبا ما تكون مصالحهم متعارضة بالمطلق مع مصالحنا. ولا يجوز لنا أن نعينهم فيما يعتبر في ديننا إثما وعدوانا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾([82]).

ب- أنّ هذه القواعد نوع من الاحتلال الأجنبيّ المباشر، ولها تأثير واضح على قرارنا السّياسيّ المستقلّ.

ج- وخضوع الحاكم المسلم لتأثير الأجانب على قراره نوع من الخيانة لله ولرسوله وللمؤمنين، والرسول يقول: «كلّكم راعٍ، وكلّكم مسئول عن رعيّته؛ الإمام راع ومسئول عن رعيّته…» (رواه الشّيخان).

والخضوع للأجانب نوع من الموالاة لهم ضدّ المسلمين، وهذا غير جائز. وهو نوع من الغشّ للمسلمين، يقول رسول الله e: «ما من عبد يسترعيه الله رعيّة، يموت يوم يموت وهو غاشّ لرعيّته، إلاّ حرّم الله عليه الجنّة» (رواه الشيخان).

أما بالنسبة للسؤال الثاني فنقول: إنّ القواعد العسكريّة الأجنبيَّة (حين تقوم في أحد البلاد المستضعفة) لا تطلب إذنا من أحد للقيام بعمليّات عسكريّة، بل ربّما لا تعطي علما بذلك لأحد. لكنّنا نقول: إن انطلاق الطّائرات الحربيّة الأجنبيَّة من بلد إسلامي لتضرب بلدا إسلاميّا آخر -حتّى ولو لم تقدَّم لها أيّة تسهيلات- يعتبر مشاركة مع الدّولة الأجنبيَّة في الاعتداء على بلد عربيّ مسلم، وهذه هي الموالاة التي نهانا الله عنها، إنّها مساعدة العدوّ المحارِب ضدّ إخوانك المسلمين. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾([83])، وقال: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾([84])، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾([85]).

أمّا الزّعم بأن هذا العمل دفاع عن النّفس، فهو غير صحيح مطلقا. وبناءً على ذلك نقول:

(1) لا يجوز إقامة قواعد عسكريّة أجنبيَّة في بلاد المسلمين، أيّا كانت الظّروف.

(2) لا يجوز السّماح لهذه القواعد – إذا كانت موجودة – بالانطلاق منها للاعتداء على أي بلد إسلاميّ آخر، فضلا عن تقديم التسهيلات لها. والله أعلم.

2- مشاركة المسلم الأمريكي في الحرب على المسلمين:

لقد قمنا بنشر كُلّ ما وصلنا من العلماء حول هذه المسألة ولم نتبن وجهة نظر واحدة، وتركنا الباب مفتوحا أمام العلماء كل يجتهد وسعه وتركنا الباب أمام المستفتين كل يختار ويتحمل نتيجة اختياره لأن الأمر متعلق بالدماء، وهو أمر جد خطير ودم المسلم أشد حرمة عند الله من هدم الكعبة وما زالت هذه المسألة مفتوحة للاجتهاد وقد تظهر أمور في المستقبل تجعل أحد الفريقين يرجع عن رأيه ويعلم أن رأي غيره هو الصواب، فتلك فتن تموج من حولنا نسأل الله أن يسلم المسلمين منها وأن يلهم الجميع الصواب ويثيب كل المجتهدين والمتصدين لهذه الفتوى على اجتهادهم أجرا واحدا إن أخطئوا وأجرين إن أصابوا ما داموا قد علموا من أنفسهم القدرة على الاجتهاد.

يقول الدكتور محمَّد سليم العوا: هذا جواب عن الاستفتاء المقدم من السيد/ جابلن محمَّد عبد الرشيد، أقدم المرشدين الدينيين المسلمين في الجيش الأمريكي، حول مدى جواز مشاركة العسكريين المسلمين في الجيش الأمريكي في المهمات القتالية وسائر ما تتطلبه في أفغانستان وغيرها من بلاد المسلمين.

ويقول في استفتائه إن أهداف هذه العمليات هي:

1-   الانتقام من الذين “يظن أنهم شاركوا” في تدبير وتمويل العمليات الانتحارية التي نفذت في الحادي عشر من سبتمبر ضد أهداف مدنية وعسكرية، في كُلّ من نيويورك وواشنطن (وشرح ما اشتملت عليه هذه العلميات).

2-   القضاء على العناصر التي لجأت إلى الأراضي الأفغانية وغيرها، وإخافة سائر الحكومات التي تتساهل في إيواء أمثال هؤلاء، وتمكنهم، أو تعطيهم فرص التمكن، من التدريب على فنون القتال، والانطلاق نحو أهدافها في العالم.

3-        إعادة الهيبة والاحترام للولايات المتحدة باعتبارها قطبًا عالميًا منفردًا.

ويختتم استفتاءه بقوله إن العسكريين المسلمين في الجيش الأمريكي بفروعه الثلاثة لا يقلون عن خمسة عشر ألفًا، وأنهم قد لا يتاح لهم، إذا لم يقبلوا المشاركة في العمليات القتالية المذكور، إلا الاستقالة وفيها ما فيها في الظروف الراهنة، ويسأل أخيرًا: هل يجوز لمن يستطيع منهم أن يطلب تحويله إلى الخدمات الأخرى غير القتال المباشر؟

والجواب: بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله؟ نقول:

إن هذا السؤال يعرض قضية شديدة التعقيد وموقفًأ بالغ الحساسية يواجهه إخواننا العسكريون المسلمون في الجيش الأمريكي، وفي غيره من الجيوش التي قد يوضعون فيها في ظروف مشابهة.

والواجب على المسلمين كافة أن يكونوا يدًا واحدة ضد الذين يروعون الآمنين ويستحلون دماء غير المقاتلين بغير سبب شرعي، لأن الإسلام حرم الدماء والأموال حرمة قطعية إلى يوم القيامة قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾([86]) فمن خالف النصوص الإسلامية الدالة على ذلك فهو عاص مستحق للعقوبة المناسبة لنوع معصيته وقدر ما ترتب عليها من فساد أو إفساد.

ويجب على إخواننا العسكريين المسلمين في الجيش الأمريكي أن يجعلوا موقفهم هذا -وأساسه الديني – معروفين لجميع زملائهم ورؤسائهم وأن يجهروا به ولا يكتموه لأن في ذلك إبلاغًا لجزء مهم من حقيقة التعاليم الإسلامية طالما شوهت وسائل الإعلام صورته أو أظهرته على غير حقيقته.

ولو أن هذه الأحداث الإرهابية التي وقعت في الولايات المتحدة الأمريكية عوملت بمقتضى نصوص الشريعة وقواعد الفقه الإسلامي لكان الذي ينطبق عليها هو حكم جريمة الحرابة، الوارد في سورة المائدة (الآيتان 33و34)، في قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.

ولذلك فإننا نرى ضرورة البحث عن الفاعلين الحقيقيين لهذه الجرائم، والمشاركين فيها بالتحريض والتمويل والمساعدة، وتقديمهم لمحاكمة منصفة تنزل بهم العقاب المناسب الرادع لهم ولأمثالهم من المستهينين بحياة الأبرياء وأموالهم والمروعين لأمنهم.

وهذا كله من واجب المسلمين المشاركة فيه بكل سبيل ممكنة، تحقيقًا لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾([87]).

ولكن الحرج الذي يصيب العسكريين المسلمين الآخرين مصدره أن القتال يصعب أو يستحيل التمييز فيه بين الجناة الحقيقيين المستهدفين به، وبين الأبرياء الذين لا ذنب لهم فيما حدث، وأن الحديث النبوي الصحيح يقول: «إذا تواجه المسلمان بسيفهما فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار»، قيل: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: »قد أراد قتل صاحبه« (رواه البخاري ومسلم).

والواقع أن الحديث الشريف المذكور يتناول الحالة التي يملك فيها المسلم أمر نفسه فيستطيع أن ينهض للقتال ويستطيع أن يمتنع عنه، وهو لا يتناول الحالة التي يكون المسلم فيها مواطنًا وجنديًا في جيش نظامي لدولة، لا يملك إلا أن يلتزم بطاعة الأوامر الصادرة إليه وإلا كان ولاؤه لدولته محل شك، مع ما يترتب على ذلك من أضرار عديدة، ذلك أنه لا يستطيع أن يتمتع بحقوق المواطنة دون أن يؤدي الالتزامات المترتبة عليها.

ويتبين من ذلك أن الحرج الذي يسببه نص هذا الحديث الصحيح، وأمثاله، إما أنه مرفوع، وإما أنه مغتفر في جنب الأضرار العامة التي تلحق مجموع المسلمين في الجيش الأمريكي، بل وفي الولايات المتحدة بوجه عام، إذا أصبحوا مشكوكًا في ولائهم لبلدهم الذي يحملون جنسيته، ويتمتعون فيه بحقوق المواطنة، وعليهم أن يؤدوا واجباتها.

وأما الحرج الذي يسببه كون القتال لا تمييز فيه فإن المسلم يجب عليه أن ينوي بمساهمته في هذا القتال أن يحق الحق ويبطل الباطل، وأن عمله يستهدف منع العدوان على الأبرياء أو الوصول إلى مرتكبيه لتقديمهم للعدالة، وليس له شأن بما سوى ذلك من أغراض للقتال قد تنشيء لديه حرجًا شخصيًا؛ لأَنَّهُ لا يستطيع وحده منعها ولا تحقيقها، «وَإِنَّمَا الأعمال بالنيات» والله تعالى لا يكلف نفسًا إِلاَّ وسعها، والمقرر عند الفقهاء أن ما لا يستطيعه المسلم فهو ساقط عنه لا يكلف به لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾([88]) ولقول الرسول e: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم». وَإِنَّمَا المسلم هنا جزء من كُلّ لو خرج عليه لترتب على خروجه ضرر، له ولجماعة المسلمين في بلده، أكبر كثيرًا من الضر الذي يترتب على مشاركته في القتال.

والقواعد الشرعية المرعية تقرر أنه “إذا اجتمع ضرران ارتكب أخفهما”، فإذا كان يترتب على امتناع المسلم عن القتال في صفوف جيشه ضرر على جميع المسلمين في بلاده -وهم ملايين عديدة- وكان قتاله سوف يسبب له هو حرجًا أو أذى روحيًا ونفسيًا “فإن الضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام” كما تقرر القاعدة الفقهية الأخرى.

وإذا كان العسكريون المسلمون في الجيش الأمريكي يستطيعون طلب الخدمة -مؤقتًا في أثناء هذه المعارك الوشيكة- في الصفوف الخلفية للعمل في خدمات الإعاشة وما شابهها -كما ورد في السؤال- دون أن يسبب لهم ذلك، ولا لغيرهم من المسلمين الأمريكيين، حرجًا ولا ضررًا فإنه ينبغي عليهم هذا الطلب، أما إذا كان هذا الطلب يسبب ضررًا أو حرجًا يتمثل في قطع العمل الوظيفي أو للتشكيك في وطنيتهم، وأشباه ذلك، فإنه لا يجوز عندئذ هذا الطلب.

والخلاصة: أَنَّهُ لا بأس -إن شاء الله- على العسكريين المسلمين من المشاركة في القتل في المعارك المتوقعة ضدَّ من تقرر دولتهم أَنَّهُم يمارسون الإرهاب ضدَّها، أو يؤوون الممارسين له، ويتيحون لهم فرص التدريب والانطلاق من بلادهم، مع استصحاب النية الصحيحة على النحو الذي أوضحناه، دفعًا لأي شبهة قد تلحق بهم في ولائهم لأوطانهم، ومنعًا للضرر الغالب على الظنّ وقوعه، وإعمالا للقواعد الشرعية التي تبيح بالضرورات ارتكاب المحظورات وتوجب تحمل الضرر الأخفّ لدفع الضرر الأشدّ. والله تعالى أعلم وأحكم. أ.د محمَّد سليم العوا

ويقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي تعقيبا على هذه الفتوى:

(سألني كثير من الإخوة الذين قرأوا الفتوى التي حررها الأخ الدكتور محمَّد سليم العوا، ووقعت عليها مع المستشار طارق البشري، والدكتور هيثم الخياط، والأخ فهمي هويدي، والخاصة بالمسلم الذي يعمل في القوات المسلحة الأمريكية، وهي فتوى خاصة به ولمن كان في مثل حاله، فلا ينبغي أن تعمم، والواجب في الفتوى مراعاة: الزمان والمكان والعرف والحال، فليست مجرد تقرير مبدأ نظري، بل تنزيل الحكم الشرعي على واقعة معينة في ظروفها وإطارها وحجيتها، فلا تعدوها إلى غيرها، إلا ما كان مثلها في كل العوامل المؤثرة في الحكم.

وأحبّ أن أؤكد هنا بوضوح: أن الإسلام قد حرم على المسلم أن يواجه أخاه المسلم بالسلاح، واعتبر ذلك من أعمال الكفر، وأخلاق الجاهلية، فقال e: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، وقال: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض»، وقال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصا على قتل صاحبه»، وهذه كلها أحاديث صحيحة متفق عليها. بل حرم الرسول e على المسلم أن يشير إلى أخيه المسلم بسلاحه – مجرد إشارة – لا جادا ولا مازحا.

وهنا يبرز سؤال المسلم الذي يكون مجندا في جيش، لا يملك فيه إلا طاعة رؤسائه وتنفيذ أوامرهم التي يصدرونها إليه، وليس من حقه أن يقول: لا، أو: لم؟ وفق الأنظمة العسكرية المعروفة في العالم اليوم. فإذا كان جيش دولته هذا يحارب دولة مسلمة، وهو جندي في هذا الجيش، فماذا يصنع؟ وهو مكره على أن يتحرك بحركة الجيش، إذ هو فيه مجرد آلة في ترس كبير؟

والذي يتجه إليه النظر الفقهي هنا: أن المسلم إذا أمكنه أن يتخلف عن هذه الحرب بطلب إجازة أو إعفاء من هذه الحرب، لأن ضميره لا يوافق عليها، أو نحو ذلك، فالواجب عليه أن يفعل ذلك، حتى لا يتورط في مواجهة المسلم بغير حق. وكذلك إذا استطاع أن يطلب العمل في الصفوف الخلفية لخدمة الجيش، لا في مباشرة القتال، فهذا أخف.

وهذا ما لم يترتب على موقفه هذا ضرر بالغ له أو لجماعته الإسلامية التي هو جزء منها، كأن يصنف هو وإخوانه في مربّع الذين يعيشون في الوطن، وولاؤهم لغيره. وقد يكون في هذا التصنيف خطر على الأقلية الإسلامية ومصيرها، ووجودها الديني والدعوي. وقد يودي بالجهود الدعوية والتربوية الهائلة التي بذلت لعشرات السنين من أجل تقوية الوجود الإسلامي وتثبيته، واعتبار المسلمين جزءا لا يتجزأ من مجتمعهم، يجب أن يندمجوا فيه حضاريا، ولا يذوبون فيه دينيا. فلا يجوز أن يتصرفوا تصرفا يجعلهم مشبوهين أو مشكوكا فيهم، بحيث يعتبرهم المجتمع العام طابورا خامسا.

ولا ينبغي للأفراد أن يريحوا ضمائرهم بالتخلف عن الحرب إذا كان ذلك سيضر بالمجموعة الإسلامية كلها، فإن القاعدة الشرعية: أن الضرر الأدنى يتحمل لدفع الضرر الأعلى، وأن الضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام، وحق الجماعة مقدم على حق الأفراد. وفقه التعارض بين المصالح والمفاسد من أهم أنوع الفقه، الذي سميته (فقه الموازنات) وهو فقه يفتقده الكثير من المسلمين. فلا يجوز أن يخضع العلماء لفقه العوام، الذين يغلبون فقه الظواهر على المقاصد.

وإذا اضطر المسلم للقتال مكرها تحت ضغط الظروف التي ذكرناها فينبغي له أن يبتعد بقدر ما يمكنه عن القتل المباشر، وأن يشارك في الحرب إذا شارك، وهو كاره منكر لها بقلبه، كما هو شأن المؤمنين إذا عجز عن تغيير المنكر بيده أو بلسانه، فهو يغيره بقلبه أي بالكراهية والنفور، وذلك أضعف الإيمان؛ فهذا سر موافقتي على الفتوى التي جاءت من أمريكا، والتي لم يفهم أغوارها – للأسف – كثير من الإخوة الذين ينظرون إلى الأمور من السطوح لا من الأعماق. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾([89]). والله أعلم. انتهى كلام فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي.

أما فتوى فضيلة المستشار فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث؛ فقد جاءت ضمن الفتاوى المباشرة التي أجراها معه قسم الفتوى في الثالث من أكتوبر 2001م.

الجندي الأمريكي المسلم في موقف صعب؛ فهو من جهة مواطن أمريكي ومطلوب منه أن يلتزم بموجب القوانين الأمريكية بأن يكون مع بلده، وهو من جهة ثانية إنسان مسلم وملتزم بموجب الأحكام الشرعية ألاّ يقاتل إخوانه المسلمين.

وهو مضطرٌّ للموازنة بين الأمرين واختيار أخفّ الضررين، فإذا استطاع أن يتحوَّل من العمل العسكري المباشر إلى أيّ عمل آخر بناء على الحرج الذي يستشعره من مقاتلة إخوانه المسلمين، فيجب عليه أن يفعل ذلك، والذي نعلمه أنّ القوانين الأمريكية تسمح له بمثل هذا الموقف.

أمّا إذا لم يستطع التحوّل عن الأعمال العسكرية المباشرة فهو مضطرّ إلى الاختيار، وهو الذي يتحمّل مسؤولية اختياره في الدنيا والآخرة، وإذا كان الحكم الشرعي الأصلي في عدم جواز مقاتلة المسلم لأخيه المسلم ثابتًا ولا خلاف عليه، إلاّ أنّ القاعدة الشرعية الثابتة أيضا هي رفع الإثم عن المسلم فيما إذا كان لا يستطيع القيام بالحكم الشرعي كما أمره الله، قال U: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُم﴾، وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها﴾، والآيات في ذلك كثيرة.

وهذه الحالة في الأصل حالة استثنائية تحصل بالنسبة لأعداد قليلة من الجنود الأمريكان المسلمين. والأمر في هذا يحتاج إلى موازنة يقوم بها الجندي نفسه الواقع في هذه المشكلة.

كما أنّنا لا نستطيع أن نطالب الجندي المسلم الأمريكي بتغليب انتمائه الوطني على انتمائه الإسلامي والانطلاق من أجل مقاتلة إخوانه المسلمين؛ فهذا أمر لا يجوز أيضا.

إنّ الموازنة بين الأمرين تدفع كلّ جندي أمريكي مسلم إلى أن يتخذ بحقّ نفسه القرار الممكن الذي لا يعرّضه لضرر لا يستطيع تحمّله، والله تعالى لا يكلّف نفسا إلاّ وسعها. ولا يمكن في مثل هذه الحالات إعطاء فتوى عامّة لجميع الجنود المسلمين الأمريكان؛ سواء بتغليب الانتماء الديني؛ إذ قد يترتّب على ذلك ضرر أكبر، أو بتغليب الانتماء الوطني، والذي قد يترتّب عليه ضرر أكبر أيضا، والضرران متقاربان جدا، وهما تعريض الإنسان المسلم لقتل أخيه المسلم أو لقتل نفسه.

إذن لا بدّ من البحث عن حلّ ثالث بين الأمرين، وهذا الحلّ الثالث قد يختلف بين جندي وآخر بحسب ظروفه وقوّة إيمانه هذا والله أعلم. انتهي كلام فضيلة الشيخ المستشار

هذا، وقد أجاب عن هذا السؤال أيضا الدكتور أحمد الريسوني (أستاذ الشريعة بالجامعات المغربية) في الفتاوى المباشرة التي أجراها معه الموقع في السادس والعشرين من شهر سبتمبر 2001م، حيث أعلن تبنيه خيار الاعتذار عن المشاركة في هذه الحرب على تفهم الإدارة الأمريكية؛ وعلى الدستور الأمريكي الذي يتيح للجندي الاعتذار عن المشاركة المباشرة في الحرب؛ فيقول مخاطبا الجنود المسلمين الأمريكيين: “لا يجوز في هذه الحالة وفي أمثالها الإقدام على المشاركة في محاربة المسلمين وقتلهم والاعتداء عليهم وأظن أن الإدارة الأمريكية ستتفهم هذا الموقف وتتجنب الزج بالمسلمين في مقاتلة إخوانهم، إما مراعاة لشعورهم وعقيدتهم وإما من باب الاحتياط لجيشها وانضباطه، ولكن إذا حصل ودعيتم إلى هذا القتال فاعتذروا عنه وامتنعوا”.

واعتمادا على حرمة دم المسلم عموما وعدم جواز تقابل المسلمين قتالا؛ بالإضافة إلى حقّ المسلم الدستوري في عدم المشاركة حرَّم الأستاذ الدكتور علي جمعة -الأستاذ بجامعة الأزهر- اشتراك الجندي المسلم الأمريكي في الاعتداء على المسلمين في أي مكان فيقول:

إن الفتوى كما هو مقرر عند علماء المسلمين لا بد فيها من إدراك الواقع المستفتي بشأنه من ناحية، وإلى إدراك حكم الله في مثله من ناحية أخرى حتى يتم إيقاع الحكم الشرعي الصحيح على الواقع الفعلي لا على واقع متخيل أو مفروض ولقد ورد الاستفتاء حول جواز حرب المسلمين الأمريكان تحت لواء الولايات المتحدة الأمريكية لأفغانستان حيث تدور الشبهات حول بعض المجاهدين للقوات الشيوعية بالأمس القريب أنهم وراء الأحداث التي وقعت في 11/9/2001 في واشنطن ونيويورك.

تحرير الواقع: الأمر (شبهة) والشبهة إذا احتفت بها القرائن وبدت بعض الأدلة ارتقت إلى (الاتهام) والاتهام إذا تقوى بكثرة الأدلة عرض على (القضاء) ليتحقق صحته من عدمه ثُمَّ إذا تبين لهيئة القضاء بعد الدفاع المشروع ارتقى الأمر إلى (الإدانة) وبعدها الحكم بتقرير (العقوبة) ثُمَّ يحال الأمر إلى الجهات المختلفة (لتنفيذ) هذه العقوبة التي يمكن تخفيفها أو السماح بتأجيلها للظروف الطارئة أو المحيطة ونحن نرى أن الولايات المتحدة قد حركت الجيوش وأصرت على تحويل الشبهة إلى تنفيذ للعقوبة.

الحكم الشرعي: قال رسول الله e: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»، وعندما سئل عن الفتنة بين المسلمين قال: «إذا تقابل المسلمان بسيفهما فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار»، وأجمع المسلمون أنه لا يجوز خروج المسلم ضد أخيه، فلو ثبتت التهمة فلا يجوز للمسلم أن يقاتل أخاه فما بالك وكل ذلك من قبيل الدعاية والأوهام. ففي الحديث «المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يسلمه».

الفتوى: فعلى الجندي المسلم في الجيش الأمريكي أن يعتذر عن هذه الحرب، فإن لم يستطيع فليكن في الإدارة فإن لم يستطع فليقدم استقالته فإن اضطر إلى الخروج وكان بين الصفوف فلا يقتل مسلمًا بسلاحه فإن قتله خطأ فعليه الدية والكفارة وإن قتله عمدًا أثم إثم من قتل مسلمًا عمدًا قال رسول الله e وهو يخاطب الكعبة: «ما أشد حرمتك على الله، ولدم امرئ مسلم أشد عند الله حرمة منك».

ولا يعتمد لا في الدين ولا من قبيل إدراك الواقع قياس حرب المسلمين للفئة الباغية بقتال الكفار وتحت لواء الكفار للمسلمين، ولا يصح لا في العقل ولا في النقل أن تصبح الرابطة بين المسلمين راجعة إلى الوطنية والحدود الإقليمية ويجب على مسلمي العالم أن يتحدوا ضد هذا التلاعب السخيف بعقول المسلمين ومقررات دينهم وإنا لله وإنا إليه راجعون”. انتهي كلام الأستاذ الدكتور علي جمعة، وقد حرر هذه الفتوى في يوم السادس عشر من أكتوبر 2001م، أي بعد بداية الحرب الحقيقية بستة أَيَّام.

أما الدكتور صلاح سلطان رئيس الجامعة الإسلامية الأمريكية المفتوحة؛ فلا يجيز للمسلم الأمريكي المشاركة في هذه الحرب وهذا نص فتواه التي أرسلها لموقع (إسلام أون لاين) يوم السابع عشر من أكتوبر 2001م.

ردا على سؤال ورد إلى المجلس الفقهي لأمريكا الشمالية من محمَّد عبد الرشيد الضابط في القوات المسلحة الأمريكية يتساءل نيابة عن خمسة عشر ألفا من المسلمين في الجيش الأمريكي: هل يجوز لهم الاشتراك في حرب أفغانستان لما يظن أنهم شاركوا في الاعتداءات على نيويورك وواشنطن؟

يبدو لي أن الجواب كما يلي:

(1)     لا يجوز شرعا الاشتراك في هذه الحرب على المسلمين.

(2)  إن كان الحرج شديدا في الاعتذار الكلي فيجب أن يطلب عملا في غير القتال، مثل خدمات الإعاشة وغيرها. وذلك للأدلة التالية:

(1)   الأصل الشرعي والقانوني أن كل متهم برئ حتى تثبت إدانته، والأصل في الذمة البراءة وهذا يقين لا يزول بالشك، ولا تزال هناك شكوك كثيرة جدا حول مرتكبي الحادث، ولم يرق أي شي إلى مستوى الدليل على جناية أسامة بن لادن أو تنظيم القاعدة أو من يحميه من حكومة طالبان، والشك يساور كل ذي عقل منذ اللحظة الأولى التي أعلن فيها عن المتهم، وحاولت الحكومة الأمريكية اغتياله سرا 1999م ولم تستطع، واليوم تحاول قتله مع الشعب البريء دون محاكمة شرعية أو قانونية تتوفر فيها الضمانات الكافية لتقديم الأدلة والشهود والدفاع، ثُمَّ يحكم القاضي حتى لا يوضع العالم أمام تصرفات غير قانونية ضررها على العالم عامة، وعلى الشعب الأمريكي خاصة، ربما أكثر بكثير مِمَّا وقع في 11 سبتمبر.

(2)  إذا كان قرار الحرب قد بنى على الوهم والشك لا الشهود والأدلة، فإنه لا يبيح قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وهي حرمة لكل إنسان لقوله تعالى: (أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا)، وهي من العموم بحيث تشمل أي إنسان في أمريكا أو أفغانستان أو فلسطين أو العراق أو كشمير أو غيرها.

(3)  ماذا سيكون موقف هؤلاء الجنود الأمريكان المسلمين إذا كان في تخطيط الحكومة الانتقال من أفغانستان إلى العراق وإندونيسيا وماليزيا كما يتردد في الأوساط السياسية والإعلامية؟ هل سيظل عندهم عذر في التمادي في قتل المسلمين؟

(4)  إذا استدللنا بقاعدة “يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام”، فإن الضرر الذي سيقع على الجندي الأمريكي المسلم أقصاه هو إنهاء الخدمة وإدخاله السجن كما حدث مع محمَّد علي كلاي في الحرب ضد فيتنام، وهو أهون من ارتكاب القتل لنفس بريئة وهو من السبع الموبقات. وحرمة المسلم أشد عند الله من حرمة الكعبة.

(5)  أما دفع الضرر عن المسلمين في أمريكا فمظنون ولا يبلغ حجم الضرر الواقع على المسلمين بمئات الملايين في عالمنا الإسلامي، ومن ثُمَّ تستطيع أن تستدل بالقاعدة الشرعية: “الضرر لا يزال بضرر مثله أو أشد”. والمسلمون في أمريكا عندهم مساحة من الحرية السياسية والإعلامية والدينية ما لا يوجد للمسلمين في بلادهم الإسلامية مثل باكستان أو إندونيسيا أو مصر أو العراق أو… فهل تظلم مئات الملايين ظلما قطعيا واضحا دفعا لضرر متوهم على ثمانية ملايين.

(6)  الأولى بالمسلمين في أمريكا عامة، وفي القوات المسلحة خاصة، أن يبينوا بوضوح أنهم حملة دين لا يقرّ قتل الأبرياء في أي مكان من الأرض. وإذا كانت كلمة العلماء قد اتفقت على تجريم ما حدث في نيويورك، فإن الأدلة نفسها هي التي تحرم قتل الأبرياء في فلسطين أو أفغانستان أو غيرها. وعليهم أن يتحملوا مسئوليتهم في الدعوة إلى الله بالحسنى وأن يجادلوا أهل الكتاب بالتي هي أحسن، وأن يصبروا ويحتسبوا إن ابتلوا بسبب هذا البيان والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذا قال الله تعالى: (وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور” وقال تعالى: (الذين يبلغون رسالات الله و يخشونه، ولا يخشون أحدا إلا الله).

(7)  لا يمكن تصور أن يساهم الإنسان في قتل الأبرياء كما هو حادث الآن وينوي بهذا القتال المساهمة أن يحق الحق ويبطل الباطل وأن عمله يستهدف منع العدوان على الأبرياء أو الوصول إلى مرتكبيه لتقديمهم للعدالة وليس له شأن بما سوى ذلك من أغراض القتال. هل وجدت أدلة تثبت من هم الجناة؟ وهل خلا العالم من المحاكم الدولية؟ وقد أعلنت طالبان أنه إذا قدمت الأدلة فإنها ستسلمه إلى محكمة إسلامية أو غيرها؟ فهل يقتل الآلاف ويشرد الملايين ليموتوا من الجوع ومن برد الشتاء ويكون هذا هو إحقاق الحق وإبطال الباطل كما جاء في الفتوى؟

(8)  القول بأن ما لا يستطيعه المسلم يسقط عنه ولا يكلف به لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، ولقول الرسول e: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» هذا صحيح في جانب الأمر الشرعي وهو الواجب فإنه يقدر حسب الاستطاعة، أما النهي فيجب اجتنابه كاملا للحديث الصحيح «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيكم عن شيء فاجتنبوه..» والفتوى تتعلق بقتال شعب لضبط شخص أو أشخاص، وقتل ملايين اللاجئين لإعادة الهيمنة والهيبة إلى النظام الأمريكي، فهل يسوغ ذلك في بدائه العقول أو الفطر السليمة؟

(9)  القول بأنه إذا كان في استطاعة الجنود الأمريكيين طلب الخدمة في الصفوف الخلفية، فإنه ينبغي له هذا الطلب، أما إذا كان هذا الطلب يسبب ضررا أو حرجا يتمثل في الشك في ولائهم أو تعريضهم لسوء ظن… فَإِنَّهُ لا يجوز عندئذ هذا الطلب. أقول: في الْـحَقّ إنني أتعجب عندما تستخدم لفظة “ينبغي” إذا كان في استطاعته طلب الخدمة في الصفوف الخلفية، أما توهّم أو توقّع الضرر فتستخدم لفظة لا يجوز. ولو قلنا: إنه يجب عليه طلب الخدمة في الصفوف الخلفية عند الاستطاعة، أما عند توقع الضرر فيكره له هذا الطلب، لكان أقرب إلى الأخذ والرد، أما القول: إِنَّهُ لا يجوز له هذا الطلب؛ فمعناه تأثيم من اعتذر عن مشاركة الأمريكان في خطتهم التي لا يعلم إلا الله أهدافها وحدودها. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين”.

ويقول الأستاذ الدكتور صلاح الصاوي رئيس الجامعة الأمريكية الإسلامية المفتوحة:  

لم يكن في مقدور أحد من المراقبين مهما كان خصب الخيال، أن يتصور أحدا من العلماء يتنفل بتقديم هذه الفتوى، التي تسوغ للجيوش الأمريكية، بقيادة قوى الاستكبار العالمية، أن تشن على فريق من أمة محمَّد حرب إبادة، وأن تعد العدة للزحف المدمر على آخرين، ويفتي طائفة العسكريين المسلمين في هذه الجيوش بمشروعية المشاركة في هذه الحروب، والمظاهرة عليها، وينسف آخر حصن من حصون التدين داخل قلوبهم، وهو التحرج أو التأثم عند ارتكاب هذا المنكر، ويوهن عزائمهم حتى من مجرد المطالبة باستبدال المشاركة في العمليات الإغاثية بالمشاركة في الأعمال القتالية!

ولا نريد أن نسترسل مع هذه الزفرات، فإن المقام مقام جد لا هزل فيه، فقد دقت طبول الحرب، وبدأت آلاف الأطنان من القنابل والصواريخ تتساقط على بقعة من بلاد الإسلام، لتهلك الحرث والنسل! وتشيع في الأرض الدمار والخراب! وهي مجرد بداية كما يقولون، وستتلوها صواعق أخرى، في هذا الموقع، وفي مواقع أخرى، خطط لها الظالمون، وليعلم الذين يغضون الطرف عن ذلك اليوم أنهم سيكونون وقود نيرانه غدا! وأكلت يوم أكل الثور الأبيض!

إن هذه الفتوى تشتمل على جملة من الأغلاط العلمية والعملية، وقبل أن نشرع في بيانها وتعقبها، نوطِّئ لذلك بإيراد جملة من المبادئ لا يسع القارئ -مسلما كان أو غير مسلم- أن يتجاهلها بين يدي قراءته لهذا التعقيب.

مقدمات بين يدي التعقيب:

أَوَّلاً: تعظيم أمر الدماء، وتغليظ العقوبة عليها، واشتداد غضب الله على المجترئين عليها بغير حق، مِمَّا استفاض تقريره في الشريعة المطهرة، وأكدت عليه نصوص الوحيين قرآنا وسنة، فلا يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما، وكل ذنب عسى الله أن يغفره إِلاَّ الرجل يموت كافرا، أو مؤمنا يقتل مؤمنا متعمدا، ومن هنا كانت عقوبة القصاص في الشريعة، صيانة لدماء البشر، وحماية لها من المفسدين في الأرض! وكانت عقوبة الحرابة -وهي أشد وأغلظ- حماية للمجتمع من غوائل المارقين عليه، وتأكيدا لحرمة الأمن العام في الشريعة المطهرة، قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾([90])، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾([91]).

وهذا التعظيم للدماء في الإسلام شريعة عامة، لا يفرق فيها في الأصل بين مسلم وغيره، فلا تستباح الدماء في دار الإسلام إلا بإحدى ثلاث: القتل العمد العدوان، أو الزنا بعد الإحصان، أو الردة بعد الإيمان، قال e: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة»، ولا تستباح خارج دار الإسلام إلا في الحرب المشروعة التي تكون لدفع العدوان: العدوان على بلاد الإسلام، أو العدوان على الإسلام نفسه، بفتنة الناس عنه، أو صدهم عن سبيله، ووضع المعوقات في طريقه، ومصادرة حق البشر في اختياره، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾([92])، وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾([93]) وفرق بين الحرب المشروعة كما عرفتها مواريثنا الفقهية والتاريخية، والحرب المقدسة كما شاعت في الأوساط الغربية، والتي يراد بها إكراه أهل ملة على الدخول في ملة أخرى عنوة وتحت بارقة السيوف! فإن هذا ما لا يعرف له نظير في ملة الإسلام، انطلاقا من هذا المبدأ القرآني الخالد ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾([94]).

– ولهذه الحرب المشروعة شرائط وآداب لا تتحقق المشروعية إلا باستيفائها، منها على سبيل المثال: تجنب الغدر، فمن كان بينه وبين قوم ميثاق وجب عليه أن يتم إليهم عهدهم إلى مدتهم، ولا يحل له أن ينكث فيه بحال، وإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم على سواء، وأعلمهم بالمنابذة والمصارمة، والنصوص في ذلك صريحة وقاطعة! قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾([95]) ومعنى قوله تعالى: ﴿فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء﴾ أي أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم، حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم وهم حرب لك، وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء، أي تستوي أنت وهم في ذلك) (تفسير ابن كثير: 578) وأخرج الإمام أحمد وغيره عن سليم بن عامر قال: كان معاوية يسير في أرض الروم وكان بينه وبينهم أمد، فأراد أن يدنوا منهم فإذا انقضى الأمد غزاهم، فإذا شيخ على دابة يقول: الله أكبر! وفاء لا غدرا! إن رسول الله e قال: «ومن كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ولا يشدها، حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء»، قال: فبلغ ذلك معاوية، فرجع، وإذا الشيخ عمرو بن عنبسة”.

– ومنها تحريم قصد العدوان على غير المقاتلين، فإن من شريعته e أن لا يقصد بالعدوان إلى غير المقاتلين، سواء أكانوا من النساء أو الأطفال أو الشيوخ أو المنقطعين للعبادة في الصوامع والأديرة ونحوه. والنصوص في ذلك صحيحة وصريحة، لا يستثنى من ذلك إلا حالة الاختلاط وانعدام القدرة على التمييز، كما لو تترَّس المقاتلون ببعض هؤلاء وجعلوا منهم دروعا بشرية ونحوه.

ثانيا: معتقد الولاء والبراء في الشريعة هو الإسلام وما جاء به من البينات والهدى، فقد حرر الإسلام بني البشر من التعصب للأعراق والألوان والألسنة، ومحض ولائهم للحق الذي نزل من عند الله، وأمرهم أن يكونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين، وهو بهذا لا يفرق بين من يقيم في دار الإسلام أو يقيم خارجها، فهذه شريعة عامة تخاطب المسلم أينما كان، فوق كل أرض وتحت كل سماء، فالمسلم لا ينصر أحدا على باطل، مسلما كان أو غير مسلم، فردا كان أو كيانا سياسيا، غربيا كان أو شرقيا، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾([96]) أي: لا يوادون المحادين ولو كانوا من الأقربين، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾([97]) فأمر تعالى بمباينة من حاد عن الحق فطغى، واستحب العمى على الهدى، ولو كان من أقرب الأقربين، فالقضية إذن ليست موقفا يقفه المسلم ضد الغرب عامة، ولا ضد الولايات المتحدة خاصة، وإنما هو منهج عام، الشرق والغرب فيه سواء، فلو أن أحدا من بني قومه تعدى وجار، فإن نصرته له أن يضرب على يده، وأن يمنعه من الظلم، لا أن يشاركه فيه، أو يعينه عليه، فإن من نصر قومه على الباطل، فهو كالبعير الذي تردى، فهو ينزع بذنبه! كما قال e، وليس لنا مثل السوء! وقد رأينا في تاريخ الإسلام من ذلك العجب، لقد رأينا كيف حرر الإسلام أتباعه من وصمة التعصب الأعمى للقبيلة أو العشيرة، بل ولأواصر النسب والرحم والقربى، عندما لا تكون على الحق، ولقد كانت غزوة بدر امتحانا لهذا المعنى في نفوس المؤمنين، فانتصر الولاء للإيمان على الولاء لكل ما سواه، ولن تنسى ذاكرة التاريخ ما وقع في فتح سمرقند عندما استعدى أهلها عمر بن عبد العزيز على القائد الفاتح، لأنه دخل عليهم ديارهم قبل دعوتهم إلى الإسلام، فأمر قاضيه أن ينصفهم، فقضى ببطلان الفتح، وإخراج الجيوش الفاتحة المنتصرة خارج سمرقند، حتى تستوفى إجراءات الفتح كافة، كما جاءت في النصوص الشرعية، وانسحبت القوات فعلا، وكان ذلك سببا في إسلام أهل سمرقند!

وبعد هذه المقدمات نشرع في أهم ما جاء في هذه الفتوى من أغلاط علمية وعملية -على حدِّ علمنا- سائلين الله للذين تحملوا تبعتها أن يردهم إليه ردا جميلا، وأن يوفقهم إلى الإنابة إلى الحق ومراجعته، قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا!

أهم الأغلاط التي تضمنتها الفتوى:

– انطلاقها من فرية الإدانة لحركة طالبان، وتحميلها مسؤولية الأحداث التي وقعت في الحادي عشر من سبتمبر، وهو أمر لا تملك أمريكا ولا غيرها أدلة قاطعة عليه، تسوغ لها تحزيب الأحزاب، وحشد الحشود، واستنفار القوى العالمية، لتدمير دويلة فقيرة منهكة، مزقتها الحروب، وأهلكها الفقر والحاجة، ورغم أن الاستفتاء ينص في مقدمته على أن الغاية من هذه العمليات العسكرية هو (الانتقام من الذين يظن أنهم شاركوا في تدبير وتمويل العمليات الانتحارية التي نفذت في الحادي عشر من شهر سبتمبر، وردع وإخافة من ظاهروا على ذلك) أي أن المستفتي يلفت نظر المفتي إلى أن الانتقام هنا مبني على مجرد الظن، وأن الذين جيشوا الجيوش وحزبوا الأحزاب لا يملكون على ذلك أدلة قاطعة، لكن الفتوى تتجاهل هذا، وتذكر في مستهلها (أن الواجب على المسلمين أن يكونوا يدا واحدة ضد الذين يروعون الآمنين ويستحلون دماء غير المقاتلين بغير سبب شرعي!!) وهكذا تسابق الفتوى أجهزة الإعلام اليهودية في إدانة حركة طالبان – ومعهم أسامة بن لادن – وتستنفر المسلمين في الجيش الأمريكي لقتالهم في هذه الحرب الضروس، وأن لا يجدوا في صدورهم حرجا من ذلك!

– تكييف أحداث سبتمبر على أنها من جنس الحرابة التي تستوجب القتل، أو الصلب، أو التقطيع من خلاف، أو النفي من الأرض! فقد كان مِمَّا نصت عليه هذه الفتوى: “ولو أن هذه الأحداث الإرهابية التي وقعت في الولايات المتحدة الأمريكية عوملت بمقتضى نصوص الشريعة، وقواعد الفقه سورة المائدة، في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ…﴾.

– إن الحرابة التي تتحدث عنها سورة المائدة، والتي زخرت بتفصيل أحكامها كتب الفقه، إِنَّمَا هي السرقة الكبرى، هي الجريمة التي تصدر عن مجرد الرغبة الآثمة في إراقة الدماء، وترويع السابلة، وانتهاب المال تحت وطأة السلاح! ليس لأصحابها قضية، ولا لهم فيما يقدمون عليه أثارة من تأوّل، ولعل العودة إلى كتب التفسير والفقه تجلي هذا الأمر. فقد أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك “أن نفرا من عكل ثمانية قدموا على رسول الله e، فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا الأرض، فسقمت أجسامهم، فشكوا إلى رسول الله e ذلك، فقال: ألا تخرجون مع راعينا في إبله، فتصيبوا من أبوالها وألبانها؟ فقالوا: بلى، فخرجوا، فشربوا من أبوالها وألبانها، فصحوا، فقتلوا الراعي، وطردوا الإبل، فبلغ ذلك رسول الله e، فبعث في آثارهم، فأدركوا، فجيء بهم، فأمر بهم، فقطعت أيديهم، وسمرت أعينهم، ثُمَّ نبذوا في الشمس حتى ما توا) وقد روي الحديث بألفاظ أخرى مقاربة، وفي بعضها أنهم ارتدوا عن الإسلام، وأصابوا الفرج الحرام، وأنهم سملوا أعين الرعاء، فأمر النَّبِيّ e، فقتلوا وسملت أعينهم، جزاء وفاقا، وقصاصا عادلا!

والعجيب أن أنس بن مالك t وهو راوي الحديث – ندم على ذكره للحجاج الذي اتخذه ذريعة لتسويغ بطشه وجبروته، فقد روى ابن مردويه عن أنس من طرق كثيرة أنه قال: ما ندمت على حديث ما ندمت على حديث سألني عنه الحجاج، قال: أخبرني عن أشد عقوبة عاقب بها رسول الله e؟ قال: قلت: قدم على رسول الله e قوم من عرينة من البحرين، فشكوا إلى رسول الله e ما لقوا من بطونهم… وساق الحديث، قال: فكان الحجاج إذا صعد المنبر يقول: إن رسول الله e قد قطع أيدي قوم وأرجلهم، ثُمَّ ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا، بحال ذود من الإبل، فكان الحجاج يحتج بهذا الحديث على الناس. قلت: فما بال من يتنفَّل بتقديم هذا التكييف إلى أمريكا، وهي في مقام إعلان النفير العام على طائفة مستضعفة من أمته، لم يقم إلى الآن دليل معتبر على تورطها في هذا الحادث؟!

أما كتب الفقه فهي زاخرة بالتأكيد على حقيقة الحرابة، والتمييز بينها وبين ما قد يلتبس بها من جرائم أخرى، كجريمة البغي والخروج على الإمام الحق بغير حق ونحوه!

ولقد فرق الإمام مالك بين البغي والحرابة فقال: “البغي يكون بالخروج على تأويل غير قطعي الفساد، والمحاربون خرجوا فسقا وخلوعا على غير تأويل”([98]).

وإن القوانين الوضعية لتفرق بين الجريمة الجنائية والجريمة السياسية، وتعطي لِكُلّ منهما ما يناسبه من الأحكام، مستصحبة القصود والبواعث في كل حالة.

والسؤال الآن: هل نحن أمام جريمة جنائية بحتة، لا أرب لمن تولى كبرها إلا انتهاب الأموال، وإراقة الدماء، حتى يصح تكييفها بأنها جريمة حرابة؟ إن الذين باشروا هذا العمل قد أفضوا إلى ما قدموا، وكانوا هم أول وقود لهذا الهجوم، وفي طليعة ضحاياه، وهذا بالقطع ينفي عنهم أن تكون الرغبة في انتهاب المال مستصحبة بوجه من الوجوه! إذن ما هي الدوافع التي حملت هذا الفريق على التغرير بحياتهم على هذا النحو المروع؟ لقد مات هؤلاء وماتت معهم أسرارهم، ويبقى الله وحده هو العليم الخبير، وما بقي بيد البشر إلا التكهنات والتخرصات، ومحاولة استنطاق القرائن والملابسات، والتماس الأدلة، لعلهم يكشفون شيئا من غموض هذه الحادث الجلل.

والذي يعنينا في هذا السياق: هب أن هذا الحادث قد صحت نسبته إلى تنظيم القاعدة، وعلى رأسها أسامة بن لادن، كما يروج الإعلام الأمريكي، فهل يصح تكييفه على أنه صورة من صور الحرابة على النحو الذي تحاول الفتوى تصويره، وتتنفل بتقديمه إلى صناع القرار في الولايات المتحدة؟!

والخلاصة: أن هؤلاء على فرض صلتهم بهذا الحادث – وهو مجرد افتراض لم تنهض لإثباته أدلة – فإن هذا العمل لا صلة له بقضية الحرابة التي تتحدث عنها الفتوى، ولا يمت إليها بوجه من الوجوه، وذلك لِما يلي:

– أن هذه الطائفة قد انقطعت للجهاد العادل منذ زمن طويل، على مرآى ومسمع من العالم أجمع، ولم تعرف في الأمة بسلب ولا نهب، ولا نسب إليها فسوق ولا فجور.

– أن كل من شارك في تنفيذ هذا الحادث كان أول وقوده، وفي طليعة ضحاياه، وهذه النتيجة لم تكن مفاجأة له، بل كان يعرفها سلفا كما يعرف أن دون غد الليلة، الأمر الذي ينفي أن تكون لعاعة من الدنيا أو تعلق بحطامها كان وراء شيء مِمَّا حدث!

– و قد يقول قائل: إن الفتوى المذكورة تبيح للمسلم أن يقاتل المسلمين تحت الراية الأمريكية، وأن لا يجد حرجا من امتداد ويلات هذه العمليات إلى المدنيين من المسلمين، فإذا كانت ضرورات القتال – لدى من أصدروا هذه الفتوى – تسوغ للمقاتلين من غير المسلمين أن يصيبوا بعملياتهم أهدافا مدنية، ما دامت ليست مقصودة لهم ابتداء، وتسوغ للمسلمين في جيوشهم مظاهرتهم على ذلك، فلماذا لا يطبق نفس المنطق عند محاكمة العمليات التي تقوم بها التجمعات الجهادية ضد قوى الاستكبار العالمية؟!

– ولا يخفى أن كل هذه الاستدلالات قد تفسر، ولكنها لا تبرر على كل حال، فالاستدلال بالبيات والرمي بالمنجنيق وقتل الترس يمكن أن يتعقب في هذا المقام، بأن هذا كله وقع إبان قتال قائم قد دارت رحاه بالفعل، واستوفى الشرعية، فأعلن القتال، وتمايزت الصفوف، ونبذ كل فريق إلى الآخر على سواء، وكان المقصود ابتداء بهذه العمليات أما الواقعة المعاصرة فقد كان استهداف غير المقاتلين – على الأقل على مستوى المركز العالمي للتجارة هو الأصل – وما يصيب غيرهم من المقاتلين فإنما يقع تبعا، فانعكس الوضع، فامتنع القياس، وأما ما يتعلق بمظاهرة القوم على المسلمين في فلسطين فالذي تولى كبر المظاهرة هي القيادة السياسية والقيادة العسكرية، وليس العامة من المدنيين وأمثالهم فإنهم مغيبون عن كثير مِمَّا يجري على الصعيد الدولي، وأما دفع الضرائب فهي مكوس يدفعها المسلم وغير المسلم، سواء رضي أم سخط، ولا يدفعها عندما يدفعها بقصد المظاهرة على المسلمين أو على غير المسلمين، ومن هنا فإننا نؤكد مرة أخرى أن المقصود هو إبراز جانب التأول الذي ينفي عن هذه الأعمال وصف الحرابة، في حالة ثبوت نسبة شيء من هذه الأعمال إلى أحد من هؤلاء، وتبين خطأ مسارعة الفتوى إلى تكييفها على هذا النحو الظالم! وليس المقصود تسويغ العمل أو تبريره.

تسويغ قتال المسلمين تحت راية المعتدين!

لقد أجازت الفتوى للمسلمين في الجيش الأمريكي أن يقاتلوا إخوانهم من المسلمين حيثما وجهتهم هذه الدولة! سواء في أفغانستان، أو في أي منطقة من العالم، وفاء بحقوق المواطنة، ودفعا لتهمة الإخلال بها! فقد جاء في صدر الاستفتاء أَنَّهُ حول “مدى جواز مشاركة العسكريين المسلمين في الجيش الأمريكي في المهمات القالية وسائر ما تتطلبه في أفغانستان وغيرها من بلاد المسلمين” وجاء في نهاية الفتوى نصا: “والخلاصة: أَنَّهُ لا بأس إن شاء الله على العسكريين المسلمين من المشاركة في القتال في المعارك المتوقعة ضدَّ من تقرر دولتهم أنهم يمارسون الإرهاب ضدها، أو يؤوون الممارسين له، ويتيحون لهم فرص التدريب والانطلاق من بلادهم) فالولايات المتحدة هي التي تحدد من هم خصومها من المسلمين! وأجهزة استخباراتها شهود عدول! متى قررت أن هذه الجهة أو تلك هي المعتدية، وجب عليهم التوجه لقتالها! وأن لا يكون في صدورهم حرج من ذلك! وتضيف الفتوى لذلك: أن على المسلمين أن لا يبالوا بامتداد آثار عملياتهم القتالية إلى الأبرياء من عامة المسلمين، مِمَّن ليس لهم في ذلك ناقة ولا جمل! وأن لا يتحرجوا من النصوص التي تجعل دم المسلم على المسلم حراما، وتتوعد من واجه أخاه المسلم بسلاحه بالنار، قاتلا كان أو مقتولا، بدعوى أن هذه النصوص لا تتحدث عن مثل هذه الحالة، التي يكون فيها المسلم جنديا في جيش نظامي ليس له من أمر قيادته شيء، وإنما تتحدث عن الحالات الفردية التي يملك المسلم فيها أمر نفسه، فيستطيع أن ينهض بالقتال أو أن يمتنع عنه، وعلى هذا فنحن كما يقول أحد المحللين أمام شيك على بياض تملأه العسكرية الأمريكية كما شاءت، وقد وقع أهل الفتوى، ولا حرج!

وتحتوي هذه الفتوى على جملة من المجازفات نوجزها فيما يلي:

– تسويغ مظاهرة غير المسلمين على المسلمين، متى قرر الأمريكان أن المسلمين هم المعتدون! وقد علم من دين الإسلام بالضرورة بطلان ذلك وتحريمه إلى الأبد، ومثل هذه البدهيات لا تحتاج إلى حشد أدلة وسوق براهين، وحسبنا قول الله U: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ﴾([99])، وقد نزلت هذه الآية وما بعدها فيما هو أدنى من ذلك بكثير، في كتاب كتبه حاطب بن أبي بلتعة في لحظة من لحظات الضعف البشري إلى أهل مكة يخبرهم فيه بما اعتزم عليه رسول الله e من قتالهم، فكيف بمن يظاهر على فريق من أمته بالسلاح، ويشارك مشاركة فعلية فيما يشن عليه من حروب إبادة شاملة؟!

– تقديم شهادة غير المسلمين في باب الدماء، والأموال، والأعراض، على شهادة المسلمين، فمتى قرر هؤلاء إدانة جهة من الجهات، فقد ثبتت عليها التهمة، واستحقت العقوبة، وإن راغمت بذلك أهل الأرض قاطبة من المسلمين! فقد كان فيما ذكرته الفتوى في خلاصتها كما سبق: (أنه لا بأس إن شاء الله على العسكريين المسلمين، من المشاركة في القتال في المعارك المتوقعة، ضد من تقرر دولتهم أنهم يمارسون الإرهاب ضدها، أو يؤوون الممارسين له، ويتيحون لهم فرص التدريب والانطلاق من بلادهم) وقد علم بالضرورة من الدين بطلان هذا المسلك، الذي يغني فساده عن إفساده، فلم يقل بتسويغه أحد من المسلمين على مدى هذه القرون المتطاولة! بل علم فساده من المعقول وطبائع الأشياء، إذ كيف تتحول دعوى الخصم إلى شهادة مقبولة، ويكون هو نفسه الحكم، ويكون هو نفسه القائم بالتنفيذ، فيجمع له بين الخصومة والشهادة والقضاء والتنفيذ؟!!

– إن شهادة غير المسلم على المسلم لا تقبل إلا في حالة الوصية في السفر، إذا أصابت الشخص مصيبة الموت، ولم يجد من يستشهده غيرهم، وهي قضية مدنية بحتة، لا مصلحة له فيها ولا خصومة، ولا يظهر فيها أثر لعداوة ولا غير عداوة، قال تعالى: (ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إني إذا لمن الآثمين) (المائدة: 106) هذا فضلا عن اتفاق أهل العلم على أن العداوة الظاهرة مانعة من قبول الشهادة، فلا تقبل شهادة العدو على عدوه، لا سيما إذا كان موضوع الشهادة هو موضوع الخصومة، حيث يصبح بذلك خصما وحكما في آن واحد!

– رفع الحرج عن امتداد آثار العمليات الانتقامية التي تقوم بها جيوش الأمريكان والغرب إلى الأبرياء من المسلمين من المدنيين، نساء كانوا أو أطفالا أو شيوخا أو زمنى ونحوه، ما دام المسلم قد نوى بهذه العمليات أن يحق الحق وأن يبطل الباطل! لأنه لا يستطيع منع هذه التداعيات ولا تخفيفها، وما لا يستطيعه المسلم فهو ساقط عنه لا يكلف به، وأحسب أن هذه هي المرة الأولى التي يسطر فيها أن إحقاق الحق وإبطال الباطل يمكن أن يتحقق من خلال مقاتلة المسلمين تحت راية الأمريكان! وأن القتال تحت الراية الصليبية يرفع عن المقاتل إثم امتداد آثار قتاله إلى غير المقاتلين من المسلمين، ثُمَّ ما هو المبرر لهذا كله؟ تجيبك الفتوى بأنه: دفع أي شبهة تلحق به في ولائه لوطنه أمريكا!!

– تقديم الولاء على أساس المواطنة على الولاء على أساس الإسلام، فمتى حدث تعارض، قدم الولاء الوطني على الولاء الديني، فترخص الدماء، ويضرب الذكر صفحا عن جميع التداعيات، فقد ذكرت الفتوى في معرض تسويغها لقتال المسلمين تحت راية الأمريكان أنه “مغتفر في جانب الأضرار العامة التي تلحق مجموع المسلمين في الجيش الأمريكي بل وفي الولايات المتحدة بوجه عام إذا أصبحوا مشكوكا في ولائهم لبلدهم الذي يحملون جنسيته، ويتمتعون فيه بحقوق المواطنة، وعليهم أن يقوموا بواجباتها” وقد استفاض في نصوص الوحيين قرآنا وسنّة أن معتقد الولاء والبراء هو الإسلام وحده، وأنه ﴿لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ…﴾، وأنه ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ..﴾.

– دعوى أن النصوص التي تنهى عن مقاتلة المسلمين لا تتناول الحالة التي يقاتلهم فيها تحت راية غير المسلمين، عندما يكون مواطنا في دولتهم، وجنديا في جيوشهم النظامية، وهكذا يكون مقاتلة المسلمين تحت راية غير المسلمين ليس داخلا في إطار النهي عن الاقتتال بين المسلمين، مع أنه أدخل في باب التحريم وأولى بالزجر والتغليظ،لأنه إذا حرم على المسلم أن يقاتل أخاه المسلم منفردا أو مع جماعة من المسلمين، فأولى أن يحرم عليه مقاتلته تحت إمرة غير المسلمين، وتحت لواء جيوشهم المدججة بالسلاح! لأن مثل هذا الحال يجتمع في تحريمه نوعان من الأدلة: أولهما: نصوص تحريم الاقتتال بين المسلمين من ناحية، وثانيهما: نصوص النهي عن مظاهرة غير المسلمين على المسلمين من ناحية أخرى.

– ولقد نعى الله على اليهود في كتابه اقتتالهم تحت رايتي الأوس والخزرج، فقد والى فريق منهم الأوس، ووالى فريق منهم الخزرج، فكاد يقع القتال بين المعسكرين، فيقاتل اليهودي المحالف للأوس اليهودي المحالف للخزرج، فإذا انتهى القتال كانوا يفادون الأسارى من الفريقين، فنعى الله عليهم ذلك وجعله إيمانا ببعض الكتاب وكفرا ببعض، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ…﴾([100]) فقد نعى الله على اليهود اقتتالهم تحت رايتي الأوس والخزرج، ولم يجعل من وجودهم تحت هذه الرايات عذرا لهم، ومانعا يمنع من لحوق الإثم لهم، واستحقاقهم العقوبة في الدنيا والآخرة! يقول الحافظ ابن كثير في تفسيره: (يقول تبارك وتعالى منكرا على اليهود الذين كانوا في زمن رسول الله e بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج وهم الأنصار، كانوا في الجاهلية عباد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير – حلفاء الخزرج – وبنو قريظة حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم، قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرام عليه في دينه، ونص كتابه، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثُمَّ إذا وضعت الحرب أوزارها، استفدوا الأسارى من الفريق المغلوب عملا بحكم التوراة، ولهذا قال تعالى: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾، وروي عن ابن عباس t أنه قال: “أنبهم الله بذلك من فعلهم، وقد حرّم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا فريقين: طائفة منهم بنو قينقاع حلفاء الخزرج، والنضير وقريظة وهم حلفاء الأوس، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب، خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرج النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى تسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم ولهم، والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، ولا يعرفون جنة، ولا نارا، ولا بعثا، ولا قيامة، ولا كتابا، ولا حلالا، ولا حراما، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم – تصديقا لما في التوراة، وأخذا به – بعضهم من بعض: يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلبون ما أصابوا من دمائهم، وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم، يقول الله تعالى ذكره حيث أنبهم على ذلك: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ أي: تفادوهم بحكم التوراة وتقتلونهم، وفي حكم التوراة أن لا يقتل، ولا يخرج من داره، ولا يظاهر عليه من يشرك بالله، ويعبد الأوثان من دونه ابتغاء عرض الدنيا، ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج فيما بلغني نزلت هذه القصة”.

– بقي شيء لابد من ذكره في نهاية التعقيب على هذه النقطة: أنه قد يسع المسلم في بعض الأحوال أن لا ينصر أخاه المسلم، إذا لم يهاجر إلى جماعة المسلمين، وكانت خصومته مع قوم بينه وبينهم ميثاق، قال تعالى: (والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق) (الأنفال: 72) فهؤلاء الذين لم يهاجروا إلى جماعة المسلمين، يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم من الفيء والغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، بيد أن لهم حق النصرة إذا استنصرونا في الدين على قتال عدو لهم ليس بيننا وبينه ميثاق، أما إذا استنصرونا على قوم من الكفار، بيننا وبينهم ميثاق، فلا نصرة لهم في هذه الحالة، لقوله تعالى: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق)، يقول ابن كثير (أي مهادنة إلى مدة، فلا تخفروا ذمتكم، ولا تنقضوا أيمانكم، مع الذين عاهدتم). لكن الذي لا يسعه بحال من الأحوال أن يظاهر عليه غير المسلمين، وأن ينحاز مع الكفار المحاربين لقتاله معهم، فإننا لا نعرف أحد من علماء الأمة أباحه، ولا سطر قط في ديوان من دواوين الإسلام!

تسويغ الانتقام بالظنَّة:

– فقد جاء في الاستفتاء أن الهدف من هذه العمليات القتالية هو الانتقام من الذين يظن أنهم شاركوا في تدبير وتمويل العمليات الانتحارية، التي نفذت في الحادي عشر من شهر سبتمبر، وردع وإخافة من ظاهروا على ذلك، وجاء في الفتوى -كما سبق-“أَنَّهُ لا بأس إن شاء الله على العسكريين المسلمين من المشاركة في القتال في المعارك المتوقعة، ضد من تقرر دولتهم أنهم يمارسون الإرهاب ضدها، أو يؤوون الممارسين له، ويتيحون لهم فرص التدريب والانطلاق من بلادهم”، وقد تقرر في جميع الشرائع السماوية، وجميع القوانين الوضعية، تحريم الانتقام بالظنة، فالمتهم بريء إلى أن تثبت إدانته، والحدود الشرعية تدفع بالشبهات، وليس لقاض مسلم أو غير مسلم أن يقدم على عقوبة أحد لم تثبت في حقه الجريمة التي يتهم بها، فلا تستحل الدماء، وينشر الدمار، بمجرد ظنون وهواجس، ومن فعل ذلك فقد بغى وتجاوز الحد، وحق على العالم كله أن يوقفه، وأن لا يظاهره على بطشه ورغبته في الانتقام بحال من الأحوال.

– ونحن بهذا لا ننكر حق البشر في دفع الصائل ورد العدوان، لكن هذا لابد أن يتم في إطار ضوابط الحق والعدل، التي اتفقت عليها الشرائع السماوية، والقوانين الوضعية على حد سواء، أما أن يستضعف فريق من الناس، وتكال لهم التهم جزافا، تصفية لحسابات قديمة، أو تحقيقا لتوسعات جائرة، فهذا الذي لا تصلح به دنيا ولا يصلح به دين! وفي خصوص هذه النازلة لم تقدم الولايات المتحدة أدلة دامغة ولا غير دامغة تبرر لها هذا البطش الذي تمارسه في مواجهة الأبرياء والعزل في أفغانستان، وفيما تتوجه إليه في مناطق أخرى من العالم الإسلامي، بل إن الأمر على النقيض من ذلك، فكل الدلائل تشير إلى تورط جهات أخرى في هذا الحدث، لا يبعد أن تكون من داخل الولايات المتحدة ذاتها، نظرا للاحتراف والدقة التي نفذت بها هذه العمليات، والتي تتجاوز إمكانات هذه التجمعات التي تعيش في دولة نائية مزقتها الحروب، وأنهكها الضنك الاقتصادي، والتخلف التقني، ولا يكاد يجد أحد من السواد الأعظم فيها قوت يومه!

– ومن ناحية أخرى فإن من ضوابط العقوبة في كل من الشريعة والقانون أن تكون عادلة، وأن لا تطال غير المذنبين، وأن لا يقع القائم بها في عين ما أنكره على خصومه من قتل الأبرياء، وترويع الآمنين، والتضرع في دماء العزل، لمجرد البطش والانتقام والإرهاب، وإلا فإنه يفقد بذلك سند مشروعيته، ويعود على حجته بالنقض!

– لقد اتفقت الشرائع السماوية والقوانين الوضعية على تحريم قصد غير المقاتلين بالعدوان، فإذا كان لا يجوز لمن قاموا بهذه العمليات أيا كانت هويتهم أن يقصدوا إلى قتال الأبرياء والعزل، فإنه لا يجوز وبنفس المستوى للولايات المتحدة أن تهدم دولة بأكملها، لما تتوهمه من عدوان طائفة تعيش على أرضها، وهو وهم لم يقم على أساس، ولم تقدم عليه أدلة مقنعة ولا غير مقنعة إلى الآن!

– إزالة آخر حصن من حصون التدين، وهو الإنكار بالقلب:

– وذلك بإصرار الفتوى على عدم المبالاة بالتحرج الذي يجده المسلم في صدره، وهو يقاتل أخاه المسلم تحت راية غير المسلمين، أو الحرج الذي يجده عندما تمتد آثار عملياته القتالية إلى غير المقاتلين، من العامة والمدنيين، وأن هذا التحرج مرفوع عنه في الأولى بعدم امتداد النصوص التي تحرم ذلك إلى مثل حالته، وفي الثانية بالنية الصالحة، وعدم قدرته على منع هذه الآثار، وفي كليهما بدرء المفاسد التي تلحقه عند الامتناع عن القتال، والإخلال بواجبات المواطنة! مع ما هو معلوم- كما سبق – من أنه إذا حرم على المسلم أن يقاتل أخاه المسلم منفردا أو مع جماعة من المسلمين، فأولى أن يحرم عليه مقاتلته تحت إمرة غير المسلمين، وتحت لواء جيوشهم المدججة بالسلاح! لأن مثل هذه الحال يجتمع في تحريمه – كما سبق – نوعان من الأدلة: أولهما: نصوص تحريم الاقتتال بين المسلمين من ناحية، وثانيهما: نصوص النهي عن مظاهرة غير المسلمين على المسلمين من ناحية أخرى. ومع ما هو معلوم من أن المفاسد المذكورة وأضعافها لا تبيح قتل أو قتال امرئ مسلم بغير حق، وقد قال e في حجة الوداع فيما أخرجه مسلم وغيره «فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» وقد رأينا إجماع الفقهاء على أن الإكراه على القتل ليس بعذر، ولو أتى على نفس المكره، لاستواء كلا النفسين في الحرمة، وأن مشروعية الالتحاق بالجيوش الكافرة منوطة عند من أجازها بألا تحمله على قتال مسلم، وألا تكرهه على شهر السلاح في مواجهة أمته أو فريق منها، وكل من تكلم في الترخيص بالالتحاق بهذه الجيوش ربطه بهذا الشرط، وبالتأكيد على بقاء الولاء خالصا لله ولرسوله ولجماعة المسلمين. ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾([101]).

– أما الاستدلال على ذلك بقول النَّبِيّ e: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» فلا يبعد أن يكون من جنس تحريف الكلم عن مواضعه، فإن الحديث يقول: «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ونحن هنا أمام أمر محظور منهي عنه، وهو قتال المسلمين، ومظاهرة أعدائهم من غير المسلمين، فأولى أن ينطبق عليه صدر الحديث، وهو مطلق الاجتناب والانكفاف، وليس عجزه الذي يربط ذلك بالوسع والطاقة!

– وأما الاستدلال بقاعدة ارتكاب أخف الضررين، فإن القاعدة في ذاتها صحيحة ولا شك، ولكن يبقى بعد ذلك التوفيق أو الخذلان في حسن تطبيقها، والالتفات إلى شرائطها، و تحقيق: مناطها بدقة، فلابد أن يكون الضرران محققين، فإن كان أحدهما محققا، والآخر مظنونا أو متوهما، فلا مجال لتطبيق هذه القاعدة، ولا بد أن يكون أحدهما أكبر من الآخر، بموازين الشريعة، وليس بموازين الهوى، أو المصلحة المجردة كما يتوهمها كل أحد، والسؤال الآن: أيهما آكد وقوعا وأكثر تيقنا: ما يترتب على هذه العمليات من إراقة الدماء المحرمة، أم ما يتوقع من بعض الأضرار النفسية أو المادية للممتنعين عن المشاركة أو لغيرهم من عامة المسلمين؟!

– والسؤال الآخر: أيهما أعظم عند الله: استباحة دماء المسلمين بغير حق، أم شيء من الحرج النفسي أو المادي الذي قد يلحق بهؤلاء المجندين من المسلمين في الجيش الأمريكي عند الامتناع عن المشاركة في قتال فريق من أمتهم، في دولة يقرر دستورها حرية التدين، وحرية الإرادة، وحق المقاتل في الامتناع عن القتال، إذا كان هذا القتال يتنافي مع معتقداته الدينية، وثوابته الإيمانية؟! أتكون الوظيفة مدنية كانت أو عسكرية أكثر قدسية في ميزان الإسلام من حياة مسلم، والجنسية الأمريكية أعظم حرمة من حرمة دماء المسلمين؟ اللهم غفرا! وأعجب من هذا كله الاستدلال لهذه المشاركة أو الاعتذار عنها بالمحافظة على الولاء للدولة التي يحملون جنسيتها ويعملون في جيوشها!! وهذا لعمر الحق معقد جديد للولاء والبراء، ما سمعنا بمثله إلا من أمثال هؤلاء، أو في مثل هذه الفتوى! ولله في خلقه شؤون!

– إضعاف التوجه إلى استبدال العمليات الإغاثية بالعمليات القتالية:

– وذلك فيما نصت عليه الفتوى عندما سئلت: عما إذا كان يسع العسكريين المسلمين في الجيش الأمريكي، أن يطلبوا الخدمة مؤقتا في أثناء هذه المعارك، في الصفوف الخلفية للعمل، في خدمات الإغاثة وما شابهها؟ فكان الجواب: أن ذلك مشروط بما (إذا لم يسبب حرجا ولا ضررا، وإلا فإنه لا ينبغي هذا الطلب) ثُمَّ مثلت لهذا الضرر بالشك في ولائهم (!) أو تعريضهم لسوء ظن (!) أو لاتهام بالباطل (!) أو لإيذائهم في مستقبلهم الوظيفي (!) أو للتشكيك في وطنيتهم (!) وأشباه ذلك فإنه لا يجوز عندئذ هذا الطلب! هذه هي نماذج الضرر التي تسوغ الفتوى مع توقعها مظاهرة غير المسلمين على المسلمين، وانحيازهم إلى معسكر غير المسلمين، في حروب شاملة، صرح مؤججوها أنها طويلة المدى، وأنها ستمتد إلى عشر سنين، وجيشوا لها من الجيوش والعتاد ما يكفي لإبادة العالم!

– وعلى هذا فلا سبيل إلى طلب التحول إلى العمليات الإغاثية -عند من أصدروا هذه الفتوى – إلا إذا انتفت جميع هذه المحاذير، وكأن كل واحد منها على انفراده أكبر من حرمة دماء المسلمين، وأفتك بالدين، وأذهب للمصلحة، من الانسلاخ عن جماعة المسلمين، والانحياز إلى معسكر غير المسلمين! وقد علم من الدين بالضرورة عند أهل العلم، بل وعند السواد الأعظم من العامة، تعظيم شأن الدماء، وتعظيم أمر الولاء والبراء، وأن زوال الدنيا أعظم عند الله من إراقة دم امرىء مسلم بغير حق، وأن مصلحة حفظ النفس تلي في المرتبة مصلحة حفظ الدين، وأنها مقدمة على مصلحة حفظ المال وغيره من بقية المقاصد.

– والعجيب أن يفتح العامة من العسكريين بابا لتقليل المفسدة المتوقعة في هذا المقام، وهم أعرف بدولتهم وأنظمة جيوشها، فيقف بعض أهل الفتوى في وجههم، ليوهنوا هذا التوجه، ويغلقوا هذا الباب، ويعبدوا لهم الطريق للولوغ في دماء المسلمين في هذه الحرب الضروس!

– وفي نهاية المطاف أتوجه بهذه الزفرة إلى كل من يحملون هموم العمل الإسلامي في هذه الأمة أفرادا كانوا أو مؤسسات: لقد أسفر الصبح لذي عينين، وتخندقت كل قوى الاستكبار العالمية في خندق واحد، لا ضد دولة من الدول، ولا ضد شعب من الشعوب، وإنما بالتحديد ضد تجمعات الصحوة الإسلامية المعاصرة، وفيما أعلنوه من قائمة المؤسسات التي نعتوها بالإرهاب وأعلنوا عليها الحرب أبلغ الأدلة على ذلك، ولا يأتي ذكر الدول إلا تبعا باعتبار إيوائها لهذه المؤسسات، أو دعمها لها، فهل يعي رجالات الحركة الإسلامية هذا المعنى؟ وهل يحملهم هذا على رأب صدوعهم، وجمع شتاتهم، وتضميد جراحاتهم، وإصلاح ذات بينهم، والخروج من حظوظ أنفسهم ولو إلى حين؟!!

– والله نسأل أن يردنا إليه ردا جميلا، وأن يحملنا في أحمد الأمور عنده، وأجملها عاقبة، وأن يرينا الحق حقا وأن يرزقنا اتباعه، والباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم آمين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

الخلاصة والتوصيات

(1) الفتوى منصب عظيم الأثر، بعيد الخطر؛ فالمفتي -كما قال الإمام الشاطبي- قائم مقام النَّبِيّ e فهو خليفته ووارثه «العلماء ورثة الأنبياء»، وهو نائب عنه في تبليغ الأحكام، وتعليم الأنام، وإنذارهم بها لعلهم يحذرون، وهو إلى جوار تبليغه في المنقول عن صاحب الشريعة.. قائم مقامه في إنشاء الأحكام في المستنبط منها بحسب نظره واجتهاده فهو من هذا الوجه – كما قال الشاطبي – شارع، واجب اتباعه، والعمل على وفق ما قاله، وهذه هي الخلافة على التحقيق.

واعتبر الإمام أبو عبد الله بن القيم المفتي مُوقِّعًا عن الله تعالى فيما يفتي به، وألف في ذلك كتابه القيم المشهور “إعلام الموقعين عن رب العالمين” الذي قال في فاتحته: “إذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؟!”

وقد عرف السلف y للفتوى كريم مقامها، وعظيم منزلتها وأثرها في دين الله وحياة الناس، ومن هذا تهيبهم للفتوى، وتريثهم في أمرها، وتوقفهم في بعض الأحيان عن القول، وتعظيمهم لمن قال: “لا أدري” فيما لا يدري، وإزراؤهم على المتجرئين عليها دون اكتراث، استعظاما منهم لشأنها، وشعورا بعظم التبعة فيها.

(2) والفتوى في الاصطلاح: تبيين الحكم الشرعي عن دليل لمن سأل عنه، وهذا يشمل السؤال في الوقائع وغيرها.

(3) فقه النوازل هو معرفة الأحكام الشرعية للوقائع المستجدة الملحة. فالنوازل لا بد أن تتوافر فيها شروط ثلاثة:

أولا: أنها واقعة بالفعل وليست متخيلة..

ثانيا: أن تكون ملحة؛ أي تتطلب حكما فقهيا في أقرب وقت، وإلا فات وقتها.

ثالثا: أن تكون مستجدة؛ فإن كانت قديمة وأفتى فيها العلماء من قبل لم تُعد نازلة، لكن مصدر الجدة هنا ربما لا يأتي من المسألة نفسها لكن يأتي من تغير الزمان والمكان والأحوال، وهذا يؤثر في تغير الأحكام.

(4) بدأت خدمة الفتوى مع بداية الموقع في أكتوبر 1999، وقد تمت الإجابة عما يزيد عن 500000 (خمسمائة ألف) مسألة خلال السنوات السبع الماضية، تتقسم هذه الفتاوى إلى ما يلي:

أولا: فتاوى البنك الدائم: وفيه 13000 فتوى مصنفة حسب الموضوع واسم المفتي، ويمكن للمستخدم أن يبحث بأي كلمة في العنوان أو النص، كما يمكنه البحث من خلال اسم المفتي، وهذا البنك يضم الفتاوى التي سألها الناس خلال هذه الفترة، وأيضا كتب الفتوى المعاصرة مثل ما كتبه فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، والشيخ جاد الحق، والشيخ عطية صقر، وبعض ما كتبه الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ ابن عثيمين، وسماحة الشيخ الخليلي وغيرهم، سواء كانت فتاوى مجتهدين أفرادا أو فتاوى مجامع فقهية مثل مجمع الفقه الدولي بجدة، والمجمع الفقهي بمكة، ومجمع البحوث الإسلامية بمصر، والمجلس الأوربي للبحوث والإفتاء وغير ذلك من فتاوى دور الإفتاء في العالم الإسلامي.

ثانيا: الفتاوى المباشرة: وقد عقدت ما يزيد على 1000 حلقة للفتاوى المباشرة، متوسط عدد الفتاوى في هذه الحلقات 25 فتوى؛ فيكون مجموع الفتاوى 25000 فتوى تقريبا، وتتميز الفتاوى في هذه الخدمة بسرعة الرد على المستفتي، لكنها ربما تفتقد إلى شيء من التأصيل والتفصيل لكنها تفي بحاجة المستفتي.

ثالثا: فتاوى البنك المؤقت: وهذه تمثل النسبة الكبرى من الفتاوى الواردة، وهذه إما مكررة أو تحمل نوعا من الخصوصية يريد السائل أن تظل محفوظة له، وهي موجودة لدينا على قاعدة بيانات لكنها غير معلنة.

(5) يعتمد الموقع منهج الوسطية في تقديم الفتوى للجمهور، ونعني بالوسطية في تقديم الفتوى الميزان والموازنة والتوازن بين الثبات والتغير، بين الحركة والسكون، وهي التي تأخذ بالعزائم دون التجافي عن الرخص في مواطنها. ويعتمد هذا المنهج على أربع قواعد وهي:

1- تغير الفتوى بتغير الزمان.               2- العرف.

3-النظر في المآلات.                        4- تحقيق المناط في الأشخاص والأنواع

(6) ونستطيع أن نلخص منهج تقديم الفتوى في الموقع في النقاط التالية

أَوَّلاً: التحرر من العصبية المذهبية، والتقليد غير العلمي للمتقدمين أو المتأخرين.

ثانيا: تغليب روح التيسير والتخفيف على التشديد والتعسير.

ثالثا: مخاطبة الناس بلغة عصرهم التي يفهمون، متجنبين وعورة المصطلحات الصعبة، وخشونة الألفاظ الغريبة، متوخين السهولة والدقة.

رابعا: الإعراض عما لا ينفع الناس.

خامسا: الاعتدال بين المتحللين والمتزمتين

سادسا: إعطاء الفتوى حقها من الشرح والإيضاح

سابعا: المعالجة النفسية للسائل حتى لا يتلقى أوامر الله بجفاء وغلظة

ثامنا: البحث عن البديل الحلال ما أمكن فلا نكتفي بأن نحرم على الناس ما يسألون عنه ولكننا نبين لهم البديل الحلال ما أمكن

(6) آداب وشروط المفتي والمستفتي:

(أ) آداب وشروط المفتي

– أن تكون له نية: فإن لم تكن له نية لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور وأن يخلص بهذا العمل لله.‏ – أن يشعر بالافتقار إلى الله تعالى: وصدق التوجه إليه، وأن يقف على بابه متضرعا، داعيا أن يوفقه للصواب، ويجنبه زلل الفكر واللسان والقلم، ويحفظه من اتباع الهوى. – أن يحيل سائله إلى من هو أعلم منه بموضوع الفتوى، ولا يجد في ذلك حرجا في صدره؛ فقد فعل ذلك معظم أئمة الدين. – أن يسأل إخوانه من أهل العلم ويشاورهم: ليزداد استيثاقا واطمئنانا إلى الأمر. – أن يرجع عن الخطأ إذا تبين له: فالرجوع إلى الحق خير له من التمادي في الباطل، ولا إثم عليه في خطئه؛ لأنه مأجور عليه، وإنما يأثم إذا عرفه ثُمَّ أصر عليه عنادا وكبرا، أو خجلا من الناس، والله لا يستحيي من الحق. – أن يفتي بما يعلم أنه الحق ويصر عليه: ولو أغضب من أغضب من أهل الدنيا، وأصحاب السلطان، وحسبه أن يرضي الله تبارك وتعالى. – أن يكون له حلم ووقار وسكينة. – أن يكون على قدر كبير من العلم بالإسلام: والإحاطة بأدلة الأحكام، والدراية بعلوم العربية، مع البصيرة والمعرفة بالحياة وبالناس أيضا بالإضافة إلى ملكة الفقه والاستنباط. – أن تكون له صلة وثيقة وخبرة عميقة بالقرآن الكريم: حفظا، وتلاوة، وفهما وتدبرا، وأن يلم بعلوم القرآن وعلوم السنة المطهرة. – أن تكون له ملكة في فهم لغة العرب وتذوقها: ومعرفة علومها وآدابها حتى يقدر على فهم القرآن والحديث. – أن يكون متمرسا بأقوال الفقهاء: ليعرف منها مدارك الأحكام، وطرائق الاستنباط، ويعرف منها كذلك مواضع الإجماع ومواقع الخلاف. – أن يكون عالما بالفقه وأصوله، ومعرفة القياس والعلة، ومتى يستعمل القياس، ومتى لا يجوز.

ونستطيع أن نضيف إلى ذلك بعض الآداب للمفتي الذي يفتي الناس عبر وسائل الاتصال الحديثة كالإنترنت والإذاعة والتلفاز ما يلي:

– أن يكون عالما بواقع الناس، مدركا لمشكلاتهم الاجتماعية والنفسية.

– معرفة الواقع بكل تشابكاته السياسية والاقتصادية المحلية والدولية، وأن يكون له مستشارون أمناء متخصصون في هذه الجوانب يرجع إليهم لمعرفة الواقع قبل أن يفتي فيه.

– التوقف في المسائل التي يكون فيه تنازع بين الأطراف حتى يسمع من الطرفين معا كمسائل الطلاق مثلا أو ينص في الإجابة على أن السائل يسأل عن كذا فإن كان ما يقوله صحيحا فالإجابة كذا.

– معرفة وسائل الاتصالات الحديثة كالإنترنت وكيفية توقيع العقود عليها مثل البيع والشراء، والزواج والطلاق، وغير ذلك من المعاملات الحديثة؛ حتى يتصور المسائلة تصورا دقيقا؛ حيث إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

– معرفة قرارات المجامع الفقهية المعتبرة، وعدم الخروج عليها إلا بدليل قوي، بخاصة في الفتاوى التي تهم الأمة.

– معرفة خصوصية الفتوى عبر الإنترنت؛ حيث إن شخصية السائل مجهولة، ومكانه أيضا ربما يكون مجهولا أو مجهّلا، وكذا سِنَّه وجنسه؛ فلا بد من وضع هذه الاعتبارات جميعا، وكذلك الفتوى الخاصة قد تتحول إلى عامة؛ حيث يقوم المستفتي بنشرها بشتى الطرق المتاحة لديه.

(ب) آداب المستفتي: – أن يُحسن صياغة السؤال: ولا يخفي من ملابساته شيئا، حتى يأتي حكم المفتي موافقا لحكم الحادثة، فإنما مثل المستفتي مع المفتي كمثل الطبيب مع المريض.

– السؤال عما ينفع: يجب عليه أن يحسن السؤال؛ فحسن السؤال نصف العلم، كما هو مأثور، وتطبيقا لهذا المعنى يجب أن يكون سؤاله عما ينفع، أي يسأل في واقعة يعانيها هو أو غيره ويريد الحكم فيها، ولا يسأل فيما هو مفترض بعيد الوقوع؛ فهذا من “أغاليط المسائل” التي جاء الحديث بالنهي عنها.

– أن يستفتي أهل العلم: لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ﴾([102]).

– يجب على المستفتى أن يبين عن مسألته والظروف التي تكتنفها: لأن الفتوى تتغير بذلك، من غير تمويه أو مواربة، وأن لا يُخفي شيئا مِمَّا يتعلق بمسألته حتى يكون الحكم منزلا على عين الحقيقة الواقعة.

– الاختصار في عرض الفتوى.

– عدم عرض الفتوى أكثر من مرة على أكثر من عالم أو جهة بقصد الحصول على ما يريد  

ـ لا يجوز للمستفتي بحال أن يتعرض لغيره بالهمز أو اللمز من خلال ما يسأل عنه

– استفتاء القلب: على المستفتي أن يتقي الله ويراقبه في استفتائه إذا استفتى، ولا يجعل الفتوى ذريعة إلى أمر يعلم من قرارة نفسه أنه غير جائز شرعا.  

 – تبين الفتوى بكل تفاصيلها وقيودها.

(7) ضوابط الإفتاء في قضايا النوازل:

1: التأكد من وقوعها.              2: أن تكون النازلة من المسائل التي يسوغ النظر فيها

3: فهم النازلة فهما دقيقا. 4: التثبت والتحري واستشارة أهل الاختصاص.

5: مراعاة مقاصد الشريعة

(8) نماذج من فتاوى النوازل في العبادات:

*- استحالة النجاسة (الأدوية ومستحضرات التجميل، مياه الصرف الصحي بعد المعالجة، أطعمة بها شحوم الخنزير. وخلصنا فيها إلى: القول بأن النجاسة إذا تحولت أو استحالت إلى شيء آخر طاهر صارت طاهرة يجوز الانتفاع بها في الطعام والشراب ورفع الحدث وغير ذلك.

* – إمامة المرأة للمسلمين في صلاة الجمعة وخلصنا إلى: حرمة إمامة المرأة لغيرها من الرجال الأجانب بهذه الصورة التي تمت بظروفها وملابساتها

(9) نماذج من فتاوى النوازل في المعاملات المالية:

*- فتاوى المسابقات: وخلصنا إلى: أن المسابقات الهاتفية التي تتم بغية الحصول على المال لون من ألوان القمار المحرم الذي نهت عنه الشريعة الإسلامية مهما كان الدافع من ورائها.

*- التسوق الشبكي: وانتهينا إلى: أن التسوق الشبكي أو الهرمي بكافة صوره وأشكاله غير جائز لما يشتمل عليه من الغرر والمقامرة.

*- التأمين والمعاملات المصرفية. وانتهينا إلى: ما انتهت إليه المجامع الفقهية من حرمة الاقتراض والإقراض للبنوك بفائدة محددة، وأيضا حرمة التأمين التجاري وجواز التأمين الاجتماعي أو التعاوني.

*- إجراء العقود بوسائل الاتصالات الحديثة. وانتهينا فيه أيضا: إلى جواز العقود بوسائل الاتصال الحديثة باستثناء عقد النكاح والصرف والسلم.

الْمبحث الرابع: نماذج من قضايا النوازل في الأحوال الشخصية

*- بقاء المسلمة التي أسلمت دون زوجها مع زوجها. وعرضنا فيه لآراء العلماء الذين يجيزون للمرأة البقاء مع زوجها دون المعاشرة أو مع المعاشرة الكاملة ما دام لن يفتنها في دينها، وإن كنت أرجح عدم جواز المعاشرة. 

*- صور مستحدثة من النكاح (زواج المسيار – الزواج السري – زواج الأصدقاء…). وخلصنا إلى جواز زواج المسيار من الناحية الشرعية وحرمة الزواج السري أو الزواج المؤقت، وأحلنا إلى الموقع فيما بقي من الصور. 

*- الخطبة والزواج عن طريق الإنترنت.

وانتهينا إلى: أننا لا نمانع من قيام مواقع تقوم بتعريف من يريد الزواج بعضهم ببعض إذا روعيت الضوابط التي تمنع من الخلوة المحرمة أو العبث بين الجنسين على أن تتم الخطبة والتعارف بصورتها التقليدية الحقيقية حيث يتعارف الخاطب والمخطوبة بصورة حقيقية لا متوهمة.

المبحث الخامس: نماذج من قضايا النوازل في الحدود والجنايات

*- حوادث النقل الجماعي وكيفية دفع الدية. وانتهينا إلى: ما انتهى إليه مجمع الفقه من أن السائق مسئول عن التقصير والإهمال ويطبق عليه قانون الجنايات، ويعفى السائق أو القائد إذا وقع الحادث نتيجة ظروف قاهرة لا يمكن دفعها.

*- اختطاف الرهائن والطائرات. وخلصنا إلى: أن خطف الرهائن وتفزيعهم حرام مهما كانت الظروف الداعية إلى هذا الخطف وأن الجهاد في الإسلام جهاد نظيف لا يغدر ولا يتعدى الظالم إلى غيره.

المبحث السادس: نماذج من قضايا النوازل في القضايا الطبية

*- رفع أجهزة الإنعاش عن المريض. وانتهينا فيه إلى: جواز رفع أجهزة الإنعاش عن المريض الذي تقرر لجنة طبية استحالة رجوعه للحياة الطبيعية مرة أخرى حسب الاجتهاد البشري الذي يعتمد على السنن الكونية الصحية.

نقل الأعضاء وزراعتها. وخلصنا فيه إلى: جواز التبرع بالأعضاء التي لا يؤثر نقلها على حياة المتبرع باستثناء نقل الخصية والأعضاء التناسلية التي تؤدي إلى اختلاط الأنساب.

*- استئجار الأرحام والتلقيح الصناعي خارج الرحم. وخلصنا إلى: جواز التلقيح الصناعي بماء الزوج وبييضة الزوجة مع مراعاة كافة الضوابط والاحتياطات التي تمنع اختلاط الأنساب وعدم جواز ذلك عن طريق استئجار رحم امرأة لا تربطها بالرجل علاقة زوجية صحيحة.

المبحث السابع: نماذج من قضايا النوازل في السياسة الشرعية:

*- القواعد العسكرية في البلاد الإسلامية. وانتهينا إلى: عدم جواز إنشاء القواعد العسكرية في البلاد الإسلامية حيث يؤدي هذا إلى الاحتلال الفعلي للبلاد، وإحداث ضرر بالبلد الذي يسمح بوجود هذه القواعد العسكرية وكذلك دول الجوار.

*- مشاركة المسلم الأمريكي في الحرب على المسلمين. ونقلنا رؤية العلماء وسبب اختلافهم حول هذه المسألة وإن كنا نرجح عدم جواز المشاركة.

التوصيات:

*- يوصي الباحث بإنشاء مركز أو مؤسسة دولية للفتوى في موضوعات النوازل تضم هذا الهيئة كافة التخصصات الشرعية والقانونية والسياسية والاقتصادية… إلى آخره.

*- تكون هذه الهيئة في انعقاد دائم، ولا تكتفي بعمل المؤتمرات أو الندوات السنوية كما تفعل المجامع الفقهية؛ فعلى الرغم من أهمية هذه المؤتمرات والندوات إِلاَّ أَنَّهَا لا تفي بالإجابة عن الأسئلة العاجلة المتكررة على مدار العام، لكن هذه المؤسسة تكون مهمتها جمع المسائل المثارة على الساحة ثُمَّ عرضها على العلماء ومحاولة الوصول إلى رأي جماعي موحد في المسألة المثارة.

*- لا تنشغل هذه المؤسسة بالمسائل التقليدية ولكن مهمتها تقف عند فتاوى النوازل أو الفتاوى التي تهم عموم الأمة وليست الفتاوى الفردية.

*- تكون هذه الهيئة مستقلة لا تخضع لسيطرة أحد كائنا من كان حتى نضمن لها النزاهة والحيدة.

*- تستطيع هذه الهيئة أن ترصد الوقائع المستقبلية القريبة الحدوث وطرحها على العلماء للوصول إلى رأي جماعي ويعد هذا نوع من استشراف المستقبل بل والتأثير في الأحداث قبل وقوعها بشكل إيجابي يشعر الأمة بالخطر ويحفزها للأخذ بالأسباب التي تؤدي إلى دفعه.

 

المصادر والمراجع

أولا: القرآن الكريم والسنة المطهرة وما يتعلق بهما

1)   أحكام القرآن تأليف الإمام أبي بكر أحمد الرازى الجصاص ت سنة370هـ دار الفكر سنة1414هـ/1993م.

2)  أحكام القرآن لابن العربي لأبي بكر محمَّد بن عبد الله الأندلسي المالكي المعروف بابن العربي (543هـ) دار الكتب العلمية.

3) امع البيان عن تأويل آي القرآن” لأبي جعفر الطبري دار الفكر 1404- 1984 بيروت لبنان.

4)  الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمَّد بن أحمد الأنصاري القرطبي (تفسير القرطبي). دار الريان للتراث.

5)   سبل السلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام، تأليف الشيخ الإمام محمَّد ابن إسماعيل الأمير اليمني الصنعاني ت سنة 1182هـ تحقيق: عصام الصبابطي وعماد السيد جـ3، ص 50- دار الحديث سنة1994م.

6) سنن أبي داود للإمام الحافظ أبي داود سليمان ابن الأشعث السجستاني ط 1408– 1988 دار الحديث.

7)  سنن ابن ماجة لمحمَّد بن يزيد أبو عبد الله القزويني (207 ـ 275) لمحمَّد فؤاد عبد الباقي دار الفكر-بيروت.

8)  سنن البيهقي لأحمد بن الحسين علي بن موسى أبو بكر البيهقي (384ـ458) تحقيق: محمَّد عبد القادر عطا مكتبة دار الباز ـ مكة المكرمة.سنن الدار قطني.

9)  سنن الترمذي لمحمَّد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي (209ـ 279) تحقيق: أحمد محمَّد شاكر. دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.

10) سنن الدار قطني لعلي بن عمر أبو الحسن الدار قطني البغدادي (306ـ 385) تحقيق: السيد عبد الله هاشم يماني المدني دار المعرفة ـ بيروت 1386 ـ 1966.

11) سنن النسائي لأحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي (215ـ303) تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، حلب، ط2/1986.

12) صحيح البخاري لمحمَّد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي (194ـ 256) تحقيق: د. مصطفى ديب البغا دار ابن كثير بيروت 1407ـ 1987.

13)    صحيح مسلم لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (206-261) دار إحياء التراث العربي بيروت.

14) مسند الإمام أحمد لأحمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني (164ـ 241) مؤسسة قرطبة ـ مصر

15) موطأ مالك لمالك بن أنس أبو عبد الأصبحي (93ـ 179) تحقيق: محمَّد فؤاد عبد الباقي دار إحياء التراث العربي ـ مصر.

16) نيل الأوطار لمحمَّد بن علي الشوكاني دار الحديث.

ثانيا ـ الفقه وأصوله وما يتعلق بهما

18) الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكام (شرح ميارة) لمحمَّد بن أحمد ميارة الفاسي دار المعرفة.

19) الإحكام في تميز الفتاوى عن الأحكام للقرافي ب تحقيق: عبد الفتاح أبي غدة.

20) أسنى المطالب شرح روض الطالب لأبي يحيى زكريا الأنصاري. دار الكتاب الإسلامي.

21)    الأشباه والنظائر لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمَّد السيوطي (911هـ1505م) دار الكتب العلمية

22) إعلام الموقعين عن رب العالمين لأبي عبد الله محمَّد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بابن قيم الجوزية (751هـ350م) دار الكتب العلمية.

23) الأم لأبي عبد الله محمَّد بن إدريس الشافعي (204هـ822م). دار المعرفة.

24) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف لعلاء الدين أبو الحسن بن سليمان المرداوي (885هـ1480م) دار إحياء التراث العربي.

25) أنوار البروق في أنواع الفروق لشهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس المشهور بالقرافي (684هـ1285م).دار الكتب العلمية.

26) البحر الرائق شرح كنز الدقائق لزين الدين بن إبراهيم بن محمَّد الشهير بابن نجيم (970 هـ – 1563م). دار الكتاب الإسلامي.

27) البحر المحيط لبدر الدين محمَّد بن بهادر بن عبد الله الشافعي الزركشي (745هـ794هـ) دار الكتبي.

28) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع لعلاء الدين أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني (587 هـ -1191م). دار الكتب العلمية.

29) بلغة السالك لأقرب المسالك (حاشية الصاوي على الشرح الصغير)لأحمد بن محمَّد الخلوتي الشهير بالصاوي. ت (1241هـ) دار المعارف بمصر.

30) التاج المذهب لأحكام المذهب للقاضي أحمد بن قاسم العنسي اليماني الصنعاني مكتبة اليمن الكبرى. بداية المجتهد ونهاية المقتصد. محمَّد أحمد بن محمَّد بن أحمد بن رشد شرح و تحقيق: رضوان جامع رضوان ط 1 1417-1997. دار الحرم للتراث.

31)    التاج والإكليل لمختصر خليل لأبي عبد الله محمَّد بن يوسف العبدري الشهير بالمَوَّاق (897هـ) دار الكتب العلمية.

32) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق لفخر الدين عثمان بن علي الزيلعي الحنفي (743هـ) دار الكتاب الإسلامي.

33) التجريد لنفع العبيد (حاشية البجيرمي على شرح منهج الطلاب) لسليمان بن محمَّد بن عمر البُجَيْرَمِيّ الشافعي. دار الفكر العربي.

34) تحفة الحبيب على شرح الخطيب (حاشية البجيرمي على الخطيب) لسليمان بن محمَّد البجيرمي المصري (1221هـ1806م) دار الفكر.

35) تحفة المحتاج بشرح المنهاج لشهاب الدين أحمد بن محمَّد بن حجر الهيثمي المكي(974هـ1567م) دار إحياء التراث العربي.

36) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير لشمس الدين محمَّد بن أحمد بن عرفة الدسوقي (1230 هـ 1815م) دار إحياء الكتب العربية.

37) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني لعلي الصعيدي العدوي دار الفكر.

38) حاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع لحسن بن محمَّد بن محمود العطار. دار الكتب العلمية.

39) حاشيتا قليوبي وعميرة على شرح المحلي على المنهاج المحققان المدققان الشيخ شهاب الدين القليوبي والشيخ عميرة دار إحياء الكتب العلمية.

40) حكم الشريعة الإسلامية عقود التأمين للدكتور حسين حامد حسان. مجلة مجمع الفقه الإسلامي

41)    درر الحكام في شرح غرر الأحكام للقاضي محمَّد بن فراموز الشهير بمُنْلا خُسْرو (885هـ1480م) دار إحياء الكتب العربية.

42) دقائق أولي النهى لشرح المنتهى المعروف بشرح منتهى الإرادات لمنصور بن يونس بن إدريس البهوتي (1051هـ1641م) عالم الكتب.

43) رد المحتار على الدر المختار في شرح تنوير الأبصار المعروف بـ ((حاشية ابن عابدين) محمَّد أمين بن عمر المشهور بابن عابدين (1252هـ1836م) دار الكتب العلمية.

44) شرح مختصر خليل للخرشي لمحمَّد بن عبد الله الخرشي دار الفكر.

45) شرح معاني الآثار للإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي أحمد بن محمَّد بن سلامة بن سلمة الأزدي المصري (321هـ933م) دار المعرفة.

46) شرح منتهى الإرادات لمنصور بن يونس البهوتي عالم الكتب.

47) ضوابط الفتيا النوازل المعاصرة د. مسفر بن علي القحطاني بحث منشور على موقع الإسلام اليوم

48) العناية على الهداية لمحمَّد بن محمود البابرتي المتوفى سنة (786هـ). دار الفكر.

49) الفتوى بين الانضباط والتسيب للدكتور يوسف القرضاوي.

50)    فتاوى الشيخ الدكتور مصطفى الزرقاء قدم لها د. يوسف القرضاوي، ط1، دار القلم، دمشق، 1420-1999.

51) الفتاوى الكبرى لابن تيمية للإمام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية (728هـ)، دار الكتب العلمية.

52) الفتاوى الهندية تأليف لجنة من العلماء برئاسة نظام الدين البلخي، دار الفكر.

53) فتاوى معاصرة للأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي.

54) فقه الأولويات للدكتور يوسف القرضاوي.

55) فقه الطهارة لفضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي مكتبة وهبة ط2/ 1425 – 2004م.

56) فقه النوازل دراسة تأصيلية تطبيقية محمَّد بن حسين الجيزاني، ط2/1427- 2006م.

57) قرارات المجمع الفقهي الإسلامي.

58) قرارات مجمع الفقه الإسلامي مجلة المجمع.

59) قرارات وفتاوى المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث. دار النشر والتوزيع الإسلامية

60) قواعد الأحكام في مصالح الأنام لأبي محمَّد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام الدمشقي (660هـ1262م) دار الكتب العلمية.

61) كشف القناع عن متن الإقناع للبهوتي دار الكتب العلمية.

62)    المبسوط لشمس الأئمة أبو بكر محمَّد بن أحمد بن أبي سهل السَّرَخْسِيّ (483هـ1090م) دار المعرفة.

63) مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر لعبد الرحمن أحمد بن محمَّد شيخي زاد دار إحياء التراث.

64) مجمع الضمانات لأبي محمَّد غانم بن محمَّد البغدادي دار الكتاب الإسلامي.

65) مجمع الفقه الإسلامي. منظمة المؤتمر الإسلامي.

66) المجموع شرح المهذب ليحيى بن شرف النووي مطبعة المنيرة.

67) المحلى بالآثار للإمام أبو محمَّد على بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي تحقيق: د. عبد الغفار سليمان البنداري. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.

68) مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى للشيخ مصطفى السيوطي الرحيباني(1243هـ) المكتب الإسلامي.

69) معالم القربة في معالم الحسبة لمحمَّد بن محمَّد بن أحمد القرشي المعروف بابن الأخوة دار الفنون كمبردج.

70) معايير وسطية الفتوى: بحث قدمه فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه لمؤتمر الوسطية الذي عقد في الكويت 2005

71) المغني لموفق الدين عبد الله بن أحمد المعروف بابن قدامة (620هـ1223م) دار إحياء التراث العربي.

72) المفردات في غريب القرآن للحسين بن محمَّد الراغب الأصفهاني ط مصطفي الحلبي، 1961م.

73)    المنتقى شرح الموطأ لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي الأندلسي (474هـ – 1081م) دار الكتاب الإسلامي.

74) المنتقى شرح الموطأ لسليمان بن خلف الباجي دار الكتاب الإسلامي.

75) الموافقات في أصول الشريعة لأبي إسحاق الشاطبي المكتبة التوفيقية.

76) مواهب الجليل شرح مختصر خليل لأبي عبد الله محمَّد بن محمَّد بن عبد الرحمن الرعيني المعروف بالحطاب (954 هـ 1547م) دار الفكر.

77)    الموسوعة الفقهية لجماعة من العلماء, تصدرها وزارة الأوقاف الكويتية إصدار وزارة الأوقاف الكويتية.

78) الموطأ لإمام الأئمة وعالم المدينة مالك بن أنس تحقيق: محمَّد فؤاد عبدالباقي، ط عيسى البابي الحلبي (1370 – 1951).

79) نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي تأليف د.أحمد الريسوني، مطبوعات المعهد العالمي للفكر الإسلامي واشنطن الطبعة الثانية.


([1]) الموافقات في أصول الشريعة، للشاطبي، 4/201، وإعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم، 1/9، الفتوى بين الانضباط والتسيب للدكتور يوسف القرضاوي.

([2]) المجموع شرح المهذب، 1/72- 73.

[3]) سورة يوسف: 43.

[4]) سورة الكهف: 22.

[5]) سورة الصافات: 11.

([6]) البحر المحيط، 2/358.

([7]) ينظر: فقه النوازل، دراسة تأصيلية تطبيقية: محمد بن حسين الجيزاني، ص18- 26، ط2/1427هـ- 2006م.

([8]) البخاري كتاب الأذان باب من شكا إمامه إذا طول، ح664، مسلم كتاب الصلاة باب القراءة في العشاء، ح709.

([9]) البخاري كتاب العلم باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأي ما يكره، ح88.

([10]) البخاري كتاب الرقاق باب القصد والمداومة على العمل، ح5982.

([11]) مسلم كتاب الصيام باب صيام النبي في غير رمضان، ح1958.

([12]) الموافقات في أصول الشريعة، لأبي إسحاق الشاطبي، 4/213- 215 المكتبة التوفيقية.

[13] – إعلام الموقعين، 3/38 – 45.

[14] – رد المحتار على الدر المختار، 3/434.

[15] – أنوار البروق في أنواع الفروق، 1/176- 177.

[16]) سورة الأنعام: 108.

[17] – أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب ما ينهى عن دعوة الجاهلية، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما.

[18] – أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه.

[19] – الموافقات، 4/160 – 161.

[20] – الفتاوى الكبرى، 4/465.

[21]) سورة المائدة: 33.

[22]) من بحث قدمه فضيلة الشيخ عبدالله بن بيه لمؤتمر الوسطية الذي عقد في الكويت 2005 بعنوان معايير وسطية الفتوى.

([23]) إعلام الموقعين، 4/166، البحر المحيط 6/ 490، ومقدمة كتاب فتاوى معاصرة للدكتور يوسف القرضاوي.

([24]) درء تعارض العقل والنقل: 8/473-474بتحقيق محمد رشاد سالم دار الكنوز الأدبية. الرياض391.

([25]) البقرة: 185.

([26]) النساء: 28.

([27])المائدة: 6.

([28]) (رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، والطبراني عن محجن بن الأدرع، والطبراني أيضًا عن عمران بن حصين، والطبراني في الأوسط، وابن عدي والضياء عن أنس “صحيح الجامع الصغير: 3309″)، “أحب الأديان إلى الله الحنيفية السَّمْحة” (رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد والطبراني عن ابن عباس).

([29]) مُتَّ‍فَقٌ عليه، كما في اللؤلؤ والمرجان”1502″.

([30]) رواه أحمد وابن حِبَّان والبيهقي في الشُّعَب عن ابن عمر “صحيح الجامع الصغير: 1886″.

([31]) مُتَّفَقٌ عليه – اللؤلؤ والمرجان “681”.

([32]) مُتَّفَقٌ عليه – المصدر نفسه “684”.

([33]) من فقه الأولويات للدكتور يوسف القرضاوي.

([34]) سورة إبراهيم: 4.

[35]) سورة البقرة: 222.

[36]) سورة الحشر: 7.

([37]) مقدمة كتاب فتاوى معاصرة الجزء الأَوَّل.

([38])الأحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام للقرافي بتحقيق عبد الفتاح أبي غدة ص- 282، 283)، وينظر مقدمة كتاب فتاوى معاصرة الجزء الأول باختصار وتصرف.

([39])إعلام الموقعين ج- 4، ص134.

[40]) سورة يونس: 59.

([41]) مقدمة كتاب فتاوى معاصرة الجزء الأول باختصار وتصرف.

([42]) (انظر: إعلام الموقعين ج- 4، ص163، 164).

[43]) سورة المائدة: 50.

([44]) مقدمة كتاب فتاوى معاصرة باختصار وتصرف.

([45]) إعلام الموقعين، 4 /122.

([46]) مقدمة المجموع شرح المهذب للإمام النووي، 1/74.

([47]) إعلام الموقعين، 4/131- 134.

([48]) الفتوى بين الانضباط والتسيب لفضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي باختصار وتصرف.

[49]) سورة النحل: 43.

[50]) الفتوى بين الانضباط والتسيب باختصار وتصرف.

[51]) سورة المائدة: 101-102.

[52]) إعلام الموقعين، 1/55 – 56، والآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح، 2/70 – 71، التقرير والتحبير في شرح التحرير، 3/342، شرح منهى الإرادات، 3/482- 483، وكشاف القناع عن متن الإقناع 6/ 301، وينظر أيضا ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة د. مسفر بن علي القحطاني بحث منشور على موقع الإسلام اليوم.

([53]) سنن أبي داود كتاب العلم باب التوقي في الفتيا، ح3171.

([54]) التقرير والتحبير في شرح التحرير، 3/342، الفصول في الأصول للجصاص، 4/38 – 39. المستصفى، 345- 346، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، 1/30 – 31، وينظر أيضا ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة.

([55]) إعلام الموقعين، 1/69 – 70، الأحكام السلطانية 90 – 91، بدائع الصنائع 7/ 9، أنوار البروق في أنواع الفروق، 4/130، وينظر أيضا ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة

([56]) رواه الإمام أحمد في المسند 1 / 321، والبيهقي في السنن 10 / 112 – 116، وصححه الحكام في المستدرك 1/183 رقم (61) ووافقه الذهبي، وبنحوه أخرجه أبو داود في سننه كتاب العلم، باب التوقي في الفتيا رقمه (3649)، 4/243.

([57]) أخرجه الدارمي في سننه، المقدمة، باب الفتيا وما فيه من الشدة 1 / 69

([58]) إعلام الموقعين، 1/9، ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة.

([59]) نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي تأليف د.أحمد الريسوني، ص7، مطبوعات المعهد العالمي للفكر الإسلامي واشنطن، ط2/ 1412هـ، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، د. علال الفاسي، ص7.

[60]) سورة البقرة: 188.

[61]) سورة الأنعام: 108.

[62]) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب ما ينهى عن دعوة الجاهلية، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب.

[63]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه.

[64]) البحر المحيط 7/156. أحكام القرآن لابن العربي، 3/310. الموافقات، 4/160-161. وينظر: ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة.

[65]) البحر الرائق، 1/239.

([66]) المرجع السابق: (1/57)، وانظر: حاشية رد المحتار لابن عابدين (1/315).

([67]) شرح فتح القدير (1/200- 201)، وانظر: ابن عابدين (1/315).

([68]) الفتاوى الهندية (1/44-45).

([69]) انظر: الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: (1/ 50،57).

([70]) انظر: المسألة 132 (1/133- 136) من المحلى. مطبعة الإمام.

([71]) انظر: المهذب الشيرازي (1/10) ومغني المحتاج للخطيب الشربيني (1/81).

([72]) الفتاوى الفقهية الكبرى، 1/39 – 40

[73]) المرجع السابق، المبسوط، 1/205، مواهب الجليل شرح مختصر خليل، 1/107- 108، الموسوعة الفقهية 10/278- 279، وينظر: فقه الطهارة لفضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، ص58 – 64 مكتبة وهبة، ط2/1425 – 2004م.

([74]) سورة النساء: 115.

([75]) ميزان الاعتدال: 4/604.

[76]) سورة البقرة: 279.

[77]) سنن أبي داود كتاب البيوع باب في الغرر.

[78]) المائدة آية: 90.

([79]) حكم الشريعة الإسلامية في عقود التأمين للدكتور حسين حامد حسان، ص432-435.

[80]) سورة الممتحنة: 10.

[81]) سورة النجم: 36-38.

[82]) سورة المائدة: 2.

[83]) سورة الممتحنة: 1.

[84]) سورة آل عمران: 28.

[85]) سورة النساء: 144.

[86]) سورة المائدة: 32.

[87]) سورة المائدة: 2.

[88]) سورة التغابن: 16.

[89]) سورة هود: 88.

[90]) سورة البقرة: 190.

[91]) سورة البقرة: 179.

[92]) سورة النحل: 43.

[93]) سورة النساء: 75.

[94]) سورة البقرة: 256.

[95]) سورة الأنفال: 58.

[96]) سورة المجادلة: 21.

[97]) سورة التوبة: 24.

[98]) الزرقاني: 8/ 192.

[99]) سورة الممتحنة: 1.

[100]) سورة البقرة:84.

[101]) سورة المائدة: 55 – 56.

[102]) سورة النحل: 43.

 

*  ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان ” فقه النوازل وتجديد الفتوى”

المنعقدة خلال الفترة: 13-16 ربيع الأول 1428هـ/ 1-4 إبريل 2007م

سلطنة عمان – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك