كتب الفتاوى والنوازل لدى علماء المذاهب الفقهية

كتب الفتاوى والنوازل لدى علماء المذاهب الفقهية*

قراءة في مدوّنة «المعيار المُعرب» للونشريسي المالكي

 إعداد: د. احميدة النيفر

 (أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الزيتونة، الجمهورية التونسية)

 

 

توطئة:

تعتبر مدوَّنة أبي العباس الونشريسي (ت914هــ/ 1508): المعروفة بـ” المعيار” من أشهر المصادر الفقهية في المذهب المالكي، المعتَمدة في الغرب الإسلامي لقرون متوالية.

من ثمَّ، فإنَّه من الضروري النظر في “المعيار” عند تناول قضية الفتاوى والنوازل وما تستبطنه من خصائص فقهية وفكرية باعتبارها عاملا مساعدا للمقاربة التي تنطلق من التجديد الفقهي.

كتاب “المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب” بما حواه من فتاوى ونوازل طرأت فيما بين القرن الثالث والتاسع الهجريين (9 و15م) ونشرها شيوخ المذهب المالكي في الأقطار الأربعة المغربية، ظلّ بمجلداته الاثني عشر يعتبر عمدة رجال الإفتاء لوفرة مادته الفقهية، ولحرص صاحبه على بيان طرق استنباط الأحكام.

يضاف إلى هذا أن “المعيار” إذا ما قُرِئ قراءة تاريخية نقدية فإنّ فيه ما يؤكد أهميّة مقولة “تجديد الفتوى اليوم”، ذلك أنّه إذا كان الفقه أهمّ ركن من أركان الخصوصية الحضارية للمجتمعات الإنسانية، فإن أيّ تصوّر لمستقبل الأمّة لا يمكنه ابتداء الإعراض عن التراث الفقهي؛ لأنَّه جزء أساسيّ من ذاكرته الجمعية فهو ملزَم لذلك بإبداع منظومة أصولية جديدة لقراءة النصّ المرجعي واستنباط الأحكام منه، ما نعتني به في قراءتنا للونشريسي هو وعي رجال الإفتاء عند تصدّيهم للنوازل في تلك القرون بمدى أهميّة الواقع المتحرّك الذي يفرز تلك الوقائع، ودرجة الإضافة التي يقدمون عليها بما يكسب ذلك الواقع مزيدا من التوازن والحصانة.

سؤالنا الذي يمثّل خيطا ناظما في قراءة الونشريسي هو: هل كانت فتاوى “المعيار” تعبيرا عن جدل مع الواقع ومستجداته، أم كانت تسييجا له وتصديّا للحراك الذي يخترقه؟ بتعبير آخر: هل كان الفقهاء في فتاواهم يصدرون عن وعي بدلالات الحراك الاجتماعيّ السياسيّ، وعمّا يستدعيه موقعهم ضمن ذاك الحراك البطيء والثابت؟ هل كانوا يعتبرون أنفسهم مجرّد رقباء معزولين عن التوازن الاجتماعي السياسي غير متصدّين لِما تعنيه ثنايا تلك النوازل من مطالبات بالمراجعة أو التصويب أو التجديد؟ أم أنّهم في وظيفتهم الرقابيّة لا يرغبون في التخلّي عن كلّ ما يكسب الواقع قدرا أكبر من التماسك واستعدادا أوفر للانفتاح على أفق التجديد؟

سؤالنا في القراءة التي نقترحها يتعلّق أساسا بالفقيه قديما في نظرته إلى مهمّته، وإلى الواقع ومستجدَّاته ودلالات تلك النظرة من الناحيتين المنهجيّة والمعرفيّة؟

ما نسعى إليه في دراستنا لمدونة فتاوى الونشريسي هو التوصّل إلى “شهادة الفقيه على زمانه” تلك الشهادة التي تتجاوز المقولة المعروفة: “لا وجود لنصٍّ فقهيّ لا يعكس الواقع بطريقة أو بأخرى” إلى بحث مقولة: “لا علاقة حقيقيّة للفقهاء بواقعهم ووقائعه إلاّ بوعي نوعيّ يكشف القوى المجمّدة للواقع والتراث؟”

لمحاولة الإجابة عن هذه الأسئلة نبدأ بالتعرف إلى مدوَّنة أبي العبّاس الونشريسي.

“المعيار” وكبرى النوازل

نُشر كتاب “المعيار الْمُعرب والجامع الْمُغرب عن فتاوى إفريقية والأندلس والمغرب في طبعة أولى (سنة1314هـ/ 1879م) بفاس، وثانية في دار الغرب الإسلامي, بيروت, (1401هـ/1981م) و يتكوّن من 13 مجلدا، ألّفه أبو العباس أحمد بن يحيى بن محمَّد بن عبد الواحد بن علي الونشريسي (من جبال الونشريس شرق الجزائر)، ولد بتلمسان سنة (834هـ/ 1430م) ثمَّ أقام بفاس سنة (874هـ/ 1469م) وبها توفي سنة (914هـ/ 1508م).

كان للونشريسي تكوين فقهي متين ومعرفة دقيقة بالمذهب المالكي الأمر الذي أتاح له استفادة كبرى من مكتبة آل الفرديسي بفاس، فاستخرج منها مادة مجلداته الاثني عشر التي شرع فيها سنة (890 هـ/ 1485م) ليفرغَ منها قبيل وفاته سنة (911هـ/1503م).

لم يقتصر عمل الونشريسي على جمع ألفين ومائةٍ وخمسٍ وثلاثين فتوى أصدرها رجال معاصرون له وآخرون متقدمون عليه، بل تجاوز ذلك إلى تصنيفها والتعليق عليها، وإثرائها بالاستشهادات والتأصيل بحسب ما تدعو إليه الحاجة أو ما يقتضيه المقام، مع اهتمام خاص بتعدد الآراء الناشئة عن مراعاة مختلف الأعراف السائدة، هذا إلى جانب ميل أكيد إلى الترجيح والتضعيف والقبول والرّد.

هذه الإضافات النوعية أكسبت “المعيار” قيمة مرجعية عظمى جعلته معتمَدا بعد وفاة صاحبه عدّة قرون في المغرب، فقد تحوّل إلى أداة عمل قيّمة يعوّل عليها الفقهاء المغاربة في نشاطهم العلمي والقضائي. إنَّه أثر فقهي يغطّي إنتاجا معرفيا ممتدّا على ستة قرون يُبرز جانبا من الخصائص العلمية للمذهب المالكي.

للمعيار جانب ثان لا يقلّ أهمية عن الأوّل، إنّه وثيقة تاريخية دقيقة تساعد على فهم طبيعة جانب من حياة الغرب الإسلامي الاجتماعية في العصر الوسيط، ما تفيده الأسئلة المطروحة على الفقيه المغربي في غالب النوازل المعروضة يلقي الضوء عما كان يعتمل في واقع تلك المجتمعات المغاربية من مشاكل، وما تطرحه تلك المشاغل من تساؤلات متصلة بالأنظمة والقيم.

لذلك فإن كتاب “المعيار” ليس كتاب أقضية ونوازل فقهية تُحيل على القواعد الأصولية والفقهية، وعلى منطقها التشريعي فحسب، بل هو إلى جانب ذلك أثر ضخم تاريخي ثقافي وحضاريّ يعسر أن نجد نظيرا له للمرحلة التي تعنينا، والإشكال الذي نتناوله بالمزاوجة بين هذين الجانبين، الفقهي الأصولي والتاريخي الثقافي يمكن أن يبرز لنا بُعدٌ منهجيّ فكريّ لفقه النوازل يتجاوز الدلالة المتداولة التي لا ترى فيه إلاّ مجرد “معرفة الحوادث التي تحتاج إلى حكم شرعي”.

من أمعن النظر في مادّة هذه المدوّنة تبيّن له أن أفضل التسميات المقترحة لفقه النوازل هو «فقه الواقع» أو «فقه الأولويّات»، أمّا «فقه الواقع» فلأنه فهم الحياة بتحديّاتها التي تتطلب من الفقهاء شهادة واعية لِما يواجهه الشخص، وما تعاني منه المجتمعات، أمّا أنّه «فقه الأولويّات» فلأنه يعبّر عن وعي تراتبيّ يدرك ما للنازلة من خطورة سواء أكانت للفرد أم للمجتمع ودرجة أولويّتها بالبحث والاستقصاء قصد إبراز الحكم الذي يناسبها.  

لإضاءة هذا المعنى نأخذ مثالا أوّل من “المعيار” لنازلة كبرى من نوازل التاريخ احتاجت إلى حكم شرعيّ وقع التنازع عليه، هي إخراج المسلمين من الأندلس بعد أن دالَت دولتهم، يقول الونشريسي عن المسلمين الذين فرّوا من الأندلس إلى بلاد المغرب: “زعموا أنَّهم فرّوا إلى الله سبحانه بأديانهم وأنفسهم وأهليهم (…) واستقرّوا بدار الإسلام تحت طاعة الله ورسوله، وحكم الذمة المسلمة. (بعد ذلك) ندموا على الهجرة بعد حصولهم بدار الإسلام وسخطوا وزعموا أنَّهم وجدوا الحال عليهم ضيقة…”.

ما يحزّ في نفس الونشريسي عند تناوله مأساة سقوط الأندلس هو انقلاب حال المسلمين، فكيف يستسيغ المسلم أن يتنكر لبلاد الإسلام، فيعلن دون وجل عن ندمه على هجرته من بلاد الأندلس التي أصبحت تحت حكم ملوك النصارى إلى بلاد المغرب المسلمة. يقول بعضهم: “إن جاء صاحب قشتالة نسير إليه فنطلب منه أن يردّنا إلى هناك يعني دار الكفر… للدخول تحت الذمة الكافرة، كيف أمكنهم ذلك؟… وكيف رجع منهم بعد الحصول في دار الإسلام إلى دار الكفر والعياذ بالله؟”.

إن ما يتعذّر على صاحب “المعيار” قبولُه هو: كيف يرتضي هؤلاء المسلمون الأندلسيون الهوان فيقبلوا أن يكونوا أتباعا في حين أعزَّهم الإسلام وجعلهم سادة، وجعل الذمّي صاغرا تحت رعاية المسلم؟

من هذا الجانب يعتمد الونشريسي موقف عموم فقهاء المسلمين القائلين بعُلوية الشريعة الإسلامية في ضبط علاقات الأفراد والمجتمع بحكّامهم، وهي المرجعية التي يعتمدها الفقهاء في حماية عموم المسلمين من كلِّ انحراف يصدر تجاههم و خصوصا من قبَل الأمراء.

هذا المبدأ الذي حكم رؤية الونشريسي في تقويمه لوضع المسلمين مع سقوط الأندلس هو الذي ظلّ يحكم رؤية الفقه الإسلامي برمته طوال العصر الوسيط، وهو الذي كان أكثر تعرضا للهزات في الفترة الحديثة.

لهذا المثال بقيّة يتأكّد ذكرها، فالونشريسي الذي أدان بشدة موقف الأندلسيين الذين ارتضوا الإقامة تحت حكم ملوك المسيحية الكاثوليكية بعد حرب الاسترداد، ينقل لنا في معياره فتوى مخالفة لفقهاء إفريقية في قضية مشابهة عرضت عليهم قبل ثلاثة قرون، فمنذ القرن الخامس الهجري/ 11م كانت مسألة تبعية المسلم لحكم غير المسلم مطروحة على الفقهاء المغاربة، كان السؤال المطروح هو: هل أن إقامة القاضي والعدل بدار الحرب اضطرارا (المقصود بها صقليّة تحت الحاكم غير المسلم) مِمَّا يقدح في عدالتيهما؟ كان الجواب: أنَّ المقيم ببلد الحرب لا شيء “يقدح في عدالته… وقال ابن عرفة… ليس في ذلك جرحه لخوف تعطيل الأحكام”. واضح ما بين مثل هذه الفتوى الصادرة في القرن الخامس الهجري والأخرى الصادرة في القرن الثامن من تحولات كبيرة لا يمكن إغفالها، فظروف إقامة قضاة صقلية كانت تتميز بنوع من التسامح وحرية في ممارسة الشعائر لم يعرفها مسلمو الأندلس تحت سلطة حكام الكاثوليكية بعد ثلاثة قرون، لذلك كان الونشريسي ينقل لنا في “المعيار” عبارات بعض النادمين على مفارقة الأندلس بعد حرب الاسترداد بكثير من الاستهجان والإدانة: “إن محبَّة الموالاة الشركية والمساكنة النصرانية والعزم على رفض الهجرة، والركون إلى الكفار، والرضى بدفع الجزية إليهم، ونبذ العزة الإسلامية والطاعة الإماميَّة (…)، وظهور السلطان النصراني فواحش عظيمة قاصمة للظهر تكاد أن تكون كفرا والعياذ بالله”. المؤكَّد أن ملوك إسبانيا لم يكونوا يتورعون عن إكراه المسلم عن الارتداد على دين، وإجباره على حضور الصلوات بالكنائس.

وراء هذا النموذج الأوّل نكتشف ما كان لـــ«فقه الوقائع» من أهميّة تاريخيّة لكونه في جدليته مع الواقع توصّل إلى تمكين الفقهاء من مكانة يمكن أن نصفها بـــ”القوّة المرنة” التي كانت تأخذ بعين الاعتبار مصالح الناس وأعرافهم المختلفة، استنادا إلى مقولة الإمام مالك بضرورة اعتبار “عمل الناس” و إمكان تقديمه أحيانا على بعض النصوص الشرعية.

منهج وقضايا:

إذا كان قد ساد في بلاد الغرب الإسلامي تعبير “النوازل” في مقابل تعبير “الفتاوى” الشائع في المشرق، فإنّ ما يتبادر إلى الذهن التطابق الكامل بين المصطلحين، في حين أنّ ما يشير إليه صاحب “المعيار” في عدّة مواضع يفيد ترادفا بين المصطلحين مع نوع من الاختلاف لا ينبغي إغفاله على اعتبار أن الفتوى أعمّ من النازلة التي تظل أشدّ خصوصية، إذ إنّها تتعلّق بما استجدّ من المسائل، واحتاج السائل فيها إلى أهل الاجتهاد. أمّا طلاب العلم والناظرون والباحثون والمتفقهون على المذاهب فإنّ مجالهم يقتصر على إجابة الناس عن الأسئلة التي قد تعرض في العبادات والمعاملات والتي تكون بيّنة ومحددة وواضحة.

هذا التمييز يجعل النوازل من خاصية المجتهد وحده، أمّا طالب العلم فلا يخوض فيها وإن كان من أهل النظر والفقه في كثير من المسائل. لكن الذي درج في الاستعمال هو عدم اعتبار أي فرق بين الفتوى والنازلة مِمَّا دفع بالبعض إلى القول بأن النوازل على قسمين: النوازل الكليّة، ونوازل الفروع (أو النوازل الجزئيّة). تتطلّب الأولى -وهي الطارئة والمتعلّقة بالمكلفين، أو بعامة المسلمين-بيان الحكم الشرعي عند السؤال عنها من خلال النظر في الأدلة المعتبرة بعد استقرائها، واستنباط الحكم منها لذلك؛ فهي تستدعي قول المجتهد. في حين تتعلّق الثانيّة بالمسائل المقول فيها سابقا، والمتعلّقة ببعض المكلّفين فتؤخذ الإجابة فيها عن آحاد الشيوخ أو طلاب العلم، وإن كان مقلداً وناقلا لِما وصل إليه مقلَّده.

لذلك أمكن القول: إنَّ كلَّ النوازل تتطلب إفتاء عالم يبيّن الحكم في المسألة المستجدّة، بينما ليست كلّ الفتاوى إجابات عن نوازل. وهذا ما يشير إليه ابن المنكدر بقوله:” العالمُ بين الله وخلقه فلينظر كيف يدخل بينهم”، وقول عبد الرحمن بن أبي ليلى:”أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله يُسأََل أحدهم عن المسألة فيردّها إلى هذا حتى ترجع إلى الأوَّل “. وفي رواية: “ما منهم من يحبّها إلاَّ ودَّ أنَّ أخاه كفاه إيّاها، ولا يستفتى عن شيء إلا ودّ أن أخاه كفاه الفُتيا”.

تبعا لهذا يتّضح التمييز بين منهج «فقه النوازل» وهو «فقه الواقع» وبين «الفقه الذهني» أو «الفقه الافتراضي».

ذكر الدارمي وغيره أنهم كانوا يسألون سؤالاً فيقولون للسائل: هل وقع هذا؟ فيقول: لا لم يقع؛ فيقولون: دعه حتى يقع فإنَّه إذا وقع لم يزل في الأمَّة من إذا قال سدّد، وإذا نطق وُفق، فكان الصحابة y عندهم فقه واقعي ليس فقهاً نظرياً، فيقولون: إذا وقعت الواقعة والنازلة أُلهم الناس الجوابَ المناسب لها؛ لأنهم يدركون من ملابساتها ما لا يدركه من يتخيلها من بعد.

تذكر بعض كتب المالكية في ذات الاتجاه تعريفا للعالم بأنّه: “العاكف على شأنه، البصيرُ بأهل زمانه”. هذا تعريف للعالم بالغاية من عِلمه، إذ العكوف على الشأن أن لا يضيع العالم زمنه إلاَّ فيما يفيد الناس؛ لأنَّ هذا هو شأن العالم الذي ينبغي أن يعكف عليه، ولذلك أتبعه بالوصف الآخر وهو: البصر بأهل الزمان؛ لأن البصر بأهل الزمان إنَّما يدخل في الغاية من العلم؛ لأنه وسيلة للتمكّن من العمل في أهل ذلك الزمان.

مؤدَّى هذا كلّه يفضي إلى تحديد ما يتطلّبه إفتاء النوازل، مضافا إلى الشروط المطلوبة مِمَّن يتصدّى للإفتاء العادي.

فإذا كانت الفتوى هي تبيين الحكم الشرعي المتعلّق بأفعال المكلفين لِمن سأل عنه؛ فهي تستوجب على المفتي أن يكون على علم بالقرآن وعلومه، وبالسنة النبوية رواية ودراية، وأن يكون عالِماً بأسباب نزول الآية، وورود الحديث، وأن يكون محيطا بالأدلة الشرعية الأخرى كالقياس والاستحسان، وقول الصحابي وإجماع أهل المدينة، والمصالح المرسلة، وسدّ الذرائع، ومقاصد الشريعة.. هذا إلى جانب توافر مؤهلات ذاتية كالعدالة والتقوى.   ما ينبّه إليه “المعيار” أن فقه النوازل يستوجب علما بفقه التنزيل (تنزيل النص)، أو العلة على الواقعة أو النازلة، وذلك بأن يكون لدى المفتي القدرة العلمية على تنزيل الدليل على الواقعة التي وقعت، والنازلة التي جدّت.

من هنا يلتقي صاحب النوازل مع القاضي في بيان الحكم، تبعا لمراعاة واقع القضية وظروفها المحيطة بها، حيث يطبّق عليها الحكم الذي تبين له أنه مناسب لها. ما يجمع بينهما هو «تحقيق المناط» أي: تنزيل القواعد الشرعيّة على الواقعة محلِّ النظر بعد تصوّر حقيقتها وتكييفها فقهاً. من ثمّ نجد قول أصحاب التراجم في التعريف بمن تصدّى للنوازل بقولهم: “كان عالما حازما خبيرا بِمواقع النوازل، بصيرا بأحوال الخصوم، مجدّا في القيام بواجبات الخطة”.

كان «فقه النوازل» إذن مع انتشار المذهب المالكي في بلاد المغرب والأندلس تعبيرا عن الاجتهاد البشري بتمثّل النصوص الشرعية لتيسير أمور العباد ومصالح البشر.

لإيضاح هذه الخصوصية المنهجية لفقه النوازل والواقعات، ولمزيد شرح مقولة المذهب في شأن العالِم الذي لا يكون كذلك إلاّ متى كان بصيرا بأهل زمانه، اخترنا من معيار الونشريسي قضايا هامّة تتعلّق بالمرأة والأسرة.

سئل عبد الله العبدوسي (ت849هـ/1445م): هل يجب على الإنسان أن يختبر زوجته في عقيدتها أم لا؟ فأجاب: تُحمَل النساء المسلمات على ظاهرهن من صحَّة إسلامهنَّ وعقائدهنَّ، غير أنَّه إذا غلب على ظنه فساد في عقيدتها فإنَّه يباحثها، ويجب عليه تعليمها، وكان بعض الفقهاء يأمر شهود عقد النكاح باختبار عقيدة المرأة عند إرادة العقد عليها لغلبة الفساد على عقائدهن”.

هذا نصّ لفتوى من الفتاوى الألف التي أوردها أبو العباس أحمد الونشريسي في أحد الجزأين المخصّصين لقضايا الأسرة ونوازلها، يعلّق جامع الفتاوى -وهو المتمكّن إضافة إلى معرفة فقهية وعقدية دراية بالواقع- فيقول: “وسأضع تأليفا مختصرا فيما لابدَّ للعامة من اعتقاده بعبارة بسيطة وأدلة عقلية ونقلية تدركها عقولهم”.

في نصٍّ ثان يورده الونشريسي في الموضوع ذاته، يقول: سئل عبد الله العبدوسي عن رجل وجد في عقيدة زوجته فسادا هل تجب مفارقتها؟ ويجيب الفقيه المالكي شارحا ومحقّقا: ” فساد العقيدة على ثلاثة وجوه: ما هو كفر بإجماع، وما هو بدعة يفسَّق معتقِدُه ولا يكفَّر، ومنه ما هو مختَلَف فيه، حكم معتقد الأوَّل حكم المجوس لا يجوز نكاحها ابتداء؛ فالجواب: فسخ النكاح بغير طلاق، وأمَّا ما ليس بكفر بإجماع؛ فلا يجب عليه فراقها، ويجب عليه إرشادها وتعليمها ما تصلح به عقيدتها، وأمَّا ما هو مختلَف فيه فينظر إلى الزوجين فإن اتَّفقا على القول بعدم التكفير جاز لهما البقاء على الزوجية، وإن أخذا بالقول بالتكفير وجب عليهما الفراق؛ لأنَّ حلّ العصمة بيده، وإن اختلفا فالقاضي يرفع الخلاف”.

ما يعنينا في تدقيق هذه النازلة هو تجاوز الإدانة السهلة إشعارا من الفقيه أنّ تكفير الزوجة لا يجوز إلاَّ في حالات خاصة محددة، لا يمكن أن تنعقد معها رابطة الزوجية أصلا.

الـمدرسة الـمالكية و فقه النوازل:

ما تفضي إليه قراءة نسقية لفتاوى “المعيار” في معالجة النوازل المتنوّعة يدفعنا إلى القول بأنّ الخطاب الفقهي المالكي كان في جدلية مع واقع متحرّك، خلافا لِما يؤكّده عدد من الباحثين، هذا الخطاب قد توصّل إلى أن يكتشف لنفسه موقعا حريّا بالدرس؛ لأنَّه يكسب رجال المدرسة المالكية صبغة “القوّة المرنة” التي تتيح لهم موقعا وسطا يجعلهم قادرين على تفاعل لا يخِلُّ بوظيفتهم الرقابية للتوازن الاجتماعي السياسي.

إن استعراضا سريعا لفسيفساء نوازل “المعيار” يكشف ما في أعماق الواقع من تفاعل مستمرّ بين الأفكار والقيم، وبين شروط معيشة المجتمعات في أقطار الغرب الإسلامي الوسيط.

إذا أخذنا مثلا قطاع الأسرة أدركنا ما تعنيه فسيفساء النوازل من دلالات ثقافية واجتماعية، نقرأ مثلا ما يلي:

-شَََـــرَط الرجل على نفسه لامرأته أنَّه متى تزوّج عليها فأمرُها بيدها فالشرط لازم عند مالك.

-الرشد تُحمَل عليه البنت المدخولُ بها بعد مضيّ السنة أو أكثر باعتبار ما يظهر من حالها.

-البكرُ الصغيرة تَدَّعي أنَّها أُجبرت على الزواج….يُفسَخ نكاحُها.

-سكوت الأخت الصغيرة بعد موت أبيها عن أخيها الكبير…لا يسقط حقها.

-منع الحمل جائز للمرأة بأن تضع وقاية في رحمها..كما يجوز العزل بإذنها.

-الحامل تعتبر كالصحيح في تصرفاتها ووصاياها، وهي عند الطلق كالمريض.

-إسكانُ المرأةِ زوجَها في دارها ثمَّ تطالبه بالكراء… القول فيه أنَّه لا كراء عليه.

تؤكِّد هذه الأمثلة وغيرُها ضرورة مراجعتنا لحكمنا على المجتمعات الوسيطة بما يسمح بتجاوز التنميط السهل الذي يرى فيما يسمّى “مجتمعات تقليدية” مجتمعات جامدة.

من جهة أخرى قراءة “المعيار” تساعد على تعديل هامّ لرؤيتنا لعلماء المدرسة المالكية، وما يقال من أنهم كانوا سلطة مرجعية قامعة.

إذا تجاوزنا هذا التبسيط فإننا لا بد أن ندرك أن المجتمعات المسماة بالتقليدية كانت مجتمعات مفتوحة بحكم حراكها الضروري، وبحكم حدّ هامّ من عقلانية الفقهاء في تقديرهم المتواصل للحدود والأعراف، وما يتاح لهم أن يفتوا به في النوازل التي تستجدّ.

ما نريد أن ننتهي إليه هو أن فقه النوازل كما يفيدنا به “المعيار” لَيس مجرّد عرض للواقعات الفعليّة على النصوص -كما هو شائع- أي أنَّه يتجاوز الاقتصار على مراعاة قواعد استنباط الأحكام، في حلّ مشكلات النوازل.

«فقه النوازل» كما تبديه قراءة “المعيار” توفيق ذريعيّ بين نصوص الكتاب والسنّة، وبين الواقع وحراكه قصد إقامة تركيب يحقق التوازن للأفراد والجماعة.

هذا الجدل مع واقع حاضرٍ بقوّة هو الذي يجعل من فقه النوازل مدخلا معاصرا للتجديد الفقهي الذي يتحقق باستعادة الحسّ التاريخي والتحرر من شَــرَك التقليد القياسي.

 ذلك مكمن قوّة منطق فقه النوازل بما فيه من أهمية لتعدد الآراء وما يتطلبه هذا التعدد من ثقافة فقهية وأصولية مقترنة بنظام معرفي متجدد.

 

*  ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان ” فقه النوازل وتجديد الفتوى”

المنعقدة خلال الفترة: 13-16 ربيع الأول 1428هـ/ 1-4 إبريل 2007م

سلطنة عمان – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

 

 

هذه المقالة تحتوي على تعليق (1)

تعليق واحد ل “كتب الفتاوى والنوازل لدى علماء المذاهب الفقهية”

  1. سالم محمد الشعيلي says:

    أبحث عن معلومات عن المذهب المالكي

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك