أثر أبي عبيدة والربيع في أدب الفتوى عند العمانيين

أثر أبي عبيدة والربيع في أدب الفتوى عند العمانيين*

 إعداد: أ. أفلح بن أحمد بن حمد الخليلي

 (الباحث بمكتب المفتي العام للسلطنة، سلطنة عمان)

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّد الأوَّلين والآخرين محمَّد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فقد حظيت بدعوة كريمة للمشاركة في هذه الندوة المباركة المعنونة بـ: “فقه النوازل وتجديد الفتوى“، حول موضوع: “أثر أبي عبيدة والربيع في أدب الفتوى عند العمانيين” فطابت نفسي ونشطت من عقالها إلى المشاركة ببضاعتي المزجاة.

وقسمت البحث إلى ثلاثة فصول، كل فصل منها يشتمل على محاور، والفصول هي:

الفصل الأول “التمهيدي”: المقدمات الممهدة للموضوع.

الفصل الثاني: أثر الإمامين في المنظومة العلمية بشكل عام.

الفصل الثالث: أثر الإمامين في أخلاق الفتوى.

 ومن الله جل وعلا أستمد العون والتوفيق وآمل القبول، ثم منك –أخي القارئ- التمس التوجيه وخالص الدعاء.

 

الفصل الأَوَّل: (التمهيدي):

المقدمات الممهدة للموضوع

من المعلوم أن توضيح خارطة العمل العامة يعد ركيزة أساسية لأي أمر، وذلك حذراً من الولوج في الحنادس المظلمة من غير بصيص نور يبدد ظلمتها، ولأجل ذلك رأيت من الأجدر بيان بعض المقدمات المعينة على فهم حقيقة تأثير الإمامين على المسيرة العلمية أو مسيرة الفتوى بشكل خاص؛ حتى لا نختزل المراحل التي لا يسوغ طيها من غير بيان.

وقسمت الفصل إلى المحورين التاليين:

المحور الأول: التعريف بالإمامين

المحور الثاني: جدليات التأثير والتأثر

 

المحور الأَوَّل:

التعريف بالإمامين

أولاً: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي بالولاء([1]):

فقيه محدث وداعية محنك، عاش بين (و45 ــ ت145-150هـ) تقريباً، تابعي جليل روى عن بعض الصحابة كابن عباس وأنس وأبي هريرة، وتتلمذ على أبي الشعثاء جابر بن زيد وصحار بن العباس العبدي وغيرهما، وكان مولى لعروة بن حدير؛ فلا شك في استفادته منه.

مجالاته العلمية: “تعلم العلوم وعلمها، ورتب روايات الحديث وأحكمها”([2]) نبغ في علم الفقه والحديث، وله باع واسع في اللغة، كما يتمتع بدقة وعمق في الاستدلال، ودراية بكتاب الله وأحكامه مع مهارة نادرة المثال في تنزيل الأحكام على الوقائع.

مهاراته: كان رحمه الله يتمتع بشخصية قوية قادرة على تحمل المسؤولية بجدارة، فلذا كان لها دورها الرائد في المجال السياسي والدعوي، فضلاً عن المجال العلمي، وكانت نفسه الطموحة تدفعه إلى تشييد صرح الحق، وخوض غمرات المخاطر في سبيل ذلك.

دوره: تولى إمامة الإباضية – المرجعية العملية والدعوية- بعد الإمام أبي الشعثاء جابر وسير سفينتها بحكمة في الأمواج العاتية.

مؤلفاته: ترك العديد من الآثار العلمية، منها: “رسالة في الزكاة” و”مسائل أبي عبيدة” وفتاوى متناثرة في بطون الكتب كمدونة أبي غانم وما تلاها، فضلاً عن الأحاديث التي رواها عنه تلميذه الإمام الربيع.

تلاميذه: تتلمذ على يديه الجم الغفير من الطلبة من عمان واليمن والبصرة والحجاز وشمال أفريقيا وخراسان ومصر وغيرها: فمنهم أبو الخطاب المعافري، والجلندى بن مسعود، وطالب الحق، والربيع بن حبيب، وبلج بن عقبة، وغيرهم كثير.

ثانياً: الربيع بن حبيب الفراهيدي:

إمام في الفقه والحديث (و 75 -80 ــ ت175- 180) من فحول العلماء وكبار المحدثين.

نشأته ومشايخه: ولد بعمان وتلقى بدايات العلوم على يد أبيه “حبيب”، ثم يمم وجهته نحو كعبة العلم آنذاك “البصرة” فاستقى من الينابيع الصافية جابر بن زيد وأبي عبيدة وضمام بن السائب وأبي نوح وأضرابهم، وقال عن نفسه: “إنما حفظت الفقه عن ثلاثة: أبي عبيدة وضمام وأبي نوح”([3]) إذ لازمهم أكثر من غيرهم.

آثاره: وجه الربيع وجهته شطر التدوين فكان قلمه شاهد عدل له، فكان مِـمَّا خطه قلمه:

  1. مسند الإمام الربيع “الجامع الصحيح”
  2. كتاب العقيدة: يضم 140 حديثاً وأثراً، ويشكل الجزء الثالث من كتاب الترتيب.
  3. روايات محبوب بن الرحيل عنه: تشكل بعض الجزء الرابع من الترتيب.

4. آثار الإمام الربيع: روايات الربيع عن ضمام عن جابر، ونقلها عنه أبو صفرة، وهل جمعها الربيع بنفسه ورواها أبو صفرة أو أنها من جمع أبي صفرة؟ خلاف بين الباحثين([4])، ولعل الذي يقوي القول بأنها للربيع أن أبا صفرة لم يصاحب الربيع كثيراً حتى يتسنى له أن ينقل هذا المقدار من الآثار، ولا الهيثم لأني لم ألاحظ تكرر اسمه معه.

  1.  أجوبة فقهية وكلامية كثيرة مبثوثة في ثنايا الكتب الفقهية والعقدية.

تلاميذه: بعد تمكنه من ناصية العلم تعين عليه صرف زكاته لمستحقيها فتخرج على يديه جماعة من عمان والبصرة وحضرموت ومكة وخراسان والموصل، ومنهم كل من: محبوب بن الرحيل –يذكر بأنه هو الذي روى المسند عنه ثُمَّ ابنه محمَّد من بعده([5])-، وأبي غانم الخراساني ووائل بن أيوب وبشير بن المنذر وآخرين([6]).

 ثالثاً: مقارنة بين آثار الإمامين:

تحتل المقارنة مكانة سامقة في التحليل بغية الوصول إلى النتيجة المنشودة، وحتى لا نحلق في سماء التنظير بعيداً عن أرض التطبيق نقارن بين آثار الإمامين الجليلين فنقول: إن نظرة فاحصة في آثارهما “عند العمانيين” ترجح آثار الربيع على آثار أبي عبيدة من حيث الكم([7]).

ولعل ذلك يرجع إلى الأسباب التالية:

1.         أن ما دونه الربيع يربو بكثير على ما دونه أبو عبيدة، ومن كثرت تآليفه ازداد الاعتماد عليه بخلاف قليل التأليف، على أن الجامع الصحيح بنفسه كفيل بترجيح الكفة، وتأثيره يشمل الناحيتين الحديثيَّة، بلا إشكال، والفقهية؛ لأن الفقه يتشكل بالحديث، ولا يؤثر على عدد الأقوال التي قال بها الربيع إلا بحسب تعليقاته، مع وجود تعليقات لأبي عبيدة أيضاً.

2.  حركة التدوين الفقهي اتسع نطاقها عند تلاميذ الربيع، فهم ينقلون عنه مشافهة، فلذا يكثر النقل، وكثرة الوسائط عائق يقلل منه، ويتجلى ذلك بوضوح فيما سطره أبو غانم في مدونته، وأبو سفيان محبوب بن الرحيل، إذ ما حكاه عن الربيع من أقوال يربو على أقواله بنفسه حسبما أفاده بعض الباحثين([8])، على أن الموسوعات الفقهية –إن صح التعبير- بدأت في شق طريقها بُعيد تلك الفترة بقليل.

3.  أن الربيع رجع آخر حياته إلى مهد صباه “عمان”، وبرجوعه تسنى لفقهاء عمان النهل من معينه مباشرة، بيد أن في رجوعه خلافاً([9])، والله أعلم بحقيقة الواقع.

ولا يعني ما ذكره الباحث انتقاص دور أبي عبيدة؛ إذ الربيع ذاته ثمرة غرسه، وإنما نقارن في عدد الآثار لا غير، أما المقارنة الشاملة فهي تتطلب بحثاً في طبيعة الآثار، وقراءة ما وراء سطورها مع الكشف عن الموجهات الفكرية لكل ذلك، ودراسة أبعادها الفقهية والعقدية، مع مدلولاتها الاجتماعية والسياسية، ولا يتسنى لنا ذلك في هذا الورقة.

على أن الذاكرة الإباضية المشرقية والمغربية مليئة ببصماتهما الواضحة في المسيرة العلمية بمختلف نواحيها، وذلك لِما سنذكره بإذن الله في أول الفصل الثالث.

 

المحور الثاني:

جدلية التأثير والتأثر

قبل الولوج في تشخيص مقدار تأثير الإمامين في أدب الفتوى أو في المنظومة العلمية بكل مفرداتها يحسن بيان المناخ المهيئ لذلك، ثم كيفية الحكم عليه.

أولاً: متطلبات التأثير وأوجهه وإثباته:

متطلبات التأثير:

يتطلب التأثير أموراً منها ما يلي:

  1. التقدم الزماني والتقارب المكاني: لابد في التأثير من التقدم الزماني، إذ لا تدور عقارب الساعة بالعكس فيؤثر المتأخر في المتقدم، كما أن تقارب المكان شرط في التأثير لأن بُعد المكان يحول دون وصول التأثير أو يقلله على أقل تقدير، وكأين رأينا مجددين لم يتعد أثرهم حدودهم الجغرافية، وإن كان الأصل أن يقتحم العلم السدود، لكن تلك عوائق طبيعية لابد من اعتبارها، وإن كان التقارب المكاني يرتبط بالوسائل المتاحة للمؤثر حتى ينقل للآخرين أو الوسائل المتاحة للمتأثر حتى يستقي من الآخرين، كعصرنا هذا، بيد أن النسبية واضحة على هذا الشرط، فلذا استطاع الإمامان أن يجتازا الحدود المكانية لقوة طاقاتهما الفطرية والعلمية، إضافة إلى أنهما يمثلان المركزية المرجعية للمذهب آنذاك، وأعان عليه تنوع أقطار تلاميذهما كما سبق، فكانت التلاميذ تفد إليهما من كل جانب، وتأتي الأسئلة لهما من مختلف المناطق كما سيأتي بيانه بإذن الله في أول الفصل الثالث، وكثرة سفرهما للحج من الأمور المساعدة بلا شك؛ لأن البيت الحرام يفد إليه الناس من شرق البلاد وغربها.

2.  النظرة الإكبارية: عند توفر الاحترام والتقدير يسهل تسلل التأثير لتفتح قلب المستقِبل له، أما عند وجود النفرة والوحشة يكون التأثير معاكساً، إذ تدفعه اللجاجة والخصومة إلى جحد الحق([10])، وكتب الفقه والتاريخ تشهد للإمامين بأن الإمامين تبوآ كرسي التقدير والاحترام من كافة أفراد المذهب الإباضي في مختلف حقبه([11]).

3.   التأثير يفتقر إلى وصول الأقوال والكتب: وهو مسلم به في الأقوال؛ إذ كتب الإباضية مليئة بحكاية الأقوال عنهما([12])، وكثرتها تأكد وصول قدر قادر على التأثير على العقلية العلمية، لكن هل وصلت الكتب الأساسية؟ إذ التأثير بها يخط ببنانه كثيراً من مفردات المذهب، -بينما تأثير الأقوال طفيف لا ينفذ إلى العظم-، والذي يبدو لي أن الظروف حالت دون وصول شيء من كتبهما إلى بعض أيدي أهل العلم، مما قلل الآثار المرجوة، لكن لا يشمل ذلك الكتب الأساسية والمحورية، وعدم وصوله للبعض لا ينفي تأثره به، لأنه ربما يستفيد منه بالواسطة، وحاولت تسليط الضوء على كتاب معين، وهو ما سنعالجه في القضية الثانية، بعد كلامنا عن أوجه التأثير وإثباته.

أوجه التأثير:

يحمل التأثر في طياته النقيضين، فقد يثمر التماثل، وهو الأصل، كما أنه قد يثمر التضاد بين المؤثر والمتأثر، والتضاد قد لا يكون نتيجة التنافر بين طرفين، وإنما مجرد طرح العالم المتقدم للمٍسألة يكرر سؤالاً ملحاً على العلماء المتأخرين -المقدِرين لذلك العالم- عن دليله، وعن الإيرادات التي توهي من أمره، وقد يقودهم التفكير إلى نبذ القول الأول إلى ما هو أفضل منه، وهذا يتجلى في المناقشات الطويلة التي خاض غمارها المحققان ابن أبي نبهان وسعيد بن خلفان، إذ كثيراً ما استشكل التلميذ –الشيخ سعيد- ما أورده شيخه فناقشه نقاشاً طويلاً([13])، كما وجه وجهته لمعارضة ما قاله بعض أهل العلم قبله من أن ذات الله ثباته فحرفها النساخ إلى إثباته([14])، فكشف بتعقيباته عن طاقاته الكامنة التي أعان الاستفزاز على قدح زنادها.

على أن التأثر في الموافقة لا يقتصر على مجرد النقل الحرفي، وإنما يشمل طول مناقشة الموضوع، وتفنيد التعقيبات التي تعرقل التسليم به، ولذلك ناقش الإباضية حرمة نكاح الزاني بمزنيته كمناقشة ابن عبد العزيز وابن خلفون من المتقدمين، مع ما استتبع ذلك من ألاف التفريعات في الكتب الفقهية الموسعة، وأمثال هذه التفريعات تكثر عند الفقهاء الملتزمين بأقوال أئمتهم، وقريب من ذلك مناقشة العلامة أبي عمار لمسألة المأتية فيما دون الفرج، وهل يحكم عليها بالفسق([15])؟

ونحن في هذا المقام نركز على التأثير بالمتابعة فقط، فلا نعول على المناقشين للقضايا إلا إن اقتضاه المقام، ومن باب أولى نحجم عن بيان التأثير بالمخالفة، إذ يصعب ضبطه.

بين الاجتهاد وإثبات التأثير:

تناول الأصوليون من كافة المذاهب الاجتهاد وأحكامه، وشرقوا وغربوا في بيان تفصيلاته، وتناولوا مراتبه، والذي يبدو للباحث بأن فارقاً جوهرياً بين الاجتهاد عند الإباضية وفي المذاهب الأربعة تحديداً، فالإباضية لا تعرف المحورية في رجل يمثل المذهب في كافة أدواره، فالأئمة جابر وأبو عبيدة والربيع ومن دونهم تنبذ أقوالهم في بعض الأحيان لمخالفتها لدليل معتبر في نظر المخالف، بينما الشافعية يمثل رأيهم الإمام الشافعي وهكذا بقية المذاهب، ومجتهد المذهب عندهم من يتقن قواعد إمامه وفروعه حتى يتسنى له حمل فرع على آخر.

 أما مجتهد المذهب عند الإباضية فمن هو؟ هل من أتقن أقوال جابر مع مخالفة أبي عبيدة له، أو أنه المتقن لأقوالهما جميعاً؟ وسيحمل الفرع على ما يوافق فرع من منهما، أو أنه يكتفي بتخريج الخلاف حسب اختلاف أئمة المذهب؟ نعم نقل الإمام السالمي في معارجه مراتب المفتين عن ابن الصلاح دون أن يتعقبه بشيء([16])، لكن ذلك لا يكفي دليلاً للقول بأنه ينسجم مع قواعد المذهب.

وثمة فارق آخر هو أن الإباضية لم تولد عند أساطينهم فكرة إغلاق باب الاجتهاد، فضلاً عن ترعرعها، بينما في المذاهب الأخرى قامت الفكرة على ساق، وتبناها جماعة من الأصوليين والفقهاء، وإن جابهها آخرون، وأشكل الأمثلة على ذلك قول الكرخي: “كل آية تخالف مذهب أصحابنا فإنها تحمل على النسخ أو التأويل أو الترجيح من جهة التوفيق”([17])، بينما في المذهب يحرم التقليد لبالغ رتبة الاجتهاد.

والقاعدتان تحولان دون التأثير الفقهي البالغ للإمامين لأن صمام القواعد الاجتهادية يحول دون نفوذ التأثير إلى العظم، ولكن مع ذلك وجدت المشابهة، فكيف نفسرها؟ هل وقعت نتيجة التوافق في منهج الاستدلال في الغالب، والاستقاء من نفس الينابيع فقط؟ أو أن التأثير ولج على حين غرة من قواعد الاجتهاد؟

الذي يبدو أن التأثير لا مجال لإنكاره، نعم عملت تلك القواعد على تنقيته، وحصره في التأثر الإيجابي في الغالب، ويمكن القول بأن بعض تلك المسائل توافقت فيها الاجتهادات للعقل المشترك بين الجميع، أما إطلاق القول بأن المسائل جميعاً جاءت بتأثير ذلك العقل فكلام تجانبه النظرة الواقعية الإنسانية والتاريخية للموضوع، ويتجلى ما نقوله من خلال الآتي:

  • التأثر سمة طبيعية لا يستطيع الإنسان الفكاك عنها إلا في حدود معينة، لأن جاذبيتها تسحبه بقوة([18])، فلا يتسنى القول بأن أولئك العلماء تخلو عن سمتهم الطبيعية في جميع الأقوال.
  • التوافق بسبب الاستقاء من نفس المنبع يكون في بعض المسائل القليلة خصوصاً أن أدلة الشريعة كثيراً ما يكسوها الاحتمال، والتشابه بين الأقوال في الأدلة المحتملة يؤكد التأثر، على أن هذا التشابه عم الأرجاء فشمل كثيراً من أهل العلم، وقد يغتفر في الواحد أما مع الكثرة فلا، وستأتي بعض النماذج عند كلامنا عن التأثر الفقهي بإذن الله.
  • التوافق لم يقتصر على المضمون، وإنما شمل الألفاظ ذاتها، وستأتي بإذنه تعالى بعض الأمثلة في كلامنا على وصول المسند إلى ابن بركة.
  • التصريح أحياناً بمصدر الاستقاء، وهو أوضح مما سبق.

وخلاصة الكلام بأن يوجد تَّأثر واضح لا مجال لإنكاره، ولكن في الوقت ذاته لا نقول بأن كل تشابه نتج عن التأثر.

ثانياً: وصول المسند إلى ابن بركة:

في هذا الموضع نحاول التحقق من وصول مسند الإمام الربيع إلى العلامة ابن بركة، وسبب اختيار المسند أنه أهم أثر للإمامين بلا منازع، ولأنه جمع الفقه والحديث، بل والعقيدة في إناء، ومبرر تشخيص ابن بركة ما يلي:

  • أنه يعد مجدداً حقيقياً في الفقه الإسلامي عموماً والإباضي خصوصاً، وهو من الشخصيات المحورية التي تدور في فلكها الشخصيات الأخرى.
  • أن له ولكتابه الجامع بصمة لا تخفى في الفقه الإباضي شرقاً وغرباً([19])، فتأثره ينسحب تباعاً على الناقلين عنه.

المؤشرات التي قد يتمسك بها النافون لاطِّلاعه عليه:

1.        أن ابن بركة قال في جامعه: “وسؤر السباع ولحمها عند أبي عبيدة حلال..ثم قال: “وانتشار الخبر في المخالفين، وقولهم به كالمشهور معهم”([20])، وقال في موضع آخر: “والذي عندي أن أبا عبيدة ضعف الخبر، وطعن على بعض ناقليه”([21])، وقال مثل ذلك في موضع آخر([22])، فنجده ينسب الحديث إلى المخالفين مع أنه موجود في أصح كتب المذهب، بالإضافة إلى تصوره بأن أبا عبيدة طعن في السند، وسند المسند أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة، ولا شك أن أبا عبيدة لا يطعن في هذا السند الذي رواه بنفسه، وابن بركة لا يجهل ذلك، لكن لم يطلع على المسند.

2.  أنه قال في حديث العرنيين([23]): “فإن قال قائل من أصحابنا: إن خبر العرنيين لا نعرفه..”، ولم يتعقبه بأن أصحابنا رووه بأنفسهم في أصح كتبهم، لعدم معرفته بذلك.

3.  تضعيفه بعض الأحاديث الثابتة بالسند الصحيح مع عدم وجود قادح لا في السند ولا في المتن، وذلك لأنه لم يطلع على سند صحيح لها، وعليه فهو لم يطلع على المسند أصلاً.

4. إهمال الاحتجاج ببعض الأحاديث الصريحة على المبتغى، وهي موجودة في المسند، مع شدة حاجته إليها.

 والجواب عن جميع الإيرادات ما يلي:

1. أن العلامة ابن بركة لم يتسن له –فيما يبدو- أن يهذب كتابه، ولعل ذلك لأن الأيام عاجلته، فربما كان ينوي مراجعة بعض المسائل التي يكتنفها الاحتمال لكن سوابق القدر قطعت حبال الأمل([24])، وذلك يعد عذراً عما فاته من دقة النقل وفنية الترتيب.

2.   أن ابن بركة كثيراً ما يعتمد على حفظه –فيما يبدو- في تدوين المسائل، فلذا قد يخونه حفظه فيَهِمُ أو يترك بعض الأقوال أو يدعي الإجماع، وذلك دفع العلامة أبا مسلم رحمه الله إلى نقده بقوله: “لأن هذه عادة أبي محمَّد: لا يزال ينقل الإجماع على المختلف فيه”([25])

وعلى ما تقدم فليس بمستبعد أن تفوته بعض الأحاديث أو يحكم بضعفها وما إلى ذلك، وترك الاحتجاج ببعض الأحاديث مع حاجته لا ينفي اطِّلاعه، وإنما ينفي استحضاره إن قلنا بأنه يلتزم الاستشهاد بجميع ما يحضره، أو أن قائمة المسألة لا تقوم إلا بذلك الدليل، وكثيراً ما رأينا بعض العلماء يحجمون عن الاستدلال ببعض الآيات في الفقه أو العقيدة أو النحو سهواً منهم، فهل نقول بعدم اطِّلاعهم على المصحف؟ فضلاً عن الأحاديث الصحيحة، وذلك يتأكد في ابن بركة بما ذكرناه، وبما سنذكره بإذن الله في النقاط القادمة.

3.   كثرة احتجاج ابن بركة بأحاديث المسند، إذ تعليقاته تربو على مائة تعليق([26])، وكثرة التعليقات تجتث شجرة التردد في اطِّلاعه من جذورها، فإن قيل: بأن التعليق على بعض الأحاديث لا يقتضي الاطِّلاع، إذ كتب السنة متعددة، والجواب عن ذلك بأنا لم نعتمد على مجرد الذكر، بل اعتمدنا على الكثرة، بالإضافة إلى ذكره بعض الأحاديث التي قل أن تذكر عند غيره كحديث تميم الداري([27]) واشتراط السكنى مع كلام ابن عباس([28])، وقد يذكر الحديث بلفظ لا يكاد يوجد عند غيره([29])، وبذلك كله تطمئن النفس إلى اطِّلاعه عليه.

4.   نقله بعض الأحاديث من المسند وفق ترتيب المسند، ويستبعد أن الصدفة ساقت العالمين إلى التماثل في الترتيب([30]).

5.   توافق لفظه ولفظ الإمام الربيع في بيان بعض المفردات، فمن ذلك قوله: “المسجد: ما استقرت عليه مساجد المصلي”([31])، وقوله في معنى الحائل: “التي يأتيها الدم حالاً بعد حال”([32])، أما التشابه المعنوي فحدث ولا حرج([33])، ونجده يتابعه في حكاية الاتفاق أحياناً([34])، وذلك لا ينفي وجود الاختلاف –نادراً- لتعدد وجهات النظر([35]).

فإن قيل بأن جميع ما سبق لا يستلزم النقل المباشر، قلنا احتمال ذلك مطوي لاستبعاده، لِما يلي:

  • كثرة وجوه الشبه التي تقتضي في الغالب الاطِّلاع المباشر وتنفي الوسائط.
  • لم نجد عند المتقدمين على ابن بركة إشارات تكافئ ما عنده حتى نقول بارتكازه عليها، وإن كان ذلك ممكناً في حكم العقل، لكنه لا دليل عليه، وأنس العقل بالأول أكثر.

ولذلك يميل الباحث إلى اطِّلاع ابن بركة على المسند بغض النظر عن حفظه له أو لا، وحضوره معه عند التأليف أو لا.

 

الفصل الثاني:

أثر الإمامين في المنظومة العلمية بشكل عام

الفتوى ليست إلا مفردة من المنظومة العلمية، فتتحدد مساراتها وفق تلك المنظومة، والنفوذ إلى الجزئيات والخصوصيات يكون بعد الارتشاف من معين الكليات والعمومات، والربط بينهما ضروري، لأن الغصن تبقى نضارته عند اتصاله بأصله، وإن كانت المنظومة العلمية سليمة آتت الفتوى ثمارها كل حين بإذن ربها، وإن كانت بخلاف ذلك جرت الويلات والدمار على المجتمع.

وأثر الإمامين لا يمكن أن يكون مكبلاً بقيود تحول دون خروجه عن دائرة الفتوى، بل هو يشمل رحاباً أوسع، فلذا حاولت أن أبين بعض هذه الآثار التي تنعكس آثارها بشكل أو بآخر على دائرة الفتوى وآدابها.

مع ملاحظة أني أغضيت الطرف عن الأدوار البعيدة نسبياً عن الفتوى فطويت الكلام عن أثرهما في اللغة، مع أهميتها لا لأنها تشكل الأرضية للحكم الفقهي فقط، بل لأنها صادرة من أساطين اللغة، أي مِمَّن قد يحتج بكلامهم على بعض الأقوال([36])، وكذلك أحجمت عن الكلام عن أثرهما في علم الكلام للسبب ذاته([37])، وعن الأثر الدعوي ووعي الواقع في هذا الفصل.

وقسمت الفصل إلى المحورين التاليين:

المحور الأول: الأثر الحديثي

المحور الثاني: الأثر الفقهي والأصولي

 

المحور الأَوَّل:

الأثر الحديثي

تعد المدرسة الإباضية من المدارس الجامعة بين الرأي والحديث، وعليه فلا غرو أن يكون فقه كبار أساطينها –ومنهم أبو عبيدة والربيع- مكتسياً حلل الحديث، وأن يكون حديثهم مشرباً بكؤوس الفقه، ولذا يجمل بنا أن نحلق في هذه الأجواء لنرى صوراً مشرقة للجهد المبذول، لأنه –الجهد- ينعكس بشكل تلقائي على المسيرة الفقهية.

أولاً: دور الإمامين في المسند:

قبل نقاش علاقة الإمامين بالمسند يحسن أن نقتبس نصاً يجلي لنا دافع تأليف المسند وظروف تأليفه، يقول العلامة ابن مداد -وتابعه الشقصي-: “وقيل: قال ناس من أهل البصرة: انظروا لنا رجلاً ورعاً قريب الإسناد حتى نكتب عنه، ونترك ما سواه، فنظروا فلم يجدوا غير الربيع بن حبيب، فطلبوا([38]) منه ذلك، وكان يروي لهم عن ضمام عن جابر بن زيد عن ابن عباس، فلما خاف أن يشيع أمره أغلق على نفسه دونهم إلا من أتاه من إخوانه المسلمين”([39]).

وإذا تجاوزنا “قيل” المحتملة –لأن كثيراً من العلماء يطلقونها لغير التشكيك كما يبدو لي- إلى حقيقة الموضوع نستشف الآتي:

  1. أن الربيع عرضت عليه كتابة المسند من قبل أناس من البصرة، وعليه فالعرض فيها على الغالب، وبذلك يكون العرض قبل خروجه إلى عمان –على القول بخروجه إليها-.

2.  أن المعيار المتخذ للاختيار “قرب الإسناد” مع “الورع”، وذلك يكفل دقة المعلومة، ومن ثّم قامت لبنات المسند على أساس قوي.

3.  أن الغاية المرجوة من الكتابة أن تكون محور الاعتماد في الحديث عندهم، وعليه فمن هم الذين كتبوا الحديث عنه في تلك المرحلة؟ أو أن الجواب كان في ضمن السياق “فلما خاف أن يشيع أمره أغلق” أي أن هاجس الرعب همش الأثر المتوقع من تلك الكتابة، ألا وهو النقل عنها.

4. أن اعتماد الكتابة على ضمام عن جابر، وهذا يناقض واقع المسند؛ إذ غالبه عن أبي عبيدة لا عن ضمام، فهل المراد بذلك آثار الربيع المروية عن طريق ضمام؟ والذي يتجه لي أن المراد حمل الواو على الحال في “وكان يحدثهم” أي أنه كان يحدثهم قبل ذلك عن ضمام، وإنما ألف المسند بعد ذلك، ويؤكده ما في سياق القصة “فأغلق” أي بعد التحديث، بالإضافة إلى ما توصل إليه بعض الباحثين من أن آثار الربيع كتبت في عصر مبكر([40])، والله أعلم بحقيقة الواقع.

  1. أن المباركة كانت جماعية.

ونعود إلى الموضوع الذي نقصد بيانه: “ما هو دور الإمامين في المسند؟” نعلم أن دور الربيع هو التدوين والتتبع، ودور أبي عبيدة الرواية والتحديث، لكن هل شارك أبو عبيدة في التدوين؟ أو على الأقل هل باركه على أقل تقدير؟ يميل بعض الباحثين إلى القول بمباركة أبي عبيدة شخصياً لتدوين المسند([41])، ويميل آخرون إلى احتمال ذلك من غير تأكيد([42])، وهذا يخالف مقتضى النصّ السابق، لأن أبا عبيدة -بلا شك- أعلى إسناداً من الربيع، وربما أكثر علماً؛ لأنه المرجع الأساسي آنذاك، ولو كانت الكتابة بإشارته لصرح باسمه؛ لما لذكره من أهمية.

والذي يبدو لي أن قراءة داخلية بين سطور المسند تقوي احتمال مباركة أبي عبيدة بلا تأكيد، وتتجلى من خلال الآتي:

1. أن الربيع قصر أحاديثه –إلا نادراً- على أبي عبيدة مع شدة الحاجة إلى تعدد الروايات، فإن قيل: بأن منهج الربيع في مسنده ينسجم مع منهجه في آثاره، وعليه فلا غرابة في اقتصاره على راو واحد يجعله محور حديثه، قلت يدفع ذلك بخمسة وجوه:

أ- اعتماده على ضمام في الآثار ليس بمستغرب؛ لأنه راوية جابر الأول، حتى سمي راوية جابر بن زيد.

ب- روايات جابر لا تتبوأ المكانة التي تتربع فيها سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه، كما أنها ليست بالمقدار ذاته في العدد، فيمكن الاعتماد فيها على واحد بخلاف السنة.

ج- أنا لا نمانع أن تكون الآثار دونت بمباركة ضمام أيضاً، لأن صياغتها متقدمة حسبما توصل إليه الدكتور كهلان([43]).

د- أن ضماماً يتلقى الآثار من جابر مباشرة، بينما أبو عبيدة يتلقى الحديث بواسطة راويين غالباً، وهذا فارق مؤثر بلا ريب.

هـ- أن الكتاب ذاته تعارضت فيه النسبة، إذ بعض أهل العلم ينسبه إلى ضمام وآخرون إلى أبي صفرة، كما سبقت الإشارة، وبذلك تسقط المقارنة من أساسها، وتنبغي محاكمة هذا الاعتراض قبل التعويل عليه.

  1. كثرة تعليقات أبي عبيدة ودقتها توحي بوعيه بكتابة تلك التعليقات عنه.
  2. التوازن الدقيق – إن صح التعبير – بين الأبواب في عدد الأحاديث، مع الاعتماد على راو واحد أمر لا يخلو من غرابة إلا عند قصد التدوين بذلك، فإن قيل: بأن السؤال ذاته يبقى مطروحاً، إذ روى أبو عبيدة عن جابر مع هذا التوازي، فلماذا صح ذلك؟ والجواب بأن روايات جابر أقل من روايات أبي عبيدة، على أن المخزون الحفظي لجابر بلغ درجة قل الرقي إليها بشهادة الصحابة فمن بعدهم.

وهذه الوجوه ليست قوية حتى يركن إليها، وإنما هي مرجحات ضعيفة تتطلب مزيداً من البحث لنفيها أو إثباتها من داخل المسند وخارجه، فالحاجة وكثرة التعليقات والتوازن كلها أمور نسبية تتعدد فيها وجهات النظر.

وأثر المسند على المسيرة الإباضية يبصره من أزال العصابة عن عينيه، خصوصاً على المسيرة العقدية والفقهية، وتجلية هذا الأثر من توضيح الواضحات، لكنا مع ذلك نشير بإيجاز مخل لشيء منه:

  • ما سبق ذكره من زيادة تعليقات العلامة ابن بركة على مائة تعليق على أحاديث المسند، وهو أحد الأعلام فقط، مع أن بعض كتبه عبثت بها يد الأيام.
  • أن الأعمال التي نسجت خيوطها حول المسند تنوعت صورها من إعادة ترتيبه، وإضافة زيادات عليه، ودراسة أحوال رواته، كما فعل العلامة أبو يعقوب الوارجلاني، أو الشرح كالمشايخ أبي ستة والثميني والسالمي وصالح لعلي، فضلا عن الدراسات المعاصرة([44]).
  • أن العمل الفقهي استفاد كثيراً من الومضات التي انبثق ضياؤها من المسند فأنار لعلماء المذهب الطريق، ولعله هو العامل الأكبر في اتحاد كلمة علماء المذهب في منع القنوت في الصلاة، ووجوب الوصية، ومنع الإصباح على جنابة للصائم وهكذا.
  • أن الركيزة الإباضية العقدية بنيت على أرضية صلبة، فلم تزعزع الرياح شامخ بنيانها، والذي يبدو لي أن زوائد المسند شكلت الجدار الواقي دون تسرب أفكار أخرى.

ثانياً: بين المسند والعمل:

يميل بعض الباحثين إلى القول بأن المسند بني على العمل الفقهي الذي سلكه علماء الإباضية آنذاك حتى أن المراسيل والبلاغات جاءت تحقيقاً لذلك الغرض([45])، وثمة اتجاه شبيه بسابقه وهو أن الروايات جاءت تبعاً لفكر مستقر في النفس([46]).

والذي يبدو للباحث أن إطلاق القول بذلك مشكل، فالربيع ذاته لم ينص على هذا في مسنده ولا في غيره حسب علمي، والأمر يتطلب تتبعاً دقيقاً للمسند وغيره من آثار الربيع حتى تتجلى لنا شروطه في روايته([47]).

وإذا أمعنا النظر في بعض الأمور دفعتنا إلى إنكار هذا القول، وإليك بعضها:

1.    أن بعض ألفاظ الإمامين تجانب هذا التصور، فنجد أبا عبيدة يقرر: “أن النجاة فيما جاء عن الله وعن رسوله، والهلاك فيما خالفهما، ولا يكون مستقيماً إلا من وافقهما”([48])، وقوله في من لا يؤخذ منهم العلم: “ولا مِمَّن يعزز مذهبه على مذهب غيره”، فهو ينتقد من يعزز مذهبه فكيف يحاكم به ما صح عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وغير ذلك من ألفاظهما الدالة على ما قلناه، وهي وإن لم تكن صريحة لكن يمكن انتزاع القول منها.

2.    أن كثيراً من أحاديث المسند تباين العمل الفقهي في المذهب، وبعضها صرح الإمامان جميعاً أو أحدهما بتقييدها أو بتقديم دليل آخر عليها: فأبو عبيدة خالف ظاهر حديث استخدام المنديل وخيار المجلس وعلق على الروايتين مباشرة، ومواضع أخرى لم يصرح برأيه في المسند كالتيمم بضربة والحيازة عشرين عاماً وأكثر الحيض، وإباحة أكل السباع حسب نسبة ابن بركة–والله أعلم بصحة النسبة-، والربيع قيد إمامة الفاجر بعدم الإفساد فضلاً عن نقله لتعليقات شيخه بلا نقد، وهكذا خيار المجلس([49])، وعدم وجوب الغسل من احتلام المرأة عندهما، وهما مرجعا الإباضية آنذاك، وبقلمهما خطت كلماته، ومثل ذلك يقال في البلاغات وغيرها؛ إذ أنها ليست أثبت أركاناً من المتصل، مع مخالفة العمل لبعضها.

3.   لا أظن الإمامين الجليلين يقبلان بتبادل الأدوار، حيث يجعل العمل أصلاً، ويبحث بعد ذلك عن حديث يسانده، ويهمل الحديث الثابت بشروطه لأنه لم يسعد بمسايرة في ركب العمل، وهذا لا ينفي أثر العمل في توجيه الاجتهاد؛ إذ هو رافد يسقي –بشروط- الفهم، وقد يكشف زيف بعض الروايات.

4.   للعمل في المذهب الإباضي طبيعته الخاصة، إذ هو مرتبط بشكل قوي بالاجتهاد وما ذكرناه في الاجتهاد يصدق بشكل أو بآخر على العمل، وكلاهما بحاجة إلى دراسة دقيقة، أما سياسة الإقحام بأن ننقل ما ذكره علماء المذاهب الأخرى فنحن نذيب بذلك تلك الخاصية.

ولا يقال بأن أبا عبيدة يقول: “كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه فهو في ضلال، ولولا أن من الله علينا بجابر لضللنا”([50]) قلت سيتجلى بإذن الله مدلول كلامه في القضية التالية.

وهذه العلاقة تجلت عند علماء المذهب أيضاً، فمن ذلك ما صرح به المحققون منهم من وجوب الاعتصام بالدليل، فهو الملاذ والمرجع وإليه المحتكم، ورجع العمل إليه، وهذا ما سبقت الإشارة إليه في عند كلامنا على الاجتهاد، وهنا اكتفي بنقل شاهد بسيط عن الإمام الخليلي رحمه الله حيث قال: “وإن صح الحديث فالعمل عليه، وقول بخلاف الحديث يضرب به عرض الحائط”([51])، وفي المقام نصوص كثيرة ذكر بعضها الشيخ القنوبي في طوفانه([52]).

ثالثاً: بين الفقه والحديث:

بما أن الإمامين جمعا بين البعد الحديثي والفقهي لا شك أنهما يفكران بعقلية تمزج بينهما، إذ نستبعد أن يجمعا بين عقليتين ازدواجيتين تبصر الأولى قضايا الحديث فقط، والأخرى لا تعنى إلا بالفقه، وما ذكرناه من الربط هو الذي دفع أبا عبيدة إلى ذلك القول السابق، وذلك لأن كثيراً من المحدثين ينقلون حديث النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقصارى همهم النظر في سنده ولفظه دون التحليق إلى معناه، مع أن غاية الحديث تكمن في استحالته عملاً يسايره المؤمن.

 وعندما يضطر صاحب الحديث إلى العمل وهو لا يجد الربان الماهر المبصر تكون نهايته الغرق المحتم، لأنه لا يميز بين ناسخ ومنسوخ، وعام وخاص، ومطلق ومقيد، وما إلى ذلك من محامل الكلام، فهنا جاء كلام أبي عبيدة ليبصر السالك في درب الحديث أن لا يكتفي بمبتغاه من الحديث دون مرشد يغوص به في تلك الأعماق.

وهذا تزاوج نتج ذرية من المسائل المتناسقة نجمل بعضها في الآتي:

  • دفعهم الفقه إلى الاحتياط في الرواية، فلا تقبل الروايات التي تخالف روايات الأعلم، أو الألصق بالحدث، أو الأكثر، وبذلك حوكمت بعض الأحاديث.
  • الاحتياط في السند، فلا يؤحذ العلم من: “رجل مبتدع يدعو إلى بدعته، ولا سفيه يدعو إلى سفهه، ولا من يكذب، وإن كان يصدق في فتواه، ولا مِمَّن يعزز مذهبه عن مذهب غيره”([53])، ولا يفهم من ذلك نفي الرواية عن غير الإباضية، فقد كان للربيع شيوخ من غير الإباضية كمجاهد وابن سيرين وعطاء([54]).
  • بيان المراد بالحديث مباشرة في كثير من الأحيان بشرح غامض أو ببيان قيد، إذ غايته الفهم لا مجرد الحفظ، وعليهما يقوم صرح العمل.

وللجانب الحديثي أثره الذي لا يخفى في الفقه، إذ هو الموجه الخلفي لكثير من الأقوال، وقد يفهم ذلك مما سنذكره في الأثر الفقهي، لكن نشير إلى أن التحذير من الإفراط في القياس والرأي كان بسبب النظرة الحديثيَّة، فلذا كان الموقف لصالحها على حساب القياس.

على أن الفكر الوقائي والنظرة الحديثيَّة شقت طريقها إلى أفكار الإباضية، نعم لم يتفقوا على مضمون الكلام فنجد خلافاً بين الإباضية مثلاً في التحديث عن المبتدعة([55]).

 

المحور الثاني:

الأثر الأصول والفقه

يغلب الطابع الفقهي على مؤلفات الإباضية، وتعد الثروة الفقهية درراً تتطلب شق الصدف منها([56])، ولذا ليس بمستغرب أن يبلغ تأثير أبي عبيدة والربيع هنا الذروة، ويتبوآ المكانة السامقة.

أولاً: الأصول:

الأصول هي المحرك القوي للعملية الفقهية، فإن ثبت الأصل وصح بلغ الفرع “الفقه” عنان السماء، فلذا لا بد من إجالة النظر في الأصل لا لتقويم الأصل فقط، بل لتقويمه وتقويم الفرع أيضاً، ولذا قال العلامة الشماخي: “ولأن من لم يتحكم في الأصول قلما تتحصل عنده الفصول، كما قال بعضهم: إنما منعهم من الوصول تضييع الأصول”([57]).

والذي يمعن النظر في كلام الإمامين أو أحدهما في تعليقاتهما على المسند أو في رسالة أبي عبيدة في الزكاة أو في مسائله (لم يتسن لي الاطِّلاع عليها مباشرة، وإنما رأيت بعض النقولات عنها) أو في آثار الربيع أو فيما نقل عنهما في المدونة وغيرها يجد أن الإمامين لا يختلفان عن غيرهما من علماء المسلمين في تشخيص الأصول الثابتة كحجية الكتاب والسنة وما إلى ذلك، وإنما لهما آراؤهما الخاصة في بعض تفصيلات الأصول.

وقد تناول الدكتور الراشدي الإمام أبا عبيدة فذكر عنه أنه يأخذ – إضافة إلى الكتاب والسنة – بالإجماع والقياس والمصلحة المرسلة والاستصحاب وسد الذرائع([58]).

ومن نظر إلى فتاوى الإمام الربيع لا أظنه يجد ما يخالف ذلك: فالإجماع يفهم من بعض إشارات المسند، إضافة إلى ما صرحت به الآثار في حد شارب الخمر ثمانين([59]) بالإضافة إلى المسائل الأخرى.

وتفصيل آرائهما في المسائل التبعية يطول فلذا نطوي الكلام عنه، وذلك كحجية المفهوم المخالف وقول الصحابي وما إلى ذلك، وفي بعض كلامهما ومضات تنير الدرب لكشف حقيقة رأيهما، وتلك الآراء تأثر بها كثير من أهل المذهب في الجملة، ومن يتتبع أصول الإمامين ثم يمعن النظر فيما قاله الدكتور باجو حول الاجتهاد عند الإباضية يجد تشابهاً ملموساً([60])، ولعل أكبر أثر ما أشرنا إليه في النظرة الاجتهادية، لكن نحلق عن ذلك كله لنصل إلى رأي أبي عبيدة تحديداً في القياس.

رأي أبي عبيدة في القياس:

يشكك بعض الباحثين في اعتبار أبي عبيدة للقياس واعتمادهم في ذلك على بعض عبارات أبي عبيدة نفسه، فمن ذلك قوله عندما أخبر أن أهل عمان يقيسون: “لم يسلموا من الدماء والفروج”([61])، وغير ذلك من عباراته، والذي يتجه إليه الباحث أن أبا عبيدة يقول بالقياس، وذلك لعدة مبررات:

1.         كثرة الشواهد المعتمدة على القياس بأنواعه في المسند أو على الرأي في رسالته في الزكاة فضلاً عن الكتب التي نقلت فتاواه، وشملت قياس العلة والشبه ونفي الفارق، بل طرق أبواب العبادات، والتمثيل لذلك يطول([62])، نعم توجد ثمة صور رفض فيها القياس، وذلك بسبب أن في المسألة دليلاً أرجح أو لكون القياس فاسد الاعتبار أو أن القياس لم تتوفر شروطه، وبعض الأمثلة لأن القياس جرى فيما خالف فيه القياس([63])، وهو بذلك يوافق قاعدة أصولية وهي: “ما خالف القياس فغيره عليه لا يقاس”.

2.  ينقل بعض صور القياس عمن تقدمه من غير إنكار، ومن المعلوم بأنه يقيد إطلاق بعض الأحاديث، فلا شك أنه لو خالف رأيه لبينه.

إذن ما المراد بتلك الهجمة الشرسة على القياس؟ الذي يتجه لي أن الإمام أبا عبيدة لم يكن إمام مصطلح مؤطر بشروطه التي عليها الآن، وإنما يتكلم بالسليقة، ومن المعلوم بأن من الخطأ البين محاكمة المتقدمين بألفاظ المتأخرين، وقد هاجم كثير من أجلة الصحابة والتابعين الرأي مطلقاً سواءً في تفسير القرآن أو في غيره، وهم يقصدون – فيما يظهر – الرأي النابذ لكتاب الله وسنة رسوله e خلف ظهره، المتحرر من جاذبية الدليل، مع أنهم يصرحون به في موضع آخر، وهكذا يقال في القياس([64])، فتحمل ألفاظ أبي عبيدة نفس المحمل الذي حملت عليه ألفاظ الآخرين، إذ تنبع من المعين ذاته وتصب في مصبه.

على أن الناظر في تلك الفترة الحرجة على المستوى الإسلامي العام يجده يعج بالإفراط من بعض الناس في استعمال القياس، كما أن النطاق الإباضي تطاير إلى بعض أفراده كابن عبد العزيز وأبي المؤرج غبار الإفراط– في نظر أبي عبيدة – فلا بد أن يشكل السياج الواقي حذراً من تسرب العدوى.

وقد انعكس هذا الأثر على علماء المذهب فيعملون بالقياس بلا إفراط، فالإمام السالمي رحمه الله يقول في جوهره:

        ثُمَّ القياس بعضــه صــحــيـــح     وبعضه مـســتـنـكــــــر قـبـــيـــح

        فالأول القيـاس فــي الــفــروع     والثاني في الأصول والـمشروع

        من ثم قال فيه بحر الــعــــلــــم    مقالة راقت لأهــــل الـــفــهـــم

        من حمل الدين على الـقـياس       لم يزل الدهر أخا الــتـــباس([65])

والتطبيقات الفقهية في ذلك كثيرة جداً فلا نطيل المقام بالتمثيل.

ثانياً: الفقه:

يغلب الطابع الفقهي على المؤلفات الإسلامية، وهو الغالب على المدرسة الإباضية، وليس ذلك بغريب؛ لأنه بالفقه يسير المجتمع، وعليه فلا غرو أن يكون أثر الإمامين فيه أجلى وأوضح، ولا نريد أن نطيل في توضيح الواضحات، وإنما نقتصر على مثال في غاية الخطورة، وهو أن الإمام السالمي -رحمه الله- أمر بضرب رقبة الإمام سالم بن راشد حينما امتنع عن البيعة معتمداً على قصة أبي عبيدة مع الإمام أبي الخطاب المعافري؛ لأنه لو أصر على الرفض لكان قد خذل المسلمين في وقت هم في أمس الحاجة إلى موافقتهم لدفع المفاسد([66]).

وهذا التأثير يتجلى في كثر من المسائل إما بالمتابعة في القول، وإما بالتفريع عليه، وإما بالاستدلال له أو مناقشته وما إلى ذلك([67])، وبعض المسائل مال جمهور العمانيين إلى خلاف الإمامين في التصريح بتحريم الموطوءة في الحيض على زوجها، حتى قال العلامة البسيوي: “وأكثر الفقهاء من أهل عمان على حكم تحريمها على زوجها”([68]) كما سيأتي بإذن الله في الفصل المقبل.

وثمة مسائل انفرد بها أبو عبيدة ذكرها الدكتور الراشدي([69])، لكن الأغرب ليس في مخالفة الأكثر، وإنما الإشكال في حكاية بعض أهل المذهب الاتفاق مع خلاف الإمامين، وذلك كحكم المساقاة، إذ ذهب أبو عبيدة والربيع وغيرهما إلى منعها، ومال الجمهور إلى الجواز، وحكى بعض علماء المذهب الاتفاق على الجواز([70]).

 

الفصل الثالث:

أثر الإمامين في أخلاق الفتوى عند العمانييـن 

بعد عرض أثر الإمامين على المسيرة العلمية بتعدد أطيافها، نعود إلى بيت القصيد، ونلقي به عصا الترحال، فنقول: بأن ما صدق على المسيرة العلمية ينسحب بصورة مباشرة على الفتوى؛ لأنها لا تنفك عن الموجهات العلمية المشتركة بينها وبين سائر المعارف، إذ لا يورق غصن فسد أصله، أو نضب ماؤه.

والفتوى مفردة من علم الفقه في الغالب، فهي كما يعرفها الإمام السالمي: “تبيين العالم للحكم”([71])، قلت وهذا التعريف سكت عن جوانب مهمة في مراحل الفتوى فطوى ذكر السائل وأحجم عن ذكر الواقع للعلم بهما – السائل والواقع-، ولعل ذكرهما أولى لأن آية ما يميز المفتي من الفقيه، هو السائل والواقعة.

ولصعوبة تشخيص الواقع في كثير من الأحيان يتطلب الأمر مهارة في المفتي، وقد لا توجد في كثير من الفقهاء، مهارة اجتماعية تؤلف السائل ولا تنفره، مع يقظة في معرفة ملابسات الحادثة، فلذا لا بد فيها من امتزاج علوم متعددة فقهية واجتماعية وواقعية.

 وقد كان للإمامين أثرهما البالغ في تسيير دفتي الفتوى بمهارة مع اشتداد أعاصير الفتن وارتفاع أمواجها العاتية، فكانت تفد إليهم الأسئلة من شرق البلاد وغربها، إذ وفدت أسئلة من المغرب وخراسان واليمن والحجاز مع بعد الشقة وصعوبة الطريق آنذاك([72])، فضلا عن الأماكن القريبة، وفي ذلك يقول أبو المؤرج عن شيخه أبي عبيدة: “..وورد جوابهم عن أبي عبيدة في جميع أفاق الأرض وأقطارها”([73])بل كان الإمامان يبادران إلى السائلين في موسم الحج فلا بد من حضور أحدهما أو مندوب عنه، فلذا تحول عطاؤهما من النطاق المحلي إلى النطاق العالمي، إذ يستقبلان في الحج –فضلاً عن غيره- من مختلف الأقطار التي يقطنها الإباضية آنذاك، وهي كثيرة.

والمراس التطبيقي في الفتوى صقل مواهبهما الفطرية والعلمية واستمد منهجهما الإفتائي الشيء الكثير منه، فلذا صبغ منهجهما بصبغة مميزة خصوصاً أن الأسئلة الواردة متعددة الأطياف: فمنها السياسي، ومنها الاقتصادي والاجتماعي والعقدي، فضلاً عن أسئلة العبادات:

نوجز أهم محاور الفصل في المحاور الآتية:

المحور الأول: الاحتياط في الفتوى.

المحور الثاني: الفتوى وتحقيق المناط.

المحور الثالث: الفتوى والتربية.

 

المحور الأَوَّل:

الاحتياط في الفتوى

ورد عن الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله e: «من أفتى مسألة أو فسر رؤيا بغير علم، كان كمن وقع من السماء إلى الأرض فصادف بئراً لا قعر لها، ولو أنه أصاب الْـحَقّ»([74]).

وانعكس أثر ذلك عليهما فنجد الاحتياط سمة بارزة تحول دون انزلاقهما في المهاوي، فعندما تناول أبو عبيدة الأقوال الواردة في الأحرف السبعة أتبع ذلك قوله: “والله أعلم بحقيقة التفسير”([75]).

ونجد التوجس حتى من استخدام الدلائل التي تكتنفها بعض المخاطر، فعندما أخبر أبو عبيدة أن أهل عمان يفتون بالقياس – مع عمله بالقياس في الجملة – قال: “لم يسلموا من الدماء والفروج”([76]) وهو بذلك يمتثل النصيحة التي قدمها الصحابي الجليل عبد الله بن عمر لشيخه جابر بن زيد حينما قال: “يا جابر: إنك من فقهاء البصرة وإنك تستفتى، فلا تفتين إِلاَّ بقرآن ناطق، أو سنة ماضية، فإن لم تفعل هلكت وأهلكت”([77]).

والاحتياط في الأدلة لم يشمل “سد الذرائع” –نعم لا بد من مراعاة الشروط-، إذ كان الاستخدام لها جلياً، فنسمع أبا عبيدة يقول: إنها الفروج يا أبا نوح”.

وهذا الاحتياط دفع الإمام أبا عبيدة إلى منع أبي داود القبلي – وهو من حملة العلم الكبار إلى بلاد المغرب – أن يفتي لا بما سمع ولا بما لم يسمع([78])، وهذا الاحتياط في الفتوى لعظم خطرها، لكنه لا يمنع غير المتضلع في العلوم من تبصير الناس بأمور دينهم، فعندما سئل عن الذي لا يحفظ أحاديث النَّبِيّ e: أثقة هو؟ وهل بإمكانه أن يدرس العلم؟ أجاب: “سبحان الله!! أكل الناس يحفظون الحديث؟ بل يؤخذ العلم عن الثقات، وإن كانوا لا يحفظون حديثاً واحداً”([79])، وجوز رواية الحديث بالمعنى لمن يتسنى له ضبط المعاني، ودرك أغوارها، بخلاف من يتعسر عليه فهمها.

كما أنهما يتوقفان إن تزاحمت الأدلة في أذهانهما، ويشق عليهما حسم المسألة، ومنه توقفهما في الحكم بقاء نكاح من وطئ زوجته حال الحيض أو فساده([80]).

وذلك أن الفتوى أصعب شأناً، أما التعليم فـ«رب حامل فقه ليس بفقيه»، و«رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»، بيد أن الانقطاع الدائم للتعليم أو الدعوة من غير وجود معين يستفتى منه يشكل خطراً على المعلم أو الداعية؛ لأن وجود المعين الصافي “الفقيه” يعد صمام الأمان وسترة النجاة لغير الفقيه، وإن تسربل بسربال الدعوة أو التعليم، والمعيار حدده الله في قوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي([81])، وقوله جل شأنه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ([82]). 

ولأجل الاحتياط كان الإمام الربيع يجمع أحياناً بعض العلماء لمناقشة بعض القضايا معاً، ولعله يريد الخروج بجواب محدد، فقد جاءه سؤال فأمر بجمع أصحابه: فجاء ابن عبد العزيز وشعيب بن معروف وآخرون مِمَّن تسنى لهم الحضور([83])، وقريب من ذلك عرض السؤال على أكثر من عالم، كما عرض على الإمام الربيع وابن عباد في قضية حج الإمام عبد الوهاب الرستمي([84]).

وقد انعكس هذا الاحتياط على أتباعهما فنجد التثبت في قبول أحاديث النبي e من الإمام الربيع والعلامة ابن عبد العزيز زمن الإمام ابن بركة وغيرهم من فحول العلماء.

واشترط جماعة من أهل العلم في الفتوى بلوغ درجة الاجتهاد، ولهذا اختلفوا في الضعيف هل يسوغ له أن يجيب على مسألة بعد أن قلد فيها عالما أو يمنع منها مطلقا أو يفصل بين حال وجوده وعدمه([85])، وبغض النظر عن الراجح من الأقوال إلا أن ذلك يتضمن احتياطا في الفتوى.

بالإضافة إلى أن بعض الفقهاء أمر الفقيه إن اكتنف المسألة ضباب حال دون إدراكه للراجح من الأقوال بأن عليه أن يناظر فقيهاً أرسخ علماً لتنجلي عنه الغمة، وهو وإن استبعده المحقق الخليلي رضيه الإمام السالمي([86]) عليهما الرحمة والرضوان.

وهذا الاحتياط يتجلى في المصنفات الفقهية كثيراً، فنجد في مدونة أبي غانم مثلا الفرز الدقيق بين مصطلحات التحديث فنجده يقول: “سألت أبا المؤرج وابن عبد العزيز، وأخبرني من سأل الربيع”([87]).

والاحتياط بالتوثق في عبارات الحكاية والتحديث واضحة المعالم عن العلامة أبي سعيد الكدمي رحمة الله عليه، فهو يبين التخريجات حتى لا يتصورها القارئ أقوالاً مصرحاً بها في كتب المتقدمين، وبالإضافة إلى الفرز بين الأقوال والتخريجات نجده يحتاط لكثير من التقييدات كقوله: “وكذلك عندي إذا ثبت معنى فرج الثيب أنه لا غسل عليها فيه فاحتشت احتشاء لا يظهر إلى ظاهر الفرج، ليمسك عنها ما تخاف إفساده عليها، من وضوئها أو ثيابها أو ظاهر يدها…، وأما البكر فلا يبين لي من أمرها، إلا أنها في ذلك مثل احتشاء الرجل في ذكره، ولا يبين لي في ذلك اختلاف”([88])، وهذه الألفاظ كثيرة التكرار في كتبه.

ودار الإمام الحضرمي – وهو وإن لم يكن عمانياً لكن غالب اعتماده الفقهي على أئمة عمان – في الفلك ذاته، فنجده يصرح بما قاله تخريجاً، وما استنبطه قياساً، فقد يصرح بعد المسألة مباشرة بعبارة “قلته قياساً”([89])، وأحياناً يصرح بأنه لم يجد أثراً لأصحابنا في ذلك([90]) وأحياناً يعنون الباب بذلك “باب: من لا تجوز ولايته تخريجاً”([91]) و”باب: ذكر بين أحكام أهل الشرك تخريجاً”([92])، وأحياناً يجمع الباب بين الأثر والتخريج “باب: العيوب التي في الرجل من أثر أو تخريج”([93]).

ونجد التوقف سمة بارزة عند كثير من العلماء عند تعارض الأدلة فما حكيناه عن الإمامين الجليلين قد عض عليه علماؤنا بالنواجذ، فنجد الإمام ابن بركه كثيراً ما يحكي الخلاف ويحجم عن الترجيح فنجده يقول: “والله أعلم بالأعدل من القولين”([94])و”ينظر في هذا القول”([95])، وما ضاهى ذلك من الألفاظ، وتوقف سليمان بن عثمان ومحبوب([96]) وغيرهما في بعض المسائل، ومن مشايخ عصرنا يكثر الشيخ حمود الصوافي التوقف حذراً من مزلة الأقدام.

وما نقلناه عن الإمام الربيع – وهو موجود في عهد أبي عبيدة لوجود المجالس ووجود المناقشات – من الجواب الجماعي أو عرض السؤال على أكثر من عالم نقش في الذاكرة الإباضية، فنجد بعض الكتب تمالأت الجهود على تأليفها، ولعل الإباضية أحرزوا قصبات السبق في هذا المضمار، وذلك ككتاب “الأشياخ” الذين كانوا مرابطين بحصن دما (السيب) لصد الغزو البحري أيام الإمام غسان بن عبد الله (192-207هـ)([97])، وعلماء المغرب نالوا حظاً مضاهياً لذلك، فنجد “ديوان العزابة” و”ديوان المشايخ” وهكذا.

والاشتراك في الفتوى أصبح سمة بارزة في المذهب في بعض عهوده، إذ الفتوى تتطلب الغربلة والمحاكمة؛ لأن العالم – وإن قويت ملكته – هو قليل بنفسه كثير بأخيه، وفي ذلك يقول العلامة الخراسيني: “وينبغي للمفتي إذا قرأ الرقعة المكتوب فيها أن يشاور في الجواب من بحضرته مِمَّن يصلح لذلك، أو يقرؤها عليهم، فإن ذلك إقتداء بالسلف”([98]).

وطبق العلماء ذلك عملياً قبل القراءة وبعدها، إذ كثيراً ما يعرض الجواب على جماعة من أهل العلم للتأييد أو النقد، فنجد تعليقاً قيماً للشيخ سعيد الكندي على فتوى للإمام السالمي، وبعده تعليق آخر للعلامة صالح الحارثي([99])، وثمة تعليق للإمام السالمي على الشيخ أحمد بن سعيد الخليلي رضوان الله عليهم جميعاً([100])، والأكثر من ذلك أن الإمام قد يجمع أهل العلم للخروج ببيان موحد شبيه ببيانات المؤتمرات الآن كبيان العلماء زمن الإمام محمَّد بن إسماعيل حول بيع الإقالة حيث اجتمعت كلمتهم على تحريمه([101]).

وفي عصرنا الحاضر نجد الخلف عاضين بالنواجذ على منهاج السلف، فثمة جواب للشيخ العبري علق عليه ستة من أهل العلم آخرهم شيخي الوالد([102])، وله تعليق على فتوى للشيخ سالم بن حمود السيابي، وآخر على فتوى للشيخ الخروصي، وثالث على فتوى للشيخ القنوبي – حفظهم الله جميعاً –وهكذا.

 

المحور الثاني:

 الفتوى وتحقيق المناط

عد كثير من أهل العلم معرفة الواقع شرطاً من شروط الاجتهاد لأن الحكم لا يكون معلقاً في السماء لا يجد أرضية لتطبيقه، ولهذا كان الصحابة ينظرون إلى الفاروق رضوان الله عليه نظرة إكبار، مع أن بعضهم يفوقونه في مقدار المرويَّات الحديثيَّة أو الأقوال في التفسير، لكنه امتاز بفقه يتسنى به صبغ الواقع بصبغة الله، فآتى علمه ثماره بحمد الله تعالى، ومن لا يتقن فقه الواقع كثيراً ما تفوته الأولويات فلا يحقق علمه مبتغاه.

والممارسة الطويلة للإمامين للسياسة والدعوة -مع علوم الشريعة- أكسبتهما عمقاً في درك الواقع، ومكنة من تحليله، وأعانت الأسئلة المتعددة من مشارق الأرض ومغاربها في كشف الواقع، مع الوفود التي تشرف بالوفادة إلى بيت الله الحرام تعكس الصورة التي تنطبع في الذهن عن واقع الحجاج وواقع بلدانهم، فلذا نجد الاكتشاف المبكر لكثير من وسائل المكر المغطاة: فلم تنطل على أبي عبيدة مثلاً حيلة قتل الحارث بن تليد وقاضيه عبد الجبار.

ومن أجل ذلك أحجم أبو عبيدة عن الإجابة على بعض الأسئلة عندما رأى لبساً في السؤال، فقد سأله رجل عن شيء لم يتضح له، فقال: فرج عني فإني مغموم، فرد أبو عبيدة: أنت أحق بغمك مني، يخلطون ثم يطلبون منا التصحيح”([103])

والإمام الربيع كان يعي الحال الذي تمر به بلاد المغرب، فلذا أجاب الإمام عبدالوهاب الرستمي بما أجابه من بعث غيره عنه لما يعرف من حاله وتعذر الحج عليه إلا بمفسدة أكبر، ألا وهي ذهاب روحه، وكان أيضا واعياً بما يقول عندما حكم بالبراءة مِمَّن شق عصا الطاعة ونبذ بيعة الإمام الشرعي “عبد الوهاب”.

وهذا الأمر بالغ الأهمية لأن كثيراً من الشر ينجم عن الخطأ فيه، ولهذا كان الإمامان يستشيران في بعض هذه الجوانب، ولهذا الأمر نجد بعض إجابات الإمام أبي عبيدة فيها إحالات على والي الأمر القائم عليه؛ لأنه يعي الواقع الذي يعيشه، وهو بذلك يدرك أن تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمنة من الأمور التي لا تنكر، فلذا منع من الزواج بغير أهل المذهب لظروف وقتية يقتضيها الواقع السياسي، مع جواز ذلك بلا إشكال في المذهب.

بل تباينت أراء أبي عبيدة نفسه بين حين وآخر، ولعل بعض تلك المسائل تغير رأيه فيها بسبب تغير الواقع والزمان والأحوال.

فإن قال قائل بأن الزعم باهتمام الإمامين بتحقيق المناط يناقض الواقع، إذ كانت تفد إليهما أسئلة من مختلف المناطق وكانا يسارعان إلى الجواب، ولا يتأتى لهما مع ذلك التأكد من حقيقة الواقع، قلت أما الأسئلة البسيطة وأسئلة العبادات فلا إشكال فيها؛ إذ تحقيق مناطها سهل، وأما الأسئلة الأخرى فنجدهما فيها يمعنان في تحقيقه، ولا أدل على ذلك من رسالة الزكاة لأبي عبيدة، لأن كثيراً من إجاباته فيها تضمنت إحالة إلى أهل الصلاح والعلم لاتخاذ الإجراء المناسب.

وقد تأثر الإباضية شرقاً وغرباً بذلك، فنجد التغير تبعاً لتغير المصالح، ولذا لا ينكرون تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال، وإليك نماذج سريعة.

  • قيام نظام العزابة بالمغرب، وهو مرتبط بمصالح يقتضيها واقعهم، ولم يلتزموا الطريقة القديمة في إدارة الشؤون الداخلية والخارجية، وإن كان هذا النظام لا يوجد بعمان لتباين الواقع.
  • تباين الحال في إقامة الجمعة، فأقيمت في عهد الإمام عزان بكل مكان نزل به الإمام، وآخرون أقاموها بنزوى، والإمام الخليلي أضاف جعلان.
  • تغير فتاوى الحج للصعوبة التي يمر بها الناس، فقل إلزام المستفتين بالدماء في الفتاوى المتأخرة.
  • تباين حجم الإجابة بين الإطناب والاختصار، والاستدلال وغيره مراعاة لحال السائل.

 

المحور الثالث:

الفتوى والتربية

لا تنفك الفتوى عن بعد تربوي جاء ليحقق تهذيب السلوك في نفس السائل، ولذا كانت فتاوى علماء الآخرة لها وجهان لعملة واحدة: وجه يطهر من أدران العقول بالعلم، ووجه ينقي من آفات القلب بالسلوك، فتأخذ الفتوى بحجز السائلين لتنقذهم من النار.

وهذا ما تجلى للإمامين، ثم تجلى فيهما، فنجد الإمام أبا عبيدة عندما وجهت له أسئلة من إخوانه بالمغرب أجاب عن بعضها، وأحجم عن بعض، وقال: “أتانا كتابكم بمسائل: فمنها ما رأيت أن أجيبكم فيها، ومنها ما رأيت ألا أجيبكم فيها، من غير هوان ولا تقصير، إلا الذي رأيته أصلح لجماعتكم، وأقوم لشأنكم، وأعطف لقلوبكم، وأجمع لأموركم”([104])، وذلك بناء على نظرة لمآلات الأمور، وأبو عبيدة مِمَّن أوتي حظاً وسعاً فيها.

 وذلك مستقى من كتب الله تعالى: فالله جل شأنه ترك الإجابة على بعض الأسئلة لعدم حاجة الناس إليها، أو لعدم تمكنهم من فهم أغوارها، يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي([105])، وأحياناً يصرف تعالى الجواب عن مجرى السؤال لتعم فائدته، فالله تعالى يقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ([106])، فأجاب تعالى عما هو أولى وأجدر بالاهتمام، وهذه من الصور التي لا يذم فيها من كتم علمه، لأن غاية التعليم تحقيق المنفعة لا نشر المفسدة، وإن لم تؤد الفتوى مقصودها فينبغي تركها فمن القواعد المقررة: “كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل” وهذه الصورة مستثناة من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ([107])، وما شابهها.

وهذا انطبع على أدب الفتوى عند العمانيين، فلذا لا يستحق السائل المتعنت الجواب عندهم، وطبق ذلك عملياً فيهمل بلا جواب، إذ قد تأتي الأسئلة فيرى العالم الجواب يحقق ضد مقصوده، وهذه لها صور متعددة نجمل بعضها فيما يلي:

  • أن يترك العالم جواب المسألة رأساً كما وقع لأبي عبيدة،وهو أشد المراتب، وقد يستند إلى قضية الروح في القرآن، والمقاصد وما إلى ذلك.
  • أن يتصرف في المسألة بصرف وجهها إلى جهة أخرى هي أنفع للسائل أو المجتمع، كالواقع في السؤال عن الأهلة وفي قوله تعالى: ﴿يسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ([108])، ووالدي حفظه الله تعالى يستخدمه.
  • أن يذكر الجواب محجماً عن بيان الراجح لمراعاة العمل حتى لا يقع الناس في حرج والتباس، خصوصاً عندما يكسو الأدلة ثوب إجمال، ووالدي يطوي ذكر الراجح أحياناً في عدد تكبيرات صلاة العيد حفاظاً على وحدة الكلمة ومراعاة لحال المصلين.
  • أن يجيب بذكر رخصة مع أنها تباين الراجح مراعاة لظرف السائل وحاله([109])، وذلك يقع كثيراً في مسائل الحج دفعاً للمشقة على الناس، وعملاً بالحنيفية السهلة، وأحياناً تكون لأجل تحقيق مصلحة دعوية كالترخيص في بعض الرسومات التي تُمنع في الأصل من أجل تعليم الناشئة.
  • أن يشير إلى غيره من أهل العلم أن يتولى زمام المبادرة بالجواب، لعل جوابه يحقق المنفعة الأعم، وكثيراً ما أمرني الشيخ الصوافي بعرض بعض المسائل على والدي -حفظهما الله-.

وهذه المسألة مرتبطة في الواقع بقضية تحقيق المناط السابق ذكرها، لأنه بمعرفته أولاً بالواقع تسنى له أن يستنتج الآثار السلبية للفتوى.

سعة الصدر والخلق مع السائل:

سعة الصدر وتحمل الناس من الأخلاق التي يندر التحلي بها عند مجابهة الشدائد من الناس، فلذا يستصعبها من يلاقي العنت من المحتاجين أياً كانت الحاجة، وهي سهلة على البعيد عنهم، ونظرياتها المعلقة بالسحب أقرب منالاً من واقعيتها الضاربة في جذور الأرض، ومن هنا نفهم وصف الله تعالى لنبيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ([110])، وقوله جل شأنه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُم([111])، وغير ذلك من الآيات والأحاديث الناصة على مكانة الخلق والحلم في الإسلام وحسن التعامل.

ولئن كانت الخُلق حلية الرجال فأولى الناس بها أهل العلم، لأنهم ورثة الأنبياء في العلم وفي العمل به، والإمامان لم يفتهما درك هذا الأمر البدهي، فاستحالت أخلاقهم ألسناً ناطقة بمآثرهم، مع ما يتحلون به -خصوصاً أبا عبيدة- من الشدة، لكن نفوسهم أسلست قيادها للخلق، وذلك يتجلى من خلال الآتي:

  • المسارعة إلى الإجابة عن الأسئلة، فأبو عبيدة كانت الأعمال تتناهشه، لكنه فرغ نفسه للإجابة عن الأسئلة التي أتته من المغرب مع تعددها، والربيع عندما سمع سائلاً ينادي في الطواف يا معاشر الفقهاء…فقال له الربيع: إليَّ يا صاحب المسألة..فأجابه عن مسألته([112]).
  • تحمل كثرة الأسئلة الواردة، كما وقع للإمام أبي عبيدة مع تلميذه إسماعيل بن درار([113])، إذ عرض عليه ثلاثمائة مسألة وشيخه فاتح قلبه لاستقبالها.
  • أن المبادرة منهما للسائل حتى لا يتجشم عناء السفر إليهما، فكانا يسافران إلى مكة للحج، وفيها يتلقيان الأسئلة مِمَّن عنَّ له إشكال.
  • التلطف بالسائل، فأبو عبيدة يقدم لسائله بدعاء طويل كما في رسالة الزكاة، ومثل ذلك عن الربيع فنجده يلاطف سائله بقوله: “يا أخا خراسان”([114])، وهذا لا يمنع وجود الشدة منهما أحياناً.
  • قبول الخلاف مادامت المسألة في حدود الرأي، فلهذا اختلف أبو عبيدة والربيع في بعض المسائل، والإحالة إلى الغير فقد أحال أبو عبيدة سائلاً له إلى الربيع للتأكد، فخالفه الربيع، فأشار على السائل بأن يأخذ كلام الربيع دون كلامه([115]).
  • شعور المفتي بأنه يقوم بواجب مقدس، فلا يمتن بجوابه، فهو كالمزكي الذي لا يصح أن يشعر بامتنان على السائل.
  • مراعاة حال السائل فلا يطيل المجيب إن كان السائل لا يستوعب، ويبين الأدلة إن كان السائل من طلبة العلم، وهذا من تحقيق المناط أيضا.
  • تقديم النصح في ضمن الجواب لينتفع به السائل([116]).
  • مراعاة السائل نفسياً، بذكر بعض الكلمات المحببة إليه، كما سبق أن ذكرنا عبارة الربيع: “يا أخا خرسان”.

وهذه الأخلاق انسحبت تنظيراً وتطبيقاً –حسب المكنة- على كثير من أهل العلم، فنجد للعلماء نصوصاً تشابه ما قلناه بوجه أو آخر.

ونجد في التطبيق كثيراً من ذلك، فكثير من المؤلفات الفقهية ألفت بسبب سؤال، ولهذا الأمر ذاته نجد فتاوى الشيخ جاعد والمحقق الخليلي والإمام السالمي كثيرة جداً، ونجد أيضا النصح والثناء متخللاً مضامينها، كما في جواب المحقق الخليلي للشيخ الشماخي، ومنه جواب الإمام الخليلي للشيخ سفيان، إذ قال له من ضمن جوابه: “إلا أن هناك فارقاً دقيقاً وهو الذي تشير إليه يا سفيان، ولله أبوك”([117])، والنصائح يستخدمها شيخي الوالد في محاضراته وفتاواه.

الخاتمة:

بعد العرض السريع لأثر الإمامين أذكر أهم النتائج التي توصل إليها البحث والتي تخدم الموضوع، وهي ما يلي:

1. أن الإمام ابن بركة اطلع على مسند الإمام الربيع واستفاد منه.

  1. أن للإمامين بالغ الأثر في الحديث والأصول والفقه.
  2. أن المسند لم يأت أثراً عن العمل، بل استفاد العمل منه.
  3. أن الفتوى ضرورة تحتاج إلى رجال أكفاء يقومون بها على أتم وجوهها.
  4. للإمامين أثر على أخلاق الفتوى تتجلى في حسن مراعاة السائل وتوجيهه.

ونوصي كذلك بالكتابة حول قضايا طالما شكت الحرمان، ومنها ما يلي:

  1. العمل الفقهي في المذهب، مظاهره ودوره، وأثاره.
  2. الاجتهاد عن الإباضية مقارنة بالاجتهاد عند المذاهب الأخرى.

وهذا ما جادت به القريحة وخطه القلم فإن كان صواباً فمن الله وله الحمد والثناء عليه، وإن كان بخلاف ذلك فمن همزات لشياطين وخاطرات النفس، وأستغفر الله وأتوب إليه، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 المصادر والمراجع

  1. ابن القيم، محمَّد بن أبي بكر، أعلام الموقعين (بيروت: دار الجيل، ط1/1973م).
  2. ابن بركة، عبد الله بن محمَّد، جامع ابن بركة.
  3. ابن جني، أبو الفتح عثمان، الخصائص، تحقيق: محمَّد علي النجار، (المكتبة العلمية، د.ط، د.ت).
  4. ابن حزم، أبو محمَّد علي، الإحكام في أصول الأحكام (القاهرة: دار الحديث، ط1/1404هـ).
  5. ابن مداد، عبد الله، سيرة العلامة المحقق عبد الله بن مداد (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1984م، عدد 56).
  6. أبو خزر، يغلا بن زلتاف، الرد على جميع المخالفين.
  7. أبو عبيدة، مسلم بن أبي كريمة، رسالة الإمام أبي عبيدة في الزكاة، ضمن الراشدي، أبو عبيدة وفقهه.
  8. أبو عمار، عبد الكافي، الموجز، تحقيق عبد الرحمن عمارة (بيروت: دار الجيل، ط1/1410هـ 1990م
  9. باجو، مصطفى، منهج الاجتهاد عند الإباضية (سلطنة عمان: مكتبة الجيل الواعد، ط1/1426هـ 2005م).

10.  البسيوي، علي بن محمَّد، مختصر البسيوي (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة).

11. البطاشي، سيف بن حمود، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان، ط2/1416هـ 1995م).

12.  البهلاني، أبو مسلم ناصر، نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر (سلطنة عمان: مطبعة مسقط، ط1/1421هـ 2001م).

13.  البوسعيدي، صالح بن أحمد، رواية الحديث عند الإباضية (سلطنة عمان: الجيل الواعد، ط1/1420هـ 2000م).

14.  الجيطالي، إسماعيل، قواعد الإسلام، تصحيح بكلي عبد الرحمن (د.ب: مكتبة الاستقامة، ط2/1413هـ 1992م).

15.  الحارثي، سالم بن حمد، العقود الفضية.

16.  حسين، عبد الحميد، القواعد النحوية (مصر: مكتبة الإتحاد، ط2/1952م)، ص198.

17. الحضرمي، أبو إسحاق إبراهيم بن قيس، ديوان الإمام الحضرمي، تحقيق بدر اليحمدي (سلطنة عمان: المعالم، 1423هـ 2002م).

18. الحضرمي، أبو إسحاق إبراهيم بن قيس، مختصر الخصال (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1404هـ 1984م).

19.  الخرساني، أبو غانم، المدونة الصغرى (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1404هـ 1984م).

20.  الخروصي، كهلان، محاضرة بعنوان: ملامح المدرسة الإباضية“.

21.  الخروصي، كهلان، محاضرة بعنوان: “ملامح المدرسة الإباضية.

22.  الخليثلي، أفلح بن أحمد، المساقاة مشروعيتها وشروطها وأحكامها، (مطبعة النهضة).

23. الخليلي، أحمد بن حمد الخليلي، جواهر التفسير (سلطنة عمان: سلطنة عمان: مكتبة الاستقامة، د.ط، 1409هـ 1988م).

24.  الخليلي، أحمد بن حمد محاضرة بعنوان: “الشباب بين الواقع والطموح“.

25.  الخليلي، أحمد بن حمد، بيع الإقالة (مكتبة الجيل الواعد، ط1/2002م).

26.  الخليلي، أحمد بن حمد، فتاوى العبادات (سلطنة عمان: الأجيال، ط2/1421هـ 2002م).

27. الخليلي، أحمد بن سعيد، الطلع النضيد في أجوبة العلامة أحمد بن سعيد، تحقيق: محمَّد بن سالم (سلطنة عمان: الجيل الواعد، ط1/1427هـ 2006م).

28.  الخليلي، سعيد بن خلفان، تمهيد قواعد الإيمان (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، د.ط، 1407هـ 1986م).

29.  الخليلي، فتاوى النكاح.

30. الخليلي، محمَّد بن عبد الله، الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل، بإشراف عز الدين التنزخي (دمشق: المطبعة العمومية، 1385هـ 1965م).

31.  الدرجيني، طبقات المشايخ، حققه إبراهيم طلاي، (دون بيانات).

32.  الراشدي، مبارك، الإمام أبو عبيدة بن أبي كريمة التميمي وفقهه، (المنصورة: مطابع الوفا، ط1/1413هـ 1993م)،

33. الراشدي، مبارك، نشأة الفقه وتدوينه عبر العصور، ضمن “ندوة الفقه الإسلامي عام 1408″ (سلطنة عمان: وزارة العدل والأوقاف والشئون الإسلامية، ط1/1410هـ 1990م).

34.  الزرقاء، شرح القواعد الفقهية، (دمشق: دار القلم، ط2/1409 هـ1989م).

35.  السالمي، جوابات الإمام السالمي.

36.  السالمي، عبد الله بن حميد، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان (مكتبة الاستقامة، د.ط، د.ت).

37.  السالمي، عبد الله بن حميد، مشارق أنوار العقول.

38. السالمي، عبد الله، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، تعليق أبو إسحاق إطفيش (بيروت: دار الفاروق، 1410هـ 1989م). ابن غباش، حسين عبيد، عمان الديمقراطية الإسلامية.. (بيروت: دار الجديد، ط1/1997م)

39.  السالمي، عبدالله بن حميد، معارج الآمال (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1404هـ1983م).

40.  السعدي، فهد، حاشية على مسند الإمام الربيع (سلطنة عمان: مكتبة الأنفال، ط1/1427هـ 2006م).

41.  الشقصي، خميس بن سعيد، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة).

42.  الشماخي، أحمد بن سعيد، كتب السير (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1407هـ 1997م).

43.  الشماخي، عامر بن علي، الإيضاح، (دار الفتح، ط2).

44.  الشيباني، سلطان، ترجمة الربيع بن حبيب من خلال بيان الشرع، (مخطوط بخط مؤلفه).

45.  الصوافي، إبراهيم، مؤهلات الإفتاء في الإسلام وشروطه، بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي، الدورة السابعة عشر.

46. العدوي، خميس، قراءة في فقه المدرسة الأولى، مقدم لمهرجان بمناسبة مرور خمسمائة عام على الشيخ عمي سعيد بالجزائر “غرداية”.

47. العوتبي، سلمة بن مسلم، كتاب الأنساب، تحقيق: محمَّد إحسان النصّ (سلطنة عمان: مطبعة الألوان، ط4، 1427هـ 2006م).

48.  العوتبي، سلمة، الضياء، (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1415هـ 1995م).

49. القطب اطفيش، محمَّد بن يوسف، زيادات على المدونة الكبرى، (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1404هـ 1984م).

50.  القطب، اطفيش، محمَّد، تيسير التفسير، إبراهيم طلاي (غرداية: المطبعة العربية، 1423هـ 2002م).

51.  القنوبي، الإمام الربيع مكانته ومسنده، (سلطنة عمان: مطبعة الضامري، ط1/1416هـ 1995م).

52.  القنوبي، سعيد، الطوفان الجارف لكتائب البغي والعدوان (د.ب، د.م، ط1/1420هـ 2000م).

53.  الكدمي، أبو سعيد محمَّد بن سعيد، المعتبر (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1405هـ 1985م).

54. المسعودي، زهران، الإمام ابن بركة..ودوره في المدرسة الإباضية… (سلطنة عمان: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ط1/1421هـ 2000م).

55.  النامي، عمرو خليفة، دراسات عن الإباضية، ترجمة مخائيل خوري،…(بيروت: دار الغرب الإسلامي، ط1/2001م).

الوسياني، أبو الربيع سليمان بن عبد السلام، سير الوسياني، (مخطوطة مكتبة الشيخ صالح لعلي)


[1]) تناولت كثير من الدراسات شخصته، بيد أنها –في الغالب- ركزت على التكوين الفقهي العلمي دون العمق السياسي ولا الفكر الدعوي، مع أنهما – أي البعدين السياسي والدعوي- قد خطا بأناملهما كثيراً من أرائه الفقهية والفكرية، ومثال ذلك: قضية الحارث بن تليد، وقضية عبد الله بن الحسن وغيرها، ينظر: النامي، عمرو خليفة، دراسات عن الإباضية، ترجمة مخائيل خوري،…(بيروت: دار الغرب الإسلامي، ط1/2001م)، ص103 -104، ولكثرة جهوده الإصلاحية قال الشيخ بكلي: “وما أحراه أن يسمى “جندي الإسلام المجهول”. الجيطالي، إسماعيل، قواعد الإسلام، تصحيح بكلي عبد الرحمن (د.ب: مكتبة الاستقامة، ط2/1413هـ 1992م)،1/92 (التعليق)، وتنظر ترجمته بتوسع الراشدي، مبارك، الإمام أبو عبيدة بن أبي كريمة التميمي وفقهه، (المنصورة: مطابع الوفا، ط1/1413هـ 1993م)، محاضرات لشيخي الوالد، الخليلي، أحمد بن حمد منها: “الشباب بين الواقع والطموح”، القنوبي، الإمام الربيع مكانته ومسنده، (سلطنة عمان: مطبعة الضامري، ط1/1416هـ 1995م)، ص29.

[2]) الشماخي، أحمد بن سعيد، كتب السير (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1407هـ 1997م)، 1/78.

[3]) الدرجيني، طبقات المشائخ، حققه إبراهيم طلاي، (دون بيانات)، 2/276، الشماخي، كتاب السير، 1/96، النامي، دراسات عن الإباضية، ص107.

[4]) النامي، دراسات عن الإباضية، 132، القنوبي، الإمام الربيع مكانته ومسنده ص38، البوسعيدي، صالح بن أحمد، رواية الحديث عند الإباضية (سلطنة عمان: الجيل الواعد، ط1/1420هـ 2000م)، ص56.

[5]) يذكر ذلك القطب اطفيش، محمد بن يوسف، زيادات على المدونة الكبرى، (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1404هـ 1984م)، 2/306، وينظر: له، تيسير التفسير، إبراهيم طلاي (غرداية: المطبعة العربية، 1423هـ 2002م)، ج15 ص466، وقال بذلك الشيخ القنوبي، ينظر: القنوبي، الإمام الربيع مكانته ومسنده، ص104، ولعله استقى معلومته تلك مما ذكره- السوفي نقلاً عن الشيخ يخلفتن بن أيوب عن أبي محمد- أن كتاب جابر كان بعده في عهدة أبي عبيدة ثم في عهدة الربيع فمحبوب فابنه محمد، ينظر: الوسياني، أبو الربيع سليمان بن عبد السلام، سير الوسياني، (مخطوطة مكتبة الشيخ صالح لعلي)، ص251، والذي يظهر أن ثمة فارقاً بين الكلامين، وسألت الباحث سلطان الشيباني فأفادني ببعض القرائن الدالة على ثبوت ما قاله القطب منها أن صاحب الضياء “العوتبي” عندما ينقل بعض أحاديث المسند يقدم عليها بقوله قال: محمد بن محبوب قال رسول الله..”. والمسألة تتطلب بحثاً عميقاً.

[6]) ينظر: البوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، ص55، الشيباني، سلطان، ترجمة الربيع بن حبيب من خلال بيان الشرع، (مخطوط بخط مؤلفه) ص2، السعدي، فهد، حاشية على مسند الإمام الربيع (سلطنة عمان: مكتبة الأنفال، ط1/1427هـ 2006م)، ص27.

[7]) تبلغ أقوال الربيع في مدونة أبي غانم (359) قولاً، بينما أقوال أبي عبيدة لا تتجاوز (137) فهي تربو على الثلث بقليل، ينظر: البوسعيدي، رواية الحديث، ص113، وبالنسبة لبقية الكتب سألت الباحثين إبراهيم الصوافي وفهد السعدي فأكدا لي ذلك، وتأكيد الأخير اعتماداً على فهرسة الأعلام ببيان الشرع.

[8]) البوسعيدي، رواية الحديث، ص95.

[9]) ينظر الخلاف، العوتبي، سلمة بن مسلم، كتاب الأنساب، تحقيق: محمد إحسان النص (سلطنة عمان: مطبعة الألوان، ط4، 1427هـ 2006م)، 2/784، الشيباني، ترجمة الإمام الربيع، ص4.

[10]) وهذا ما حذر الله تعالى منه في قوله جل وعلا: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ المائدة 8، فالعدل يشمل النواحي الفكرية، ومخالف هذا التوجيه يصدق عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم في آية المنافق ومنه: “إذا خاصم فجر” وتستثنى من ذلك الصور الاضطرارية.

[11]) ينظر: الحضرمي، أبو إسحاق إبراهيم بن قيس، ديوان الإمام الحضرمي، تحقيق بدر اليحمدي (سلطنة عمان: المعالم، 1423هـ 2002م)، ص428، الدرجيني، طبقات المشائخ، 2/273، الشماخي، كتاب السير، 1/95، السالمي، عبد الله بن حميد، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان (مكتبة الاستقامة، د.ط، د.ت)، ص86، الخليلي، أحمد بن حمد الخليلي، جواهر التفسير (سلطنة عمان: سلطنة عمان: مكتبة الاستقامة، د.ط، 1409هـ 1988م)، 3/288، القنوبي، الإمام الربيع، ص48، الشيباني، ترجمة الإمام الربيع..، ص2.

[12]) توجد بعض الدراسات المعاصرة التي تحاول أن تستل آثار كبار العلماء من خضم كتب الأثر، لصعوبة الوصول إلى فقههم إلا بجهد جهيد، وممن جمع آثار الربيع سليمان اليعربي، وتوجد عدة دراسات أخرى تقييمية..له ولأبي عبيدة.

[13]) ينظر على سبيل المثال: الخليلي، سعيد بن خلفان، تمهيد قواعد الإيمان (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، د.ط، 1407هـ 1986م)، 1/96، ص115، وص135.

[14]) الخليلي، التمهيد، 1/226

[15]) أبو عمار، عبد الكافي، الموجز، تحقيق عبد الرحمن عمارة (بيروت: دار الجيل، ط1/1410هـ 1990م)، 2/180، وتقدمه آخرون في هذا المضمار.

[16]) السالمي، عبدالله بن حميد، معارج الآمال (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1404هـ1983م)، 1/17.

[17]) ينظر الزرقاء، شرح القواعد الفقهية، (دمشق: دار القلم، ط2/1409 هـ1989م)، ص39، ص150، 153.

[18]) لا أعني أنه لا يمكن تغيير قناعاته ومحاكمتها بالدليل، لكن أقول بأن بعض الأشياء التي لم يتفرغ لبحثها بأدلتها يتسرب إليه فيها هذا التأثير.

[19]) حتى أن جامعه يطلق عليه لفظ الكتاب عند المشارقة غالباً، وقل أن يخلو كتاب من ذكره والنقل عنه: ينظر: المسعودي، زهران، الإمام ابن بركة ودوره في المدرسة الإباضية… (سلطنة عمان: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ط1/1421هـ 2000م)، ص57، 71-72.

[20]) ابن بركة، عبد الله بن محمد، جامع ابن بركة،..1/400.

[21]) ابن بركة، الجامع، 2/83، وينظر: السالمي، مشارق أنوار العقول، ص117.

[22]) ابن بركة، الجامع، 1/397، ونسب إلى أبي عبيدة قولاً يخالف الموجود في مدونة أبي غانم، ولعل لأبي عبيدة قوليين. ينظر: الخرساني، أبو غانم، المدونة الصغرى (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1404هـ-1984م)، 2/58.

[23]) رواه الإمام الربيع برقم 148.

[24]) ينظر: المسعودي، الإمام ابن بركة.، ص72 وما بعدها.

[25]) البهلاني، أبو مسلم ناصر، نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر (سلطنة عمان: مطبعة مسقط، ط1/1421هـ 2001م)، 2/15، ويؤيد كلامه ما سبقت الإشارة إليه فيما نسبه إلى أبي عبيدة بخصوص الحمر الأهلية، مع أن كلام أبي عبيدة بخلافه.

[26]) تتبعت في ذلك ما أورده الباحث فهد السعدي من التعليقات، ينظر: السعدي، حاشية على مسند الإمام الربيع بن حبيب، جميع البحث.

[27]) رواه الإمام الربيع برقم 577.

[28]) ابن بركة، الجامع، 1/19.

[29]) ابن بركة، الجامع، 1/19، وينظر، السعدي، حاشية على المسند، ص38.

[30]) ابن بركة، الجامع، 1/213، وينظر، السعدي، حاشية على المسند، ص35.

[31]) ابن بركة، الجامع، 1/253.

[32]) ابن بركة، الجامع، 1/145.

[33]) ينظر: ابن بركة، الجامع، 1/242 في معنى “الأرماث”، و1/286 في معنى “الوكاء”، و1/514 في معنى “الخداج”، و1/368 في معنى “زملوهم”، و2/326 في معنى “المزابنة”.

[34]) رواه الإمام الربيع برقم 259، ابن بركة، الجامع، 1/505-506،

[35]) ينظر المسند، برقم 342، ابن بركة، الجامع، 1/619.

[36]) ينظر: ابن جني، أبو الفتح عثمان، الخصائص، تحقيق: محمد علي النجار، (المكتبة العلمية، د.ط، د.ت)، 2/5، حسين، عبد الحميد، القواعد النحوية (مصر: مكتبة الإتحاد، ط2/1952م)، ص198.

[37]) ينظر بعض الأثر الكلامي: أبو خزر، يغلا بن زلتاف، الرد على جميع المخالفين، أبو عمار، الموجز،2/185، الراشدي، أبو عبيدة وفقهه، ص337.

[38]) كذا في الأصل، والصواب إضافة ألف بعدها.

[39]) ابن مداد، عبد الله، سيرة العلامة المحقق عبد الله بن مداد (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1984م، عدد 56)، ص18، الشقصي، خميس بن سعيد، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة)، 1/627.

[40]) تسمع محاضرة الخروصي، كهلان، ملامح المدرسة الإباضية.

[41]) الراشدي، مبارك، نشأة الفقه وتدوينه عبر العصور، ضمن “ندوة الفقه الإسلامي عام 1408″ (سلطنة عمان: وزارة العدل والاوقاف والشئون الإسلامية، ط1/1410هـ 1990م)، ص129.

[42]) السعدي، حاشية على المسند، ص49.

[43]) الخروصي، كهلان، محاضرة بعنوان: “ملامح المدرسة الإباضية”.

[44]) تنظر بعض تلك الدراسات.

[45]) ينظر: السعدي، حاشية على المسند، ص51

[46]) هذه هي الفكرة الأساسية التي عول عليها الباحث خميس بن راشد، ينظر العدوي، خميس، قراءة في فقه المدرسة الأولى، مقدم لمهرجان بمناسبة مرور خمسمائة عام على الشيخ عمي سعيد بالجزائر “غرداية”.

[47]) حاول بعض المحدثين بيان شروط الشيخين “البخاري ومسلم”، بيد أن كثيراً من تلك المحاولات باءت بالإخفاق؛ لأنها لم تقم على الاستقراء الكامل.

[48]) باجو، ص189.

[49]) من العجيب ما نقله العوتبي عن الربيع من قوله: “ولكن لم يصح ذلك عندنا” العوتبي، سلمة، الضياء، (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1415هـ 1995م)، ج17ص152، أي حديث خيار الشرط، مع أن الربيع رواه بأصح الأسانيد، وأوله شيخه أبو عبيدة، على أن الربيع تكلم عن خيار المجلس وحديثه ولم يصرح بالتضعيف، كما في مدونة أبي غانم فذلك مما يدفعنا للشك فيما قاله العوتبي. ينظر: أبو غانم، المدونة الصغرى، ج2ص129.

[50]) النامي، دراسات عن الإباضية، ص97.

[51]) الخليلي، محمد بن عبد الله، الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل، بإشراف عز الدين التنزخي (دمشق: المطبعة العمومية، 1385هـ 1965م)، ص193.

[52]) القنوبي، سعيد، الطوفان الجارف لكتائب البغي والعدوان (د.ب، د.م، ط1/1420هـ 2000م)، ص33 وما بعدها.

[53]) الحارثي، العقود الفضية، 140.

[54]) ينظر، الشيباني، ترجمة الربيع بن حبيب، ص1.

[55]) ينظر، البوسعيدي، رواية الحديث، ص147-148.

[56]) الصدف هنا في الغالب سوء الإخراج مع كثرة الأخطاء المطبعية في تلك المؤلفات.

[57]) الشماخي، عامر بن علي، الإيضاح، (دار الفتح، ط2)، 1/4.

[58]) الراشدي، الإمام أبو عبيدة وفقهه، 443-454.

[59]) الشقصي، منهج الطالبين، ج1ص108، السالمي، جوابات الإمام السالمي، ج5ص171.

[60]) باجو، مصطفى، منهج الاجتهاد عند الإباضية (سلطنة عمان: مكتبة الجيل الواعد، ط1/1426هـ 2005م)، جميع الكتاب، إذ يغلب عليه ذكر الأقوال الأصولية للإباضية، لا منهج الاجتهاد.

[61]) النامي، دراسات عن الإباضية، ص93.

[62]) ذكر د/ مبارك الراشدي أمثلة من غير تنصيص على نوع القياس، وتفصيل ذلك يطول لكن نحيل إليه، بل ذكر بعض المشككين بعض تلك النماذج. ينظر: باجو، منهج الاجتهاد، ص352.

[63]) ينظر نموذج لذلك: الشقصي، منهج الطالبين، 1/110.

[64]) تطايرت شظايا المعركة بين مجيز للقياس وناف له، وتمسك كلا الطرفين بآثار عن الرعيل الأول، ينظر بعض ما دون حولها ابن حزم، أبو محمد علي، الإحكام في أصول الأحكام (القاهرة: دار الحديث، ط1/1404هـ)، ج7، ابن القيم، محمد بن أبي بكر، أعلام الموقعين (بيروت: دار الجيل، ط1/1973م)، ج2.

[65]) السالمي، عبد الله، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، تعليق أبو إسحاق إطفيش (بيروت: دار الفاروق، 1410هـ 1989م)، ص38.

[66]) ينظر: أبو عمار، الموجز،2/185، وفي عمان الديمقراطية إشارة جميلة تنظر:ابن غباش، حسين عبيد، عمان الديمقراطية الإسلامية.. (بيروت: دار الجديد، ط1/1997م)، ص74 (تعليق).

[67]) ينظر بعض ذلك: السالمي، جوابات الإمام السالمي، ج5 ص171،ص207، ص501، ص505، ص516، ص590.

[68]) البسيوي، علي بن محمد، مختصر البسيوي (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة)، ص232.

[69]) الراشدي، أبو عبيدة وفقهه، ص490.

[70]) ينظر بيان ذلك: للباحث، المساقاة مشروعيتها وشروطها وأحكامها، (مطبعة النهضة)، ص23، ص63-64.

[71]) السالمي، عبد الله بن حميد، مشارق أنوار العقول، ص102…، وآثرنا تأخير التعريف حتى يكون مرتبطاً بالموضع الذي يناسبه.

[72]) الراشدي، الإمام أبو عبيدة وفقهه، ص189-192.

[73]) الخراساني، المدونة الكبرى، 2ص254.

[74]) رواه الإمام الربيع برقم 35.

[75]) رواه الإمام الربيع برقم 14.

[76]) النامي، دراسات عن الإباضية، ص93.

[77]) البوسعيدي، رواية الحديث، ص184.

[78]) الشماخي، كتاب السير، ج1ص129، وزل قلم بعض الباحثين فنسب القصة إلى إسماعيل بن درار، ينظر: الراشدي، أبو عبيدة وفقهه، ص195.

[79]) النامي، دراسات عن الإباضية، ص127.

[80]) الخليلي، فتاوى النكاح، ص118-119.

[81]) سورة يوسف: 108.

[82]) سورة التوبة: 122.

[83]) الدرجيني، طبقات المشائخ، 2/274.

[84]) الدرجيني، طبقات المشائخ، 1/66.

[85]) السالمي، المشارق، ص122.

[86]) السالمي، المشارق، ص121.

[87]) الخراساني، المدونة الكبرى، 2/213، البوسعيدي، رواية الحديث، ص153.

[88]) الكدمي، أبو سعيد محمد بن سعيد، المعتبر (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1405هـ 1985م)، 3/131-132.

[89]) الحضرمي، أبو إسحاق إبراهيم بن قيس، مختصر الخصال (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1404هـ 1984م)، ص168، ص217.

[90]) الحضرمي، مختصر الخصال، ص161.

 [91]) الحضرمي، مختصر الخصال، ص161

[92]) الحضرمي، مختصر الخصال، ص162.

[93]) الحضرمي، مختصر الخصال، ص165.

[94]) ابن بركة، الجامع، ج2ص438.

[95]) ابن بركة، الجامع، ج 2ص80.

[96]) السالمي، جوابات الإمام السالمي، ج5 ص590.

[97]) ينظر البطاشي، سيف بن حمود، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان، ط2/1416هـ 1995م)، ج1ص17، ولم أقف على الكتاب حتى أرى صورة التشارك.

[98]) نقلاً عن الصوافي، إبراهيم، مؤهلات الإفتاء في الإسلام وشروطه، بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي، الدورة السابعة عشر، ص25.

[99]) السالمي، جوابات الإمام السالمي، ج2ص161-165.

[100]) الخليلي، أحمد بن سعيد، الطلع النضيد في أجوبة العلامة أحمد بن سعيد، تحقيق: محمد بن سالم (سلطنة عمان: الجيل الواعد، ط1/1427هـ 2006م)، ص87.

[101]) ينظر: الخليلي، أحمد بن حمد، بيع الإقالة (مكتبة الجيل الواعد، ط1/2002م)، ص33-37.

[102]) الخليلي، فتاوى النكاح، ص207.

[103]) الشقصي، منهج الطالبين، 1/164.

[104]) أبو عبيدة، مسلم بن أبي كريمة، رسالة الإمام أبي عبيدة في الزكاة، ضمن الراشدي، أبو عبيدة وفقهه، ص513.

[105]) سورة الكهف: 86.

[106]) سورة البقرة: 189.

[107]) سورة آل عمران: 187.

[108]) سورة البقرة: 215.

[109]) ينظر مثال ذلك: الخليلي، أحمد بن حمد، فتاوى العبادات (سلطنة عمان: الأجيال، ط2/1421هـ 2002م)، ص36.

[110]) سورة القلم: 4.

[111]) سورة آل عمران: 159.

[112]) الشيباني، الإمام الربيع، ص3.

[113]) ينظر: الراشدي، الإمام أبو عبيدة وفقهه، ص188.   

[114]) الشيباني، الإمام الربيع، ص3.

[115]) ينظر: الدرجيني، طبقات المشائخ.

[116]) ينظر: الدرجيني، طبقات المشائخ، 2/275.

[117]) الخليلي، محمد بن عبد الله (الإمام)، ص600.

 

*  ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان ” فقه النوازل وتجديد الفتوى”

المنعقدة خلال الفترة: 13-16 ربيع الأول 1428هـ/ 1-4 إبريل 2007م

سلطنة عمان – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك