التجديد الفقهي عند أبي نبهان الخروصي

التجديد الفقهي عند أبي نبهان الخروصي*

(و: 1147هـ – ت: 1237هـ)

 إعداد: د. مبارك بن عبدالله الراشدي

 (أستاذ الشريعة بكلية الحقوق جامعة السلطان قابوس، سلطنة عمان)

 

مقدمة:

الحمد الله شرَّف العلم والعلماء حتى صاروا منارة للناس، وذمَّ الجهل وأهله ليظهر الْـحَقّ ويزيل الالتباس، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد معلم البشرية وهاديها إلى صراط الله المستقيم، وعلى آله وصحبه الغر الميامين.

وبعد:

فكأنَّ من يُمن الطالع أن تلقَّيت دعوة من وزارة الأوقاف والشئون الدينية للاشتراك في (ندوة فقه النوازل) ببحث يتعلق بشيء من فقه العلامة الملهم: «أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي -رحمه الله -».

فاخترت أن يكون بحثي بعنوان: «التجديد الفقهي عند أبي نبهان الخروصي» للمشاركة به في هذه الندوة المباركة, وجاءت الدعوة متأخِّرة فإنني لا أدَّعي أن هذا البحث قد نال التعمّق المطلوب، ولا يرقى إلى البحوث العلمية الجادة، ولكن ما جاد به الوقت وما سنحت به الفرصة في أيام قلائل، وعذرا على ذلك؛ فالعذر مطلوب من أهل هذا الشأن، وقد جعلت هذا البحث في ثلاثة مباحث وخاتمة:

المبحث الأول: حياة أبي نبهان ومكانته الفقهية.

المبحث الثاني: نماذج من اجتهاداته في مدارس القرآن الكريم والتعليم بها.

المبحث الثالث: نماذج من اجتهاداته في أحكام الحيوان والطيور.

أما الخاتمة: فهي تبين نتائج البحث.

والله من وراء القصد والهادي إلى سواء السبيل.

 


المبحث الأول:

حياةُ أبي نبهان ومكانته الفقهية 

أَوَّلاً: نسبه ونشأته

هو الشيخ العلامة الحبر الكبير أبو نبهان جاعد بن خميس بن مبارك بن يحيى الخروصي، نسبه إلى خروص بن شاري بن اليحمد من الأزد اليمنية، ويقال له: الخليلي؛ لالتقائه في الإمام الخليل بن عبدالله الذي ينسب إليه آل خليل في عمان([1]) على الأصح([2]).

ولد الشيخ في بلدة العليا من وادي بني خروص سنة 1147هـ/1735م حسبما ذكر الشيخ محمَّد بن راشد الخصيبي([3])، ويعرف بين الفقهاء العمانيين في زمانه بالشيخ الرئيس، ولعله كان المرجع في الفتوى، ويكنَّى بأبي نبهان أحد أولاده.

شبَّ الشيخ في تلك البلدة وترعرع بين أحضان أبوين كريمين اعتنيا به وأشرفا على تربيته التربية الصالحة، وتعلم هناك القرآن الكريم والعلوم العربية.

ثُمَّ رحل الشيخ إلى بلدة الهجار من الوادي إلى علامة زمانه الشيخ سعيد بن أحمد بن سعيد الكدمي، فلازمه ودرس عليه فنون اللغة العربية كالنحو والصرف والبلاغة والشعر، وأخذ عنه التفسير، حيث كان الشيخ الكندي ضليعا في تفسير القرآن الكريم، وأخذ عند الحديث والفقه والسير والتاريخ، فضلا عن أخذه أصول الدين.

ثُمَّ انتقل الشيخ جاعد إلى نزوى ليلازم الشيخين العالمين: هلال بن عبدلله بن مسعود العدوي النزواني، وأظنّه من أهل بهلا من حيث الأصل، وحبيب بن سالم الأمبوسعيدي النزوي الذي قال عنه ابن رزيق المؤرخ المعروف: “أعلم أهل زمانه، وقصدته الوفود بالمسائل من كُلّ بلد من بلدان عمان”([4])

تبحَّر الشيخ في العلم حتى صار حجَّة زمانه في العلم والفتوى، وكان شغوفا بقراءة آثار السلف الصالح من العمانيين، وخاصة فقه الشيخ أبي سعيد محمَّد بن سعيد الكندي -رحمه الله- وكان معجبا به أيَّما إعجاب، فقد ذكر غزارة فقهه في مؤلفاته، وحث الناس على قراءة آثاره، واتِّباع منهجه للمقلدين من العمانيين واعتبره حجَّة في الدين([5]).

صفاته وأخلاقه:

اتَّصف الشيخ -رحمه الله- بحسن الخلق، ورحابة الصدر، وطيب اللقاء لمن أتى إليه ولطلابه كثير النصح لطالبي العلم، عنده من الأسلوب التربوي البديع ما يعجز عنه الوصف، لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يهادن في الوقوف على الْـحَقّ، لا يفارق المسجد بعد صلاة الفجر حتى يصلِّي الضحى([6]).

حارب البدعة في الدين طول عمره، ولا يرضى بتشريك أهل القبلة، ولكن يقول لهم: كافرون كفر نعمة وهم فاسقون، وخاصة فيمن يتولَّون اليهود والنصارى من المسلمين، وقد حذَّر كثيرا وبشدة من الفتن والانزلاقات الفكرية، وكان يَدُلُّ طلبة العلم والعلماء وجميع القراء على قراءة سير السلف.

فقد كتب مخاطبا العمانيين عامة في رسالة وجهها إلى أهل عمان عامة ما نصه: “وقد نزل بكم من هذه الفتنة العمياء والداهية الدهياء ما قد بان ضرره فيمن دنا منه، فأصابه شرره، فلم أسرعتم الوثبة إليه، زهدا في الذي كنتم عليه، وبه النجاة ولا شك؛ لأَنَّهُ العروة الوثقى والحبل المتين من ربكم، فإن تكونوا في ريبة من إفك من يقول على الله كذبا فدان في أهل الإقرار بالشرك، فاقرؤوا رسالة المهنا بن جيفر، وما دوَّنه خلف بن زياد في سيرته، وانظروا إلى ما أرسل به مَحبوب من الرحيل إلى عمان في أمر هارون بن اليمان، حين زلَّ وأبى أن يرجع فضلَّ، وما لغيرهما من السير مثل أبي الحواري وأبي قحطان وأبي المؤثر، لعسى أن تجدوا ما قد أثبتوه وأثروه على الأَوَّلين، هذا يتم لمن في زمانهم، ولمن يأتي بعدهم في الآخرين”([7]).

إن هذه الفقرة التي نقلناها تكون مثالا على تشديده على من يعتقد تشريك أهل القبلة وهو الْـحَقّ الذي لا مرية فيه، وكان الشيخ بشدة ألفاظه هذه في السيرة يريد أن يوقف الناس عن التشبه بالخوارج الذين شرَّكوا أهل القبلة، واستحلوا دماءهم وأموالهم، وتلك بدعة كبرى في الدين، وأمر الناس بالرجوع إلى آثار السلف في هذا الجانب، إذ وقفوا وقفة رجل واحد حين ظهرت هذه البدعة فبقيت تلك الآثار تضيء نورا لِمن في زمانهم في القرنين الثاني والثالث الهجريين، ولمن يأتي بعدهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

كان الشيخ بعيدا عن حظوظ النفس عالما بمداخلها ومخارجها، بعيدا عن الدنيا وحطامها يأخذ منها بلغته، ولا يلتفت إلى مباهجها وزهرتها فقد كان من الزاهدين فيها، الراغبين عنها إلى الأخرى، فلم يتقرب من الأمراء والحكام، بل كان يناصحهم ويعظهم بالاعتبار بمن كان قبلهم من أهل الحكم والسلطان([8]).

ثانياً: مكانته العلمية:

اشتهر الشيخ العلامة أبو نبهان بالمكانة العلمية العليا عامة، والفقه خاصة، فقد كان عالم زمانه، وقد بزَّ في العلم أقرانه، وشهد بذلك له من جاء بعده، قال عنه الشيخ العلامة سعيد بن أحمد الكندي الذي عاصره: “إني دونك في العلم والفهم”([9])، وقال الشيخ العلامة المعاصر لأبي نبهان عامر العبادي ما نصه: “وقد كفاني دليلا ومنهجا وسبيلا من سلك بحالي دار السلامة، ومقام الكرامة، الباقي إلى يومنا هذا في مصرنا وعصرنا، وهو الشيخ أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي العلياني، وهو الإمام لأهل العدل من ملَّة الإسلام في هذه الدولة وهذه الأيام، وهو القدوة لِمن جاء بعده من الأعلام، وهو الأمَّة والقائد من اقتدى بآثاره الصحيحة إلى الْـجَنَّة…” إلخ ما قال([10]). وقال عنه العلامة سعيد بن خلفان الخليلي بعدما ذكره وابنه ناصر ما نصّه: “وهم كانوا أكثر منا علماً، وأصحّ نظراً، وإنا لهم من الْـحَقّ تبع إن شاء الله”([11]). وقال عنه نور الدين السالمي: “إن أبا نبهان كان المتقدِّم على أهل زمانه بالعلم والفضل والشرف، واتَّخذه الناس قدوة في مراشد دينهم ومصالح دنياهم، وقلَّده الأفاضل أمرهم لِما علموا من علمه وورعه”([12]). وقال عنه الشيخ حميد بن محمَّد بن رزيق: “أبو نبهان الشيخ الرئيس العالم العلامة الحبر الفهامة الفطن المجتهد الجهبذة”([13]).

ويكفي الأمر شهرة وعدالة شهادة هؤلاء العلماء الذين عاصروه أو قريبا مِمَّن عاصره، حيث اعترفوا له بغزارة العلم والفهم، وسجَّلوا شهادة تقرأ على مرِّ التاريخ، فهو مرجع العلماء، ومأوى القصّاد في حلِّ عويص المسائل، وكشف المغلق من النوازل، ونضيف إلى ذلك ما قاله الشيخ محمَّد بن راشد الخصيبي في حقّ هذا الشيخ:

      وأخو الفضل جاعد بن خمـيــس     من خروص ومن ذوي المأثورات

      شمس علم وكنز سرّ وكـــهــــف    وشهاب مـــردٍ لكـلِّ الـطـــــغــــاة

ثُمَّ قال قي شرح هذين البيتين: “كان عين جهابذة العلماء في ذلك الزمان، والحبر الرباني المشار إليه بالبنان، وكان الفرد الوحيد في علم الأسرار فعنده ملكة قوية”([14]). وقال أيضا العلامة النحرير في حق الشيخ أبي نبهان ما نصّه: “العلامة الرباني الإمام أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي -رحمه الله-الذي حيي حياة من أجل العلم، ومن أجل الْـحَقّ، ومن أجل الدفاع عن الكرامة، وكان نموذجاً للعلماء الصالحين الذين يتمسكون بكتاب الله ويتبعون هدي رسول الله e، ويحيون مآثر السلف الصالح”([15]).

ويكفي هذا الشيخ أَنَّهُ صار مرجع أهل زمانه، وشهد له من عاصره ومن جاء بعده بالقدم الراسخة في الفقه، وجميع المعارف الإنسانية السائدة يومئذ بعمان، وقد رثاه الشعراء بمراث عدةً بعد وفاته حتى جمعت في ديوان كامل حيث كانت عديدة، وسمِّي هذا الديوان بــ«قلائد المرجان في مدح أبي نبهان»، وقد ذكر ذلك الشيخ الخصيبي في كتابه “شقائق النعمان” في ترجمة هذا الشيخ، ولعله يوجد بمكتبة وزارة التراث والثقافة، أو عند صاحب الشقائق، ولكني لم أطَّلع على هذا الديوان، وقد ذكر الخصيبي مقتطفات من هذا الديوان، وجاء فيه ذكر الشعراء: سالم بن محمَّد اللمكي، وراشد بن سعيد العبسي، ومنصور بن ناصر الخروصي الستالي، والشاعر سيف بن ناصر الغشري الخروصي، وحميد بن محمَّد بن رزيق المشهور، والشيخ الفقيد ناصر بن محمَّد بن سليمان الخروصي السمائلي، والشيخ سعيد بن حسن بن درويش الخروصي، والشاعر علي بن خميس بن عامر الحراصي الحبري وغيرهم.

ثالثاً: موقفه من الاجتهاد والفتوى:

سبق وأن رأينا شهادات العلماء المعاصرين لأبي نبهان -أو من جاء بعدهم- في رسوخ قدم هذا الشيخ في العلم، وهو قليل من كثير، إذ نحن في عجالة من أمرنا لإنجاز ما تيسر من ورقة العمل هذه.

وَإِلاَّ فإنَّ للشيخ مكانة عليا ليس ما قيل دليلا عليها، وَإِنَّمَا واقع الآثار التي أثرها هي الدليل الناصع على ما نقول، والقدر المشترك مع الجميع والأمر المتفق عليه مع معاصريه أو من جاء بعده أَنَّهُ موئل العلماء، ومقصد الجهال والفقهاء في العلم على السواء، ولعلنا نورد شيئا مِـمَّا يستدلّ به على ذلك.

فقد قال أحد السائلين لابنه الشيخ العلامة ناصر بن أبي نبهان مسألة تحليل شرب القهوة البُنِّية ما نصُّه: “وقد اتَّفق العلماء في بعض الأمصار على تحريم القهوة ثُمَّ أتى من بعدهم والدك – قدَّس الله سرّه ونوّر فكره – ورأى أن تحليلها هو الأعدل، وأظهر الحجج على ما رأى غير ذَلِكَ، حتى ظهر نوره في عقول ذوي العقول من الورى أَنَّهُ هو الرأي الأكمل”([16]).

وفي معرض ذكر الشيخ ناصر لوالده في جوابه لِمن سأله: “ولا يشكّ أحدُ ُ في علوّ درجته في الفهم، وفضيلة منصبه في العلم”. وقال في موضع آخر: “وحيث لم يرد الله الملك الخلاق أن يكونوا على هذا الاتفاق كشفه الله على من ألهمه بجنانه، فأجراه على لسانه فاستعمله في بلدانه، ولم أنفرد فيه بنفسي، بل أعانني عليه بتصحيحه والدي أبو نبهان”([17]).

 فالشيخ كانت ترسل له عويصات المسائل، ويطلب منه الحلّ لمختلف المشاكل، وكان في جميع فتاويه أو وصاياه لطلاَّب العلم يأخذ بأقوال السلف الصالح، ويحثّ كثيرا على آثار الشيخ أبي سعيد الكدمي -رحمه الله-، ويعتبره من جهابذة العلماء الذين آتاهم الله البصيرة في الدين، وَمِـمَّا قاله في ذلك: “ولا تركنوا إلى من دعاكم إلى متالف الرَّدى، تاركين لِما كان عليه أئمَّة الهدى، فَإِنَّهُم أقرأ للتنزيل وأعلمُ بالتأويل، وأدلّ بالطريقة المثلى إلى منازل العلى، وقد ضربوا في منارها الصوى، فبصروا من العمى وأمروا بالتقوى، ونهوا عن متابعة الهوى… إلخ”([18])، وقال أيضا: “ولقد وجدنا فيهم قولا لبعض المتأخرين من أهل زماننا، ولا أقدر على رفعه إليك، لِما فيه من يخالفه آثار الماضين مثل محمَّد بن مَحبوب وأبي سعيد وغيرهما من فقهاء المسلمين، وكلاما أعرضنا عنه لصدوره عمن هو أقلّ فقها من المتقدمين، ولأنَّه -على إطلاقه-يقتضي المنع في مواضع مباحة، دلّ عليها صريح الأثر وصحيح النظر”([19]).

وكان يحثّ على اتِّباع جهابذة العلماء العمانيين أمثال: محمَّد بن محبوب وأبي سعيد الكدمي وأبي علي موسى بن علي وأبي المؤثر وأبي قحطان وغيرهم من كبار العلماء([20])، كما أن الشيخ -رحمه الله-يأمر المستفتي أن ينظر في أعدل الأقوال إن كان من أهل النظر، جاء ذلك في كثير من جواباته، ومن ذلك ما نصه: “فانظر فيه وتدبَّر معانيه، ولا تعتمد إِلاَّ على ما تراه إلى النجاة سبيلا، وعلى منهاج السلامة دليلا، ولا يغرنّك حسن الاتكال على من قال، ولكن انظر فيما قال؛ فما وافق الْـحَقّ فخذ به، وما خالف الْـحَقّ إلى غيره من الباطل فاطرحه عن نفسك له رافضا، وما أشكل عليك من شيء فقف عنه، والتمس عدله إن اضطررت إليه من كتاب الله وسنَّة رسوله، أو إجماع الأمَّة، أو رأي أهل العدل من الفرقة المحقة، لعلك أن تصيب القصد، وتهدى فيه إلى الرشد، ويرتفع عن بصيرتك الحجاب، فتراه على ما هو عليه من خطأ أو صواب([21]).

 وعلى هذا فهو لا يعتمد كُلّ الآراء التي يطّلع عليها في المسائل، ولا يركن إليها، خاصة إذا داخله منها شكّ، وكان لها في الرأي مجال، ولكنَّه يجتهد رأيه حتى يطمئن على الحكم فيه فهو ليس من أهل التقليد والجمود، وَإِنَّمَا من أهل النظر والتجديد، إذ لعلَّه يجد بالنظر قولا جديدا ومخرجا مهمًّا في المنازلة المعروضة، وكان يحثّ سائليه على ذلك كما أسلفنا، فمن قوله: “لا بدّ له على الأصحّ من التحري عند العمل لأعدلها، وذلك وجه السلامة له عن الهلكة…، وإذا كان في هذا هكذا لم يجز أن يخلق في ذلك بالعيب على أحد اتَّبع فيه رأياً احتمل له فيه وجه الْـحَقّ، وكان له متعلّق في النظر بالرأي، أو بشيء سبق في الرأي من أراد من أهل العلم من المسلمين، وَإِنَّمَا العيب على من خالف الأصول وصرف عن ملَّة الرسول، أو نصب الرأي دينا أو تكلَّم مينا… الخ”([22]).

ومن هنا يتَّضح أن الشيخ لا يرى الأخذ بالرأي مطلقا مِمَّن قاله، ولو وجده عمن سبقه إذا كان للرأي فيه مجال، فلا يعتمد إِلاَّ على النظر في الأقوال، فلا يرضى بالتقليد، ولكنه يتأمل في الأدلَّة ليأتي بالجديد، ويخرج من ربقة التقليد إلى التجديد، يقول في أحد جواباته: “وإن كان في حفظي عمن أدركته مِمَّن ادَّعى جوازه من المتأخِّرين، فلا أقوى عليه بالعمل به، ولا أقول إِنَّهُ مِمَّن تؤخذ عنه الفتيا بالرأي، إذ لا أقول فيه إنَّ له قوّة علم تظهر له معي، ولا أدري أَنَّهُ من رأيه، ولا أَنَّهُ أخذه بالتلقي له من غيره مِمَّن له بصيرة نافذة في العلم، إذ لم أفحصه عنه ولا بان لي صوابه، وفي نفسي منه حرج”([23]).

وقال أيضا في نفس السياق ما نصّه: “ولقد وجدنا فيهم قولا لبعض المتأخرين من أهل زماننا، ولا أقدر على رفعه إليك، لِما فيه من مخالفة آثار الماضين… ولأنه – على إطلاقه – يقتضي المنع في مواضع مباحة، دلَّ عليها صريح الأثر وصحيح النظر”([24]).

كُلّ ما رأيناه يَدُلُّ على أن الشيخ كان من مُجدِّدي الفقه الإسلامي في عصره، إذ لا يأخذ بالأقوال على ما هي عليه، ولكنه يُمحّصها باحثا الأعدل منها، فإذا اقتضى النظر العدول عنها كليا، اتَّجه إلى القياس واستنبط حكما جديداً في النازلة التي بين يديه.

إن هذا يَدُلُّ على الملكة الأصولية والفقهية التي يتمتَّع بها هذا الشيخ الجليل، ونور البصيرة التي منحها الله له، فهو بحقّ من جهابذة العلماء المستنبطين الذين قال الله تعالى في حقِّهم: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾([25]).

وإذا عرفت هذا تبيَّن لك أن الشيخ ما كان من الفقهاء الجامدين، الذين نادوا بوقف الاجتهاد في العصور المتأخِّرة التي صار الطابع العام فيها في عصره التوقف عن الاجتهاد ([26]).

وسوف نبيّن نَماذج من استنباطات هذا الشيخ الفقيه في النوازل المعروضة، والتي تعدّ من التجديد في الفقه الإسلامي في المبحثين التاليين:-

 

المبحث الثاني:

نماذج من اجتهاداته في تدريس القرآن الكريم

كان الشيخ أبو نبهان من العلماء الذين اهتموا بالتدريس عن قرب، وممن كانت لهم مدارس يرتادها الطلاب المتعلمون، وقد تأصل فيه حب المتعلمين وتأديبهم ورعايتهم، ومثل هذه الأحوال تكون من العلماء عندما ينظرون إلى الزمن الذي يعيشون فيه، وانصراف الناس عن طلب العلم، فتظهر فيهم الهمة لاستقطاب المتعلمين من أجل إحياء نور العلم في قلوب الناس.

وربَّما نظر العلامة أبو نبهان إلى آثار السلف الصالح من العمانيين، فوجد فيها ثغرة في جانب التأليف في أحكام مدارس القرآن الكريم وأموالها والتعليم فيها، وسواء كان التعليم بأجرة من أموالها، أو من أموال خصصت للتعليم بها، أو بأجرة خارجة عن ذلك.

فقام الشيخ بجمع مسائل أجاب عنها بعض المشايخ القدماء مثل: الشيخ أبي سعيد الكدمي ومحمَّد بن علي بن عبد الباقي وعمر بن عبد الله بن معد البهلوي وسعيد بن بشير الصبحي وغيرهم، فحللها وعلَّق عليها، ولكنه أكمل هو الجانب التأديبي للمتعلمين، والاهتمام برعايتهم، في مسائل مختلفة، وكان من عادته في التأليف المحض الذي يقوم به -كغيره من المشايخ القدماء- يسأل نفسه ويجيب هكذا: قلت له… قال؛ فيضع السؤال ويجيب عليه.

وبناءً على ذلك فقد جال بخاطري أن أضعَ نماذج في هذا المبحث من اجتهاداته في ذلك، لكونه عالما ومربّيا في الوقت نفسه، مِـمَّا يعطي القارئ والمطّلع انطباعاً عن النظر البعيد للشيخ -رحمه الله-، وخاصة فيما يتعلق بجانب التعليم وعلى الأخص تعليم القرآن الكريم، وما لا يسع جهله.

غير أني سأغيّر الأسلوب الذي سار عليه في تأليفه لهذه المسائل، أخذاً بالمعنى واكتفاء ببعض المعاني دون بعض وذلك حسبما يلي:-

الموضوع الأول: في التعليم:

المسألة: في تعليم الأولاد القرآن من قبل معلِّم خُصِّصت له أجرة على التعليم يدفعها أولياؤهم كُلّ بقدر طاقته، هل له أن يعلم كُلّ واحد منهم بقدر ما دفع؟

أجاب: لا؛ لأَنَّ الأجرة يستحقّها بالجملة، فلا يجوز أن يزيد وقتا لأحد دون الآخر، بل تجب المساواة بينهم، إِلاَّ إذا اتفقوا على ذلك وشرطه عليهم فهو على الشرط أو الاتِّفاق، فإن فعل ذلك فعليه ردّ الناقص إلى من أنقص وقته. أمَّا إذا جلس للتعليم بنفسه من غير إلزام فله أن يبذل وقتا أكثر لمن يدفع له أكثر، وعلى هذا فلا يردّ طالب علم فيه سواسية في التعليم([27]).

المسألة: إذا جلس للتعليم من غير شرط؟ فله أن يمنع من لم يدفع شيئاً ويأخذ من الدافعين ويعلمهم على قدر ما دفعوا.

الموضوع الثاني: في استخدام التلاميذ:

كان من عادة المعلمين قديما أن يبعثوا مَجموعة من المتعلمين كي يأتوا بالمتأخِّر عن الحضور من التلاميذ من منزله إلى المدرسة للتعليم، فطرح الشيخ سؤالا في جواز هذا العمل للمدرس حيث قال فيما معناه: هل له أن يبعث مَجموعة من الصبيان إلى من لم يجئ من الصبيان ليأتوا به؟ فمنع الشيخ ذلك – رغم أن بعض الفقهاء أجازه – وذلك لكونهم لا يؤمنون من إتيان ما لا يجوز فعله لهم في المأمور بإتيانه، خوفا من الضمان، كما أَنَّهُ لا يعلم رضى آبائهم بذلك؛ فهو من جملة استخدامهم واستخدامهم لا يجوز في غير مواضع الاطمئنان وما يؤمن فيه عليهم ومنهم.

فإن كان قد رضي آباؤهم بذلك فضربهم، وأيضا ضربوا الطفل الذي أمروا بإتيانه أو سحبوه حتى أثر السحب في بدنه لكونهم سحبوه على الأرض. فأجاب: إِنَّهُ يخاف عليه من الضمان لكونهم غير مؤتمنين، فجنايتهم على الآمر، والواقع أَنَّهُ هو الذي أمرهم فعليه الضمان، وفي المسألة قول بعدم الضمان لكنه لا يحبه([28]).

الموضوع الثالث: في التأديب

المسألة في تأديب الصبيان:هل للمعلم أن يؤدِّب الصبيان بالعصا إذا أذن له أبوه؟

أجاب: لا يجوز حتى ولو أذن له أبوه، وهذا ما صدَر به من القول، ونقل قولا بالجواز عند الإذن، أما عند عدم الإذن فلا يجوز، واستثنى من ذلك أحوالاً خاصة وهي: العصيان أو إساءة الأدب، أو إلهاء الأطفال الآخرين أو التواني عن الحضور، أو إذا صدر منه إيذاء للمعلم أو لغيره أو لماله، أو كان يتلهى عن الدراسة بشيء آخر.

لكنه في هذه الأحوال كلها يأمره بالكف عن الضرب أولاً، ولكن ينذره أمراً في الفعل ونهيا في الكف، فإن ارتدع، وَإِلاَّ فيجوز ضربه بعد العودة إلى ذلك المنهي عنه، أو ترك المأمور به، ولكن لا بد من إعلام وليّ أمره، ولكن بشرط أن يكون غير مبرح. فإذا تكرَّر فعله جاز له ضربه بدون إنذار، ولو أَنَّهُ يرتدع في بعض الأحيان لكونه يخاف منه أن يصبح عادة له.

فانظر إلى هذا الأسلوب التربوي الرفيع، والذي صار هو المتبع اليوم عالميا حيث لا توقع العقوبة على الطلاب إِلاَّ بعد الإنذار للطفل، أو الطالب إِلاَّ بعد إنذاره وإعلام ولي أمره، أفليس القول في حق هذا الشيخ أَنَّهُ من المربين المبدعين.

وفي تأديب اليتيم قال: يؤدب على التعليم؛ لأَنَّهُ من مصالحه، أما ضربه لغير ذلك فلا بد أن يكون بأمر وليه أو وصيه أو وكيله، ولا يحب له الضرب.

ولم يجز الشيخ ضرب الصبيان لأجل شكوى بعضهم من بعض إِلاَّ بعد التحقق من الاعتداء، ولكن يجوز نهرهم بالقول بصفة عامة، أما التأديب فحتى يصحّ المدعى به.

كما أجاز الشيخ أن يكسر المعلم الملاهي التي يتلهى بها الطالب إذا كانت مِـمَّا لا ينتفع به إِلاَّ للهو، أما إذا كانت لغير ذلك كالقوس فلم يجز كسره، ولكنه يردعه بالقول عن التلهي، أو يفعل به ما يناسبه غير الكسر([29]).

ولم يفت الشيخ الحديث عن تأديب الطلاب وتعويدهم على نظافة البدن والثياب:

ففي تقليم الأظافر وكحل العينين قال يؤدب على تطويل الأظافر، ولكن يتجاوز عن كحل العينين؛ لأَنَّه أمرُُ ُ اختياري، إذ لا يتعلق ذلك بالتعليم أو الطهارة. أما إذا أمره بطهارة بدنه وثيابه من النجاسات جميعا مِـمَّا أجمع فقهاء المسلمين عليه أَنَّهُ نجس فأبى أن يطهره، فقال: يجوز تأديبه إذا كان تركه للطهارة من غير عذر، كالنسيان وغيره مِـمَّا يحتمل معه صدقه([30]).

أما كيفية الضرب وعدده، فقال فيه الشيخ: إِنَّهُ يضربه على الكفِّ فقط ضرباً غير مؤثر، ولا يزيد في الضرب على ثلاث مرَّات، وأن لا يكون صغيرا لا يحتمل الضرب([31])، وأجاز حبس التلاميذ بالمدرسة من غير ضرب لهم إذا تهاونوا في واجباتهم، من غير أن يلحقهم ضرر من الحبس كالحرِّ والبرد أو العطش أو غير ذلك مِـمَّا يقدر بقدره عند اللزوم، أما إذا خيف عليهم فلا([32]).

الموضوع الرابع: في نوعية التعليم:

وَأَمَّا نوعية التعليم فإن الكبير والصغير لهم حقّ التعليم كُلّ بقدر حاله، إذا كانت المدرسة لها مال للتعليم فالجميع متساوون فيه، ولا يجوز للمعلم أن يميل لأحد دون أحد، ولا يخصّ أحدا بشيء من العلوم دون أحد، إِلاَّ في حال ما إذا كان التعليم بأجرة على آباء الأولاد فذلك له حكم آخر، وألزم المعلم في التعليم أن يبدأ بالأسهل فالأصعب حسبما يقتضيه حال الطفل ويقدر عليه، فلا يكلفه ما لا يطيق فينفره من التحصيل العلمي؛ لأن التكليف بما لا يطاق سبب من أسباب العزوف عن التعليم([33]).

وفي تعليم الأكابر منهم للأصاغر كما هي عادة العمانيين قديما في التعليم، قال: لا يجوز للمعلم إِلاَّ أن يأذن آباؤهم، واشترط إذن الآباء أيضا في أمره لهم بعمل المداد وبري الأقلام وغسل الألواح وجعل الماء في المداد، إِلاَّ إذا خيف عليهم الضرر، وكذلك لا بد من إذن الآباء في كتابته من مدادهم أو في ألواحهم، وإشراك بعضهم البعض في الكتابة([34]).

أما في حال تباريهم في الكتابة على ألواح بعضهم البعض بالمحاسنة في الخطِّ، فقد أجاز ذلك، إِلاَّ إذا منع آباؤهم، والفرق بين هذا والأوَّل، أن هذا بفعلهم أنفسهم أما الأَوَّل فبأمره هو([35]).

الموضوع الخامس: الإذن لهم بالخروج من المدرسة لسبب: 

أجاز الشيخ للتلاميذ الاستئذان للخروج لدعاء آبائهم لهم، أو للقيء والرعاف والمرض، فهم بهذا يعذرون، أما استئذانهم للبول والغائط والأكل والشرب الضروريين فقد أجازه، إِلاَّ إذا ظهر له أن خروجهم لأجل التلهّي عن طلب العلم فلا يجوز.

وكذلك خروجهم لأجل البصاق والمخاط وما شابهه للضرورة فلا مانع، أما إذا كان خروجه لغير ضرورة فلا خاصة إذا شغلته هذه الأشياء عن الدراسة والمواظبة على تلقي الدروس العلمية، وكذلك إذا تنجس ثوبه أو بدنه فاستأذن التلميذ للخروج لقضاء هذه الحاجة، قال: يجوز أن يأذن له إذا لم يتجاوز الوقت المطلوب لذلك.

فإن تجاوز وتباطأ سأله عن السبب، فإن كان لعذر عذره وَإِلاَّ هدده بالضرب وهكذا.

أما خروج المعلم لمثل هذه الضرورات الدنيوية فقد أجازه الشيخ، ولكن أوجب عليه القضاء لما فاته، إِلاَّ إذا كان قد اشترط هذا على من أجره للتعليم، أو كان هذا مِـمَّا تعورف عليه بين المعلمين أن لا يبدل فلا بأس.

أما إذا كان خروج المعلم لِما يدركه من بول أو غائط أو صلاة أو وضوء أو طهارة؛ قال: يجوز له الخروج في هذه الأحوال؛ لأَنَّ هذا كالمشروط، إِلاَّ إذا اشترط عليه البدل في هذا فالشرط لازم.

وكذلك خروجه لجنازة يلي أمرها، أو مريض يلزمه مؤنسة، إِلاَّ أَنَّهُ هنا يلزمه البدل عنه، أما السفر عن المدرسة التي يعلم بها فلا إِلاَّ على نية البدل لِما يفوته، سواء كان السفر قريبا أو بعيدا إِلاَّ إذا أذن له([36]).

وبالجملة: فإن الشيخ العلامة أبا نبهان كان من المربين الذين كانت لهم بصمات فريدة في التربية والابتكار لقواعد التعليم، والتنظيم السلوكي للأطفال في طلب العلم.

الموضوع السادس: الاشتغال بعمل خاص مع التعلّم

لم يجز الشيخ أن يشتغل المعلم المستأجر للتعليم بعمل آخر غير عمله المستأجر عليه؛ وذلك مثل عمل السعف والفضَّة والخياطة والنسخ وغير ذلك؛ لأن الأطفال لهم حق في سمعه وبصره ونطقه في الوقت المستأجر فيه للتعليم([37]).

أمَّا إذا كان العمل يسيراً ككتابة رسالة أو ما أشبهها، أو رقية اضطرارية فلا بأس بها ما لم تشغله، إِلاَّ إذا اشترط على من أجره أن يقوم بمثل هذه الأعمال أو التي سبقت فلا مانع([38]).

وإذا كانت القراءة والمطالعة التي اشتغل المعلم بها مِـمَّا لا يسع جهله من الدين فجائز، ولكن يبدل الوقت الذي فاته في ذلك إذا لم يشترطه على من أجره، وكذلك إذا نسي أو نام يقضي معه على الأظهر.

ولكن إذا اعتبر التدريس حقا من حقوق الله كالصلاة فيجوز عدم البدل([39])، إِلاَّ إذا كان من يعلم بدون أجرة، فمن أعطاه أخذ، ومن لم يعطه لم يسأله شيئا فهنا يجوز له العمل مع التعليم في الأشياء التي ذكرناها سلفا([40]).

هذه نماذج مِـمَّا ذكره أبو نبهان، والواقع أَنَّهُ ذكر الشيء الكثير في جانب التأسيس التربوي والفقهي للعمل في مدارس تعليم القرآن الكريم؛ ذلك لأَنَّ هذه القواعد أشبه بقانون منظّم للعمل في هذا الميدان، وقد استطرد الشيخ في ذكر كُلّ ما يتعلّق بمدارس تعليم القرآن الكريم وغيره، أو التعليم أو أحكام المعلمين والتلاميذ والأوقاف الخاصة بهم، مِـمَّا يَدُلُّنا على أن العلامة أبا نبهان قد سدَّ ثغرة كانت موجودة في المكتبة العمانية أو الإسلامية بهذا المؤلف النفيس، وهو مؤشر واضح ودليل قاطع على إبداع هذا الشيخ واجتهاداته الواسعة في كُلّ نازلة تتطلب حلولا في زمانه، وصارت مرجعاً لمن يأتي بعده.

 

المبحث الثالث:

نماذج من اجتهاداته في أحكام الحيوان

أعاد الشيخ جاعد تأليف كتاب “حياة الحيوان الكبرى” للعلامة: كمال الدين الدميري([41]). حيث قال -رحمه الله- ما نصّه: “فلقد صنفت هذا الكتاب من كتاب حياة الحيوان([42]) المرتب على الحروف المعجمات والمهملات، فأخذت عنه الحكم في الطيور والدواب على غير تصنيفه، وألفته مخالفاً لتأليفه، وجعلته أبوابا، وفصلت كُلّ باب منه أذكاراً وأقوالاً، سميته «إيضاح البيان فيما يحل ويحرم من الحيوان»”([43]).

وليس عمل أبي نبهان الذي نحن بصدد الحديث عنه في كتاب الدميري كعمل الإمام الكدمي في كتاب الأشراف لابن المنذر النيسابوري؛ فإن الكدمي علَّق على الأقوال فقط وترك صيغة تأليف الكتاب على حالها. أما الشيخ أبو نبهان فقد اعتمد على “حياة الحيوان” في ذكر الدواب والحشرات والطيور وأحكامها فقط، أمَّا صنعة التأليف فقد اعتمد على نفسه، كما ذكر ذلك في النصّ الذي نقلناه سلفاً، وسمَّى مؤلفه هذا بـــ «إيضاح البيان فيما يحل ويحرم من الحيوان».

كان الشيخ في هذا الكتاب يعتمد على نظره واجتهاده في ترجيح الأقوال، حيث قال: “ورددت فيه عليه ما لم يخرج عندي صحّته، وصحَّحت ما صحَّ معي من صحيح قوليه، وأكثر ما قلته في هذا المصنف بنظر فكري، ورأي عقلي، وقياس شرعي”([44]).

فهذا دليل دامغ ونصّ قاطع على أن قصد الشيخ أساسا من تأليف هذا الكتاب بيان الأصحّ المطابق للأصول من الأقوال الواردة عند الدميري، والأرجح المعتمد على الاجتهاد وصحيح القياس عنده، من غير ما ورد من تلك الأقوال.

وسوف نقدم للقارئ الكريم فيما يلي نماذج من تلك الاجتهادات:

قال في حكم بيع الأسد بعدما ذكر الدميري الحكم: “قال أبو نبهان: قد قيل: إنَّه لا يجوز بيع السباع مطلقا في قول أصحابنا، والأسد من جملة السباع، ويعجبني إذا ثبت حلّه على رأي من يري حلّه أن يجوز بيعه وشراؤه، لِمعنى الانتفاع بلحمه وشحمه ومسكه وشعره، لا لاقتنائه على معنى من يقول بحله، وغير مستحيل ثبوت البيع على القول المبيح لأكله. ويعجبني أن لا يكون البيع فيه مردودا إِلاَّ لاقتنائه، وعلى قول من يقول بتحريمه وتحريم الانتفاع به، وعلى معنى قول يقول بذلك فالبيع فيه مردود…” ([45]) إلخ ما قال.

وقال في الكلب بعد ما ذكر الدميري أقوال أصحاب المذاهب فيه: “قال أبو نبهان: قد قيل: إن الكلاب حرام بجميع أنواعها، وذلك معي استخراجا من نهي النَّبِيّ e عن أكل كُلّ ذي ناب من السباع([46]) لا مِن غيره، وشدَّد بعض المسلمين في الكلب ما لم يشدد في غيره من ذوات الناب، ولعله لا يتعدَّى من أن يدخل في جملة قول من يقول: إن جميع ذوات الناب من السباع حلال، وقال من قال: مكروه، وكأني أرى الشيخ المشهور أبا سعيد محمَّد بن سعيد يذهب إلى ترجيح هذا القول، وهو الراجح معنا”. ثُمَّ قال: “والكلاب كُلّها نجسة… إِلاَّ الكلب المعلم فإنَّه مختلف فيه، وفي سؤره في معنى طهارته ونجاسته، فقيل: بنجاسته، وقيل: بطهارته، والأوّل أرجح وأصح في النظر وأبعد من الشبهة”([47]).

وفي هذا ما يَدُلُّ على أن الشيخ أبا نبهان كان مِمَّن يجيز أكل السباع إِلاَّ إذا أراد الآكل أن يتنزّه عن ذَلِكَ، حيث حمل النهي على التنزيه، مؤيّدا في ذلك الإمام أبا سعيد وتابعهما على ذلك نور الدين السالمي في منظومته أنوار العقول حيث قال:

ولم يِجز خلافــنــــا للأعـــــدل     ممــا نرى وميلنـــــا لـــــلأهـــــزل

في غير ما قد حــكــم الحاكم أو   كان خـلاف كافــــر فيـــمـــا رأو

أو من طريق الزهد كان           أفضلا وإن حكمت فاقصدن    الأعــدلا

وذاك مثـل الأكل للسبــــاع قـد     رأيت حلــها وإن نــهــــــي     ورد

حمـلته علـى ســبيل الأدب         كمثل ما اختار إمام المذهب([48])

فقد أدَّى الشيخ نور الدين اجتهاده في الأدلة على ما قال الشيخ الإمام أبو سعيد الكدمي الذي أطلق عليه إمام المذهب، ولعلَّ الشيخ السالمي لم يطلع على قول العلامة أبي نبهان فحكاه عن أبي سعيد فقط.

وفي تعليق لطيف وترجيح واضح واستخراج بديع للشيخ أبي نبهان في مسألة عدم دخول الملائكة بيتا فيه كلب أو صورة بعد ما ذكر كلام الدميري، وآراء العلماء في ذلك، وبعد ما نقل كلام النووي الذي استظهر فيه العموم في عدم دخول الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة، وأنهم يمتنعون من الجميع لإطلاق الأحاديث؛ قال أبو نبهان: “أحسب أَنَّهُ قيل: إنَّ الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة، ولا يخرج على العموم في جميع الكلاب والصور معي، ومعي أن ذلك في الصور المحرمة التي تخرج بمعنى الصلبان وما أشبهها من الصور المحرمات، وذلك في غير الدراهم المضروبة فيها الصور المحرمة، من ضرب أهل الشرك وعبدة الأوثان، مِـمَّا لا يستطاع إخراجها منها إِلاَّ بكسرها وخرابها… ولا أحسب أَنَّهُم يمتنعون من دخول بيت من في بيته كلب صيد أو حماية وحراسة، لا غنا له به عنه ولا بد له منه، إذا كان مؤمناً صالحاً لا يستقيم عندي في هذا إلا هذا”([49]).

ثُمَّ علَّق الشيخ على هذا الحديث المروي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- الذي ذكر فيه نزول الملائكة ليلة القدر، وَأَنَّها لا تدع بيوت المؤمنين إِلاَّ عشرة بيوت منها: بيت فيه كلب وصورة، حيث استثنى ابن عباس كلاب الصيد والماشية بما نصه: “وكفى دليلا على صحة ما ذهبت إليه من التأويل لقول الرسول u: إِنَّهُ «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب» أَنَّهُ يخرج في غير كلب الحماية والصيادة ما روي عن النَّبِيّ e أيضا في الترخيص في اقتناء كلب الغنم والصيد، لمعنى الحاجة إليهما، وقلة الغناية عنهما. ثُمَّ قال: “ومن المحال أن ينهى النَّبِيّ e عن شيء أو يبيح شَيئًا إِلاَّ عن أمر الله تبارك وتعالى؛ لقوله تعالى في سورة النجم: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾([50]). ثُمَّ قال:”ومن الضلال القول في أن الله يبيح فعل شيء ويعاقب فاعله في دار الدنيا أو في دار الآخرة، لا يجوز هذا على الله؛ لأَنَّ الله حكيم، وهذه أفعال غير الحكيم، تعالى الله عن ذلك وعز، وحرمان الملائكة على المرء من العقوبات العاجلات لمن تفكر واعتبر”. ثم قال:” وما احتجَّ به النووي وحكاه من القول: إنَّ جبريل u امتنع من دخول بيت رسول الله e لأنَّ تحت سريره جرو كلب، وله فيه عذره، وعذره إن لم يعلم به فغلبة الظنّ، معي أنَّ هذا غير صحيح وبالله التوفيق”([51]).

وتعليقا على ذلك أقول:

أَوَّلاً: إن العلامة أبا نبهان أجاز اقتناء الكلاب للمنفعة، مثل: كلب الزرع والضرع والحراسة، وأنه غير داخل في عموم النهي، لتخصيصه بحديث آخر.

ثانياً: ليس المقصود بالصور جميع الصور، وَإِنَّمَا الصلبان والتماثيل لا الصور المسكوكة أو التي تزول بضياع ما نسجت فيه مِـمَّا عمَّت به البلوى، فهذا مستثنى من العموم لأجل المنفعة.

ثالثاً: أن الملائكة لا يمكن أن تمتنع عن بيت مؤمن أو مؤمنة فيه كلب صيد أو حراسة، فهذا من العقوبة الدنيوية، ومن العبث أن يرخص الشارع الحكيم في شيء ثم يعاقب عليه.

رابعاً: إذا جاء عن النبي e أمر أو نهي أو ترخيص، فَإِنَّمَا هو عن الله تعالى، لكونه لا ينطق إِلاَّ بوحي من الله، وحاشا لله أن يعاقب على ذلك.

خامساً: لم يقتنع برواية النووي لامتناع الملك جبريل عن دخول بيت النبي e لوجود جرو تحت السرير، بل قال: إِنَّ ذلك غير صحيح.

سادساً: ظهرت براعة الشيخ أبي نبهان في اجتهاده الفقهي في هذه المسألة، وعدم تقليده لغيره من الفقهاء.

وأنت ترى -أيها القارئ الكريم- أنَّ المسألة لا تحتاج إلى زيادة منا في حق أبي نبهان في المسائل الاجتهادية التي يجد الشيخ فيها مَجالا للنظر والاجتهاد، وقد رأيت فيما نقلناه عنه في مسألة اقتناء الكلب للمنفعة.

وكذلك ما قاله في سياق الحديث عنه في مسألة ضمان ما أتلفه الكلب المشار إليه في ثبوت الضمان حيث قال ما نصه: “وإن قتل إنسانا مارا في موضع مباح للمرور، أو قاعداً في موضع مباح للقعود أو واقفا في موضع مباح للوقوف، أو داخلا عليه بإذن بعد الحجة عليه في صرفه، فعليه ضمانه في النظر الاعتباري، والرأي الفكري، والقياس الشرعي والعقلي عندي ومعي، إِلاَّ أن يكون من المحاربين والمرجفين والذين في قلوبهم مرض….”([52]) إلخ ما قال.

فتراه أوجب الضمان إذا أقيمت الْـحُجَّة على صاحب الكلب إذا ما اعترض المارة وآذى الجالسين والداخلين، إذ أن الخطأ مضمون عنده في ذلك بموجب القياس والنظر والاجتهاد.

وكثيرا ما كان يقيس المسائل على بعضها البعض كقوله: أعجب إليّ، ويعجبني، وعلى قياس قوله، وفي القياس، وفي القياس العقلي، وعلى قياد قوله، وعلى ما يوجب النظر، وعلى قياس قولهم، والعلّة تقتضي أن يكون مثله، وهو المستحسن عندي لماله من نظائر وهكذا.

ويكفي ما سقته من مثال لِما يعقّب عليه الشيخ أبو نبهان في قسم السباع من «كتابه إيضاح البيان» على الدميري فيصححه أو يضعفه أو يعارضه، أو يزيد عليه، وكذلك ما استخرجه من أحكام اجتهادية واقعية عقلية.

أما القسم الثاني من الكتاب: وهو ما احتوى على الحشرات والطيور فيعجبني أن أورد مثالا واحدا في النمل قال الدميري: قال: “ومن الكتاب يكره أكل ما حملت النمل بفيها وبقوائمها، لِما روى الحافظ أبو نعيم في الطبّ النبوي عن صالح بن جواب بن جبير عن أبيه عن جده «أن رسول الله e نهى أن يؤكل ما حملت النمل بفيها وبقوائمها»، ويحرم أكل النمل لورود النهي عن قتله”.

قال أبو نبهان معقبا على ذلك: “لا أعلم وجه الحجر عن أكل الذر إِلاَّ من فور الكراهة، إذ لا أعلم أني أجد فيه تحريما بكتاب ولا سنة ولا إجماع، ولا قيل ذلك في الرأي فيما نعلم، وما حكوه من كراهة أكل ما حملت النمل بقوائمها أو بفيها فلا أحطه عن رتبة الصحيح البتة؛ لأَنَّ الكراهة غير التحريم والله أعلم”([53]).

أما في المشروبات فيكفي ما أوردناه في المبحث الأَوَّل([54]) من تحليله لشرب القهوة التي تواردت أقوال الفقهاء مِمَّن سبقه في تحريمها ثُمَّ جاء العلامة أبو نبهان فاجتهد في ذلك، فلم ير للتحريم مساقا بل أنكر هذا القول، وقال بحلها، ثُمَّ تابعه شيوخ العلم في زمانه وبعده على ذلك.

وَأَمَّا في أسماك البحر فيكفي أن أنقل نصا من كلامه ردّا على ما أورده الدميري، وأكثر فيه نقل الأقوال في ذبح السمك وأكله وأكل ما فيه، وقطعه حيا إلى غير ذلك، حيث قال: “لا أعلم اختلافا بين أهل العدل أن أكل السمك حلال على أي حال كان، وبأيِّ حال كان في كُلّ حال، وبكل حال وعلى كُلّ حال، إِلاَّ أَنَّهُ يكره أن يلقى في النار حيا هذا هو الْـحَقّ العدل وغيره خبيط”([55]).

وعلى كُلّ حال فالشيخ ناقد بصير وعالم خبير بمخارج الأقوال ومداخلها، ومجتهد كبير يفند صحيحها من سقيمها، كان فلتة في ذلك الزمن الخالي من كبار المجتهدين في عمان، وكتاب الإيضاح الذي نقلنا منه هذه النصوص، مِـمَّا كانت المكتبة العمانية في حاجة إليه، وقد سدَّ فراغا كان موجودا، وذلك لِما أورده العلامة أبو نبهان من اجتهادات واستخراجات تتناسب مع قواعد المذهب.     

        وبالله التوفيق.


1) انظر: ابن رز يق حميد بن حمد: الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيدين مخطوطة، ص126. الشيخ عبدالله بن علي الخليلي: الحقيقة، مخطوطة. السيابي سالم بن حمود: إسعاف الأعيان، ص111، مكتبة الجامعة قسم عمان.

2) انظر: شقائق النعمان، طبعة وزارة التراث والثقافة، 1/139.

3) انظر: بحثنا في العلامة أبو نبهان الخروصي، ص9.

4) الفتح المبين، ص146.

5) انظر: بحثنا م س ص14-15.

6) انظر: قاموس الشريعة، 2/131.

7) سيرة أبي نبهان ص5 مخطوطة بمكتبة وزارة التراث.

8) انظر: بحثنا، ص20.

9) تحقيق إيضاح البيان لسعيد بن مصبح العزبي، ص13، نقلا عن الصحيفة القحطانية حيث استحب أبو نبهان خلع النعال مخالفا الشيخ الكندي (مخطوط).

10) جميل بن خميس السعدي – قاموس الشريعة: 19/211 ط وزارة التراث العمانية.

11) تمهيد قواعد الإيمان 13/259 نشر وزارة التراث والثقافة

12) السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان: 2/181 نشر وزارة التراث والثقافة العمانية.

13) تحقيق إيضاح البيان، م س ص14، عن الصحيفة القحطانية لأبي رزيق.

14) الخصيبي، محمد بن راشد، شقائق النعمان، 1/139، نشر وزارة التراث والثقافة العمانية.

15) شريط سمعي مسجل عن مكانة أبي نبهان في العلم والعمل.

16) السعدي، م س، 2/262

17) م س: 2/265

18) أبو نبهان جاعد – سيرة أبي نبهان، ص1 مخطوطة بمكتبه وزارة التراث والثقافة

19) جوابات، ص182.

 20) انظر: بحث المؤلف، ص52 استقراء من جوابات أبي نبهان.

21) جوابات أبي نبهان، ص600

22) جوابات أبي نبهان، ص429

23) مرجع سابق، ص129.

24) مرجع سابق، ص182.

25) سورة النساء الآية 83.

26) انظر: د. عبد الكريم زيدان: المدخل لدراسة الفقه الإسلامي، مطبعة مؤسسة الرسالة، بيروت 1995م، ص146.

27) تحقيق المدارس وأحكامها: لسعيد بن مبارك الراشدي، مطبوع بالآلة الكاتبة في مكتبة معهد العلوم الشرعية، (بحث تخرج)، ص69.

28) م س: ص70.

29) م س، ص70 – 71.

30) م س، ص72 – 73.

31) م س، ص73.

32) م س، ص74.

33) م س، ص75.

34) م س، ص75.

35) م س، ص76.

36) م س، ص79 – 80

37) م س، ص82

38) م س، ص83

39) م س، ص84

40) م س، ص84

41) طبع هذا الكتاب بالقاهرة بالمطبعة الأميرية سنة 1374هـ، ثُمَّ صّور بمطبعة محمد علي صبيح بميدان الأزهر بالقاهرة أيضا في جزأين، وتوجد منه نسخة لدينا من تلك الطبعة.

42) ليس المقصود كتاب الحيوان للجاحظ، وإنما ما ذكرناه سابقا.

43) نقلت هذه الفقرة من النص المحقق من الشيخ سعيد بن محمد بن مصبح الغريبي خريج معهد العلوم الشرعية، ولا يزال مخطوطا، ص34-35. الصحيح أَنَّهُ طبع سنة 1999م عَلَى نفقة محققه وهو متداول فِي الأسواق (المراجع).

44) انظر: مقدمة كتاب «إيضاح البيان» ص72 م س.

45) م س:، ص119.

46) رواه الربيع فِي جامعه، رقم 387. والبخاري في صحيحه، رقم5210، ومسلم في صحيحه رقم 1934.

47) تحقيق: إيضاح البيان، ص83.

48) السالمي: مشارق الأنوار شرح منظومة أنوار العقول، ص109- 110، ط دار الحكمة سوريا، 1995م، بتعليق سماحة مفتي عام السلطنة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي.

49) تحقيق إيضاح البيان، ص111

50) سورة النجم من الآية 3 – 6

51) تحقيق إيضاح البيان 110 – 113

52) تحقيق إيضاح البيان 124

53) تحقيق: إيضاح البيان، الجزء الثاني لِمحققه حمد بن خميس الصبيحي، مخطوط.

54) انظر: ص.

55) تحقيق إيضاح البيان، 2 / 499.

 

*  ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان ” فقه النوازل وتجديد الفتوى”

المنعقدة خلال الفترة: 13-16 ربيع الأول 1428هـ/ 1-4 إبريل 2007م

سلطنة عمان – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

هذه المقالة تحتوي على تعليق (1)

تعليق واحد ل “التجديد الفقهي عند أبي نبهان الخروصي”

  1. سعيد says:

    بحث مفيد جدا

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك