الفتوى والتجديد في حركة الإسلام المعاصرة

الفتوى والتجديد في حركة الإسلام المعاصرة

 دراسة مقارنة

 إعداد: د. يحيى ولد البراء

 (أستاذ اللسانيات والفقه المالكي بجامعة نواكشوط، الجمهورية العربية الموريطانية)

 

 

الفتوى والنازلة: الخصائص والضوابط

ظلت الفتوى على طول تاريخ المسلمين الأداة المثلى لتفقيه الواقع، وإعطاء كم الشارع في النازلات المستجدة، كما ظلَّت التعبير الأصدق عن واقع حياة الناس وما تَمور به من أحداث ووقائع، سواء عَلَى المستوى الفكري والثقافي، أم على المستوى المعيشي الاقتصادي، أم على المستوى التنظيمي والاجتماعي والسياسي. ولهذا تعتبر أهمّ وثيقة وشاهد يَمدنا بالمعلومات الفعلية عن ماضي حياة الناس وعن حاضرهم الذي يعيشون؛ فكانت مساءلتها وإعادة النظر إليها أمرا ضروريا لفهم أعمق لمشاغل واتِّجاهات الحاضر.

وتمثل الفتوى شكلا من أشكال الخطاب الشرعي، يتوجَّه بالأساس إلى الإجابة عن النوازل المستجدة المطروحة على المسلمين، حَتَّى تنضبط أمور حياتهم وفق المعيار الشرعي.

فالمسلم كما يقول الأخضري: لا يجوز له أن يقدم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه ويسأل العلماء.

والغالب في الفتاوى أن تكون مصوغة بشكل استدلالي؛ لأنَّها إجابة في قضية لم تطرح من قبل، أو طرحت من زاوية معينة، أو في مجال وسياق مختصين؛ ولهذا يظهر فيها غالبا أثر الاجتهاد سواء كان تأسيسيا أو انتقائيا.

وتعتبر الفتوى إجابة فقهية مرورية عن المتقدمين، سواء تعلق الأمر بنازلة وقعت أو لم تقع واستفتي عنها، إنَّها الإجابة التي تروى فيها الأحكام الصادرة عن الفقهاء في الوقائع الجزئية، وليسهل الأمر عن القاصرين من بعدهم؛ فنصّ الفتوى يكون موجودا متقدّما على موضوعها، سواء وردت بصيغة نصّ أو إجماع أو الفتوى سابقة.

بينما تخصّ النازلة بالحدوث والوقوع، إذ يطرح موضوعها نفسه كمعضلة تستدعي حلاًّ جديدا؛ لانعدام نصّ لها، أو حدوث مثال فيها سابق. ولذا يقول صاحب اللسان في تعريفها: “أما النازلة فهي في اللغة: الشدَّة من الدهر أو المصيبة. وفي الاصطلاح: هي المسألة الطارئة”. ولذا عرفها بعض الفقهاء: بأنَّها الواقعة التي تتطلَّب حكما شرعيا، وليس فيها نصّ من كتاب لا سنة ولا إجماع ولا فتوى سابقة. إنَّها الحادثة الواقعة ذات الطبيعة الخصوصية التي قد تستدعي نوعا من النظر والاجتهاد. ولهذا فهي فهم بشري مَحض ينطبع بوسم السياق الزمني والمكاني الذي يلابسه.

والفتوى: من حيث اشتقاقها مصدر من الفعل (أفتى) الذي يفيد معنى أَبَان. يقول صاحب اللسان: “والفتيا: تبيين المشكل من الأحكام الفتوى. والفتيا (بالياء وضم الفاء) والفتوى (بالواو وضم الفاء وفتحها) ما أفتى به الفقيه. وهي لغة: الإبانة والإجابة”.

وقد وردت مادة الفتوى في القرآن عدَّة مرَّات، وهي بمعنى: السؤال والإجابة كما في سورة النساء الآية:127، وكما في نفس السورة أيضا: 186. ولقد وردت أيضا في الحديث بنفس المعنى أيضا: «استفتِ قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك»، وفي المصباح المنير: “والفتوى (بالواو بفتح الفاء وبالياء تضم) اسم من أفتى العالم إذا بين الحكم. واستفتيه سألته أن يفتي. ويقال: أصله من الفتي وهو الشاب القوي، والجمع الفتاوى (بكسر الواو على الأصل)، وقيل: يجوز الفتح للتخفيف”.

ولقد قصرها المعنى العرفي الذي تَمخَّضت له في النهاية على الإجابة الشرعية والبشرية عن واقعة لا يكون فيها طرفان محدَّدان ولا متنازعان في الغالب.

وهكذا يكون الإفتاء يعني: بيان حكم الله تعالى بِمقتضى الأدلة الشرعية على جهة العموم والشمول. ومن هنا يتجلَّى الفرق بينه وبين الاجتهاد باعتباره أخصّ منه، وأقل ارتباطا بالمتغيرات. بينما يختصّ الاجتهاد باستنباط الأحكام سواء أكان سؤال في موضوعها أم لم يكن. أَمَّا الإفتاء فلا يكون إلا إذا كانت واقعة وقعت، ويتعرف الفقيه حكمها. وقد يعبر عن كُلّ من المصطلحين: الفتوى، والنازلة. بعلم الفتيا وفقه الفتيا. فعرفوا فقه الفتيا بأنَّه العلم بتلك الأحكام الكلية، أما علمها فاعتبروه معرفة تلك الأحكام مع تنزيلها على الوقائع الحادثة.

وهكذا يعتبر إنشاء الفتوى والنازلة صناعة لاَ يحسنها كُلّ فقيه، إذ لا بد لها من العلم بإجابات العلماء السابقة والممارسة والدربة وإدراك نفسيات المستفتين، ومراعاة أعراف البلد الذي يفتي فيه.

وتعتبر خطة الإفتاء من أجل الخطط الشرعية من أوكَد فروض الكفايات التي أولاها علماء الإسلام اهتماما بالغا، وأثروها بحوثا ودراسات مستفيضة، نظرا لِما يتوقف عليها في الواقع من انتظام مصالح الناس في أمور دنياهم وهدايتهم في مسائل دينهم. ولقد انعقد اجتماع الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، على أن للشريعة الإسلامية حكما في كُلّ فعل يصدر من الإنسان، وأن المرء لا يحلّ له أن يتقدَّم على عمل حكم الله فيه وإلا يسأل العلماء.

يقول النووي (ت676هـ):”اعلم أنَّ الإفتاء عظيم الخطر، كبير الموقع، كثير الفضل؛ لأن المفتي وارث الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-، وقائم بفرض الكفاية، لكنَّه معرض لهذا قالوا: المفتي موقع عن الله تعالى”.

ويتابعه هذا الرأي أبو إسحاق الشاطبي (ت790هــ) فيقول:”المفتي قائم على الأمة مقام النبي e والدليل على ذلك أمور: منها النقل الشرعي في الحديث: «أن العلماء ورثة الأنبياء، وأن الأنبياء لم يورِّثوا دينارا ولا درهما، وَإِنَّمَا ورثوا العلم”. وفي الصحيح: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لأَرَى الريَّ يَخْرُجُ مِنْ أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي». يَعْنِي: عُمَرَ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْعِلْمَ». رواه البخاري ومسلم. وفي كتاب فضائل الصحابة وبعثت النبي e نذيرا، لقوله تعالى: ﴿إنَّمَا أَنَا نَذِير﴾([1]) وقال في العلماء: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم﴾([2]).

والثاني: أَنَّهُ نائب عنه في تبليغ الأحكام لقوله:«ألاَ ليبلّغ الشاهد منكم الغائب». وقال: «بلِّغوا عنِّي ولو آية».

والثالث: أن المفتي شارع من وجه؛ لأنَّ ما يبلغه من الشريعة، إما منقول عن صاحبها، وإمَّا مستنبط من المنقول؛ فالأول: يكون فيه مبلغا، والثاني: يكون فيه قائم مقامه في إنشاء الأحكام. وإنشاء الأحكام وَإِنَّمَا هو الشارع. فإذا كان للمجتهد إنشاء الأحكام بحسب نظره واجتهاد فهو من هذا الوجه شارع واجب اتباعه، والعمل على وفق ما قاله، وهذه هي الخلافة على التحقيق”.

ولَمَّا كانت الواقعات كثيرة ومستجدة ما استمرَّت الحياة، فإن النصوص الشرعية وإن كانت بينت جملة منها لقضايا مخصوصة في ذلك بالغة اقتضت بيان أحكامها، فإن أغلب النوازل والمستجدات لم تبينه تلك النصوص لطرقيته ومرحليته، وإنَّما نصبت عليه الدلائل والصور لتظهر أحكامه، وتنجلي حين الحاجة، فيهتدي بها ويسترشد أهل الذكر من العلماء ليتعرفوا حكم كُلّ ما يقع ويحدث مع مرور الأيام، وحولان الحادثات.

لذا ظلَّ الإفتاء بابا متسعا ومهلا مورودا لاعتباره آلية تنتج الأحكام عن طريق الربط المؤسس بين السياقات المتغيرة والمبادئ الثابته، إذ “الوقائع كما يقول ابن رشد بين الأشخاص غير متناهية، والنصوص الأفعال والإقرارات متناهية، ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما يتناهى”.

وهكذا تبنى الفتوى بمفهومها العرفي الموسع على مكونين: النصِّي وهو ما جاء به الوحي الإلهي من قرآن وسنة نبوية وإجماع، وهو أصل الخطاب الإسلامي، ومنطقة ومرجعيته الثابتة الدائمة والمكون التأويلي، وهو ما فهمه واستنبطه علماء الإسلام من معاني ودلالات نصوص الشرع، وما نتج عن ذلك فكرا أو فقها.

كما كان الإفتاء باعتباره نشاطا تشريعيا مسؤولا موطن درس ممحص، وما فتئ أن أبان مجموعة من الضوابط والقيود التي تخضع لها الفتوى من حيث المعتمدات والمراجع والمدارك والطرائق والاحتجاج والاستدلال، زد على ذلك أن هذا الدرس قد فرض شروطا ينبغي أن يتحلَّى بها المفتي الذي يتبوأ بحكم منزلته العلمية الدينية هذه المرتبة الجليلة ورسم طرقا يتبعها.

ومن الغني عن البيان التذكير بقدم الفتوى في الإسلام، فقد حفظت فتاوى عديدة لبعض الصحابة كما ذكر ابن القيم في قوله: “والذين حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله e مائة ونيف وثلاثون شخصا ما بين رجل وامرأة، وكان المكثرون منهم سبعة:عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعائشة بنت أبي بكر وزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر”.

ولقد اهتمَّ الكثير من العلماء المسلمين بالتأليف في شروط الفتوى، وضوابطها ولوازمها وأخلاقياتها، ولعلَّ أول من وضع منهم في ذلك عملا محضا لعلاج هذه المسألة هو أبو القاسم عبد الواحد بن الحسين بن محمَّد القاضي الصيميري (ت386هــ) في كتابه “أدب المفتي والمستفتي”، ثُمَّ الخطيب البغدادي في كتابه “الفقيه والمتفقه “، ثُمَّ ابن الصلاح في كتابه: “أدب المفتي والمستفتي”. ولقد صرَّح الإمام النووي في مقدمة كتابه “أَنَّهُ أخذ من هؤلاء مبحثه في الفتيا وأحكامها”. وجاء بعد الإمام النووي إيهام أحمد بن حمدان الحراني الحنبلي في كتابه المسمَّى “صفة الفتوى والمستفتي”، وتبعه ابن قيم الجوزية في كتابه “أعلام الموقعين عن رب العالمين”. ثُمَّ الإمام القرني في كتابه “الأحكام في تمييز الفتوى من الأحكام”. وكذا أبو إسحاق الشاطبي (ت790هــ) في نهاية كتابه “الموافقات”، والسيوطي (ت911هــ) في كتابه “الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل الاجتهاد في كُلّ عصر فرض”.

وتتعدّد الشروط والضوابط التي ارتآها علماء الشرع ضرورية لمن يضطلع بخطة الإفتاء ويبت في أمور المسلمين، ويمكن أن نصرف ما سطروه في هذا المجال إلى قسمين:

أحدهما: كسبي يتحصل عليه الإنسان بالطلب والجد والاجتهاد، كالمعرفة والإسلام والعدالة ولو بحسب الظاهر.

والثاني: فطري خارج عن القدرة والمستطاع كالتكليف والتيقظ وفقاهة النفس وفوة الضبط.

ولا شك أن هذا التشديد الصارم على المتصدرين لهذه الخطة الشرعية، يرجع بالأساس إلى خطورة هذا المنصب ودافع المحافظة علىأمر الدين. فالمفتي قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم ونائب عنه في تبليغ الأحكام. فهو من هذه الناحية شارع إما بواسطة النقل أو بإنشاء الأحكام بسبب نظره واجتهاده فهو مخبر عن الله كالنبي وموقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره وأمره نافذ في الأمة.

 

حركة الإسلام المعاصرة

للدين موقعه المتين والمتجذر عند الإنسان، ومكانته المحورية في نظام البشر الثقافي والرمزي، وسيطرته المشهودة على الأطر المجتمعية صورها وتشكيلاتها. وهكذا بينت الدراسات الكثيرة التي تناولت المجتمعات الإنسانية أن المعتقد الديني هو من بين أكثر مكونات الفكر تَمظهرا في حياة الإنسان، واقتدارا على فعل الهيمنة والتأثير، فكأن الكائن الإنساني لا يستطيع العيش بشكل طبيعي دونما سد حاجته إلى العقد و الإيمان.

فالدين يظهر من جانب مبادئ عامة ومجملات مرنة، وظنيات واسعة يمكن أن تنزل على الواقع بأشكال مختلفة تبعا لتطور ظروف الحياة وعلم الإنسان وتجاربه، ومن جانب ثاني شعائر وفرعيات جعلت سمات تَمييز وتحييد للحياة الدينية تَخلد صورة الأمة بوجوه لا تحدث حرجا أو إرهاقا مهما اختلفت الظروف، ومن جانب آخر أشكال ورسوم وتعبيرات صيغت من مادة الواقع الظرفي لعهد التنزيل قوة لواقع الدين في نموذجه الأول، ورمزا لمعنى قد ينزله الخلف برسم آخر في واقع مختلف، ومن جانب آخر عفو متروك لحرية الاختيار والاجتهاد في إطار ما تقدم في السياق كل ظرف زمني رأيا يفسر مغزى الدين بالمقال، أو عملا يفسره بالمثال.

وبسبب قوَّة نفوذ المعنى الديني في حياة الإنسان فمن الطبيعي إذن أن يكون الحراك الثقافي والاجتماعي مشروطا بعوامل من أهمها حراك الوعي الديني ذاته، إِنَّمَا بتجديد في المقولات والمفاهيم، أو التغيير في مدلولاتها بفعل تجديد في منهج القراءة والتأويل. وإذا ما حصل هذا التجديد الديني، فهو في الغالب يشير إلى وقوع تحولات أكثر جذرية تمس بنية الحياة في كليتها؛ لأنه كلّما شهدت ثقافة في لحظة تاريخية حركة إصلاح ديني ذات عمق وشمول، إلاَّ وكان ذلك مؤشرا على حدوث تحولات مجتمعية عميقة تمس بنى الوعي والاجتماع على حد سواء، فإذا ما طال التجديد حقل الدين فمعنى ذلك أن ثَمَّة تحولات كبرى تعتمل داخل الواقع، وثمة استعداد لإنجاز تحولات تقلب عوائد التفكير والسلوك، وأنظمة الحياة والسلوك وأنظمة الحياة قلبا جذريا.

هكذا جاءت حركة الإسلام المعاصرة نتيجة لاعتمال جملة من الأسباب منها ما تمهد بفعل الظرف الدولي، وطبيعة الموقع في المعادلة الكونية، ومنها ما كان عالقا بالمجتمع الإسلامي وعاملا في داخله، ولقد اتَّسمت هذه الحركة بلحظات مفصلية كانت موسومة بمراجعات فكرية ومطارحات تناولت جملة من المسائل وجددت في محتوياتها ومضامينها، كما تميزت بدعوة جادة إلى تجديد الخطاب والفكر لهدف تبوئ الأمة الإسلامية المنزلة اللائقة بها في مَصاف الأمم، ولإرجاع حركة الإسلام إلى عهودها الذهبية.

ولقد أخذت هذه الدعوة عدة طرائق ومناهج يمكن أن نلمس تباينها بفعل اختلاف انشغالات العلماء والمفكرين من أصحابها، كُلّ حسب بيئته وظرفه من خلال الإنتاج الفكري الإسلامي المعاصر، وذلك عبر خمسة أجيال من المفكرين: الجيل الإصلاحي الأول: من مثل رفاعة الطهطاوي، وخير الدين التونسي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمَّد عبده.

والجيل الإصلاحي الموالي: من عبد الرحمن الكواكبي، ورشيد رضا.

والجيل الثالث: من مثل عبد الحميد بن باديس، وحسن البنا، وأبو الأعلى المودودي، وأبو الحسن الندوي، والخميني، وعلال الفاسي، ومحمَّد الغزالي، وسيّد قطب.

والجيل الرابع: من مثل: محمَّد قطب، ويوسف القرضاوي، ومصطفى السباعي، وعبد السلام ياسين.

والجيل الخامس: من مثل عبد السلام فرج، وراشد الغنوشي، وحسن الترابي، وفهمي هويدي، ومحمَّد عمارة.

 

الفتوى وإشكالات التجديد

يُمكن أن نستخلص من خلال أدبيات هذا الأجيال من المفكرين والعلماء أن الخصائص التي يتعيَّن على الخطاب الإسلامي المنشود أن يتَّسم بها يجب أن تَمتاز عن الخطاب الإسلامي الموروث بثلاثة أبعاد:

*- البعد الجلي:

ويتمثل في كون المكون البشري للخطاب الشرعي نشأ في بدايته متسما بخصائص المكون الشرعي، ولكن مع مرور الزمن فقد الخطاب الإسلامي بعض تلك الخصائص، وذلك نتيجة لعوامل أساسية ثلاثة هي:

– تغيير الوضع أو الواقع الذي لاحظه الخطاب الإسلامي وشرع له في بدايته، ذلك أن أمثلة عديدة من الوضع أو الواقع الذي لاحظه وراعاه الخطاب الإسلامي الموروث اختفت أو كادت في الواقع (الرق)، مِـمَّا جعل ما يتناولها من الخطاب الإسلامي الموروث غير ذي صلة بالواقع المعاصر، كما أن أمثلة كثيرة أخرى من ذلك الواقع شهدت تغييرا كثيرا لم ينه وجود ذلك الواقع، بل ربما رسخه ولكنه أحال ما تضمنه الخطاب الإسلامي الموروث بخصوصه غير مناسب للمرحلة، من ذلك مثلا: العلاقة بالآخر غير الإسلامي عموما. وهكذا فقد الخطاب الإسلامي مثلا خاصية المعاصرة التي كان يتمتع بها في عهوده الأولى.

– ظهور وقائع يبدو أن الخطاب الإسلامي الموروث لم يتناولها مباشرة، فمن الواضح أن هنالك بعض الوقائع والمستجدات التي لم تظهر إِلاَّ في وقت متأخر عن فترة تكون الخطاب الإسلامي الموروث، بل إنَّ بعضها لم يظهر إِلاَّ حديثا (مثل بعض المعاملات الاقتصادية الجديدة وبعض المستجدات الطبية والعلمية)، وبالتالي لم يتناولها ولم يعالجها علاجا ناجعا، وهكذا أصبح الخطاب الإسلامي مفتقرًا لما كان يتسم به أول عهده من خصائص الشمولية والإبداع والتجديد.

– هيمنة المكون البشري: تميز الخطاب الإسلامي في بداية أمره بأنَّه كان خطابا مستمدا مباشرا من المكون، أو الخطاب الشرعي الذي هو أصل الخطاب الإسلامي، إلاَّ أنه مع تراكم المكون البشري وسهولة الرجوع إليه في معرفة الأحكام اليومية بدأ يقل الرجوع إلى الأصل ويزداد الاعتماد على الفرع، وليس ذلك في معرفة الأحكام فحسب؛ وَإِنَّمَا أيضا في استنباطها، وإقرار شرعيتها أو عدم شرعيتها. ومع مرور الزمن اكتسب هذا الفرع -أي الخطاب البشري أو بعضه-عند الكثيرين بعض قدسية الأصل، وأصبح التفوق مع هذا الفرع أو عدم التعارض معه أمرا لازما لقبول أي إسلامي جديد.

وبما أن مُجمل ما يمكن أن يطلق عليه الفتوى يتكوَّن من مكونين متمايزين: هما المكون الشرعي: الذي هو البيان الشرعي مِـمَّا جاء به الوحي الإلهي قرآنا أو سنة ثابتة. والمكون البشري: وهو ما فهمه أو استنبطه البشر من البيان الشرعي فقها كان أو قانونا، أو فكرا أو أدبا أو علما، فهناك بعدان أساسيان يوجهان تحديد الخصائص المطلوبة للفتوى:

– المثال المرجعي:وهو مضمون المكون الشرعي الذي سبق الكلام عنه.

– الواقع القائم: ونعني بها أحوال العصر، والواقع الوجودي بمختلف أبعاده الاجتماعية والثقافية والقانونية والفكرية والعلمية والاقتصاد والسياسية، هذا بالإضافة طبعا إلى واقع الخطاب الإسلامي القائم.

وتتراوح العلاقة بين المكون الشرعي والمكون البشري للفتوى بين التقارب حتى التماثل والتباعد حتى التغاير وربما التضاد. ويكون التقارب بقدر تقارب مضامين المكون البشري مع مضامين المكون التشريعي، ومع أن هذا التقارب قد يتناهى إلى التماثل بين مضامين الكونين إِلاَّ أَنَّهُ لا يبلغ التماثل الكامل، بل يكون دائما تماثلا جزئيا وفي بعضه مؤقتا. وهو جزئي دائما؛ لأن:

أولا: من المستعصى على المكون البشري أن يحيط في أي وقت بكلِّ معاني ومضامين المكون الشرعي إحاطة كاملة.

وثانيا: لأنه تماثل في المعنى والمضمون دون المبنى أو التعبير اللغوي.

ثالثا: لأن البشري عادة لا يخلو تماما من الخطأ، بينما يخلو منه تَماما المكون الشرعي. وهو أي التماثل عادة ما يكون في بعض جوانبه مؤقتا؛ لأنه بينما يتطلب تماثل المكون البشري مع المكون الشرعي أن يكون المضمون الأول متوافقا مع المضمون الثاني المناسب للظرف أو الزمان الذي جدَّ أو نشأ فيه مضمون الأول، فإنَّ المعلوم ما يتميَّز به المكون الشرعي من أن بعض مضامينه ذات مناسبة ظرفية، أي تتغير بتغير الظرف أو الزمان، وهو الأمر الذي يجعل مضامين المكون البشري التي كانت متوافقة معها في ظرف أو زمان ما تصبح غير متوافقة، وبالتالي غير متماثلة معها في الظرف أو الزمان والآخر.

ويكون التباعد في العلاقة بين المكون البشري والمكون الشرعي بقدر تباعد المضامين المكون البشري عن مضامين المكون الشرعي، وقد يزداد التباعد حتى تصبح مضامين المكون البشري مغايرا تماما لمضامين المكون الشرعي، وبحيث لا تصبح تسمية أو اعتبار المكون البشري عندئذ فتوى إِلاَّ مجازا.

ومهما يكن فإن مرور الزمن بذاته قد يؤثر على الفتوى ويستلزم تجديدها، وذلك لدواعي فنية تتأتى من نتائج التتابع والتراكم والتراث، فالفقه يتجه في تطوره من التعميم إلى التشعيب، ويتفاقم ذلك حتى يبلغ مدى من الكثافة تكاد تحجب المقاصد العليا للتدين، والفقه يجنح من كثرة تقليب النظر نحو الإيغال في التركيب المنطقي المجرد، حتى يبلغ مدى من الشكلية ينقطع به عن الواقع الحي الذي يمده بأسباب النماء، وينقطع عن مثل تحقيق العدل والحق، سعيا نحو الكمال لبناء المنطقي.

والفقه إذا تراكمت نقوله الموروثة قد يغري الجيل الخالف إلى أن يقنع بماضيه، ويستغني عن الاجتهاد وإعمال وظائف العقل الناقد المقوم للمنقولات المولدة المركبة للمفهومات الجديدة، وهكذا يشهد تاريخ كُلّ فقه بشري دورات تجديد تردّه إلى المقاصد والوقائع والاجتهاد، كُلّما غلا بتطوره نحو فقه التشعب الشكلي، والتجويد المنطقي والاجترار والتقليد.

*- البعد الخفي:

هناك بعض الخصائص الكون الشرعي التي ربما لاحظها العلماء السابقون وأدركوها، وربما أن بعضهم كتب عنها أو مارسها عمليا، بيد أَنَّهُ وعلى النقيض من الخصائص الظاهرة المذكورة آنفا ظلت هذه الخصائص ضامرة، ولم تسجل حضورا ظاهرا في التيار العام للفقه الموروث، باعتبارها خصائص وليست مجرد مضامين عابرة.

ومن أهم تلك الخصائص الحوارية أو التحاور -أي كون الحوار سواء مع الذات والآخر غير المسلم- يمثل توجها منهجيا أساسيا للمكون أو الخطاب الشرعي.

وربما كان ضمور خاصية الحوار في الخطاب الإسلامي الموروث مظهرا من مظاهر ضعف حظّ هذا الخطاب من خاصية أخرى من خصائص المكون الشرعي، وهو خاصية التوازن. إذ يبدو أن هذا الخطاب قد غفل بعض الشيء الذي يبديه بوضوح المكون الشرعي، بين الجهاد الحواري والجهاد القتالي. وقد يعود ذلك لتأثير الخطاب الموروث بكون الظروف التاريخية التي ظهر فيها الإسلام انتهت إلى اضطرار الرعيل الأول من المسلمين إلى الدخول في سلسلة من الجهاد القتالي، الذي برز عمليا بروزا أوضح من الجهاد الحواري الذي أكد عليه البيان الشرعي، والتزمه وحده المسلمون سنين عدة قبل أن يضطروا إلى محاولة الجمع بينه وبين الجهاد القتالي.

ومن الأبعاد الضامرة أيضا الترابطية، أي كون الخطاب الشرعي يربط بين مختلف مضامينه ربطا وثيقا، ويظهر بوضوح مدى التداخل المحكم بين شتى مسائل، أو جوانب العقيدة والعبادات والمعاملات والأخلاق. وليس ذلك على مستوى المضمون والأحكام فقط، وَإِنَّمَا أيضا على المستوى الشكلي، حيث نجد الخطاب الشرعي يعرض هذه المضامين معا، ومتداخلة مع بعضها البعض، وغير منفصلة أو مجزأة. وفي المقابل لا نجد الخطاب الموروث يلاحظ بِما يكفي هذا الترابط، وهو يعرض المضامين المكون الشرعي مجزأة إلى أبواب يركز على بعضها كالعبادات والسير، دون البعض الآخر كالأخلاق.

*- البعد المغيب:

يتميَّز المكوّن الشرعي للخطاب الإسلامي بثرائه وعمق وسعة مضامينه وخصائصه التي تتكشف للعقل البشري بقدر تطوره وتعمقه في دراسته والرجوع إليه، ومن هنا فإن من المؤكد أنَّ الخصائص التي تسنَّى للخطاب الإسلامي الموروث اكتشفاها أو التعرف عليها ليست هي كُلّ خصائص المكون الشرعي، ولذا فيجب على العقل المسلم اليوم أن يستفيد مِـمَّا عرفه الفكر البشري عموما من تطور في شتى المجالات، لاكتشاف واستنباط المزيد من خصائص المكون الشرعي، وهكذا فإن المدخل الذي لابد من الولوج للوصول إلى هذه الأهداف، وهو التأصيل والتأسيس أي البدء يتأصيل الخطاب الإسلامي، بجعل الخطاب الشرعي المصدر المباشر للخطاب الإسلامي ومرجعيته الدائمة.

وتحتاج عملية التأصيل المذكورة إلى استيعاب الواقع المعاصر استيعابا واعيا من خلال منهج عملي موضوعي يتتبع جذور هذا الواقع ومساره ويكشف جوهره وروحه، ويميز حقائقه الموضوعية عن أوهامه الخيالية أو المؤقتة، ويستشرف آفاقه وتوجهاته المستقبلية، كما تحتاج إلى بلورة معالجة مناسبة للواقع المعاصر، والتنظير له فقها وفكرا بناء على قراءة مباشرة للنص، أو المكون الشرعي وفق مناهج استنباط جديدة تستعين أو تستأنس -ولكن لا تلتزم بالضرورة-بمضامين ومناهج الخطاب الإسلامي الموروث.

لهذا كان الاجتهاد سواء أجاء انتقائيا أم إنشائيا طريقا شرعه الإسلام لاستنباط الأحكام من المنصوص وَمِـمَّا لا نص فيه، وفهما للنصوص الجزئية في إطار المقاصد الكلية، إذ الاجتهاد الحقيقي هو الانتقال من فقه المقاصد، وليس في الفتح باب الاجتهاد خطر، وَإِنَّمَا الخطر حين ينبري للاجتهاد من ليس أهله أو يكون الاجتهاد في غير محله؛ فالاجتهاد هو استفراغ الوسع في النازلة، وهو من المسائل القطعية؛ لأنها نصّ جلي الدلالة ثابت الورود.

يمكن أن نخلص مِـمَّا تقدم إذن إلى: أن الإفتاءَ هو أهم مكونات الخطاب الإسلامي المؤسسة للعقل المسلم، كما أَنَّهُ يشكل المصدر الأساسي لوعي الآخر (غير المسلم) بالإسلام.

ولا شك أن إشكالية المسلمين هي بدرجة كبيرة إشكالية خطابية؛ فالخلل في فهم المسلمين للخطاب الشرعي، وما ترتب عليه من الخلل في إعادة صياغة الخطاب الإسلامي عموما، كان من أهم عوامل تعثر وتدهور الواقع الإسلامي، كما يصح القول بأن أكثر اختلافات المسلمين التي أذهبت ريحهم ما فتئت وثيقة الصلة بالخطاب، وإن غالب مظاهر الخلل الحضاري عند المسلمين اليوم مثل ضعف الحصانة الذاتية الثقافية، وضمور النهج العقلاني، والتوجهات الفقهية الخاطئة، يمكن إرجاع بعض جذورها إلى الخلل القائم في الخطاب الإسلامي السائد.

وعلى هذا الأساس يبدو أن لا سبيل لإعادة تكوين العقل الإسلامي، وإصلاح حال المسلمين، وإعادة بناء حضارتهم، وتصحيح وتحسين رؤية الآخر عنهم دون إحداث ما يلزم من التغيير أو الإصلاح في الخطاب الإسلامي السائد. وهذا نرى في الفتوى المعاصرة معالجة لعدد من القضايا التي تشغل الساحة اليوم، من مثل موقف الإسلام من الغلو والتطرف والإرهاب، وأوضاع المرأة ودورها الاجتماعي، والضوابط الشرعية للبحوث البيولوجية، ومسألة المذاهب والأمة الواحدة، وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها، والحريات العامة والمسائل الاقتصادية المستجدة.

ويمكن أن نأخذ من هذه الفتاوى المعاصرة التي أصبحت أعمدة المجلات والجرائد وبطون الكتب تضجّ بها مجموعة من المآخذ:

1- غياب الرؤية الفكرية الموحدة في المسألة التي ينبغي أن ترمز إلى وحدة المسلمين، كعدم وجود فتوى متَّفق عليها في كثير من الأمور التي تهمَّ الأمة، وتمس شؤون دينها.

2- تعطيل المؤسسات المتخصصة والمؤهلة لتقديم المعرفة الإسلامية الصحيحة في بعض البيئات الإسلامية، أو توظيفها لخدمة المآرب السياسية.

3- التقوقع داخل مذهب فقهي أو عقدي معين، وفرضه في التعليم ووسائل الإعلام والثقافة، وإصدار الفتاوى الدينية من خلاله، ثُمَّ السعي إلى تصدير هذا التوجه المذهبي الضيق إلى عامة المسلمين في العالم، وبمختلف الوسائل والأساليب.

4- التشبّث برأي واحد في المسألة، ومصادرة جميع ما عداه من الآراء والأقوال الأخرى المؤسسة.

هذا التعدد في المشارب والمناهج والآفاق، وهذا التعب الذي يزداد مع الأيام بفعل العوامل السياسية والمذهبية والتدينية جعل الفتوى المعاصرة تعرف فوضى كبيرة، فأصبح الكثير يفتي دون آبه بلزوم هذه الخطة، وضوابط القائم بها. ولذا أمكننا أن نَجمع جملة من الإجراءات التي بدأت تأخذ موقعها في الساحة الفقهية المعاصرة، وتتجه بالفتاوى إلى نوع من الضبط والتقنين، يمكن أن نعددها كالتالي:

1- إحداث نَمطية صارمة في المنهج والصياغة: فبدون الاستناد إلى مرجعية منهجية واضحة لا يمكن أن نُميِّز أوّلا ما هو فتوى بمعنى الكلمة، بما هو الشكل الآخر من أشكال الخطاب الإسلامي. كما لا يمكن ثانيا أن نَجعل هذه الأخبار الشرعية بمنأى عن المتطفلين والمفسدين، وقد يتم ذلك بالسعي إلى خلق إفتاء منظبط (الاجتهاد الجماعي، اجتهاد الشورى العملية تنظيرا وتطبيقا، وتقوية دور المجامع الفقهية وإشاعة منتوجاتها)، كما يتمّ ذَلِكَ بعدم الجنوح بالفتوى إلى شواذ الآراء وتتبع الرخص، والتنكر للدليل، والابتعاد عن واقع الناس، وعدم إيقاعهم في الحرج. زد على ذلك ضرورة الخروج من التقوقع في الماضي والانكفاء على التراث، للتطلع إلى المستقبل واستشراف آفاقه؛ فعلى المسلمين ألاَّ يعيشوا في هموم يومهم، ومشكلات حاضرهم غافلين عن إمكانيات المستقبل وآفاقه المرتقبة، وإرهاصاته، ومبشراته أو نذره فيفاجؤوا بما لم يكن في حسبانهم، كما عليهم أن لا يتنكروا لِماضيهم فلا ينتفعوا به في بناء المستقبل.

2- السعي إلى مزيد من التعميم أو أمثلة الواقع: ويتم ذلك عن الانطباعات الوجدانية والملاحظات الأولية والرغبات الشخصية والإيديولوجية، والولاءات العرقية والمذهبية والمصلحية، والمقارنة بالنماذج المتحققة، سواء منها التاريخية أو المعاصرة. كما يتم باعتماد يتبنى العالمية ولا يغفل المحلية. فلابد للخطاب الديني في عصرنا هذا أن يتبنَّى عالمية الدعوة دون أن يغفل الجوانب المحلية والخصوصية، وذلك لسببين أساسيين:

أولهما: أن هذه هي طبيعة الدعوة الإسلامية، فهي ليست دعوة عربية ولا دعوة إقليمية بحال، بل هي دعوة للعالمين.

وثانيهما: أن العزلة الآن لم تعد مُمكنة والانطواء أصبح مُستحيلا. ومع هذه الدعوة للعالمية والانفتاح فعليه أن يظلَّ مستحضرا للواقع الإقليمي والمحلي من حوله.

3- إطلاق اسم الفتوى ما صحَّ مضمونه إسلاميا: برغم من أَنَّهُ من المهم الأخذ بعين الاعتبار، أَنَّهُ وإن كان من اليسير التأكد من صحة بعض مضامين الفتوى إسلاميا، إِلاَّ أَنَّهُ يبقى هناك دائما قدر من مضامينها مَحل خلاف، ولا يعدو الحكم على مدى صحتها أو عدم صحتها إسلاميا أن يكون حكما عقليا نسبيا. ومن أهم هذه المضامين المعتبرة مبدأ التيسير الذي ينحصر في الفروع التي هي مجال رحب للاجتهاد والاختلاف، بخلاف الأصول التي هي أساس الدين ومحوره. ونعني بهذا الأصول: العقائد الأساسية التي هي عمدة الدين في الإلهيات والنبوات والسمعيات، والتي لا تقبل الاجتهاد ولا التجديد ولا التطور، ومن خالف فيها كفر أو فسق.

4- تضلع المفتي من نصوص الشريعة ومعرفته بأحوال الواقع وفقهه، بأن يكون متصورا للحال المعاصرة، فاقها لشؤون العامة حتى يصدر أحكامه بوعي وبصيرة. فمن الضروري في عصر العولمة أن يحرص على المعاصرة في مفاهيمها ووسائلها وآلياتها. فالمعاصرة تعني العقلية النقدية والمرنة في ثبات الأهداف وتطور الوسائل، وبما أن فتوى تعتمد على معرفة المصلحة والمفسدة وفقه الموازنات، ومراعاة الأولى والأصلح، وحفظ حقوق الناس؛ فينبغي أن يتطلب ذلك قدرا عاليا من المعرفة والاطلاع على الأحوال. ولا تقرر أن الفتوى تتغير بموجبات شتى كتغير الزمان وتغير المكان وتغير العرف والحال وغيرها.

5- استقلالية المفتي عن السلطة السياسية والاجتماعية، وتحرره من التبعية للسلطة الحزبية أو الحركية في الجماعات الإسلامية، وذلك لترفع المفتي بحيث يستفيد منه الناس جميعا بكلِّ أطيافهم، وليكون سببا في حفظ توازن الأمة وعدم انشقاقها.


[1]) سورة هود: 12.

[2]) سورة التوبة:122.

 

*  ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان ” فقه النوازل وتجديد الفتوى”

المنعقدة خلال الفترة: 13-16 ربيع الأول 1428هـ/ 1-4 إبريل 2007م

سلطنة عمان – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك