الإمام جابر بن زيد وتعامله مع المشكلات الفقهية

الإمام جابر بن زيد وتعامله مع المشكلات الفقهية

أنموذج للفتاوى الفقهية المبكرة

 

إعداد: الحاج سليمان بن إبراهيم بابزيز

 (باحث في الدراسات الإسلامية والتراث الإباضي، الجمهورية الجزائرية)

 

 

 مقدمة:

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله علَى النَّبِيّ الأمين، وعلى من اهتدى بهديه واستن بسنته إلَى يوم الدين.

وبعد؛ فإن الحياة لا تخلو من حوادث وعقبات تعترض الأمم والشعوب، فتجعل البشر يبحثون عن حلول لإشكالاتهم، ومخارج لِـما يقضّ مضاجعهم ويؤرِّق لياليهم؛ فيلجؤون إلَى العلماء والحكماء يفكُّون ألغازهم ويستبصرون لهم الحلول؛ ومن رحمة الله تعالى علَى هَذِه الأمة أن جعل لها أئمَّةً يهدون إلَى الحقِّ، وأعلاما يستنبطون لهم الأحكام من أدلّة شرعية تجول فيها الأفهام وتصول، وكأن تلك النصوص جُعلت لترويض العقول علَى البحث والاجتهاد، فصارت تحمل في طياتها أكثر من معنى حتى تتماشى مع متغيرات الزمان، وتزدهر مع متطورات الحياة، مستظلة تحت القواعد الشرعية الكبرى، ووفق أصول وضوابط تمنع من التخبّط والانحراف في فهم النصّ أو تحميله ما لم يحتمل؛ فمن ذلك ظهرت المدارس الفقهية تبرز ديناميكية الإسلام في التنوع والتجدد، وقابلية لاستيعاب كلّ جديد، باسطا هيمنته علَى شتى مناحي الحياة، وشاملا لجميع المشاكل والمستجدات، دالا علَى عالميته وصلاحيته لكل زمان ومكان.

وعلى هذا المعنى كانت جهود أعلام الأمة المجتهدين في تفجير ينابيع النصوص الشرعية، واستخراج دررها ومكنوناتها حتى يوجدوا حلولا للمشكلات التي تعترض الأمَّة منذ انقطاع الوحي ووفاة الرسول e، فنشأت مدارس ومذاهب تركت لنا ثروة علمية هائلة، لتبرز لنا المسالك والطرق المتبعة في استنطاق الأدلة، واستنباط الأحكام، ولم يكن ذلك ناشئا من فراغ بل مر عبر أطوار ومراحل حتى بلغت مرحلة النضج والكمال، فكيف كان تطورها؟

أولاً: تطوّر الفقه الإسلامي ومدارسه

كان الفقه في عصر النبوة يطلق علَى كل ما يفهم من نصوص الكتاب والسنة، سواء أكان من أمور العقيدة أو التشريع العملي والآداب، حيث كان الإسلام في مكة متجها إلَى محاربة الوثنية وإصلاح العقيدة، ثُمَّ اتجه في المدينة بعد الهجرة إلَى التشريع العملي والتطبيقي، وكان الناس يسألون عن حكم الحوادث عند وقوعها، ولم تكن تفرض افتراضا([1]). ثُمَّ تطور مفهوم الفقه إلَى التعريف المشتهر علَى ألسنة الفقهاء اليوم بأنه: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية.

وعندما يتأمل المتتبع لحركة التاريخ الفقهي يجده قد مرَّ بعدَّة مراحل وأطوارٍ زمنية حتى بلغ النضج والكمال، وهي([2]):

1- المرحلة التمهيدية: وتشتمل علَى فترتين:

أولها: عهد الوحي والرسالة: من بداية الوحي إلَى وفاته صلعم، حيث اعتمد التشريع في هذا العهد على الكتاب والسنّة، واتسم بالبساطة والواقعية في التعامل مع الحوادث والأحكام، وكان لفظ “الفقه” يطلق علَى كل ما يفهم من نصوص الكتاب والسنة.

ثانيها: عهد الصحابة والخلفاء الراشدين: من وفاة الرسول صلعم إلَى منتصف القرن الأوَّل الهجري، وفي هَذِه الفترة بدأت الحوادث تترى علَى الأمة، أولها مشكلة الخلافة ثُمَّ رِدَّة بعض العرب، وخروج مانعي الزكاة، وجمع المصحف وغيرها، مِـمَّا دفع مجتهدي الصحابة إلَى حلها بالتزام معالم الدين الكبرى في حلِّ القضايا، وذلك باللجوء إلَى القرآن لإيجاد الحكم، فإن لم يوجد فبالبحث في السنة، فإن لم يوجد فباستنباطه من خلالهما بالاجتهاد الجماعي فِيما يشبه المجامع الفقهية المصغرة من فقهاء الصحابة وكبارهم، إذ كان الاجتهاد جماعيا في تلك الحوادث السابقة -مثلا-، مسترشدين بالقواعد الكلية للشريعة، مع اختلافهم في التضييق والتوسيع في الرأي والقياس؛ لتجدد الحوادث وكثرتها مع محدودية النصّ، وبداية اعتبارهم لعمل الصحابة، وإجماعهم كمصدر من مصادر التشريع.

2- المرحلة التأسيسية: وهي عهد التابعين وتابعي التابعين من منتصف القرن الأوَّل إلَى أوائل القرن الثاني حيث لوحظت فيه الخلافات الكبرى بين المسلمين بسبب الأوضاع السياسية والاجتماعية المتقلبة، وكثرت المشكلات والنوازل علَى الأمة من كل مكان في ذلك العصر، مِـمَّا أدى إلَى تباين اتجاهات الفقهاء في فهم النصوص الشرعية، واختلاف التعامل معها باختلاف البيئات والعادات، وانحراف الحكم عن مسار الخلافة الراشدة؛ فاستقلَّ من أجلها علم الفقه بنفسه وأصبح فنا واختصاصا ينصرف إليه الطلبة، فبدأت المدارس الفقهية في الظهور والتبلور، مِـمَّا بدأ اعتبار الاجتهاد كمرجع تشريعي، وفي هَذِه المرحلة ظهرت ثلاثة اتجاهات أساسية، وهي: مدرسة الحديث، ومدرسة الرأي، ومدرسة الجمع بين المدرستين.

3- مرحلة الكمال والنضج: وهي مرحلة الأئمة والمجتهدين، حيث بلغ الاجتهاد الفقهي أوجه فِي التدوين والتفسير والتفريعات الفقهية، وظهور خلافات عميقة وآراء متضاربة بين الفقهاء في المسائل الفرعية رافقت خلالها بروز المذاهب الفقهية المختلفة، وتم فيه وضع علم أصول الفقه واتساع مباحثه، وتنتهي هَذِه المرحلة إلَى منتصف القرن الرابع الهجري، ثُمَّ تليها مراحل أخرى نشطت فيها حركة التحرير والتخريج والموسوعات، ثُمَّ مرحلة عهد الجمود والانحطاط والضعف والتقليد واجترار الخلافات السابقة حيث انزوى الفقه بعيداً عن قضايا العصور.. وهكذا.

ومن خلال المرحلة التأسيسية (2) -وهي محلّ دراستنا- بدأ ظهور ما يسمَّى بالمدارس الفقهية، وأهمها: مدرستا الحديث والرأي([3])، حيث نشأت من انتشار الصحابة في البلدان الإسلامية قضاة ومعلمين ومفتين وتأثيرهم التوجيهي في تلاميذهم الذين أصبحوا قادة تلك المدارس وأئمتها، كسعيد بن المسيّب في المدينة، وعطاء بن أبي رباح في مكة، وإبراهيم النخعي في الكوفة، وجابر بن زيد والحسن البصري ومحمَّد بن سيرين في البصرة، ومكحول في الشام، وطاووس في اليمن؛ فبهؤلاء دارت عجلة الفقه بعد ذلك متأثرة بشخصية ومشارب أساتذهم واجتهاداتهم، وعند تتبع الحركة الفقهية نجد أَنَّ هاتين المدرستين بدأت جذورهما منذ عهد الصحابة حيث اختلفوا في فهم النصوص الشرعية، وتفاوتوا في استنباط الأحكام علَى اتجاهين، ثُمَّ انبثق منهما اتجاه ثالث، وهذه المدارس هي:

أ- مدرسة الحديث والأثر في الحجاز (مكة والمدينة): تتميز بالتزام حرفية النصوص والوقوف عند ظواهرها، دون البحث عن الظروف المحيطة بها، أو النظر في علتها وبواعثها والغرض منها، والتعلق بالآثار، و وتهيبهم من الفتوى والتورع في القول بما لم يعرفوا فيه نصَّا، ولا سيما النصوص الحديثيَّة التي تتصف بنوع من الخصوصية أكثر من النصوص القرآنية التي اتصفت بالعموميات الدستورية. وقد انتشر هذا الاتجاه في الحجاز لكثرة الرواة والروايات، وبساطة الحياة وعدم الحاجة إلَى الاجتهاد والرأي، وكان الفقه عندهم واقعيا ولم يجد الفقه الافتراضي إليهم سبيلا. وحمل لواء هذا الاتجاه من الصحابة عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومن تتلمذ علَى يديهما من التابعين كسعيد بن المسيّب.

ب- مدرسة الرأي([4]) والنظر في العراق (الكوفة والبصرة): تمتاز بإعمال الفكر والرأي والبحث في فهم النصّ و البحث عن علل النصوص وحكمتها، والنظر إلَى غرض الشارع فيه لتحقيقه، في ظل المقاصد العامة للشريعة، باعتبار أَنَّ الأحكام الشرعية معقولة المعنى، وأنها جاءت لتحقيق مصالح العباد علَى أكمل وجه، ودرء المفاسد، وأن الأصل في الأحكام التعليل والمقاصد إِلاَّ ما يتعلق بالعبادات المحضة فلا مجال للبحث عن عللها. وقد انتشر هذا الاتجاه في العراق؛ لقلة الرواة، وتعقد الحياة المدنية والأفكار الدخيلة، وتنوع أعراف الأمم، وكثرة الفتن والوضع. وحمل لواء هذا الاتجاه من الصحابة عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، وقد وضع عمر لهذه المدرسة منهجا أوضحه في رسالته في القضاء إلَى أبي موسى الأشعري: “ولا يمنعك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق فإن الحق قديم , ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل ; الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب الله تعالى ولا سنة نبيه , ثم اعرف الأمثال والأشباه ; وقس الأمور بنظائرها”([5])، وسار علَى نهجهم من تتلمذ عندهم واتبع منهجهم من التابعين كإبراهيم النخعي وغيره.

جـ- وهناك مدرسة أخرى تجمع بين المدرستين: وتمثل الاتجاه الثالث، حيث يأخذ أصحابها بالنصوص الصريحة عند وجودها وثبوتها من غير نظر إلَى العلل، ولا يخالفون الأوَّلين في العمل بالكتاب والسنة ما وجدوا إلَى ذلك سبيلا، ثُمَّ إنهم لا يلجؤون إلَى الرأي إِلاَّ عند عدم وجود النصِّ، أو الشكِّ في صحَّته وبُعدِه عن مطابقة القواعد الكلية للشريعة، ولا سيما إذا عارضته أحاديث أخرى، كما قال في وصفها الشافعي (ت204هـ) إذ يقول: أجمع المسلمون علَى أَنَّ من استبانت له سنة رسول الله e لم يكن له أن يدعها لقول أحد، وما يخالف من مخالفتهم للسنة فعذرهم فيه أَنَّهُ لم يصلهم الحديث، أو وصلهم ولم يثقوا به لضعف راويه، أو لوجود قادح آخر لا يراه غيرهم قادحا، أو لأَنَّهُ ثبت عندهم حديث آخر معارض لِـما أخذ به غيرهم([6]). ويحمل لواء هذا الاتجاه عائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عباس ومن تتلمذ علَى يدهما كعكرمة وجابر.

ومن خلال هَذِه الاتجاهات تأسست المدرسة الجابرية ووُضِعت لبناتها الأساسية علَى يد إمامها جابر بن زيد (ت93هـ)، والتي سمِّيت فيما بعد بالمدرسة الإباضية([7])، وتبلورت معالمها على يد تلميذه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي (ت145هـ) وتلاميذه ومن جاء بعدهم، حيث سطَّرت المدرسة منهجها وشقَّت طريقها منذ عهد مبكر، واستطاعت تخطي المدلهمات التي حلَّت بالأمة، إذ سبقت المدارس الأخرى في وضع قواعدها، واستطاعت التكيُّف مع واقعها رغم الحرب الإعلامية التي شُنّت ضدها من قبل المغرضين، والحصار المفروض عليها من قبل السلطات الحاكمة، غير أَنَّ الحقّ قد يخبو ولا ينطفئ، فبرزت هَذِه المدرسة للوجود حاملة لواء التطوير والتجديد والتنوُّع منذ نشأتها، ولم تغلق بابها يوما أمام الاجتهاد؛ فاتخذت منهجا واضحا في التعامل مع المشكلات والقضايا الفقهية المختلفة مِـمَّا كتب لها البقاء إلَى يومنا هذا، إنه الثبات علَى المبدأ، والمرونة في التطبيق.

فمن هو مؤسس هَذِه المدرسة؟ وكيف كان منهجه في الفتوى؟ وكيف كان يتعامل مع المشكلات القائمة، والقضايا المستجدة آنذاك؟ وهل سلك منهج أساتذته أو تميز عنهم؟ ثُمَّ هل تأثرت مدرسته بمنهجه أو استفادت من مدارس أخرى؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في ما يأتي -إن شاء الله-.

 

ثانيا: التعريف بالإمام جابر بن زيد وآثاره الفقهية

اسمه ونسبه([8]): هو العلامة الفقيه الورع أبو الشعثاء جابر بن زيد اليحمدي الأزدي الجوفي العماني، ينتسب إلى بني عمرو بن اليحمد، أحد فروع قبيلة الأزد؛ ولد بـ”فَرْق” بعمان سنة 18هـ/ 639م([9])، وتلقى مبادئ العلوم فيها، ثُمَّ انتقل وعائلته إلَى البصرة إحدى العواصم العلمية والسياسية وقبلة العلم والعلماء آنذاك.

طلبه للعلم: استقرَّ في درب الجوف بالبصرة هو وأهله([10]) وترعرع فيها بين طلب العلم، والسعي دأبا في اغتراف علوم أرباب العقول النيرة من الصحابة الذي نزلوا بالبصرة كأبي موسى الأشعري وأنس بن مالك وغيرهم؛ و كان يتنقَّل بينهم في البصرة والحجاز يجمع ما عندهم، وأكثر الترداد والجلوس إلَى كبار الصحابة والتتلمذ علَى يديهم ينهل من معينهم أمثال عائشة زوج النبي صلعم، وعبد الله بن عمر، وابن مسعود، وأنس بن مالك، وعبد الله بن الزبير، وجابر بن عبد الله… وغيرهم كثير، وفي هذا الجو الذي كان يعج بالعلماء وطلبة العلم نال الإمام جابر شرف الجلوس إلَى سبعين صحابيا مِمَّن شهد غزوة بدر الكبرى، وحوى ما عندهم من العلوم والروايات التي كانوا يحفظونها عن رسول الله صلعم، حتى قال عن نفسه: “لقيت سبعين بدريا -أو قال: سبعين رجلا من أهل العلم-، فحويتُ ما عندهم إلاَّ البحر، يعني عبد الله بن عباس”([11])؛ وقد كان ابن عباس أبرز شيوخه وأوسعهم علما، وأقربهم منه منزلة، فحاول أن يجمع ما حواه حبر الأمة وترجمان القرآن فلم يقدر منه على شيء إِلاَّ ما ناله من الحظِّ الوافر الذي جمعه منه ومن هؤلاء الأفذاذ الذين كانوا معه.

وقد بذل جابر كلَّ جهده في طلب العلم وجمع أحاديث الرسول صلعم من الصحابة الذين كان يلتقي بهم في البصرة والمدينة ومكة، وكان موسم الحج من أهم الفرص التي كان يستغلها لذلك، حتى قيل إنه “تنقل بين البصرة ومكة حاجا ما لا يقل عن أربعين مرة”([12]).

نشأته: وسط الفتن العاصفة بالبصرة ومعاصرته للتقلبات السياسية والاجتماعية المعقدة منذ شبابه أكسبته حنكة سياسية راسخة، وفهما واضحا لشؤون الحياة، وتطلعا مشرئبا نحو غد مشرق ملؤه الأمن والسلام، فاختار الابتعاد عن المواجهة والحذر من مخالطة الحكام الأمويين، مكرسا وقته وحياته لتكوين الأرضية الطيبة، وتعليم الناس الخير، ومسايرة الأحكام الشرعية لتطورات الحياة الجديدة.

صفاته وشخصيته: عرف الإمام جابر قدره فكان ورعا تقيا نقيا، زاهدا في الدنيا “مسلماً عند الدينار والدرهم”([13])، يُظهر القناعة والرضا لأصحابه، كاشفا لهم عن ثروته الحقيقية قائلا: “ليس منكم أحد أغنى منِّي، ليس عندي درهم وليس عليَّ دين”([14])، ويركز في جميع رسائله التي كان يوجهها إلَى أصحابه علَى تقوى الله والاستعداد ليوم الرحيل، ولم تكن له أمنية في حياته الدنيا إِلاَّ ما هو ضروري يبلغ به حاجته ويسدّ جوعته، فيقول: “طلبت من ربِّي ثلاثة أشياء، وقد منحها لي: زوجة مؤمنة، وراحلة صالحة، ورزقا حلالا كفافا يوما بيوم”([15]). ومن تواضعه أَنَّ الناظر إليه يقول: إنه لا يحسن شيئًا، ولا يظنّ أَنَّهُ فقيه عالم([16]).

وقد سئل أيوب السختياني -وهو أحد تلامذته- هل رأيت جابرا؟ فقال: نعم، كان لبيبا لبيبا لبيبا([17])، ووصفه صالح الدهان فقال: “كان لا يماكس في ثلاث: في الكراء إلى مكة، وفي الرقبة يشتريها للعتق، وفي الأضحية. وقال: كان جابر بن زيد لا يماكس في كل شيء يتقرب به إلى الله عزّ وجل “([18]).

وزاد أبو نعيم في وصفه قائلا: ” ومنهم المتخلي بعلمه عن الشُّبَه والظلماء، والمتسلي بذكره في الوعورة والوعثاء جابر بن زيد أبو الشعثاء، كـان للعلم عينا معينا، وفي العبادة ركنا مكينا، وكـان إلى الحق آيبا، ومن الخلق هاربا”([19]).

وكان شديدا في الحق لا يخاف في الله لومة لائم؛ فقد روي أن الحجاج بن يوسف كان يكتب وجابر حاضر لديه، فسقط القلم من يدِ الحجاج فقال لجابر ناولني القلم، فقال له جابر: قال رسول الله e: «لعنَ الله الظالمين وأعوانهم وأعوان أعوانهم ولو بمده قلم»([20])، وكان كل همّه الدعوة إلى الله والعمل لمرضاته.

آثاره العلمية: لم يكن لأحد في مثل مقام جابر وما ترك من أثر في نفوس كل من لقيه أو تعلم عنده أن ينسى فضله وعلمه، فقد حفظ لنا التاريخ كثيرا مِـمَّا ترك من آثار علمية جليلة، من تلامذة وروايات وتآليف.

فأما تلاميذه فمنهم: أبو عبيدة مسلم ابن أبي كريمة، وضمام بن السائب، وحيان الأعرج، وجعفر السمَّاك، وعمرو بن دينار، وأيوب السختياني، وتميم بن حويص الأزدي، وقتادة السدوسي شيخ البخاري، وعاتكة بنت أبي صفرة، وعبد الله بن زيد الجرمي… وغيرهم كثير يربو علَى السبعين طالبا من كبار حملة العلم والرواية.

وأما رواياته وتآليفه: فقد ترك موسوعة علمية نفيسة تعرف بـ«ديوان جابر» في سبعة أحمال، ويعدّ بها من أوائل من دوَّن رواياته وآرائه، وقد ضاع ديوانه([21]) وبقيت له فتاوى وجوابات محفوظة في بطون كتب الرواية والفقه دونت من قبل طلبته، ولم يكن مؤيدا لتدوين آرائه بادئ الأمر، إذ نقل أَنَّهُ لَـمَّا علم بأن طلابه يفعلون ذلك قال: “إنا لله، يكتبون عني آراء وقد أرجع عنها غدا”([22]).

ورغم ذلك فقد وصلت إلينا رواياته وآراؤه من طريقين: الأول: عن طريق طلابه الإباضيين كضمام بن السائب، وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وأبي نوح صالح الدهان، وحيان الأعرج، وغيرهم؛ والثاني: عن طلابه غير الإباضيين كعمرو بن هرم، وقتادة بن دعامة السدوسي، وأيوب السختياني وغيرهم.

وَمِـمَّا وصل إلينا من جواباته ورسائله والنصوص المنسوبة إليه، ما يلي([23]):

    1. «مسند الربيع بن حبيب»: ضمّ فيها الربيع بن حبيب أحاديث رواها عن أبي عبيدة وضمام عن جابر بن زيد، ويعدّ عند الإباضية أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى.

    2. «روايات ضمام»: رواها أبو صفرة عبد الملك بن صفرة عن الربيع بن حبيب عن ضمام عن جابر بن زيد.

    3. «كتاب الصلاة»: (مخ) بالبارونية في جربة، رواه حبيب بن أبي حبيب الحرمي عن عمرو بن هرم عن جابر بن زيد.

    4. «كتاب النكاح»: (مخ) بجربة، يضم أحكاما بخصوص الزواج، نقلت عن جابر.

    5. «مراسلات ومكاتبات»: (مخ) وهي ثماني عشرة رسالة في نوازل متنوعة يجيب فيها تلاميذه وأصحابه ردا علَى أسئلتهم المرسلة إليه من داخل وخارج البصرة.

     6. «فقه الإمام جابر بن زيد»، جَمْع وتحقيق الأستاذ يحيى بكوش. طُبع بدار الغرب، بيروت. 

    7. «من جوابات الإمام جابر بن زيد»، حول مسائل فقهية متنوعة في العبادات والبيوع والأنكحة… ترتيب الشيخ سعيد بن خلف الخروصي. طُبع بعمان. 

    8. «موسوعة آثار الإمام جابر بن زيد الفقهية» جمع وترتيب وتعليق إبراهيم بن علي بولرواح، طبع بعمان. 

وفاته: اختلف المؤرخون وأصحاب السير في تحديد سنة وفاته -رحمه الله-؛ فمنهم من ذكر أَنَّهُ توفي سنة 103هـ([24])، وذهب النووي إلَى أَنَّهُ توفي سنة 104هـ([25])، والشماخي سنة: 96هـ([26])، وراجح ما ذكره الأكثر وذهبوا إليه أَنَّهُ توفي سنة 93هـ، واستدلوا على ذلك بأدلة ليس هنا محلها([27]).

بعد ذكر هَذِه النبذة المختصرة من حياة الإمام جابر، وقبل أن نلج في كيفية تعامله مع المشكلات الفقهية، لابد لنا من إبراز المكانة العلمية التي كان يتمتع بها الإمام جابر بين شيوخه ووسط أقرانه، ثُمَّ أتباعه من بعده حتى ندرك مدى التأثر والتأثير الذي قام به داخل مجتمعه وتلامذته، وكيفية تعامله مع المشكلات الفقهية.

الإمام جابر فقيها ومفتيا مجتهدا

تخرج الإمام جابر علَى يدي كبار الصحابة و أعلامهم وتمكَّن من معرفة معاني القرآن الكريم، وجمع روايات كثيرة، وتوجيهات الفتاوى المختلفة، حتى صار إماماً في التفسير والحديث والفقه بشهادة الجميع، وكان يوصف بأنه أكثر الناس علما في حقل الفتا ([28])، فنال شهاداتٍ عدَّة تبيِّن علوّ كعبه ورسوخ قدمه في هذا المجال، قال إياس بن معاوية (ق2هـ): “أدركت أهل البصرة وفقيههم جابر بن زيد من أهل عمان”([29]).

ثُمَّ إِنَّه ليس هناك شهادة أعظم من شهادة شيخه حبر الأمة له وترجمان القرآن الذي كان ألصق الناس به عبد الله بن عباس حيث قال: “لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علما عما في كتاب الله”، وكان يردّ كل من سأله عن رأيه في مسألة من أهل البصرة إلَى جابر ويقول: “تسألونني وفيكم جابر بن زيد؟!” ([30])، ويعجب من كل من يسأله ويترك سؤال جابر فيقول: “عجبا لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد، لو قصدوا نحوه لوسعهم علمه”، فهذه شهادة شيخه الأوَّل تشهد له بالاعتراف علَى قوة علمه وقدرته علَى حل المعضلات, وهناك شهادة أخرى مزكية ومرشدة تضع له ضوابط يلتزمها في فتواه، وهي ما جاء عنه أَنَّهُ قال: “مرَّ بي ابن عمر بينما كنت في الطواف، وقال لي: “يا جابر، إنك من فقهاء أهل البصرة، وإنك ستستفتى، فلا تفتين إِلاَّ بقرآن ناطق، أو سنَّة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت”([31]). وقيل: بأن سعيد بن جبير سأل جابر بن عبد الله الأنصاري عن رأيه في مسألة ما، فلما تبين له أَنَّ السائل من أهل البصرة قال له: “تسألونني وفيكم أبو الشعثاء؟”([32]).

وقد بلغ الأمر بابن حزم الظاهري (ت456هـ) أَن لا يعتد بالإجماع الذي لم يكن فيه جابر بن زيد ومن ذكرهم؛ فقال: “أفٍّ لكلّ إجماع يخرج عنه: علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وابن عباس والصحابة بالشام }، ثم التابعون بالشام وابن سيرين وجابر بن زيد وغيرهم بأسانيد في غاية الصحَّة، ويدعي الإجماع بخلاف هؤلاء بأسانيد واهية، فمن أجهل مِمَّن هذه سبيله!!…”([33]).

وكفى بهذه الشهادات التي تلقاها من أساتذته شرفا وشهادة لأَن يكون أهلا للاجتهاد والجلوس بين الناس للإفتاء، ودليلا علَى مكانته الرفيعة بين أقرانه وأتباعه، ناهيك عن شهادات معاصريه وأتباعه ومن جاء بعده، محتجين بأقواله مشيدين بآرائه، لم يختلف فيه اثنان أَنَّهُ أحد أعلام التابعين البارزين في البصرة بلا منازع، فكيف كان منهجه؟.

 

ثالثاً: منهج الإمام جابر في عرض المشكلات الفقهية وحلها

كما هو معلوم أَنَّ الإمام جابر -كغيره من الصحابة والتابعين- لم تصل إلينا مدونته لتحفظ لنا آثاره كلها، وتذكر لنا منهجه وطريقته في استنباط الأحكام، إِلاَّ ما وصل إلينا من رسائل يجيب فيها بعض أصدقائه وطلبته، أو ما دوَّنه لنا تلامذته وأتباعه من روايات حديثيَّة، وأقوال منثورة في مصنفات مختلفة، ومن أهم ما وصل إلينا مجموعا مراسلاته التي كانت بينه وبين أصحابه حيث تعبر ـ جليا ـ عن الأوضاع الاجتماعية والمشكلات الفقهية التي لا يُدرَك حكمها إِلاَّ بالرجوع إلَى أولي العلم من الفقهاء والمجتهدين، وقد تكون آنذاك أغلب الأحكام الفقهية ـ التي لم يرد فيها نصّ ظاهر من كتاب أو سنّة ـ نوازلَ لا يدركها الناس لجهلهم بحكمها، أو اشتباههم في الرأي الذي يأخذون به ويطمئنون إليه، فيبحثون عن حكمها فتعدّ مشكلات بالمعنى اللغوي، وإفتاء بالمعنى الاصطلاحي أَي: “الجواب عما يشكل من الأحكام”([34]).

وسنحاول اكتشاف منهجه([35]) وطريقته في الفتوى من خلال تلك المصنفات، ثُمَّ نذكر كيفية تعامله مع المشكلات الفقهية، وذلك باستخلاص أصوله في تناوله للفروع الفقهية، وملامحه العامة التي طبعت فقهه، “وبتتبعنا التراث الفقهي الذي تركه لنا الإمام جابر نلاحظ أَنَّهُ قد اتبع خطة أساتذته من الصحابة في رجوهم إلَى مصادر التشريع، وفي مبادئهم العامة التي راعوها في تشريعهم”([36]).

وسيكون تركيزنا هنا علَى المعالم الكبرى من خلال جواباته ورسائله إلَى أصحابه، وما دونه تلاميذ مدرسته من بعده غالبا؛ لأَنَّ تلك الجوابات تمثل أنموذجا واضحا للحوادث والمشكلات الحاصلة آنذاك، وخاصة عند صدورها من فقيه أو عالم أو طالب علم متفقه، ثُمَّ نذكر طريقته في التعامل مع الفتوى من خلال المصادر الأصلية والتبعية، ونوردها ضمن قواعد مع عرض نماذج من فتاويه. وليس هناك خلاف في أَنَّ مصادر التشريع الأصلية التي يستنبط بها الأحكام عند جميع المسلمين هي: القرآن الكريم أولا، ثُمَّ السنَّة النبوية الصحيحة ثانيا باتِّفاق، ثُمَّ ألحق الجمهور بها الإجماع، وبعدها تأتي المصادر التبعية الأخرى في الدرجة التالية، كقول الصحابي، والقياس، و الاستصحاب، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع، والاستحسان، والعرف، وشرع من قبلنا… وغيرها (وهو ما يسمى بالاجتهاد).

وقبل ذلك يجدر بنا أن نذكر بعض الآداب التي يجب أن يتصف بها المفتي، وينبغي للناظر في أمور الناس مراعاتها عند تصدره للفتوى؛ لأَنَّهُ يقدم علَى أمر خطير وهو التوقيع عن ربِّ العالمين.

* -آداب الإمام جابر في تصدره للفتوى:

أ- التمسك بأهداب الدين بالالتزام بآداب القرآن وغرسها في نفوس الناس، واستحضار تلك المعاني والتطبيقات العملية في حياتهم، وهذا ما فعله مع عمارة -من أصحابه- لَـمَّا استأذنه يوما، فقال له: ارجع، ثُمَّ ردَّه فقال: “أراكَ وجدت في نفسك، أمَا إنه أزكى لك إذ رجعت”([37])، مشيرا إلَى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾([38]).

ب- عفة النفس والزهد عما في أيدي الناس؛ حيث كان يردّ كلّ من أراد أن يحسن إليه أو يمد إليه يد العون من متاع الدنيا إِلاَّ ما كان حقا له، كما رد علَى نافع بن عبد الله -أحد مراسليه- بقوله: “وأمَّا ما ذكرت تُقسِم عليّ أن أكتب بحاجتي وتخبرني أنك مسرور؛ فزادك الله من فضله، وأوفاك في الذي أعطاك بأوفى المؤمنين؛ فحاجتي أن يعافيك وأن تقرّ عينا ببقائك فيما تحب”([39]).

ج- تحرزه في استعمال المصطلحات، وعدم التجرؤ علَى الله في التحليل والتحريم إِلاَّ ما ثبت بنص قاطع من كتاب ناطق أو سنة متبعة؛ لأَنَّهما لا يكونان إِلاَّ من عند الله تعالى، ويخشى أن يقع في التقول علَى الله بغير علم فيحل ما حرم الله أو يحرم ما أحل الله، فيستحضر وعيد الله في قرن التقوّل علَى الله بالشرك به: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾([40])؛ فنجده لا يطلق حكما بالحرمة إِلاَّ ما ثبت بنص واضح من كتاب أو سنَّة، كما صرح بالحرمة في شراء الأحرار: «فذلك حرام»؛ وفي الجمع بين الأختين من الرضاع… وغيرها.

عند ترجيحه لقول ما يستعمل قوله: «فأحب ذلك إليّ»، أو «أعجب إلي»، أو «فلا ينبغي له ذلك»، كما قال في ختان المملوك: «فإن الختان من المسلمين سنة واجبة لا ينبغي تركها»([41])، مع أَنَّهُ يذهب إلَى أن الأقلف لا تُؤكل ذبيحته ولا تجوز شهادته، ولا يقبل له حجّ ولا صلاة([42])، ويقول في جهالة الشرط: «ولا يصلح للرجل»([43])، وفي رد المغشوش من الصرف قال: «فلا أحبُّ ذلك»([44])… وهكذا في جميع المسائل التي يتناولها.

* – منهجه وضوابطه في التعامل مع الفتوى:

أوَّلا: مَنهجه في التعامل مَع النصوص الشرعية الأصلية (القرآن والسنة)

1- القرآن الكريم:

أ- نرى المكانة العظيمة التي يوليها لكتاب الله حفظا واستيعابا وتطبيقا فِي جواباته حتى صار مختلطا بلحمه ودمه، كيف لا وهو خريج مدرسة ترجمان القرآن وشيخ المفسرين ابن عباس؛ وهو ما عبر عنه الدكتور الزرقا بقوله: “ولذلك كان القرآن عند علماء الشريعة الإسلامية هو الحجة الكبرى والمرجع الأوَّل؛ بل عده بعض الفقهاء المصدر الوحيد للأحكام الشرعية، وما غيره من المصادر إِلاَّ تفصيل لمجمله أو توضيح له أو تخريج علَى أصوله أو استنباط لِما فيه من حكم ومعان متماسكة متساندة”([45])؛ فنجد ذلك ينطبق في جواباته حيث ينطلق في إجابته لسائليه من خلال آيات الكتاب، ويستفتح كلامه بما يقوِّي إيمان المستفتي ويشدّ قلبه إلَى ما هو أزكى وأطهر بتوجيهات القرآن ثُمَّ يجيبه عما سأله، ففي رسالته – مثلا -إلَى نافع بن عبد الله يقول: “وأوصيك بتقوى الله الرب العظيم الذي يعلم منك ما تجهل من نفسك، والذي اطلع علَى ما يضمر قلبك، وما تختان عيناك، وما تبدي أو تخفي في نفسك، وهو أقرب إليك من حبل الوريد…” ([46])، وهكذا يسترسل في توطئته مسهبا في الوعظ والتذكير والإرشاد بأسلوب قرآني جميل يصب في مضمون ما استفتِيَ به.

ب- الفهم الصحيح لنصوص القرآن واستنطاق معاني آياته، كما أَنَّ فهمه العميق للغة العرب كان ظاهرا في جواباته، ويعطي أبعادا كبيرة للغة فيحملها علَى ما يجب أن تحمل عليه؛ قال القرطبي: من أجمع ما نقل في تفسير “المتاع” في قوله عزوجل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾([47])، قال: “ليس يعني بالمتاع الجهاز، ولكن ما سواه من الحاجة، إما منزل ينزله قوم من ليل أو نهار، أو خِربة يدخلها الرجل لقضاء حاجة، أو دار ينظر إليها فهذا متاع، وكلّ منافع الدنيا متاع”. ثُمَّ علق أبو جعفر النحَّاس (ت338هـ) علَى هذا المعنى قائلا: “وهذا شرح حَسن من قول إمام من أئمة المسلمين وهو موافق للغة”([48]). كما أَنَّهُ يعطي أيضا للأخبية والفساسيط حكم البيوت فيجب فيها الإذن والتسليم؛ ويعللها بأنها بيوت؛ ويحمل لفظ البيوت الوارد في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾([49]) علَى إطلاقه.

جـ- حمل ألفاظ القرآن علَى ظاهرها والالتزام بمعانيها الحقيقية، وعدم التساهل في التخلي عن ترك نص صريح أو التسامح في امتثاله، وإن خالف في ذلك شيخه؛ وذلك في تطبيق قوله تعالى: ﴿وَلَـكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾([50])، وهذا ما فعله في التي قالت لرجل: “لا أتزوج غيرك” قبل انقضاء العدة، فرأى أَنَّهُ عقد للميثاق لا ينبغي نكاحهما، “فإن نكحها بعد انقضاء العدَّة فرِّق بينهما ولم يُعجبني مراجعتها -وأن لا يكون تزوجها- فوالله لتركها أحبُّ إلي”. واستعرض رأي شيخه ابن عباس في قوله: “إن تركا الميثاق ومضت لها في غير عدَّة نحو العدة الأولى فلا بأس بنكاحها”، ثُمَّ تعقبه بقوله: “وترك اللبس أعجب إليّ”، وهذا التزاما بالنص وعدم الخروج عن ظاهره؛ لأَنَّ المقصد من تشريع ذلك واضح فلا مجال للتلاعب فيه، والقول بخلاف ما وضع من أجله، وفيه أيضا قطع لسبل تعجل الشيء قبل أوانه.

د- المعرفة بأبعاد التشريع و استنباط غاياته وتطبيقها من خلال آي القرآن، وسرعة بديهته في استحضار الحكم عند الحوادث والمصائب، والقدرة علَى التصرف السليم في أحلك الظروف؛ وهو ما فعله عندما أشكل علَى الناس عند دخولهم بيت الله الحرام وقد احترق البيت الحرام (6 ربيع الأوَّل 64هـ) من أجل شرارة طارت بها الريح؛ فدخل علَى الناس في المسجد الحرام وهم وقوف، والبيت مهدوم، وهم لا يعرفون ما يفعلون؛ فقال جابر: ﴿إِنـَّمَآ أُمِرْتُ أَن أَعْـبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَن أَكُونَ مِنَ الْـمُسْلِمِينَ﴾ ([51])، ثم طاف حول البيت، فلما رآه الناس طافُوا كما طافَ.

وفي رواية: جاء في الأثر: أن الكعبة هُدمت لِتُبْنَى في زمن عبد الله بن الزبير، وتحيَّر الناس والفقهاء لما أُخِّر حجارها عن الأساس لتبنى، ولم يدروا كيف يطوفون؛ أمِنْ خلف الحجارة حيث وضعت أو من حول الحيارى حتى دخل أبو الشعثاء، فلما رآهم لا يطوفون وقوفا عرف الذي بهم، فمضى أبو الشعثاء حتى أتى الأساس؛ فقال: ﴿إِنـَّمَآ أُمِرْتُ أَنَ اَعْـبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الذِي حَرَّمَهَا…﴾ ثم طافوا كما طاف([52]).

2- السنة النبوية:

لم يختلف أحد من الفقهاء في كون السنَّة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم، وهي: «ما صدر عن النبي e غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير»([53])؛ لكن اختلافهم في ثبوت الحديث وعدمه، أو في فهم النصّ وتعليله، أو في معارضته لنصٍّ أقوى منه، أو مخالفته لقاعدة أو مقصد من مقاصد التشريع؛ وقد لخص أبو المؤرج (ق2هـ) –أحد تلامذة تلميذ جابر- أسباب الخلاف بعد ذكره لمسألة نسخ ردِّ السلام في الصلاة قائلا: “ومن أحاديث النبي u ناسخٌ ومنسوخٌ، والقرآنُ قد نسخَ بعضُه بعضًا، وقد فعلَ النبيُّ u أشياءَ مثلَ هذا ورجعَ عنها، وقد فعل أصحابه مثل ذلك أشياء كثيرة ثم رجعوا عنها، وقد قال السلف من أئمة المسلمين أقاويل كثيرة ثم رجعوا عن ذلك، وقالوا بغير أقاويلهم ثم رجعوا إلى بعض أقاويلهم، وذلك كلُّه اختلافٌ منهم في الرأي، ولم يكن اختلافًا في كتابٍ ولا سنَّةٍ ولا أثرٍ مجتمعٍ عليه إلا اختلافًا في الرأي”([54])، ولكن قوة الفقيه تظهر في معرفة مراتب الأدلة وما يجب تقديمه وتأخيره، وعرض بعضه علَى بعض، وعلى هذا النحو وضع الإمام جابر قواعد تعصم فكره وتخطّ طريق أتباعه في التعامل مع الروايات الحديثيَّة الكثيرة، منها:

أ- تطبيق قاعدة العرض علَى كتاب الله: وهي من القواعد الأساسية التي اتسم بها منهجه، مستندا في ذلك إلَى قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾([55])، وإلى الروايات التي رواها عن شيخه ابن عباس عن النبيِّ صلعم قال: « إِنَّكُمْ سَتَخْتَلِفُونَ مِنْ بَعْدِي فَمَا جَاءَكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَمَا وَافَقَهُ فَعَنِّي وَمَا خَالَفَهُ فَلَيْسَ عَنِّي»([56])، فيعد هذا الحديث من أصح الأحاديث عنده وعند مدرسته ومدرسة آل البيت، ومن أهم الركائز التي صبغت منهجهم في التعامل مع الرواية، رغم تضعيف جمهور أهل السنة لهذا الحديث وإغفالهم له، بل يعدونه حديثا لا أصل له أو موضوعا، مع اشتراطهم في الحديث أن لا يكون شاذا ولا معلولا، والشاذ ما رواه الثقة مخالفا به الثقات، فما بالك إذا خالف الثقة نصا قرآنيا صريحا مقطوعا من كتاب الله، فكيف يؤخذ به؟ أو كيف ينظر إليه أصلا؟، وهذا المنهج أخذه من أساتذته كرد عمر t لحديث فاطمة بنت قيس، وردِّ عائشة لحديث سمعته عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله يحدثان بحديث مخالف لكتاب الله، وهو ما رواه الربيع بسنده عنه: «عَنْ عَائِشَةَ –رضي الله عنها- قَالَتْ: سَمِعْتُ أَنَّ عبد الله بنَ عُمَرَ يَقُولُ: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الأَحْيَاءِ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: يَغْفِرُ الله لأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ الله e مَا قَالَ حِينَ مَرَّ بِيَهُودِيَّةٍ مَاتَتْ وَأَهْلُهَا يَبْكُونَ عَلَيْهَا فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا». قَالَ جَابِرٌ: قَالَتْ عَائِشَةُ -رضي الله عنها-: وَلاَ يُعَذَّبُ أَحَدٌ بِبِكَاءِ أَهْلِهِ، وَإِنَّمَا يُعَذَّبُ بِعَمَلِهِ السُّوءَ»([57])، وقالت -في رواية-: أين منكم من قول الله سبحانه: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾([58]).

ونرى تطبيق هذا المنهج في تعامله مع كثير من المسائل الفقهية، منها مثلا:

– مسألة المسح علَى الخفين: إذ لم يصحّ عنده الأحاديث التي رويت فيه رغم بلوغها حدّ التواتر المعنوي عند جمهور أهل السنة، حتى قال الإمام أحمد (ت241هـ) بأفضلية المسح على الغسل، وبلغ بابن المنذر (ت319هـ) أن قال: “والذي أختاره أن المسح أفضل لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض. قال: وإحياء ما طعن فيه المخالفون من السنن أفضل من تركه”([59])؛ إِلاَّ أَنَّ جابرا وأتباعه وآل البيت (الإماميَّة والزيديَّة) مجمعون على عدم المسح؛ لعرضهم هذه الروايات على قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾([60])، حيث لم يقبلوا معارضة السنة لنصٍّ قطعي؛ لأن الله تعالى أوجب الفرض على ما يسمى رِجلاً، ولا يسمَّى الخفّ رِجلا، ورووا في ذلك روايات كثيرة عن ابنِ عباس وعائشةَ وعلي بنِ أبي طالب تثبت ما ذهبوا إليه([61]).

– مسألة الشرب قائما: جاءت روايتان متعارضتان بين النهي والفعل؛ فرجح ما وافق الكتاب، وذلك فيما رواه جابر عن شيخه ابن عباس عن النبي e «أَنَّهُ نَهَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا، وروي: «أَنَّهُ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ قَائِمًا». فقال جابر قال ابن عباس: المرجِعُ فِيهِ إِلَى كِتَابِ الله، وَهُوَ قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾؛ فَهَذِهِ الآيَةُ تُبِيحُ الأَكْلَ وَالشُّرْبَ عَلَى أَيِّ حَالٍ، إِلاَّ فِي مَوْضِعٍ خَصَّهُ النَّهْيُ مِنَ النبيِّ صلعم ([62]). فقد عرض ما اختلف من الروايات علَى كتاب الله تعالى واستقرَّ علَى حكمه.

ب- وجوب الالتزام بالسنة بمفهومها الواسع، وعدم قبول ما خالفها عندما تتلقاها الأمة بالقبول، ولم يوجد لها معارضا من كتاب أو سنة أو قاعدة كلية كبرى؛ فإن الإمام جابرا يأخذ بها ويعتبرها حجَّة يجب اتباعها والعمل بها؛ لأَنَّ الأمَّة لا تجتمع علَى ضلال، وقد كان يوجه سائليه إلَى العمل بالسنة الثابتة؛ فيأمر من صلى وراء إمام لم يركع في صلاة مكتوبة فاتبعه الناس ولم يركعوا، قائلا: “فإن أولئك أحبّ إلي أن يعيدوا ما خالفوا فيه السنة، فإن من ترك ركوعا أو سجودا أو قعودا لا يستقيم للناس أمر يخالفون فيه السنة”([63]). وكان يستحبّ الإعادة أيضا لمن ترك قراءة السورة مع الفاتحة في الصلوات الجهرية؛ لأنه “قد ترك السنة فيها”([64]).

ج- اعتبار ما عليه العمل حجة في الاتباع، وفي قبول الرواية الواردة فيه، ولو علم ثبوت غيرها عن النبي e لعمل بها: ولكن يعمل بما وجد عليه الأعلام واتفق عليه الفقهاء، ولا يؤخذ بخلافه حتى يثبت بيقين مثل البقين الذي عليه أَنَّهُ من النبي صلعم، وهو ما يقارب معنى الإجماع؛ كما فعل ذلك تلاميذه في زكاة البقر فإنهم يقيسونها بزكاة الإبل؛ لِـما ثبت عندهم في السنة، ولِـما جاء فِي آثار الفقهاء الموثوق فيهم، أَنَّ: “الأثر عند فقهائنا الذين نَأخُذُ منهم ونعتمدُ عليهم أن السنة في زكاة البقر كالزكاة في الإبل، يُؤخَذُ منها ما يُؤخَذُ من الإبل، ويُعمَلُ فيها ما يُعمَلُ في الإبل، وليس بينهم اختلافٌ، وقد فَرَّعتُ لك من هذا في المسألة التي قبل هذه وفسّرتُه لك؛ فأما حديثُ معاذ بنِ جبل عن النبي u الله أعلم به، ولو نعلم أن ذلك عن معاذ عن النبي e لأخذنا به واعتمدنا عليه، غير أن أصحابنا أبا عبيدة وجابر بن زيد لا يأخذون بما ذكرتَ، وقد بلغهم قولُ من وصفتَ”.

د- وكان من أكثر الناس تشددا في اتباع ما عليه الأمة من سيرة النبي e، وينكر كل محدث خالف أمرا من أوامر الدين؛ فقد سئل يوما “عن القنوت في الصلاة؛ فقال: الصلاةُ كلها قنوتٌ، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ الأَخِرَةَ﴾([65])… قلتُ: يا أبا الشعثاء، ليس عن هذا أسألكَ، ولكن إنما أسألك عن الذي يفعلُ هؤلاء بعد الركوعِ، يَقُومُون ويَدْعُون ويَتَهَلَّلُون وهُم قيامٌ؟ قال: هذا أمرٌ محدثٌ، لا نعرِفُه ولا نَأثُرُه عمَّن مَضَى مِن خيارِ هذه الأمةِ”([66])، وهذا الأمر ذهبت إليه مدرسته بإجماع واعتبرته من الأعمال المنسوخة، وهو ما ذهب إليه جمع كبير من الصحابة والتابعين منهم أساتذته ابن مسعود وابن عمر وغيرهما([67]). رغم ما عليه جمهور أهل السنة من أن القنوت مستحب في صلاة الصبح سواء نزلت بالمسلمين نازلة أم لا، على خلاف بينهم في محله.

د- التشدد في الالتزام بالواجبات وعدم التهاون في حقِّ الله تعالى، وعدم الأخذ بالرخص إِلاَّ عند تعذر الإتيان بالعزائم؛ فقد استفتي في رجل أدرك الإمام يوم الجمعة ولم يكن على طُهر ولا مَاء، وإذا طلب الماء فاتته الصلاة مع الإمام، هل له أن يتيمم بالصعيد ويصلي معه؟ فأجاب: “فلا -لعمري- الصعيد في قرية فيها الماء؟! إنما الصعيد في الفلوات حيث ليس [فيها] الماء، فليطلب الماء ثُمَّ يصلّي الأولى، فلاَ والله ما أنا بمرخِّص له في الصعيد وهو غير [متوضئ]، وما بال الرجل يأتي الجمعة وهو غير [متوضئ]” ([68]).

هـ- التورع في نسبة الروايات إلَى الرسول e ما لم يتيقن من صحَّتها عنه، فيستعمل لفظ: “بلغني”، أو “بلغنا”، كما فعل عندما سئل عن أفضل صلوات الليل؛ فقال: «فإنه بلغني أن أفضلها أوَّل نومه»، و«بلغنا أن أول هجعة للناس ينادي مناد: من يدعُو فيستجاب له؟ ومن يستغفر فيغفر له؟ ومن يتب فيتاب عليه؟»([69])، وكما فعل في فضل الجمعة والتبكير لها. وهذا منهج أستاذه ابن مسعود حيث كان يتحرز كثيرا من نسبة الروايات إلَى رسول الله e خوفا من التقول عليه ما لم يقل، فكان غالبا ما يستحضر تلك الروايات في أجوبته يفتي بمقتضاها ولكن لا يصرح بنسبتها إلَى الرسول الكريم e.

ثانيا: الاجتهاد في الوصول إلَى الحكم الشرعي عن طريق المصادر التبعية.

وهذه المصادر تتعلق في أغلبها بالنظر السديد والفهم الصحيح للنصوص وعدم الوقوف علَى حرفيتها، والنظر فيها لمعرفة المصالح والمقاصد لتعليل الأحكام الشرعية، أو البحث عن مقصد من نظر في النصّ فاستنبط منه الحكم كالصحابة وغيرهم. وسنرى بعض القواعد والمعالم الأساسية في نظرته إلَى الأحكام وتعامله معها، وكيف كان يستدل بهذه المصادر الاجتهادية.

أ- المعالم الرئيسة في نظرته إلَى الأحكام الشرعية: إذ يضع الإمام جابر بعض المعالم التي يمكن أن نتعرف من خلالها علَى نظرته إلَى الأحكام، وترتيب درجاتها، وكيف كان يتعامل معها، وذلك فيما لم يرد فيها نصّ، أو يتضح فيها دليل، أو وقع الاختلاف فيها بين الفقهاء؛ فنجده بعد مناقشته لمسألة عقد النكاح بغير الولي ختمها بتوضيح نظرته إلَى الأحكام بقوله: “وقد تكون الأمور على سُبل متشابهة: منها ما لا رخصة فيها، والأخرى فيها الرخص، وأهل العلم يشتهون من ذلك ما صفا ويكرهون لبسها، غير أَنَّهُ قد تكون أمور تتعالى فيما يكره ولا تبلغ أن تكون حراما، ولا يشتم أهله عليها”([70])، أَي تكون من باب المكروه الذي يتنزه عنه أهل المروءات. وإذا كان الأمر متعلقا بالحكم فيه فإنه يُرجعه إلَى القاضي لينظر فيه حسب المصلحة التي يراها.

ب- الاستدلال بأقوال الصحابة وأفعالهم واتباع الدليل الأقوى: يأخذ الإمام جابر بآراء الصحابة وقضائهم في المسائل التي لم يرد فيها نص إذا وافقت أصوله وقواعده الاجتهادية، أو لم يتبين له غيرها، ويتخير بين أقوالهم إن تعدَّدت، ويكون أكثر اطمئنانا بالاستناد إليهم، ويرى تلك الآراء أفضل من رأيه فِي الغالب. ونجده يُكنُّ لهم كلَّ التعظيم والإجلال، ويعرف حقهم وصحبتهم لرسول الله وقربهم له، فكان يقول في تقديرهم: “ورأي من قبلنا أفضل من رأينا الذي نرى، [و]لم يزل الآخر يعرف للأول، وكانوا أحق بذلك [المهاجرون] مع رسول الله صلعم و[التابعون] لهم بإحسان؛ فقد شهدوا وعلموا، فالحق علينا وطء أقدامهم واتباع أثرهم. واعلم أَنَّهُ لم يهلك قوم قطّ حتّى نازع الآخر الأوَّل في العلم إذا تمسك أهل العلم بعلمهم”([71]).

إِلاَّ أَنَّ هذا التبجيل والاحترام الذي يكنه لهم لا يثنيه عن إبداء ما يراه صوابا بكلِّ احترام ولباقة؛ فيقول في المرأة التي طلَّقها زوجها عند حضور الموت ولم يكن قد دخل بها؟ ذهب ابن عباس إلى عدم استحقاقها للصداق ولا الميراث، أو تتربص علَى مالها حتى يزول الضرر، ويذهب جابر إلَى التعليق علَى ذلك بقوله: “ولولاَ قول ابن عباس في ذلك لسرَّني -وإن تزوجت- إذا عُرف الضرر أن تستوجب الأمر كله ما لم يذهب ميراثها”([72])، ثُمَّ تُذكر له روايات أخرى في مدرسته أيضا يصرِّح بأَنَّ “لها نصف الصداق، ولا ميراث لها، ولا عدة عليها”([73]).

ولم يكن يفرِّق بين الصحابة في الرأي؛ إذ يأخذ بما يراه أقرب للصواب ويرجِّحه، ولو كان ذلك الرأيُ مخالفا لأستاذه ابن عباس؛ وفي هذا كان يميل إلَى قول ابن عمر ويقول: “قول ابن عمر أحبُّ إلينا مِـمَّا قال ابن عباس”، وذلك فيمن طلَّق زوجته وقذفها في العدة أَنَّهُ “إن كان طلقها ثلاثا جلد وألحق به الولد ولم يلاعن، وإن طلقها واحدة لاعنها”، وكان ابن عباس يقول: “إن طلقها ثلاثا ثُمَّ قذفها فى العدَّة لاعنها”([74])، وهكذا كان منهج السلف في معرفة الحق واتباعه، فلا يغترون بآرائهم، ولا يستغنون عمن سبقهم، ولا تزال الدنيا بخير ما عرف الآخر للأوَّل فضله وقيمته.

جـ- توضيح ما التبس علَى الناس من فهم بعض نصوص الصحابة ونقلوها دون معرفة سببها، وقد فعل بين ذلك فيما يقصد شيخه ابن عباس من قوله: «أوَّله سفاح وآخره نكاح»، إذ وقع فيه الخلط والوهم وسوء الفهم بين الفقهاء الذين جاؤوا من بعده حيث ينسبون إليه القول بجواز نكاح مزنية الرجل بهذا القول، لكن يوضح جابر ذلك أَنَّهُ كان يقوله في الرجل الذي زنا بامرأة في شركهما ثُمَّ أسلما بعد ذلك، وليس في حال الإسلام([75])، ونقل عن جابر قوله: “إنه لا يتزوجها أبدا، وليجعل بينهما البحر الأخضر”([76]). ثُمَّ أتبع جابر منع نكاح أصول وفروع مزنيته بالولادة أو بالرضاع، وهذا ما ذهبت إليه مدرسته بلا خلاف، وهو مبني علَى القاعدة الفقهية: «من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه». إِلاَّ أَنَّ غير الإباضية ينسبون إلَيه عكس ذلك لرواية ابن عباس، بل ويصل الأمر بهم إلَى نقل رواية مناقضة لذلك تماما، حيث “سُئِل عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها؟ قال: هو أحقّ بها هو أفسدها”([77])، وهذا من البعد بمكان لتشدده في التعامل مع الأبضاع، وحرصه الشديد في المحافظة علَى قدسية الأسرة كما مر. 

د- استعمال القياس في أبسط صوره: وذلك أَنَّ رجلا جاءه فقال: “إن أبي منعني أن أحجَّ الفريضة فما تقول؟ قال: فكم الصلوات؟ قال: قلتُ: خمس، قال: أخبرني لو نهاك أن تصلي واحدة أكنت تاركها؟ قلت: لا. قال: فحُجَّ”([78])، وهو نفسه المنهج النبوي الذي كان يستعمله رسول الله e؛ لأَنَّ جابرا كان يرى الفرائض كلها بمنزلة واحدة لا يحل ترك واحدة منها، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولذلك نظر إلَى سؤال المستفتي في تقييده المنع في الفريضة ولم يكن في السنن أو النوافل، فيقيسها عليها.

وكان أيضا يقيس الأمة علَى الحرة في الجمع بين الأختين، ولا يرى الفرق بينهما لعموم النهي في قوله تعالى: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾([79])، قال: “ولا يصلح جمع الأختين وإن كانتا مماليك من ما ملكت اليمين، والعدة في نفس منها على الرجل لا بأس به؛ فإني أزعم أن ذلك كنحو الحرة إذا طلقت، وإنما آخذ في ذلك بالثقة، وأترك الريبة لأهلها، فإن أعجبه أن يعتزلها كقدر ما لو كان على الأول عدة انقطعت أن يجامعها فليفعل”([80]) أخذا بعموم اللفط وتوجه الخطاب للأحرار والإماء.

وكذلك كان يرى التفريق في رجل وطئ جارية كان أبوه قد وطئها بغير علم، فقال: “فليبعها فإنه لا تحل له مجامعتها”([81])، لعموم قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء﴾([82])، وكان كثيرا ما يتشدد في الأنكحة والأبضاع ولا يتساهل فيها أبدا.

هـ- بروز قاعدة الأخذ بالأحوط، والخروج من الخلاف، وترك ما يريب إلَى ما لا يريب: خاصة ما يتعلق بباب الأنكحة، حيث يصرح بذلك في جواباته، فعندما حكم فيمن واعد امرأة في عدتها، أنها لا تحلّ له أبدا، ثُمَّ قال: “وترك اللبس أعجب إليّ”. كما أَنَّهُ بعدما ناقش مسألة النكاح بغير الولي ومنعه قال: “وأهل العلم يشتهون من ذلك ما صفا ويكرهون لبسها”([83])، وهذا منهج نبوي سليم علمه رسول الله صلعم أصحابه: «دع ما يريبك إلَى ما لا يريبك»([84])، وقال: « يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ نَفْسَكَ الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الْقَلْبِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ»([85])، وهذا هو المنهج الذي اتسمت به مدرسته فيما بعد حتى اتِّهمهم غيرهم بالتشديد والغلو.

ويرى أَنَّ الوليدة إذا رأت عورة الابن أو مسَّته فليس لوالده أن يطأها، وكذا العكس؟ قال: “فأحب ذلك إليَّ أن يَتَنَزَّها عن ذلك، ويتركانه إلى غير ريبة”([86]).

وكان أيضا يكره هو وأساتذته ابن عباس وابن عمر، «أن يصام اليوم الذي يشك فيه من رمضان، وأن يصلان رمضان بالصوم»([87])، وهو ما عليه جمهور أصحابه.

وكان كثيرا ما يدعو إلَى التنزه عن المال الحرام والابتعاد عنه، فلا يجيز مشاركة المسلم للمشرك ولا لأهل الكتاب في التجارات والشركات؛ وعلل ذلك بقوله: “لِـمَا يستحلون من الذي يحرم عليهم”([88])، وهو ما ذهب إليه جمهور أصحابه، إِلاَّ ابن بركة من أصحابه، وجمهور الفقهاء علَى كراهتها من غير تحريم للحذر من إدخال الربا وما يدينون من تحليله، ولما يقع فيه من مخالطة المال، ويجري هذا الحكم -في التحقيق- أيضا علَى كل فاسق ومنافق لا يتورع عن أموال الناس([89]).

و- منع الطرق المؤدية إلَى مفسدة محققة أو مظنونة لاعتبار المصلحة، وهو ما يسمَّى بسد الذرائع، وهذا المسلك يغلب علَى المسائل المتعلقة بالأسرة والأنكحة؛ لِـما في ذلك من الخطور واختلاط الأنساب، وما يلحق الأفراد والأسر من مفاسد عاجلة وآجلة؛ وعلى ذلك كان الأصل عنده في الأبضاع الحظر والمنع.

فنجده يتشدد في أمر الإحصان ويراه يتم بعقد النكاح مطلقا، بالدخول وغير الدخول، جامع أو لم يجامع، مسلمة أو كتابية، أمة أو حرة، منطلقا من الحديث الذي رواه عنه تلميذه أبو عبيدة: «أَحْصَنَ مَنْ مَلَكَ أَوْ مُلِّكَ لَهُ »([90])([91])؛ إِلاَّ أَنَّ أصحاب مدرسته يخالفون شيخهم في ذلك أنه لا يحصنها حتى يجامعها([92])، واختلفوا في الكتابية والأمة هل تحصنه أو لا؟. وقد أجمل الشيخ السالمي (ت1334هـ) شروط الإحصان في الأبيات الآتية على رأي الإباضية غير جابر ومن ذهب مذهبه([93]):

شروط الحصانة ســـتّ       أتت    إذا كنت عن ذاك    مــسـتفهما

بلوغ وعــقــــــل وحـــــريــــــة          ورابعها كونه    مــســــلمــــــــــا

وعقد صحيح ووطء مــبــاح متى اختل شرط فلن يــرجما

ثم نجده يكره الجمع بين ابنتي العم وابنتي الخال في الزواج؛ وعلله بقوله: “تلك القطيعة، ولا تصلح القطيعة”([94]).

وفي باب الصيام فإنه يرى منع الرجل أَن يباشِر امرأتَه في ملحفةٍ واحدةٍ وهو صائمٌ رغم أَنَّهُ يرى أَنَّ النبيَّ صلعم قد فعله، إِلاَّ أَنَّ سؤاله لأستاذته جعله يطمئن علَى تعليل ذلك المنع؛ فقالت له: «إن النبي u كان أملك لإربه منكم»([95])، وزاد علَى ذلك التعليل: “إنما كرهت ذلك رهبة أن يفسد صومه؛ لأنه غير آمن لنفسه”([96]). وعلق تلاميذه من بعده أَنَّهُ إذا أمن الإنسان علَى نفسه جاز له ذلك، وهو المفهوم من تعليلهما لذلك.

ز- النظر إلَى المقاصد في تشريع الحكم، والحكم به دون الجمود علَى النص؛ حيث يرى أَنَّ المرأة التي مسَّت ذكر الصبيِّ لا ينتقض وضوؤها؛ لأنه ليس كالرجل، وهذا نظرا إلَى أَنَّ العلة في نهيه صلعم عن مس الفروج هو التلذذ، أو أنه كالدابة لا عبادة عليه فلا نقض على من مسه. فمنهم من وافقه من أصحابه ومنهم من حده ومنهم من خالفه كابن بركة (ق4هـ) حيث يوجب النقض علَى كل من مسَّ فروج الصبيان؛ وقوفا علَى ظاهر النص، أو رأى أَنَّ لهم حُرمة فقال بالنقض.

ح- العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني؛ والرجوع إلَى النية عند الاختلاف: فيرى أَنَّ الذي أراد التلبية بالحجِّ فلبَّى بالعمرة أو أراد العمرة فلبى بالحجِّ أن “ليس عليه من غلطه شيء”([97]). وذهب الإمام إلَى أبعد من هذا فقال في الذي غلط في طلاق امرأته أَنَّهُ ليس بشيء، إذ لا غلط ولا غلت علَى مسلم لا طلاق ولا عتاق عنده، حيث لقي أبو الشعثاء رجلا فسأله: أتزوجت فلانة على سنة الله ورسوله؟ فقال الرجل: نعم يا أبا الشعثاء قد طلقتها على سنة الله وسنة رسوله، فقال جابر: لا غلط –لا غلت – على مسلم([98])؛ والأصل في هذا قوله e: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان»([99]) وهي مرفوعة عن الأمة رأفة ورحمة بهم.

وكان لا يعدّ الخلع طلاقا، ويقول: “لا طلاق لمن خلع”، ولو كان خداعا وتغريرا؛ لأَنَّ العبرة بالمقاصد والخلع عندهم يقع طلاقا بائنا، فلا يلحقه طلاق كمن طلق ما لا يملك، وهو مذهب شيخه ابن عباس وأكثر الأئمة. وقد ذُكرت له امرأة أرادت الخلع من زوجها فكره؛ فقالت له: بعني تطليقة بألف درهم ففعل لها، ولم يرد خلعة؛ فأجابه: أرى المرأة خَدَعت زوجها وصارَ ما أخذ منها من قليل خلعة، وبطل طلاقه بعد ذلك وهي أملك بنفسها”([100]).

ط- الأصل عنده في العقود المراضاة وعدم الاختلاف والتغابن إِلاَّ ما ورد فيه نص بخلافه: حيث يجيز شركة الأعمال (الأبدان) في الزراعة إذا بنيت علَى التراضي، وانسداد باب الاختلاف من بدايته، فكان لا يرى بأسا في شأن صورة من المزارعة إذا استعمل ربّ الأرض عمالا تطيب أنفسهم بالعمل عنده، ووفر لهم جميع ما يحتاجونه، ثُمَّ يعطيهم ما تطيب به أنفسهم؛ فإن ذلك لا حرج عليه([101])، ويكره المزارعة في صورة أخرى وهي حالة رجل يدفع إلَى رجل برا وبقرا يعمل في الأرض ويزرع فيها وله الثلث أو الربع، “فذلك أيضا مِـمَّا يكره إِلاَّ رجلا تعلم له أجره “([102]).

أَمَّا في الإجارَة فإن الأمر يرجع إلَى التفاهم وعدم الجهالة في بداية العقد؛ فإن تم ذلك فإنه لا يهمّ ربح المؤجر أو خسرانه؛ بل يعطى الأجير حقه كاملا، قال: “وأما الذي ذكرت من رجل استأجر رجلا بخمسين جريبا فقال صاحب النخل: إني أستأجرك بفوم أو بر أو ما سوى ذلك من الثمر على أن أعطيك من ثمرة أرضي خمسين جريبا أو ما سوى ذلك من العدد، وزعمت أنه قطع أن الثمرة هلكت، فإن ذلك لا يذهب أجره، وإن اشترط من ثمرها يعطى أجره وإن لم تخرج الثمرة التي شرط له منها”([103]).

ي- اعتباره لقاعدة رفع الحرج، والمشقة تجلب التيسير: فنجده يتميز بالسهولة واليسر في آرائه وخاصة في أحكام العبادات؛ لأنها أمور متعلقة بين العبد وربه، ولا تتعلق بحقوق العباد، لذلك كان التيسير عنده أقرب إلى التعسير؛ اعتمادا على كثير من أدلة القرآن والسنة، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾([104])، و«إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ»([105])، فعلى هَذِه القاعدة نجده يعذر الأميّ والأغتم([106]) في إعادتهم للصلاة إذا تركوا السنة في قراءة السورة مع الفاتحة في الصلوات الجهرية؛ “فإن الله لا يكلف نفسا إلاَّ وسعها”([107]).

ومن تيسيره فى الصلاة أَنَّهُ كان يقف إماما لأصحابه فيصلي بهم أحيانا بآية من القرآن فقط كما قرأ لهم يوما: ﴿مُدْهَآمَّـتَانِ﴾([108]) ثُمَّ ركع([109])، حتى يبيِّن لهم أَنَّ السنة في القراءة جواز آية أو مثلها؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾([110])؛ ولكن اختلف الرواة في كونه قرأها وحدها أو مع الفاتحة؛ فروايات مدرسته تقول بأنه قرأها مع الفاتحة استنادا إلَى الروايات التي رواها الربيع عنه في مسنده([111])، أَمَّا غيرهم فيقولون بأنه قرأها وحدها لاستدلالهم علَى جواز قراءة ما تيسَّر من القرآن دون وجوب الفاتحة وهو بعيد لقاعدته في عدم مخالفة النصّ إن ثبت عنده.

س- يقرر قاعدة الضرورات تقدَّر بقدرها: في صلاة ذوي الأعذار، حيث يقول: “إِنَّ من لم يقدر على القيام من مرض أو في سفينة أو طين أو ماء فإنه يصلي جالسا ويومئ برأسه ولا يسجد”([112])، وهو قول مدرسته.

وكذلك من كانت به جنابة ولم يجد إِلاَّ ماءً يسيرا وأدركته الصلاة وخاف فواتها؛ فأجابه قائلا: “فإني أخبرك أن الرجل إذا كان معه ماء يسير كانت له رخصة إن خاف ظمأ فليتيمم صعيدا كما أمره الله، وإن لم يخف ظمأ وعنده ما لا يبلغ غسله أجمع؛ فإن المسلمين كانوا قبلنا كان الرجل يغسل فرجه ثُمَّ يتطهر طهوره للصلاة ثم يصلي صلاته، فإذا بلغ الماء فليغتسل”([113]).

عـ- فهم الواقع ومراعاة الظروف والأعراف والمتغيرات البيئية والظروف الزمانية؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، والمعرفة بأحوال الناس وأحوال المستفتي من أهم الواجبات علَى المفتي، حتى يستطيع النظر في الحادثة من كل جوانبها، ويصيب في إصدار حكمه؛ فقد كان الإمام جابر يجيز للأحرار نكاح الإماء في حال عدم الطول، أو خوف العنت، أو إذا أفضى ذلك إلَى الزنا؛ فلما سئل عن نكاح الأمة؟ قال: “لا يصلح اليوم نكاح الإماء؛ لأنه يجد طولا إلى حرَّة”، فكل من وجد ذلك منع من زواج الأمة.

وكان ينظر إلَى عادات الناس وأعرافهم في ما يتعلق بأمور النكاح من صداق ومتعة وغيرها، وأَنَّ العادة محكمة في أمر الصداق، والأمر إلَى “ما اصطلح عليه الناس بينهم”([114])، ويرى في متعة النساء أن ليس لها حدّ معروف في قليلها ولا كثيرها، وأن مردَّ ذلك إلى العرف([115])، ولعله يستحضر رواية شيخه ابن مسعود عن رسول الله e: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن»([116]).

ويذهب الإمام جابر إلَى أبعد من ذلك ويَقدم علَى أمر يبرز قوته في فهم النصوص وتطبيقها، وذلك في رؤيته إلَى أن الضرورات تبيح المحظورات في بعض الأوضاع، فقد يجاز في حالة ما لا يجاز في أخرى، وذلك أَنَّ واقع الأمويين الذي شهده وما فيه من فساد وظلم وسلب أموال الناس بغير حق جعله يجيز الرشوة، ويقول: “ما وجدنا في أيام ابن زياد وفي أيام زياد شيئا هو أنفع من الرشا”، ويقول: ” ما وجدنا في زمن الْحجاج شيئًا خيرًا مِن رِشًا”([117])، وهذا من عمق فهمه للحالة السائدة آنذاك من سلب الحقوق، فذلك الوضع يجتهد في جواز الرشوة في أخذ الحقوق واسترجاعها لا في أخذ أموال الناس، كما عطل عمر حد السرقة في عام الرمادة، وهذا المعنى نستنبطه أيضا في المرأة الزنجية التي سرقت فقالوا: تكلم فيها؟ فقال: ” انطلقوا فارشوا عنها”، وذلك للوضع المزري الذي عاشوا فيه، وهو يعلم أَنَّه الشفاعة في حد من حدود الله من أكبر الكبائر، ويروي حديثا مرسلا عن رسول الله e أَنَّهُ قال: «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي مُلْكِهِ، وَخَاضَ فِي سَخَطِهِ، وَإنَّ لَعْنَةَ اللهِ تَتَابَعُ عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»([118]).

ومن فهمه للواقع أيضا أَنَّهُ كان يقول: “لا بأس أن يُصانِع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم”، مِـمَّا يدل علَى استيعابه للواقع الذي يعيش فيه، وهذا من أكبر مهمات المفتي في إدراك الواقع، ومعرفة التصرف فيه بإعمال النصوص في محلها دون الإخلال بمقاصدها.

* – النتائج:

بعد هذه الجولات السريعة والومضات الخاطفة من التطور الفقهي ونشأة مدارسه، وعرض حياة الإمام جابر بن زيد -رحمه الله- ومنهجه، وكيفية تعامله مع الفتوى والمشكلات التي كانت تُعرض عليه، والتكييف العملي لها، سواء كانت في اختلاف الروايات أو في فهم النصوص، فَإِنَّهُ يمكن لنا استخلاص ما يلي:

1-  لم تكن هَذِه المداخلة في حقيقة الأمر إِلاَّ مقدمة لدراسات أخرى موسعة ومعمقة للبحث عن الإشكالات والمستجدات التي مرَّت عبر التاريخ الإسلامي، وكيف كان تعامل الأعلام معها.

2-  اتضح لنا من خلال منهج الإمام جابر أَنَّهُ لم يكن ميالا إلَى مدرسة بعينها، بل كانت له مدرسة خاصة يتميَّز بها حيث تجمع بين مدرستي الرأي والأثر، والذي ساعده علَى ذلك نشأته بين العراق والحجاز، وتفقهه وجمعه ما عند أصحاب المدرستين مِـمَّا أكسبه القدرة علَى تطوير مدرسة جامعة بين التمسك بالنص وإدراك مقاصده التشريعية، حيث “كان يفتي ويصدر الأحكام وفق المبادئ وأصول اقتنع بصحتها وصوابها، وظهر من خلالها غير متهيب من الرأي كلّ التهيب، ولا جريئا فيه كل الجرأة، كما لم يكن يقبل من الحديث كل ما ينقله الناس، ولم يكن يرد منه ما صحَّ عنده، بل كان من أخشى الناس أن يعرض عن حديث رسول الله e ليعمل برأيه”([119])، وهو المنهج نفسه الذي سار عليه الشافعي من بعده، وقد أخطأ من يرجع نشوء هَذِه المدرسة إلَى الإمام الشافعي، ولعلَّ ذلك راجع إلَى إيضاح الشافعي لمنهجه دون غيره من الفقهاء قبله.

3-  وجدنا أَنَّ الإمام من أكبر أئمة الفتوى في اعتماد الأصول الكبرى، والصناعة العملية المركبة التي كان يقوم بها في إصدار الفتوى، والتي لا يحسنها إِلاَّ من امتلك آليات التعامل مع النصوص، واستمسك بالأركان القائمة عليه الفتوى، وهي: – الإحاطة بمدارك الأحكام الشرعية ومراتب الأدلة وفهمها الصحيح. – استيعاب الكليات والمقاصد الكبرى للشريعة. – إدراك الواقع بكلِّ تفاصيله وحيثياته. – الأمانة والثقة في دين الله، ومراقبة الله U.

4-  من سماته الميل إلَى التيسير في فتاويه ونبذ الحرج في الدين، من غير إفراط ولا تفريط في الحكم، فييسّر فيما يتعلق بمسائل العبادات والمعاملات، ويشدِّد في أمور الدماء والأنكحة والفروج؛ لِـما في الأولى من التوسّع، والخطورةِ في الثانية.

5-  نلاحظ خلوّ فقه الإمام جابر ومدرسته من الفقه الافتراضي، فلم نجد من فتياه شيئًا من ذلك، وهو ما يعبِّر علَى اهتمامه بالفقه العملي الذي لا يعطي المجال فِيه للترف الفكري في ذلك الوقت.

6-  نرى أَنَّ مدرسته قد أخذت مسلك التحرّر وتأثرت به كثيرا ودرجت علَى أغلب آرائه إِلاَّ بعضها حيث خالفته فيها، أو خالف فيها بعضُهم بعد ذلك؛ لأَنَّ الاجتهاد لم يغلق عندهم أبدا، بل يتخيّر الفقهاء بين آراء الأئمة ومناهجهم دون غضاضة أو تكلّف، أو يحدثون آراء أخرى تخالفهم أو توافقهم أو تجمع بينهم، ويعدون ذلك من الثراء الممدوح، وليس لهم تقديس لشخص أو تقديمه علَى ما يرونه ثابتا عندهم؛ فصار المذهب الإباضي من أوسع المذاهب وأكثرها ثراء من حيث التنوع الفقهي وتعدد الآراء، وهذه هي المدرسة الجابرية التي تركت لأصحابها أبواب الاجتهاد منفتحة من عهد الصحابة إلَى يومنا هذا، رغم ما أصابها –كما أصاب الأمَّة جمعاء – من الركود والجمود والتخلّف، نظرا للأوضاع المتردية المختلفة التي مرت بها علَى مدى الأزمان، ولعلنا اليوم في عصر يجب أن نقوم علَى كلمة رجل واحد لترتيب الصفوف وتوحيد الجهود لإنقاذ الأمة مِـمَّا هي عليه، ومواكبة التطور الحضاري للجمع بين الالتزام بالأحكام الشرعية وتلبية حاجيات الأمة.

7- وأخيرا: يمكن أن نخرج في هَذِه الندوة بالدعوة إلَى:

1) جمع التراث الفقهي للأئمة المجتهدين في موسوعات متخصصة، ودراسة مناهجهم واستدلالاتهم والمشكلات المعروضة عليهم، للوصول إلَى مناهجهم وقواعدهم في التوصل إلَى الحكم.

2) المدرسة الجابرية في حاجة ماسة إلَى من يستخرج تراثها مضبوطا، واستنباط حقائقه لتعريفه للعالم حتى يطلعوا علَى ما فيه من أقوال وآراء ومناهج.

3) إنشاء مراكز للفتوى في كل مدينة، ومجامع فقهية تعرض فيها الفتاوى والمستجدات المعاصرة، حيث تساير التطورات الحضارية المختلفة، وتنشر مصدرة بأدلة واضحة، يشرف عليها فقهاء متصفين بالعلم والورع ومراقبة الله تعالى، ويشارك فيها علماء في تخصصات مختلفة.

والله ولي ذَلِكَ، والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.

  

أهم المصادر والمراجع:

  1. ابن أبي شيبة أبو بكر؛ عبد الله بن محمَّد بن أبي شيبة: الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، تحقيق: كمال يوسف الحوت، (7 أجزاء)، ط1: 1409هـ، مكتبة الرشد، الرياض، دار الفكر، ضبط وتصحيح: محمَّد عبد السلام شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1/ 1416هـ-1995م.
  2. ابن قتيبة الدينوري: المعارف، تحق: محمَّد إسماعيل الصاوي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2/1970م)،
  3. ابن قيم الجوزية الزرعي؛ محمَّد بن أبي بكر أيوب: زاد المعاد في هدي خير العباد، المكتبة العلمية، بيروت، توزيع: دار الباز للنشر والتوزيع، مكة.
  4. الأصبهاني، أبو نعيم، أحمد بن عبد الله، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، دار الكتاب العربي، لبنان، ط4/ 1405هـ.
  5. الأصفهاني، الراغب (ت502هـ): المفردات في غريب القرآن، دار القرآن.
  6. الإمام زيد بن علي: كتاب المجموع الحديثي والفقهي، تحقيق: عبد الله العزي، ط1/1422هـ-2002م، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية، صنعاء، اليمن.
  7. بعوشي، عبد الله: رسالته للماجستير في الجامعة الأردنية بعنوان: “منهج الاجتهاد الفقهي عند الإمام جابر”.
  8. بكوش، يحي محمَّد: مدرسة جابر وأثرها في الفقه الإسلامي، محاضرة في ندوة الفقه الإسلامي،ط1/1409هـ- 1989م.
  9. بكوش، يحي بن محمَّد: فقه الإمام جابر بن زيد (تقديم وجمع وتخريج)، ط1/1407هـ-1986م، دار الغرب الإسلامي، بيروت.

10. بولرواح، إبراهيم بن علي: موسوعة آثار الإمام جابر بن زيد الفقهية، ط1/1427-2006، مكتبة مسقط، سلطنة عمان.

11. التيواجيني، مهني بن عمر: أشعة من الفقه الإسلامي، (3) الفقه والتشريع مدخلا وتاريخا، (ط1/1417هـ-1996م، مط النهضة، سلطنة عمان)، ص70.

12. جابر بن زيد: رسائل الإمام جابر، المكتبة الإسلامية، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، مسجلة رقم عام: 9192 وخاص 216ج.

13. جمعية التراث (لجنة البحث العلمي): معجم أعلام الإباضية من القرن 01هـ إلى 15هـ- قسم المغرب، ط01/1420هـ-1999م، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر.

14. الخراساني، بشر بن غانم الخراساني: المدونة، تحقيق: لعساكر إبراهيم ويحي النبهاني، مكتبة الجيل الواعد، سلطنة عمان، ط1/1427هـ- 2006م.

15.  خليفات، عوض محمَّد: نشأة الحركة الإباضية، طُبع سنة 1978م، مطابع دار الشعب، عَمَّان.

16. الذهبي، محمَّد أبو عبد الله شمس الدين: تذكرة الحفاظ،تصحيح: عبد الرحمن المعلمي، (ط1374هـ، دار الكتب العلمية، بيروت)، النووي أبو زكريا محيي الدين بن شرف: تهذيب الأسماء واللغات، (المطبعة المنيرية مصر).

17.  الراشدي، د. مبارك بن عبد الله: نشأة التدوين للفقه واستمراره عبر القرون، ط1/1422هـ-2001م.

18. الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيب، ضبط وخرج أحاديثه: محمَّد إدريس، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، ط3/1424هـ-2003م.

19.  الزرقا، مصطفى أحمد: المدخل الفقهي العام، دار القلم، ط1/1418هـ1998م.

20. السالمي، عبد الله بن حميد، شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، مكتبة الإمام نور الدين السالمي، سلطنة عمان، ط1/ 2004.

21.  سامي صقر عيد أبي داود: الإمام جابر بن زيد وأثره في الحياة الفكرية والسياسية، طبعة سلطنة عمان.

22. الشماخي، عامر بن علي أبو ساكن: كتاب الإيضاح، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط4/ 1420هـ-1999م.

23. الشوكاني، محمَّد بن علي بن محمَّد، نيل الأوطار من أحاديث سيّد الأخيار شرح منتقى الأخبار، دار الجيل، 1973.

24.  العوتبي، سلمة بن مسلم، كتاب الضياء، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1411هـ-1990م.

25. القرطبي، أبو عبد الله محمَّد بن أحمد: الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد عبد العليم البردوني، ط2/1372هـ، دار الشعب، القاهرة.

26. القنوبي، سعيد بن مبروك، الإمام الربيع مكانته ومسنده، مكتبة الضامري، سلطنة عمان، ط1/ 1416هـ-1995م.

27.  الكندي، محمَّد بن إبراهيم، بيان الشرع، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط1/ 1993م.

28.  مجموعة من الباحثين، معجم أعلام إِبَاضِيّة المغرب، قرص مدمج.

29. مطلوب عبد المجيد: المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي وتاريخه وأسسه وخصائصه ومصادره، دار النهضة العربية.

30. النامي، عمرو خليفة: دراسات عن الإباضية، ترجمة: ميخائيل خوري، دار الغرب الإسلامي، لبنان، ط1/ 2001م.


[1]) انظر: مصطفى الزرقا: المدخل الفقهي العام، 1/165-166.

[2]) انظر اختلاف تقسيمات المؤلفين لهذه الأدوار في كلِّ من: محمد الخضري بك: تاريخ التشريع الإسلامي، ص101-108. مصطفى الزرقا: المدخل الفقهي العام، 1/159-256. عبد المجيد مطلوب: المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي وتاريخه وأسسه وخصائصه ومصادره، ص51-98. د. الراشدي: نشأة التدوين للفقه واستمراره عبر القرون، ص56-67. وغيرهم.

[3]) ليس المقصود هنا بمدرسة الرأي أنها تقرر الأحكام بالتشهي والهوى أو ما يختار بالعقل المجرد دون تقيد بشيء من نصوص الشرع ومقاصدها، وَإِنَّمَا المراد به النظر في علة النصوص وغاياتها وسبب ورودها لمعرفة المراد به من أجل حسن تطبيقه تطبيقا صحيحا، وعلى ذلك يكون الرأي شاملا للقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والعرف، والخلاف الحقيقي في اختلاف المدرستين هو اختلافهما في منهجية الاستدلال بالسنة. انظر: الزرقا: المدخل الفقهي، 1/195-196.

[4]) ليس المقصود هنا بمدرسة الرأي أنها تقرر الأحكام بالتشهي والهوى أو ما يختار بالعقل المجرد دون تقيد بشيء من نصوص الشرع ومقاصدها، وَإِنَّمَا المراد به النظر في علة النصوص وغاياتها وسبب ورودها لمعرفة المراد به من أجل حسن تطبيقه تطبيقا صحيحا، وعلى ذلك يكون الرأي شاملا للقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والعرف، والخلاف الحقيقي في اختلاف المدرستين هو اختلافهما في منهجية الاستدلال بالسنة. انظر: الزرقا: المدخل الفقهي، 1/195-196.

[5]) الماوردي علي بن محمد بن حبيب: الأحكام السلطانية، (دار الكتب العلمية، بيروت)، ص91.

[6]) انظر: الحجوي: الفكر السامي، 2/321.

[7]) نسبة إلَى عبد الله بن إباض المري التميمي (ت: 86هـ) لمواقفه العلنية ضد السلطة، ومناظراته للخوارج وغيرهم، وكان يصدر عن رأي شيخه الإمام جابر، ولا نريد الخوض في الرد علَى الادعاء الذي يريد إقصاء الإمام جابر وبراءته من الإباضية، وعلاقته مع ابن إباض وغيره من مؤسسي المذهب الإباضي؟، وقد ناقش ذلك بجلاء كثير من الباحثين منهم: عوض خليفات: نشأة الحركة الإباضية، ص93. يحيى بكوش: فقه الإمام جابر، ص26-29. وسامي صقر: الإمام جابر بن زيد وأثره في الحياة الفكرية والسياسية، ص56-67. وغيرهما. قال د. النامي في دراساته (ص120-121): “والرجل الذي كان مسؤولا فعليا عن تأسيس مدرسة للفقه الإباضي هو جابر بن زيد، وهو محدث وفقيه؛ وبسبب معرفته الواسعة بالقرآن وبأحاديث الرسول e فقد كان قادرا أن ينشئ مذهبا مستقلا، وأن يجذب إليه عددا من المتعلمين. وفي وقت لاحق راح هؤلاء يطورون آراء وينشرونها. واتخذ الفقه الإباضي شكله النهائي على يدي تلميذه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في سنواته الأخيرة، وعلى يدي الربيع بن حبيب، تلميذ جابر بن زيد وأبي عبيدة معا. غير أن جابر بن زيد يظل الشخصية ذات الأهمية الكبرى في تأسيس هذا المذهب. وبالإضافة إلى مهارته كمفتٍ صرف معظم حياته لإصدار الأحكام الشرعية وضبط آرائه باستشارة صحابة الرسول الأحياء، والتابعين البارزين، وكان كذلك صلة الوصل الأساسية يبن أتباع مذهبه وأولئك الصحابة الذين لعبوا الدور الرئيس في صياغة الآراء حول الشؤون الدينية والشرعية ونشرها”.

[8]) للتوسع في حياة الإمام جابر يمكن الرجوع إلَى كلّ من: د. عمرو خليفة النامي: دراسات عن الإباضية، 73-94. بكوش: جوابات، ص11-77. سامي صقر عيد أبي داود: الإمام جابر، 71 وما بعدها. بولرواح: موسوعة آثار الإمام جابر بن زيد الفقهية، المقدمة. وغيرها.

[9]) السالمي: حاشية الجامع الصحيح، 1/8.

[10]) ابن حبان: الثقات، 4/101-102.

[11]) العوتبي: الضياء، 3/211. البرادي: الجواهر المنتقاة، ص151.

[12]) النامي: دراسات، ص75. وقد ذكر الدرجيني (الطبقات: 2/208) أَنَّهُ كان يحج كل سنة، وكانت له ناقة سافر عليها أربعا وعشرين سفرة ما بين حجة وعمرة.

[13]) ابن نعيم: الحلية، 2/54.

[14]) ابن سعد، طبقات، 7/131 ؛ أبو نعيم، مصدر مذكور سابقا، 3/86 ؛ ابن حجر، تهذيب، 2/38 – 39.

[15]) الدرجيني: الطبقات، 2/213.

[16]) البخاري: التاريخ، 2/204.

[17]) الألوسي: روح المعاني، 3/163.

[18]) أبو نعيم: حلية الأولياء، 3/85.

[19]) المصدر السابق نفسه.

[20]) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان، 3/64.

[21]) يقال: بأن نسخة من ديوان جابر كانت بحوزة الخليفة العباسي هارون الرشيد (170هـ)، وقد تمكن العالم النفوسي نفاث بن نصر من نسخه ثُمَّ أتلفه لمعارضته لأهل الدعوة. وقيل: بأن كتب جابر كانت بحوزة أبي عبيد مسلم ثُمَّ انتلقت إلى الربيع بن حبيب ثُمَّ إلَى أبي سفيان محبوب بن الرحيل ثُمَّ ابنه محمد، وعنه نسخت في مكَّة. انظر: النامي: دراسات، ص79-80. (نقلا من: سير أبي زكريا وسير الوسياني).

[22]) ابن حجر: تهذيب، 2 / 38.

[23]) انظر: النامي: دراسات، ص78-79. وجمعية التراث: معجم أعلام إباضية المغرب، تر230.

[24]) انظر: ابن سعد: الطبقات، 9/182. ابن قتيبة الدينوري: المعارف، ص200. الذهبي: تذكرة الحفاظ، 1/73.

[25]) النووي: تهذيب الأسماء واللغات، 1/142.

[26]) الشماخي: السير، 1/72.

[27]) انظر مناقشة ذلك في: الحارثي سالم بن حمد: العقود الفضية، ص103. النامي: دراسات، ص93. بكوش: فقه الإمام جابر، ص11.

[28]) ابن حجر: تهذيب، 2 / 38.

[29]) ابن سعد: الطبقات الكبرى، 7/179. وأبو نعيم: حلية الأولياء، 3/86.

[30]) المزي: تهذيب الكمال، 4/435. الذهبي: سير الأعلام، 4/482.

[31]) أبو نعيم: الحلية، 3،/ 86.

[32]) المصدر السابق نفسه.

[33]) ابن حزم: المحلى بالآثار، 3/350.

[34]) وهو مفهوم الإفتاء عند الراغب الأصفهاني (ت502هـ): المفردات في غريب القرآن، ص373.

[35]) وقد سبق طرق هذا الموضوع بعض الباحثين منهم: الأستاذ مهني التيواجيني في كتابه: أشعة من الفقه الإسلامي، والطالب بعوشي عبد الله في رسالته للماجستير في الجامعة الأردنية بعنوان: “منهج الاجتهاد الفقهي عند الإمام جابر”، فقد أشار الأوَّل وأجمل، واختصَّ الثاني ببعض النماذج، وسنجمل بعض ما ذكروا، ونزيد ما استطعنا الوصول إليه من خلال قراءاتنا لهذا التراث.

[36]) التيواجيني: أشعة من الفقه الإسلامي، ص70.

[37]) الدرجيني: الطبقات، 2/ 212.

[38]) سورة النور: 28.

[39]) الإمام جابر: رسائل، ر7، ص20

[40]) سورة الأعراف: 33.

[41]) الإمام جابر: رسائل، ر2، ص4.

[42]) الكندي: بيان الشرع، 48/445.

[43]) الشماخي: الإيضاح، 2/333.

[44]) الإمام جابر: رسائل، ر10، ص26.

[45]) الزرقا: المدخل الفقهي العام، 1/171-172.

[46]) الإمام جابر: رسائل، ر7، ص20.

[47]) سورة النور: 29.

[48]) النحاس: الناسخ والمنسوخ، 1/589. القرطبي: أحكام القرآن، 12/221.

[49]) سورة النور: 61.

[50]) سورة البقرة: 235.

[51]) سورة النمل: 91.

[52]) انظر هَذِه الروايات في: بولرواح: موسوعة آثار الإمام جابر، ر804، 1/713.

[53]) السالمي، شرح طلعة الشمس، 2/2.

[54]) الخراساني: مدونة أبي غانم، 256.

[55]) سورة فصلت: 42.

[56]) الربيع: مسند، باب في الأمة…، ح40. وهناك رواية أخرى (ح945) من طريق جابر مرسلة عَنِ النبي e قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيءٍ إِلاَّ وَقَدْ كُذِبَ عَلَيْهِ مِنْ بَعْدِهِ أَلاَ وَسَيُكْذَبُ عَلَيَّ مِنْ بَعْدِي كَمَا كُذِبَ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ قَبْلِي، فَمَا أَتَاكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَمَا وَافَقَهُ فَهُوَ عَنِّي، وَمَا خَالَفَهُ فَلَيْسَ عَنِّي». وهذه من الأحاديث الصحيحة عند مدرسة آل البيت، ومن قواعدهم الكبرى في قبول الحديث، مِـمَّا يدل علَى التشابه الكبير بين المدارس الأولى في كثير من قواعد قبول الرواية. (انظر: مقدمة عبد الله العزي لتحقيقه كتاب المجموع الحديثي والفقهي للإمام زيد بن علي، ص9-10. وتفصيل هذه الأقوال ومناقشتها عند: القنوبي: الإمام الربيع مكانته ومسنده، ص110- 112).

[57]) الربيع: مسند، باب في القبور، ح483.

[58]) سورة الأنعام: 164.

[59]) الشوكاني: نيل الأوطار، 1/196.

[60]) سورة المائدة: 6.

[61]) انظر: الربيع: مسند، باب (19) في المسح علَى الخفين، ح121-128. ومدونة أبي غانم، ص63-64. وانظر استدلالاتهم في: القرطبي: أحكام القرآن، 6 /92-94. بكوش: فقه الإمام جابر، ص155-158.

[62]) الربيع: مسند، باب (63) أدب الطعام والشراب، ح381.

[63]) الإمام جابر: رسائل، ر5، ص14.

[64]) الإمام جابر: رسائل، ر5، ص14.

[65]) سورة الزمر: 9.

[66]) أبو غانم الخراساني: مدونة أبي غانم الخراساني، ص84.

[67]) عمدة القارئ، 7/23. بكوش: فقه الإمام جابر، ص195-196.

[68]) الإمام جابر: رسائل، ر4، ص11.

[69]) الإمام جابر: رسائل، ر3، ص9. وهذا الحديث أخرجه مسلم فِي صحيحه (ح1265) عن أبي سعيد وأبي هريرة عن النَّبِيّ e أَنَّهُ قال: « إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ».

[70]) الإمام جابر: رسائل، ر17، ص41-42.

[71]) الإمام جابر: رسائل، ر17، ص42.

[72]) الإمام جابر: رسائل، ر17، ص42.

[73]) روايات عن الربيع عن ضمام عن أبي الشعثاء، وروى ابن أبي شيبة أَنَّ الصداق كاملا، ويستبعد ذلك؛ لأَنَّهُ مخالف لنص الكتاب في حكم من طلق قبل المس. انظر هَذِه الروايات في: بولرواح: موسوعة آثار الإمام جابر، ر1394، 2/1084-1085.

[74]) انظر روايات هَذِه المسألة في: موسوعة آثار الإمام جابر، ر1275، 2/1019-1020.

[75]) الإمام جابر: رسائل، ر4، ص11.

[76]) الخراساني: المدونة الكبرى، 2/28.

[77]) مصنف ابن أبي شيبة، ر904، 3/528. وانظر هَذِه الروايات كلها الموافقة والمخالفة في: موسوعة آثار الإمام جابر، ر 917، 2/784-787.

[78]) الربيع، الآثار، ر291.

[79]) سورة النساء: 23.

[80]) الإمام جابر: رسائل، ر11، ص21.

[81]) ( 1550/3691 )

[82]) سورة النساء: 22.

[83]) الإمام جابر: رسائل، ر17، ص41-42.

[84]) رواه الترمذي عن الحسن، ر2442، 9/58. والنسائي فِي كتاب الأشربة، باب الحث على ترك الشبهات، ر5711، 8/328. وأحمد، 1/200.

[85]) رواه أحمد فِي مسنده، 4/228.

[86]) الإمام جابر: رسائل، ر2، ص4.

[87]) الخراساني: المدونة، ص149.

[88]) الإمام جابر: رسائل، ر17، ص43.

[89]) انظر: ابن بركة: الجامع، 2/368. زيد بن علي: المجموع، ص197. الأردبيلي: مجمع الفائدة والبرهان، 10/204.

[90]) الربيع: المسند، باب (36) في الرجم والحدود، ح603.

[91]) وذهب إلَى ذلك الإمام الهادي (ت298هـ) من الزيدية أنها تحصنه بالخلوة. انظر: شرح الأزهار: 4 /343.

[92]) انظر: الخراساني: المدونة، ص387-388.

[93]) السالمي: شرح الجامع الصحيح، 3/ 280.

[94]) المسائل المعروضة من المجموع، ورقة 362.

[95]) الخراساني: المدونة، ص145.

[96]) السالمي: شرح الجامع الصحيح، 3/280.

[97]) الربيع: الآثار، ر268، ص68-69.

[98]) انظر هَذِه الروايات في: بولرواح: موسوعة آثار الإمام جابر، ر970، 2/831-833.

[99]) رواه الربيع، عن ابن عباس، ما جاء في التقية، ر794، 1/301. وابن ماجه، عن أبي ذر وابن عباس، كتاب الطلاق، ر2043، 2045.

[100]) الإمام جابر: رسائل، ر17، ص42.

[101]) الإمام جابر: رسائل، ر15، ص36.

[102]) الإمام جابر: رسائل، ر8، ص22.

[103]) الإمام جابر: رسائل، ر3، ص9.

[104]) سورة الحج: 78.

[105]) رواه النسائي فِي سننه، ح4948، 15/248.

[106]) الغُتْمةُ: عُجْمةٌ في المَنْطقِ. ورجلٌ اغْتَمُ وغُتْمِيٌّ، أي: لا يفصح شيئاً. انظر: الفراهيدي: العين، مادة: غتم.

[107]) الإمام جابر: رسائل، ر5، ص14.

[108]) سورة الرحمن: 64.

[109]) مصنف ابن أبي شيبة، ر3631، 1/318. وموسوعة آثار الإمام جابر، ر490، 1/509-512.

[110]) سورة المزمل: 20.

[111]) روى الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله e: « من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج». قال الربيع: الخداج الناقصة وهي غير التمام. الربيع: المسند، ح222.

[112]) الشماخي: السير، 1/108.

[113]) الإمام جابر: رسائل، ر5، ص13-14.

[114]) باجو، منهج الاجتهاد، ص575. نقلا من كتاب جابر، 22.

[115]) ابن القيم: زاد المعاد، 4/ 146.

[116]) أخرجه الخطيب البغدادي: الفقيه والمتفقه، 1/422، وابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله، 2/855، وأورده الهيثمي: مجمع الزوائد،1/177 و178، وقال: “رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثوقون”.

[117]) انظر هَذِه الروايات في: بولرواح: موسوعة آثار الإمام جابر، ر1263، 2/1011-1013.

[118]) الربيع: المسند، ح979.

[119]) التيواجيني: أشعة من الفقه الإسلامي، 71.

 

*  ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان ” فقه النوازل وتجديد الفتوى”

المنعقدة خلال الفترة: 13-16 ربيع الأول 1428هـ/ 1-4 إبريل 2007م

سلطنة عمان – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك