توجيه الاستدلال الفقهي لاستيعاب المستجدات

توجيه الاستدلال الفقهي لاستيعاب المستجدات

 إعداد: أ.د. عبد اللـه مبروك النجار

 (عضو مجمع البحوث الإسلامية، وأستاذ الدراسات الفقهية المقارنة بين الشريعة والقانون، بجامعة الأزهر)

 

تقديـم:

الحمد لله الذي ختم بالإسلام شرائع السماء، وأتَمَّ بما أنزله فيه النعمة، وأكمل به الدين، واختصَّه بأن جعله صالحاً لكلِّ زمان ومكان وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين وسيد الأوَّلين والآخرين محمَّد e الذي أرسله ربه بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه، فأدى الأمانة وبلَّغ الرسالة، ونصح الأمة وكشف الغمة، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، ومن سار على منوال شريعته، واتبع منهاج دينه إلى يوم الدين.

وبعد؛

فقد اكتشفت الأمَّة وهي في غمرة انفعالها بالظروف المحيطة بها، وتفاعلها معها، أنها بحاجة إلى تجديد التناول في كثير من الموضوعات المنظمة بنصوص تشريعية أظهر التطبيق العملى لها، أنها أصبحت بحاجة إلى إعادة النظر في وجوه الدلالة للنصوص المقررة لها، إلى ما ينبغى مراعاته في إطار النوازل المستجدة، وما أسفر عنه الواقع العملى من تطبيقات معاصرة على نحو ما فعله الصحابة والتابعون، وتابعوهم والمجتهدون في كل عصر، تحقيقاً لِمقصد الشارع الحكيم – سبحانه – حين جعل التشريع الإسلامي خاتماً لرسالات السماء، وما يقتضيه ذلك من ضرورة مواكبته للنوازل المستجدة والمعاملات المستحدثة في كل زمان ومكان، وحتى لا يكون القعود عن تحقيق هذا المقصد الأسمى تجميداً لهذا التشريع العظيم، وقبره في فتـرة مـن الزمـان، وهـو ما لا يرضاه الله ورسوله، ولا يقبله مسلم غيور على دينه.

وقد لوحظ أن البعض حاول أن يجعل من تجديد التناول نسفاً للأصول وتمرداً على المبادئ التي نزل بها هذا الدين، وخلطوا بين التجديد الذي يقتضي توجيه الدلالة لاستيعاب المستجدات، والتغيير على نحو يؤدِّى إلى الخلط والتلبيس، ويقتضي التصويب والتصحيح.

وهذا البحث يقدم تصوراً لتجديد التناول الإسلامي في مجال توجيه الاستدلال الفقهي لاستيعاب المستجدات في أبواب الفقه، على نحو آمن يكفل احترام الثواب، وإعادة النظر في وجوه الدلالة بما يجعلها تمتد لِما يستجد من أمور فتظلها بأحكام الشريعة، فلا ينفلت الواقع من هديها، ولا يخرج فرع عن أصولها، وذلك -بعد هذا التقديم- وفق الخطة الآتية:

تمهيـــد: أهمية توجيه الاستدلال الفقهي لاستيعاب المستجدات.

المبحث الأول: توجيه الاستدلال الفقهي لاستيعاب المستجدات في مجال العبادات.

المبحث الثانى: توجيه الاستدلال الفقهي لاستيعاب المستجدات في مجال العلاقات الدولية.

المبحث الثالث: توجيه الاستدلال الفقهي لاستيعاب المستجدات في مجال المعاملات.

أدعو الله ــ تبارك وتعالى ـ أن يجعله مفيداً ونافعاً، ومحققاً للغرض الذي كتب من أجله، وأن يتجاوز عما يمكن أن يكون قد وقع فيه من خطأ أو تقصير، ربَّنا لا تزع قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب، هذا وبالله التوفيق.

 

تمهيـــــــد:

أهمية توجيه الاستدلال الفقهي لاستيعاب المستجدات

اختصَّ الله دينه الخاتم بأمور لم توجد في أي دين قبله، ومن هذه الأمور أنه قد نزل رحمة للإنسانية كلها، بل إن رحمة الله التي اختص بها دينه الخاتم لم تقتصر على بنى الإنسان وحدهم، أو الذكر دون الأنثى منهم، وإنما شملت الكون كله، لتعم الحيوان والنبات، بل الجماد ليكون من ضمن مقاصدها حماية البيئة والمحافظة عليها، وهو الأمر الذي بات يمثل مطلباً إنسانياً يلح الجميع لتحقيقه، قال الله تعالى مخاطباً نبيه e ومبيناً في رسالته هذا الجانب من خصائصها في القرآن الكريم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ([1])، فقد أضيفت الرحمة التي عمَّت ما أرسل به جميع العوالم من الإنسان والحيوان والنبات والجماد؛ لأَنَّها جمع عالم.

فما من عالم خلقه الله في الدنيا إلاَّ وله في رحمة الإسلام حظّ وافر ونصيب كبير، وحتى تصل تلك الرحمة إلى من نزلت لهم،اختار لها محمَّداً e بما مضى به علمه، وجرى فيه قدره، قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ([2])، فكان تجسيداً لتلك الرحمة في أقواله وأفعاله وكافة تصرفاته، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ([3])، وقال عن نفسه u: «وإنَّما بعثت رحمة»([4])، ومن ثَمَّ كانت رحمة الله بالإنسانية كلها في الإسلام قولاً وعملاً، نظرية وتطبيقاً، دنيا ودينا، وذلك من الثوابت التي لا مراء فيها، ومن خَصائص التشريع الإسلامي ما يلي:

أوَّلاً: أنَّه تشريع عام للناس أجمعين:

ومن الأمور التي اختصَّ الله بها دينه العموم، وهو يعنى أنَّ ما اختص الله به دينه من الرحمة ليس خاصاً بجماعة معينة، أو فئة خاصة، أو جيل بذاته، ولكنَّه عام لكلِّ الناس، ولجميع الأجناس في كل زمان وبيئة، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإلاَّ لو كان الإسلام خاصاً بقوم دون غيرهم، أو جيل دون آخر، لكان في هذا تمييز بين الناس في العطاء الإلهى من الرحمة المقسومة بالإسلام، وهذا أمر يتنزه عنه الخالق العظيم سبحانه، فالخلائق كلها مملوكة له، والناس جميعاً عبيده إجباراً، حتى لو استنكف بعضهم عن الإيمان بما أنزله اختياراً، وهم فقراء إليه، وأسرى فضله وإحسانه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ([5])، وإذا كان الناس جميعاً عبيداً لله، وهم فقراء إليه، وهو غني عنهم، لا تنفعه طاعتهم ولا يضره انحرافهم، فإنَّ من مقتضى ذلك أن يكون الخير المقصود مِمَّا شرعه، والرحمة التي أنزلها فيه جارية للكافة على قدم المساواة، وذلك دون محاباة أو تمييز، ولذلك فإنَّ خيره لا يتقاصر عن أحد، ولا يتأبى عن الوصول لمخلوق، أو يختص بأمة دون أخرى أو جيـل دون غيره، وكان عمـوم الرسالة المحمَّدية لازماً لتحقيق المساواة في العطاء الإلهى دون أن يختـصَّ به فـرد أو جماعة أو جيل.

ثانياً: أنَّه التشريع الخاتم:

ومنها – وذلك هو الأهم – فيما يتعلق بموضوع توجيه الاستدلال في لغة الخطاب الشرعى بما يواجه الواقع، ويعالج النوازل، أنَّه الدين الخاتم الذي يمثل الحلقة الأخيرة في صلة السماء بالأرض، فلن ينزل الوحى بدين بعده، ولن يأتى بعد محمَّد e نبي أو رسول بوحي جديد أو رسالة أخرى، فكلّ ما يريده الله من خلقه، وجميع ما يريده بهم قد ضمنه هذا الدين الخاتم بما يغني الإنسانية كلها، وفي كلّ زمان ومكان، عن اللجوء لغيره في تنظيم حياتهم، أو اللجوء إلى سواه، ولهذا كان إرساله إيذاناً باكتمال الدين الذي نزل على كافة الرسل والأنبياء قبله، قال الله تعالى فيه: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً([6])، وإذا كان الدين قد اكتمل بنزوله، يكون ذلك دليلاً على أنَّه التشريع الخاتم، وأن المبعوث به هو النبيّ الخاتم، ولهذا يقول النبيّ e: «أنا العاقب فلا نبي بعدي»([7])، ويقول عن هذا الجانب من خصائص شريعته «وأنا خاتم النبيين»([8])، بل إن القرآن الكريم قبل السنة الشريفة قد قرر تلك الحقيقة الثابتة في قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ محمَّد أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾([9])، وهذه الآية الكريمة تلخص جملة المعانى المقصودة من عموم الدين وخلوده، فصلة محمَّد بمن أرسل إليهم ليست صلة قريب بقريبه، أو بالأخص ليست صلة والد بولده حتى يحابيه دون غيره، أو يخصه بعطفه ورحمته دون سواه، ولكنه رسول الله المبعوث إلى الدنيا كلها حتى تقوم القيامة ويبعث الناس للحساب، وهو رسول الله الذي ختم الله به النبيين، ولهذا كان دينه خالداً وكانت رسالته مستمرة إلى يوم الدين.

ملخص هويَّة التشريع الإسلامي:

وإذا ما أردنا أن نلخِّص ما سبق، فإننا نستطيع بسهولة أن نعبر عن حقيقة الإسلام في كلمات معدودات، هي: أنَّه رحمة عامة وخالدة، وما يفيده مدلول تلك الجملة الخبرية التي يعلم المبتدأ فيها سلفاً، أو بالعهد الذهنى المقدر وهو الإسلام، يعبر بصدق عن مقصود هذا الدين العظيم وغايته العظمى، كما يدلّ على بلاغة القرآن الكريم، وإعجازه حين جعل تلك الغاية اختصاصاً قصراً عليه، وذلك في قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ([10]) فجعل الرحمة العامة الشاملة من اختصاص هذا الدين، بل من اختصاصه وحده، وقصراً عليه دون سواه، ومن المعروف أن النصوص التشريعية التي نزل بها الوحى محدودة بما أنزله الله في كتابه وسنة نبيه e، وإذا كانت تلك النصوص قد شهدت نزولاً تطبيقياً بحسب الأحوال والنوازل التي جاءت في سياقها أو نزلت بسببها، فإنها مع ما اكتسبته بذلك من الطابع العملى الذي يجعلها صالحة للتفاعل مع الحياة، قادرة على تغيير سلوك الناس للوصول إلى ذلك المقصود الإسلامي الأسمى، لتواكب تغير الأزمنة واختلاف الأمكنة بما تشهده من تفاوت العقول، واختلاف العادات التي ألفها الناس عبر أجيال طويلة استقرت فيها تلك العادات وأصبح الانقياد لها أمراً يصعب التحرر منه، أو الفكاك من قيوده، وذلك كله يؤدى في النهاية إلى أن تكون الوقائع التي يراد لها أن تكون محكومة بتلك النصوص المحدودة غير متناهى، وكما هو معروف، فإن ما لا يتناهى لا يحكمه ما يتناهى، ولهذا كان الاجتهاد في إلحاق الفروع بالأصول، والوقائع المستجدة بالمبادئ العامة التي تندرج تحتها وتفسير النصوص لتستوعب أحكام النوازل المعاصرة، من الأمور التي تمثل أدوات التطبيق لعموم الشريعة وختمها، وصلاحيتها لِكُلِّ زمان ومكان، وكان ذلك الاجتهاد مطلوباً، بل واجباً على كلّ من يقدر عليه من علماء الأمَّة؛ إظهاراً لعموم الشريعة وخلودها، وتأكيداً لِما فيها من صلاح وملاءمة لحكم تصرفات الناس وتحقيق ما يرجونه بالحياد والعدل والموضوعية إلى يوم الدين.

أهمية الاجتهاد في ضوء ختم التشريع:

وإذا كان الاجتهاد هو الأداة التي تبرز عموم الشريعة وخلودها، وصلاحيتها لِكُلِّ زمان ومكان، يكون من لوازمه الانضباط بمبادئ تلك الشريعة وأصول أحكامها، ومن فضل الله على الناس جميعاً أنَّه قد جعل تلك النصوص مرنة تقبل النظر والاجتهاد، واختلاف الآراء على نحو يمكن معه اختيار ما يلائم كلّ بيئة من أحكام تلك الشريعة، وهذا أمر وارد ومقرر في قواعد الفقه الإسلامي الكلية، حيث ورد فيها: أنَّه لا ينكر المختلف فيه، بل ينكر المتفق عليه، ومعنى تلك القاعدة: أن المسألة إذا كانت محل خلاف في الرأي بين الفقهاء والمجتهدين، واختار المقلدون أحد تلك الآراء وفقاً لحاجات زمانهم أو ظروف عوائدهم، فإنهم لا يلامون في ذلك، ولا يصحّ أن ينكره عليهم أحد، وهذا واقع مشاهد في كلّ عصر ومكان لا يمارى فيه أحد، فهذا بلد يقلد مذهب أبى حنيفة، وهذا يقلد مالكاً، وذاك يقلد الشافعى، وغيره يقلد أحمد بن حنبل، مع ما بين مذاهبهم من اختلاف في حكم الفروع وفقاً لاختلاف فهمهم للنصوص التي تدل عليها، وفي ضوء أسس الاجتهاد التي قرروها، وسار كلّ منهم على ضوئها، وهذا الاختلاف لا يجوز أن يرقى إلى ثوابت الدين المتعلقة بالإيمان وما يصدقه من العبادة المشروعة، وما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ لأنَّها محلّ اتفاق، وهي التي تعطي للاجتهاد مشروعيته، كما تبين حدوده وضوابطه على نحو يحفظ لمسيرة الخير المقصودة من وراء بعثة الرسول الخاتم عطاءها إلى يوم الدين، وما انطوت عليه نصوص شرعه من الثبات والتطور.

ثالثاً: تميز التشريع الإسلامي بالتجرد والموضوعية:

ولا يصحّ في منطق المعقول المجرد استبعاد وجود تشريع إسلامي يتسم بالعمومية والصلاحية لِكُلِّ زمان ومكان، وإلى يوم الدين، أو قياسه في ذلك الخلود على ما يمكن أن يقارن به من القوانين الوضعية وما يعتريها من تغير متلاحق، وتعديل متواصل تكون به قادرة على التكيف مع الوقائع المستجدة أو الانسجام معها؛ لأَنَّ التشريع الإسلامي يتميز عنها بأمرين تفتقدهما تلك التشريعات الوضعية، ولو كان بمقدورها أن تحتوى عليهما لوجدت لنفسها مخرجاً مِمَّا تعانيه من اضطراب وقصور، ويجعل تغييرها، أو تعديلها أمراً ملحاً، لكنها لا تستطيع ذلك، ولن تستطيع وسيبقى النقص فيها، والخلل ملازماً لها، بما يجعل للتشريع الإسلامي تميزاً عليها إلى يوم الدين، وهذان الأمران هما:

1)- التجرّد الكامل والموضوعية التامة، وذلك من بديهات الخصائص المميزة لتشريع أنزله إله عظيم ليست له مصلحة عند أحد مِمَّن أنزل لهم هذا التشريع، وإذا كان المشرع غنياً وليست له مصلحة عند من يضع لهم تشريعه، يكون ما يقرِّره من الأحكام موضوعياً متجرداً على نحو يحقِّق العدل المطلق، فالناس جميعاً عباده، وهم فقراء إليه، وهو في غنى عنهم، لا تنفعه طاعتهم، ولا تضره معصيتهم، وذلك يعني أن حقوقهم جميعاً لديه في درجة سواء، كما يعني أن التشريع الذي يقرره لابد أن يكون ترجمة لهذا المعنى، وانعكاساً له، فلا يجامل جيلاً على حساب آخر، ولا يحابي فئة ضد أخرى، وذلك ما يفتقده التشريع الوضعى الذي لا يصدر – غالباً – إلا استجابة لتحقيق مصالح الاتجاه الغالب، وتلبية للضغوط الأقوى، ولهذا فإنه عند صدوره يكون مكبلاً بأغلال الانحياز لجانب على حساب الجانب الآخر، فإذا ما قوي ذلك الجانب واسترد عافية ضغوطه أعاد الكرة مرة أخرى وعدل ما سبق تقريره أو ألغاه، ثم يستمر ذلك التداول التشريعي الوضعي قائماً باستمرار تبدل الأحوال وتغير الأوضاع، واختلاف المواقع، وهو شأن المشرعين من البشر، أما المشرع الحكيم سبحانه فإنه يغير ولا يتغير، ويبدِّل ولا يتبدّل، ولهذا كان الدوام من سمات تشريعه ولا يصح استبعاده لذلك.

2)- أن تشريعات البشر تفتقد النظر الصحيح إلى المستقبل، وذلك أمر عادي في إطار قدرة من يصوغونها من البشر، فليس لديهم من القدرة العلمية ما يستطيعون به أن يخترقوا حجب الغيب ليعلموا ماذا سيقع من الأحداث والأحوال مستقبلاً حتى يتمكنوا من معالجة ما يقومون بصياغته من قوانين، يفترض فيها أنَّها لا تحكم إلاَّ ما سيقع من الأحداث بعد تطبيقها، فمجال عملها مقتصر على المستقبل؛ لأَنَّ التشريع الوضعي لا يجوز أن يطبق على الماضي، وهو ما يعرف بمبدأ: (عدم جواز رجعية التشريع)، ولهذا فإن التشريع الوضعى كثيراً ما يصدر وهو محفوف بالآمال الكبار التي تجزم بأنَّه سوف يحقق ما يرجوه واضعوه في قابل أيامهم، وفقاً لما يغلب على ظنهم عند صدوره، ثمَّ لا تلبث الأيام أن تطيح بتلك الآمال، وتبدد هذه الظنون، حين يظهر من الأحداث ما يحكم على ذلك التشريع بالغربة، ويجعله مسخاً متحفياً بعيداً عن حاجة الناس وقضاياهم.

وبالقطع فإن علم الله –تعالى– لا تحده حواجز الزمان أو المكان، فهو –سبحانه– لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماء أو في الأرض في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وإذا كان علمه مخترقاً حجب الزمان والمكان، يكون معرفة ما يقع في مستقبل الناس أمراً محققاً له، ليس ظناً وتخميناً كما هو شأن المشرعين من البشر، ويكون الله وحده – سبحانه – هو الأعلم بما يصلح أحوال الناس جميعاً في كلّ زمان ومكان، فإذا ما قرَّر لهم تشريعاً يكون هو موئل الأمل بالنسبة لهم، وذلك ما يفتقده التشريع الوضعى.

وبهاتين الميزتين يستبين أنَّه لا يصح عقلاً، ولا يسوغ منطقاً استبعاد صلاحية التشريع الإسلامي لِكُلِّ زمان ومكان، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ويكون من الخطأ الحكم على خلوده وأبديته من الزاوية التي ينظر منها إلى الآماد الزمنية القصيرة والمتقلبة للتشريعات الوضعية.

خصائص التشريع تحبذ توجيه الاستدلال الفقهي:

وإذا كان ذلك كذلك، يكون التجديد في الخطاب الدعوي الإسلامي أمراً ملحاً، بل أستطيع أن أجزم أنَّه ضرورة دينية قبل أن يكون حاجة حياتية؛ لأنَّه سيكون هو الأداة التي تعكس ما يمتاز به التشريع الإسلامي من عموم وأبدية وخلود، وبدونه سوف يكون هذا التشريع محدود الزمان على غير ما قصده الشارع من إنزاله، نعم إن هجر ذلك التجديد يعني الحكم على الإسلام بالسجن في مرحلة زمنية معينة أو مكان محدد، وتحنيطه فيه، ليكون تشريعاً متحفياً شأنه شأن التشريعات التي نقرأ عنها في العصور التاريخية الماضية، وهي جريمة لن يشرف أي حريص على خير الإنسانية أن يشارك فيها؛ لأَنَّ الإسلام رحمة عامة للإنسانية كلها، وليس خاصاً بالمسلمين وحدهم، وما فيه من مبادئ الحق والخير والسلام، إنما هو للبشر عامة، وليس لمن يؤمنون به خاصة، ويكون توجيه الاستدلال أمراً لازماً، ومطلباً ملحاً، وهو مطلب ديني، ولازم شرعي، لإنزال الدين حيث يريد من أنزله، ولتحقيق هديه حيث يشاء من رسم طريق الهداية لعباده به.

وجوب التزام توجيه الاستدلال بالمبادئ والأصول:

بيد أن توجيه الاستدلال لا يجوز أن يكون المقصود من ورائه نسف المبادئ من أساسها، أو تغيير النصوص وتبديلها، بل الأصح والأصوب أن تظل تلك النصوص منزهة عن العبث، وفي منأى من التحريف؛ لأنَّها – كما قلنا – ملك للإنسانية كلها، ويكون المطلوب منه هو تطبيق تلك النصوص على نحو يلائم العصر ويستوعب النوازل، ويتسع للحكم على مستجدات العلم ومبتكرات السلوك ليبين لنا حكمها وفقاً لما يغلب على الظن أنَّه يصيب حكم الله ورسوله فيها، وهو لذلك يستغرق الفروع كلها، وأبواب الفقه جميعها، ليكون لتلك الفروع وهذه الأبواب حظ من المعالجة المعاصرة التي تأخذ في الاعتبار ما لحقها من تجديد وما ألم بها من تطوير لا يجوز أن يتجاهله التشريع الأبدى الخالد الذي يؤمن أتباعه أن فيه حكماً لِكُلِّ تصرف يحدث، ولكل واقعة مستجدة، في إطار الفقه الدولي، وفقه المعاملات، وفقه الأسرة، بل وفقه العبادات نفسه في الأحكام التي اعترتها طوارئ التخفيف أو كشف الواقع المعاصر فيها ما يستوجب التيسير، أو تغيرت أسبابها أو علة أحكامها.

وذلك ما سوف نبينه في المباحث الآتية إن شاء الله، نسأل الله التوفيق والهداية، وما ذلك على الله بعزيز.

 

المبحث الأَوَّل:

توجيه الاستدلال الفقهي في مجال العبادات

توجيه الاستدلال الفقهي يعني تطبيق الأصول الشرعية وفقاً لِما نزل به الوحي من غير تحريف أو تغيير على نوازل العصر، وما استجد في الحياة من وقائع، فهو نوع من الاجتهاد المعاصر الذي يستهدف إلحاق الفروع المستجدة بأصولها، وذلك لاتِّحاد العلَّة أو وجود وصف يربطها بتلك الأصول، وإذا تَمَّ الاتِّفاق على هذا المعنى، فلا ضير أن يسمى تجديداً أو تطويراً أو ما إلى ذلك من المسميات ما دام مضمونها قد ضبط بهذا المعنى الذي يحفظ للتشريع قدسيته والأدلة الشرعية حرمتها، فلا يتمّ التعامل معها بأسلوب يحرف معناها، أو يغير مبناها، أو يرهق ألفاظ تلك الأدلة الشرعية بما لا تحتمله من المعانى التي تنافى دلالتها، أو تجافى ما هو معلوم من فهم الفقهاء لها.

وفي نظرنا أن ما اعترى حياة الناس من تطوير في ألوان التعامل وأساليب السلوك، وما حدث في عصرنا من تقدَّم في العلم، وما نشهده في وقتنا الحالي من المكتشفات الجديدة والمخترعات الحديثة، كلّ ذلك وغيره من شأنه أن يستحثّ في الفقهاء والمجتهدين همة البحث، وقريحة الاجتهاد والنظر لإسباغ الحماية الشرعية على تلك المستجدات، ومدّ مظلة النصوص الشرعية إليها لتشملها بما يبين أوصافها الشرعية وأحكامها الفقهية، وذلك أمر مطلوب، بل وواجب إذا لم نقم بفعله، فإن النتيجة سوف تكون سيئة في حق هذا الدين العظيم الذي ختم الله به كلّ رسالات السماء، وأودع فيه ما يلبي حاجة البشر في كلّ عصر وأوان، فإذا لم يتم إنزال أحكامه على مستجدات الحياة ونوازل المعاملات، فإن ذلك سيعني وجود انفصام بين الأحكام وتطبيقاتها في هذا التشريع العظيم، وذلك من شأنه أن يرسخ في أذهان الناس المقولات الكاذبة من أعدائه بأنَّه لا يصلح للواقع، ويحدث شرخاً كبيراً بينه وبين واقع الحياة بالمخالفة لِما أراده المشرع العظيم له من أبدية وخلود، وليكون تجديد التناول لأدلته وسيلة لتحقيق هذا المقصود الشرعى، تؤكد أن هذا الدين صالح لِكُلِّ زمان ومكان، وأن مقصد الشارع في ذلك حق لا مراء فيه، وواقع لا نكير له.

وحاجة الدراسات الفقهية إلى تجديد التناول وفقاً لمستجدات العصر، وفقه الواقع لا تقتصر على أبواب محددة من الفقه الإسلامي، أو قسم معين من أقسامه، ولكن تلك الحاجة تمتد لتشمل كلّ أبوابه، فقد عمت المستجدات كلّ تلك الأبواب ولم يعد ثَمة باب في عصمة منها؛ لأَنَّ الفقه يعنى الوصف الشرعي للواقع، وهذا الواقع متجدد ومتغير، بل غدا تجدده وتغيره متلاحقاً وسريعاً ما يحدث منه في المساء ما يخالف ما كان موجوداً في الصباح، وهذا ما يقتضي تغيير الأوصاف الشرعية وفقاً لتغير نوازلها، ومن فضل الله على الناس أنَّه قد جعل في أدلة التشريع من المرونة والسعة ما يستوعب ذلك التجدد المتلاحق، والتغير المتسارع، ويحكمه بما ييسر على الناس حياتهم، ويحفظ عليهم أمنهم، ويحقق لهم سعادة الدنيا وفلاح الآخرة.

نعم، لم يعد هناك باب يمكن أن يكون في منأى من رياح التجديد التي تهب على الناس صباح مساء، وتجعل أسلوب الحياة مختلفاً عما كان عليه أسلوب حياة الآباء والأجداد، فما بالنا بأهل العصور السابقة والقرون الماضية وإذا كان هؤلاء السابقون قد أخذوا من التشريع بغيتهم وحققوا من خلاله الصلة الوثيقة بخالقهم، فإنَّ من حقِّنا ومن حق الأجيال المتعاقبة أن يكون لها مثل ما كان لسلفها الصالح حين رسم حياته على هدي الدين، فوجد فيه راحة لنفسه وتأميناً لمستقبله، وإسعاداً لحياته، ونجاة في آخرته، ولا يجوز أن يكون اللاحقون أقل حظا من السابقين في ذلك، وتأسيساً على ذلك، فإن نطاق التجديد في التناول ينبغى أن يتسع ليشمل كلّ باب يحتاج إليه، وكل مسألة اعتراها من التجديد ما يقتضي إعادة النظر في حكمها وفقاً لتغير العلة التي تم إعمال النصوص في ظلها، ولما كشف عنه الواقع من تغير طبيعة المسألة التي تم إسباغ الوصف عليها، حيث كان المتاح من العلم بها لا يسمح إلا بإدراك جانب منها، فلما اتسع المتاح منها ظهرت فيها جوانب لو أن الذين وصفوها شرعاً من قبل كانوا على علم بها لما ترددوا في تغيير حكمهم عليها إلى ما يجب أن يقال فيها بعد أن اتسع نطاق العلم بجوانبها، وفي ضوء هذا المعنى اجتهد السابقون في جل الفروع، وأدخلوا ما قدروا عليه من تجديد في جميع الأبواب، فلم يخل باب من آثار تجديدهم في المعاملات، أو في العبادات، ولنضرب أمثلة توضح ما يقال:

ففي مجال العبادات: تطاول تجديد التناول إلى مسائل كثيرة اختلف أسلوب العمل فيها عما كان موجوداً في عهد الرسول e وصحابته وتابعيهم والمسلمين من بعدهم جيلاً بعد جيل حتى يومنا هذا، وكان تجديد التناول مرهوناً في وجوده ومبناه بمقدار ما أتيح لهم من مستجدات عصرهم وظروف واقعهم، حتى وضعوا لنا القاعدة المعروفة: “لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان”، وفي إطار هذا تناولوا بالتجديد كثيراً من أمور العبادات، وذلك كما يلي:

(1) مواقيت الصلاة: حدد النبيّ e مواقيت الصلاة فيما رواه الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو أنَّه – عليه الصلاة والسلام – قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغيب الشفق، وصلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس»([11])، ذلك ما حددته السنة، فهل يطلب من كلّ مصلٍّ إذا جاء وقت الظهر أن يقف في الشمس لينظر ما إذا كان قد انتعل ظله أم لا، ثم يؤذن للصلاة أو يصليها؟!، وإذا جاء وقت العصر أن يقف ثم يقيس ظله ويبحث ما إذا كان يوافق طوله أم لا؟!، ثم ماذا يصنع إذا كانت الشمس قد حجبها غيم أو ضباب فلم ينسل منها شعاع يجعل للأشياء ظلاً؟!، أو كان المسلم في بلاد يكثر فيها الضباب كلندن وما يعلوها من البلاد القابعة في أحضان الدائرة القطبية، وهنا يكون امتثال مطلوب الحديث بالتقدير وابتكار الأجهزة التي تضبط ذلك التقدير، كالحسابات الفلكية، والساعات المائية أو غير المائية مِمَّا تتفتق عنه ابتكارات العصر في تقدير الوقت وحسابه، فإذا ما نظر المسلم في الساعة، وطالع الوقت في النتيجة، كان ذاك إيذاناً بأن ذمته قد شغلت بالعبادة ويحاسب على ذلك من ربه في صلاته وصيامه، وذلك نوع من تجديد التناول لا يخالف ما ورد النصّ عليه في السنة الشريفة.

(2) الأذان للصلاة: هو الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة، ويحصل به الدعاء لصلاة الجماعة، وإعلان شعائر الإسلام، وهو واجب أو مستحب على سبيل الكفاية، لقول النبيّ e: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم خياركم»([12])، وعليه يأثم أهل الجهة إذا لم يقم فيها من يؤذن للصلاة، كما أن في الأذان أحكاماً تتعلق بالمؤذن مثل أن يكون مسلماً عاقلاً مميزاً رجلاً، وأن يكون باللغة العربية عند غير الشافعية، وترتيب ألفاظه وتواليها، ونية الأذان باعتبار أنَّه عبادة من المؤذن، كما يسن عند الأئمة أن يتولى إقامة الصلاة من أذن، وهذه الأحكام تتعلق بالمؤذن، وهو شخص مكلف يوصف فعله بالحل والحرمة، فما الحكم إذا لم يوجد من يعرف الأذان أو لا يقدر عليه؟!، وإذا تم الأذان بواسطة شريط مسجل، يراعى فيه كلّ ضوابط الأذان وسننه وآدابه ومكروهاته فهل يجزي عند عدم القدرة عليه أم لا؟!، إنه يجزي ويكون الإعلان عن دخول الصلاة به مِمَّا يقتضيه الواقع، إذا لم يوجد من يقوم به أو وجد ولم تتوافر فيه شروط القيام به.

(3) صلاة الخوف: وصلاة الخوف مشروعة باتفاق الفقهاء في السفر والحضر للخوف من العدو في الحرب أو غيره، وقد ورد النصّ عليها في قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً([13])، ومبنى صلاة الخوف قائم على أن العدو معلوم الجهة لهم، ولذلك فإن الجنود ينقسمون صفين أو فئتين بحسب موقع كلّ سرية منهم على أرض المعركة، بحيث إذا هم صف بالركوع والسجود كانت أعين الصف الآخر على العدو، فإذا فرغ الأولون من ركوعهم وسجودهم حلوا محل الآخرين في مراقبة العدو ليقوموا بالركوع والسجود مثل الذين سبقوهم.

وأسلوب الحرب الذي فصل الفقهاء عليه صلاة الخوف قد تغير فلم يعد للعدو جهة محددة يمكن الجزم بأنَّه لن يهجم إلا منها، وأصبحت الطائرات قادرة على الاقتحام من أية جهة دون أن تقوى أجهزة الرقابة الرادارية على ملاحقتها أو التنبه لجهة قدومها، ومن ثم لم يعد لرقابة المصلين معنى، ولهذا يكون الأصح عند اشتداد الخوف أن يصلى كلّ واحد حسب استطاعته راجلاً أو راكباً مستقبلاً القبلة أو غير مستقبل لها يومئ بالركوع والسجود كيفما أمكن، ويسقط عنه من أركان الصلاة ما عجز عنه، وهو المأثور عن بعض الصحابة كابن عمر، كما رواه البخارى ومسلم وغيرهما.

(4) صلاة المطلوب والطالب: والمطلوب هو المطارد من العدو الذي يفر هارباً منه، فإذا أراد الصلاة وهو يفر حال جريه صلى بالإيماء ولو ماشياً إلى غير جهة القبلة، وطالبه مثله في الحكم([14])، وقد تغير حال الطلب، كما تغير حال المطلوبين، وأصبحوا قادرين على التخفي في أحراش الجبال بما لا تستطيع أعتى قوات البحث في العالم أن تعثر عليهم، ولم يعد الطلب جرياً على الأقدام أو فراراً في الطرقات، فهل يصلي المطلوبون في أحراش أفغانستان بالإيماء، أم لابد من إتمام الصلاة؟!، الأصح إتمام الصلاة ولا يجزئهم الإيماء أو ترك استقبال القبلة، ولو صلوا كذلك لما قبلت صلاتهم لمخالفتها لهيئة الصلاة وشروطها وخروج الترخيص في هيئتها عن غايته.

(5) في الطب النبوي، وهو التداوي طلباً للشفاء وحفظاً للصحة: حثَّ عليه النبيّ e فقال: «تداووا فما من داء إلاَّ وجعل الله منه شفاء»، وثبت أنَّه صلعم التمس العلاج لنفسه، فاحتجم وأعطى الحجام أجره([15])، والحجامة إحداث جرح في جانب من الرأس ليخرج منه الدم، فيهدأ البدن ويسكن الألم، ولم يكن استخدامه للحجامة مقصوداً بذاته كعمل مخصوص، بل بدلالته وهو طلب التداوي، بما أتاحه العصر من وسائل الجراحة والعلاج، ولو تقدم الطب ووصل إلى مثل ما وصل إليه في أرقى بلاد العالم يكون طلبه والتداوي به هو المقصود من دلالة حديث الحجامة، فإذا ما قام طبيب يدّعي أنَّه من المتمسكين بالإسلام في عصرنا، ويزعم أنَّه يعالج بالحجامة أو بالكي إحياء لتلك السنة النبوية، يكون مسيئاً للإسلام، ومستهيناً بأسرار الله في خلقه، ومتلاعباً بأرواح الناس ومستخفاً بالنفس الإنسانية؛ لأن مقصود السنة النبوية إنما يتحقق إذا التمس الشفاء بأحدث منجزات العصر في الطب والدواء، فماذا تفيد الحجامة أمام ما وصل إليه الإنسان من أسرار البدن بالأجهزة الدقيقة، والأبحاث العميقة؟!، ويكون توجيه الاستدلال في الطب النبوي بما يستوعب تحديث الطب، ومواكبة بحوث العصر، وليس بالتزام عين ما كان يعالج به في عصور الإسلام الأولى، من أبوال الإبل والكي بالنار، وتناول حبة البركة، أو الحجامة، فالدلالة في تلك الأفعال إنما هي دلالة حال، وليست دلالة على التزام الأعيان، بل إن الحجامة قد تكون حراماً إذا أدت إلى انتقال العدوى بالفيروسات، أو كان مِمَّا يغلب في شأن تعاطيها تلوث الجرح بالميكروبات، ففي مثل تلك الحالات وأمثالها، سيكون من يعالج بها كالمستجير من الرمضاء بالنار وهذا ما لا يجوز.

(6) وفي فقه الجنائز: السنة في الدفن أن يوارى الميت بطن الأرض، بما يستر بدنه ويحفظ كرامته ولا يجوز أن يرتفع القبر عن الأرض إلاَّ بمقدار شبر، أو ما يعرف به أنَّه قبر فيحترم ولا يهان، وقد امتلأ باطن الأرض بالمياه الجوفية في كثير من البلاد كمصر وغيرها حتى طفت العظام النخرة والجثث البالية على سطح المياه داخل القبور في بعض المناطق، فهل يبقى حكم الدفن كما هو، أم أن ما استجد في الحياة من أمر لم يكن في الحسبان يقتضي تغيير الحكم، فيجوز رفع القبر عن الأرض، كما يجوز وضع الجثَّة فيما يحفظها ويمنع تسرب المواد المتحللة منها إلى المياه الجوفية فيلوثها لاسيما وقد اشتدت حاجة الأحياء إليها، ذلك ما نرى أنَّه يتعين توجيه الاستدلال إليه.

(7) والسنة في تشييع الجنازة حملها على الأعناق والسير بها، وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بكراهة الركوب فيها لحديث ثوبان أن النبيّ صلعم: «أتي بدابة وهو مع جنازة فأبى أن يركبها، فلما انصرف أتي بدابة فركب»، فلما سئل قال: «إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبت»، رواه أبو داود والبيهقي والحاكم([16])، وخرج رسول الله صلعم مع جنازة رجل يسمى: “ابن الدحداح” ماشياً ورجع على فرس، رواه الترمذي وقال: حسن صحيح([17])، والأحناف وإن كانوا يقولون بأنَّه لا بأس بالركوب، لكنهم قالوا: إن المشي أفضل منه، وقد بنيت تلك الأحكام على وقوع المقابر في أحضان المباني، فماذا لو كان الحال على ما هو عليه في القاهرة الآن، حيث تبتعد المقابر عن المباني بعشرات الكيلو مترات التي يتعذر الدفن معها إلاَّ بالركوب. فهل سيكون حكم المشي كما كان عليه، وهل سيظل حكم الركوب كما كان، ما أظن ذلك، بل أرى أنَّه سيتغير بمقتضى موجبه المحقق لمقصود الحكم وهو سرعة الدفن وتيسيره.

(8) وفى باب الزكاة: يتحدد الوجوب فيها بالمكلف المالك للنصاب، وهو الشخص الطبيعي الذي حباه الله بالعقل وكلفه به، ولم يكن الشخص المعنوي قد عرف بعد، حيث لم يكن قد وجد في وقت تشريعها أشخاص معنوية كالشركات والمؤسسات الاقتصادية الكبرى وغيرها، واليوم أصبحت تلك الشخصيات هي التي تستأثر بالنشاط الاقتصادي والمالي، فهل تكلف بإخراج الزكاة أم لا؟!، أرى أنَّها تكلف، ولا يقال إنها جملة من المباني والتجمعات المادية التي لا روح فيها ولا عقل، والتي لا يعتريها التكليف بالواجبات الشرعية ومنها الزكاة، لذلك فإن الوجوب سيقع على المسئولين في تلك المؤسسات عن الالتزامات المالية؛ لأَنَّ إخراج الزكاة سيكون واجباً عينياً عليهم من تلك الجهة؛ لأنَّهم بعد أن اختصوا بالقيام على ولاية هذا الثغر العام أصبحوا مسئولين عنه أمام الله، فيتعين الإخراج عليهم لذلك.

(9) وفي مصارف الزكاة: يجب إخراج الصدقة للفقير والمسكين، إذ هما من ضمن مصارفها المنصوص عليها في الآية (60) من سورة التوبة، ولقد كان المعهود عند تشريعها أن الفقير والمسكين إذا أخبرا عن حالهما فإنهما يصدقان ويعطيان حظهما من الصدقة، ولا يجوز نهرهما لقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ([18])، وأمَّا اليوم فقد تغير الوضع، وأصبح التسول احترافاً ومهنة، وله عصابات تجيد حيل النصب وألاعيبه، وتقدمت أساليب التدليس على الناس بادعاء المرض، أو حمل الأطفال، أو جمع الأموال لتكفين الفقراء، أو علاج المرضى، أو النداء على سكان الأدوار العليا بمكبرات الصوت، فهل يظل الأمر على ما كان عليه من إحسان الظن بمن يدعي الفقر والمسكنة، أو هؤلاء الذين يطاردون الناس في الإشارات والطرقات، وأمام المساجد وفي الساحات، أم أن الأمر يقتضي تنظيماً يمنع هذه الفوضى، ويرشد أموال الزكاة لتؤدى عملاً نافعاً في حياة المسلمين، ويحول بينهم وبين ضلال فئة محترفة للتسول تريد تكريس تلك الأموال للإنفاق على شهواتها؟!.

(10) وفي الصيام: يجب الصيام برؤية هلال الشهر بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ([19])، وقوله e «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»([20])، والرؤية من الألفاظ المشتركة بين النظر بالبصر، والعلم بالبصيرة، ومن الأخير قوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ([21])، أي بما جعله الله رأياً لك، وليس المراد بما تنظره بعينيك. وإذا أريد بها في الصيام الرؤية البصرية لأدَّى ذلك إلى اختلاف المطالع، واختلاف المسلمين معه ما بين مفطر وصائم، لاختلاف مؤثرات الرؤية البصرية على مستوى الإقليم الإسلامي الواحد، حتى قال بعض الفقهاء: إن اختلاف المطالع يمكن أن يقع بين بلدين بينهما مسافة قصر، وذلك كالقاهرة وطنطا مثلاً، فهل يتصوّر هذا في وقتنا الذي أصبح الواحد فيه يرى ويسمع ما يفعله غيره في أقاصي الدنيا في نفس لحظة وقوعه.

إن الرؤية المقصودة في الحديث هي الرؤية العلمية، بدليل أنَّ الصيام يجب بها، حيث لا يتصور أن يرى كلّ مكلف الهلال بعينيه فذلك أمر متعذر، بل مستحيل في حق الكافة؛ لأَنَّ منهم المسن، ومنهم الأعمى، ومنهم الذي لا يرى أكثر من موضع قدميه، فلو كان المقصود بالرؤية هي الرؤية البصرية لَما تحقق الوجوب في حقهم، وهذا ما لم يقل به أحد من الفقهاء، وإذا كانت الرؤية علمية يكون العثور على الهلال في بلد أو موافقته للحسابات الفلكية حجة على كلّ بلاد الدنيا لتيسر العلم به لحظة العثور عليه بكل وسائل العلم المنظورة والمسموعة، ويكون القول باختلاف المطالع اجتهاداً فقهياً تغير واقعه، وأصبح اتحاد المطلع هو القول الذي يجب أن يلوذ به جميع المسلمين.

(11) وفي باب الحجّ: أوجب الله حج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، فقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً([22])، والاستطاعة حددها النبيّ صلعم بالزاد والراحلة، فمن ملك زادا وأجرة السفر يكون مستطيعاً، وذلك فيما روى عن أنس t قال: قيل: يا رسول الله، ما السبيل في قول الله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾؟، قال: «السبيل هو الزاد والراحلة»([23])، فجعل الاستطاعة منوطة بهما، حتى علق الوعيد على ترك الحجّ بهما فقال: «من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج، فلا عليه أن يموت إن شاء يهودياً، وإن شاء نصرانياً»، رواه الترمذي([24]).

ولو ترك الباب مفتوحاً أمام كلّ من يملك الزاد والراحلة ليسافر إلى البلد الحرام لاجتمعت الدنيا كلها فيه، ولعل ذلك هو الذي يظهر وجه الحكمة من دعوة نبى الله لإبراهيم حين قال -كما حكاه عنه القرآن الكريم -: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾([25])، فقال أفئدة من الناس، ولو قال أفئدة الناس لتكالبت الدنيا عليه فيموتوا من شدة الزحام، ولا يتحقق المقصود الشرعى من زيارة البيت، ولهذا أصبح من الواجب تحديد نسبة أعداد الحجاج من كلّ بلد إسلامي، حتى لا يؤدى ترك الأمر من غير تحديد، إلى تكالب الناس على المكان فلا يسعهم، ويموتون تحت أقدام بعضهم، ومن ثم لا يكون من وقع خارج أعداد تلك النسبة مستطيعاً رغم أنَّه يملك الزاد والراحلة، ولا يكون واقعاً تحت الوعيد النبوي لمن ترك الحج وهو مالك لنفقاته.

 

المبحث الثاني:

توجيه الاستدلال الفقهي في مجال العلاقات الدولية

حين نزل الإسلام لم تكن له أدنى مشكلة مع الآخرين؛ لأنَّهم –رغم اختلافهم معه وتكاتفهم لمحاربته – لم يكن يعتريهم أدنى شكّ في صدقه، أو صدق الرسول العظيم الذي بعث به، فقد كان عنواناً للصدق ومثلاً أعلى فيه، حتى إنه قال لقومه ذات يوم، وهو في بداية دعوته، وهم في أشد التحفز للقضاء عليها: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الوادي أكنتم مصدقي؟» قالوا: نعم؛ لأَنَّنا لا نشك في صدقك، وما جربنا عليك كذباً قط، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»([26])، وإذا كان الصدق منهج رسالة، فإنها لا يمكن أن تتصادم مع الآخرين؛ لأنَّها لن تكون مخادعة لهم، ولن تمارس أساليب التدليس معهم، ولقد كان الإسلام مع صدقه، ديناً يخاطب الفطرة، وينشد الحق، ويصف أفعال الناس بالقسطاس، والعدل، والموضوعية، وما كان له، وهو في تلك المكانة من التجرد والحرص على مصلحة الإنسانية كلها، والعمل على رقيها ونهضتها واستتباب الأمن فيها، أن يكون عدواً لأحد، أو أن يكون لأحد عداوة معه، ولهذا انتفت فيه حساسية التعامل مع الآخرين، وانتفى تماماً الحرج من التواصل معهم، فهم في بناء أحكامه إخوة للمسلمين في الإنسانية إذا رغبوا عن أن تقوم بينهم الروابط الدينية، ويكون لهم مع اختلاف الدين ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، دون أدنى انتقاص لحقوقهم، أو نيل من الكرامة الإنسانية المقررة لهم، والتي أثبتها الشارع الحكيم لكافة بني البشر في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ([27])، ولأن الإسلام خير للإنسانية كلها، وليس للمسلمين وحدهم، لم يكن من أصول دعوته أن يكره أحداً على الدخول فيه؛ لأَنَّ الخير لا يكره عليه أحد، والنعمة لا يحمل عليها إنسان، أطلق للبشرية كلها حق الدخول فيه، أو الإعراض عنه، قال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ([28])، وكان من أحكامه البينة وأصوله القاطعة أنَّه لا يجوز إكراه أحد على الدخول فيه، وجاء في القرآن الكريم: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ([29])، ولأن الإسلام نور الله وهو الذي يهدى لنوره من يشاء، كان على القائمين بنشر دعوته أن يرفعوا أيديهم عن إكراه أحد للدخول فيه، أو أن يكون إباؤه الإسلام، وامتناعه عنه سبباً لغمط حقه أو النيل من مكانته، أو أن يتخذوا من اختلاف الدين مدخلاً لقطع ما يجب أن يكون بينهم وبين غيرهم من تواصل إنساني، وتعاون على البر والتقوى، وليكون ذلك التواصل الإنسانى بديلاً للصلة الدينية التي أوجب الإسلام أن تكون قائمة على كامل الاختيار.

هذا الذي نقرره في مستهل التقديم لدراسة اليوم ليس كلاماً إنشائياً، أو تعبيراً عاطفياً يمليه الحب لهذا الدين العظيم، ذلك الحب القائم على علم بصير بما فيه من خير لكافة البشر، ولكنه هو الذي يفهم يقيناً من أدلة الشريعة الغراء في الكتاب والسنة، ففي القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ([30])، فقد قرَّر الشارع الحكيم سبحانه في هذا القول الكريم الأساس لحقوق غير المسلمين، وهي -وفقاً له- لا تقل عن الحقوق المقررة للمسلمين بل تزيد؛ لأَنَّ الأمر بالقسط في الآية الكريمة إذا كان يقصد من ورائه وجوب العدل على المسلمين في التعامل مع حقوقهم، فإن كلمة البر السابقة لها، تفيد العدل معهم وزيادة؛ لأَنَّ البر هو ما يزيد على الواجب في الوفاء، والبر لم يجب في الإسلام إلا للوالدين ومن على منوالهما في الفضل والكرم كالأساتذة والمربين، وهو يعني أداء الواجب وزيادة، فإذا كان الواجب يقتضي أن أؤدي لأحد والدي مائة جنيه، فإن البر به يقتضي أن أؤدي له مائة وعشراً أو عشرين أو مائتين لأعبر عن بري به، ومع غير المسلمين يكون البر كذلك، إنه يعني درجة زائدة من العطاء في المحافظة على حقوقهم.

وفي السنة النبوية تفيد الأخبار الصحيحة أن رسول الله e قال: «أنا أكرم من وفى بذمته»([31])، وهو u يقصد حقوق غير المسلمين المقررة في ذمته، وذمة أمته لهم، كما تفيد أنَّه نفسه سوف يكون محامياً عن حقوق غير المسلمين أمام الله يوم القيامة، يقول صلعم: «من ظلم معاهداً أو كلفه فوق طاقته، فأنا حجيجه يوم القيامة»([32])، والمعاهد هو غير المسلم، والحجيج هو المخاصم المدافع أو المحامي في المطالبة بحقوقه، وتوالت الأخبار النبوية الصحيحة قولاً وفعلاً في الدلالة على هذا المعنى الإسلامي الواضح كفلق الصبح.

ولهذا كان التواصل الإنساني مع غير المسلمين منهجاً سلوكياً له صلعم، وسنة عملية لأمته لا يجوز لهم التنكر لها، فلم يفرق بين مسلم وغيره في حق، ولم ينظر لغير المسلم – ولمجرد مخالفته للمسلمين في الدين– نظرة تشوبها الريبة أو يدخلها الشك، أو يتصل بها الكره أو الحقد من قريب أو بعيد، بل كان العطف هو أساس تعامله معهم، والحرص عليهم هو أسلوبه الواضح،يَدُلّ على ذلك أنَّه صلعم حين هم بالهجرة من مكة إلى المدينة بعد أن بيت المشركون النية لاغتياله وشرعوا في التنفيذ، وأصبحت حياته مطلوبة لهم، فيما يمكن اعتباره بلغة العصر أخطر ظرف أمنى يمر به واحتاج في تلك الرحلة الشاقة والمحفوفة بالأخطار إلى من يرشده في الطريق ما بين مكة والمدينة، لوعورة مسالكه وتشابه جباله ووديانه، وكثرة شوارده التي يمكن الدخول فيها، اختار لتلك المهمة الخطيرة رجلاً غير مسلم، اسمه عبد الله بن أريقط، كان على دين قومه، ولم يكن قد أسلم بعد ([33])، ولم يمنعه من هذا الاختيار للقيام بتلك المهمة الخاصة أنَّه لم يكن مسلماً، بل إن اختلاف دينه لم يشكل هاجساً أمنياً، يشير باستبعاده من القيام بتلك المهمة التي يمثل أدنى قدر من خطأ التقدير فيها خطورة على الإسلام ودعوته لا يمكن تلافيها، وكان أساس هذا الاختيار وقوامه كفاءة غير المسلم ونزاهته وما عرف به من الأمانة التي تحفظ الأسرار، وتصون الأقدار، وليس شيئاً آخر.

ذلك على المستوى السياسي، أما على المستوى الاجتماعي، فقد كانت صلته بغير المسلمين صلة الصهر الوفي، والقريب البار، والجار الأمين.

لقد ربطته بأقباط مصر صلة المصاهرة مع السيدة مارية القبطية، فلم يترك تلك الصلة دون وفاء بحقها، وقيام بواجبها، فأوصى بأهل مصر كلها خيراً مراعاة لخاطرها، ووفاء لحق المصاهرة التي ربطته بهم، روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذر t أن رسول الله صلعم قال: «إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمَّى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة وصهراً»([34])، ومن ثم صارت مصاهرته لتلك السيدة القبطية سبباً للوصية بقبط مصر، بل والوصية بمصر كلّها مراعاة لخاطرهم وتوثيقاً لصلات القربى والود معهم.

وتسأله أسماء بنت أبي بكر الصديق حبّ رسول الله صلعم وخله الوفي وصديقه الصدوق، وهي أخت زوجته عائشة ـ رضي الله عنها ـ قائلة: “يا رسول الله، قدمت عليّ أمي وهي راغبة مشركة، أفأصل أمي، قال لها : «نعم صلى أمك»([35])، وما كان أمره لأسماء ـ رضي الله عنها ـ بأن تصل أمها إلا قياماً بواجب الوفاء لصلة القربى التي تربط أسماء بأمها، وتصل أسماء به، فهي أخت زوجته عائشة، وعائشة هي أم المؤمنين التي لا تنفك عنها صفتها إلى يوم الدين، ومن ثم كانت صلته بأسماء مؤبدة كذلك، ولم يمنع اختلاف دين أمها من وفائه بحق القرابة معها، وأما عن قيامه بحق الجوار، فلم يكن اختلاف الدين مانعاً له من القيام بحقوق الجيرة، ولم يمنعه من الوفاء بتلك الحقوق ما يثيره اليوم البعض مِمَّا يكدر الصفو وينشر الحقد، ويبث الكراهية، فقد روى البخارى عن أنس t قال: «كان غلام يهودي يخدم النبيّ e فمرض فأتاه يعوده، فقعد عند رأسه فدعا له بالشفاء والهداية، وطلب منه أن يكون من المسلمين فنظر الولد إلى أبيه اليهودي وكان حاضراً عند زيارة الجار الأمين لجاره، فقال له الأب اليهودى: أطع أبا القاسم»([36])، وهذا يَدُلّ على ما كان بينه وبين جيرته غير المسلمين من برّ وصلة.

وكان يشارك أهل الذمة أفراحهم وأتراحهم، ففي الأفراح كان يهنئ أهل الذمة بالزوجة والولد، وقدوم الغائب والشفاء من المرض والسلامة من المكاره، ونقل الإمام أحمد عنه عبارات مأثورات في مثل تلك المناسبات، مثل: أكثر الله مالك وولدك، وكتب لك السلامة في صحتك وبدنك([37])، وأمثال ذلك من العبارات التي تتعلق بشخصه، ولا تتعدى إلى ما يفيد التطرق لدينه، ليقولها المسلم لغير المسلم.

كما كان يعزِّيهم في الأحزان عند وفاة أحبابهم وخلانهم، ونقل الإمام ابن القيم في أحكام أهل الذمة آثاراً تدلّ على مشروعية ذلك، وما يقال فيه من العبارات ومنها: لا يصيبك إلا خير، أو عليك بتقوى الله والصبر، أو أكثر الله مالك وولدك وأطال حياتك وعمرك، أو أحسن الله عزاءك، أو أخلف الله عليك ([38])، ليقولها المسلم لغير المسلم حين يشاركه العزاء.

وفي المجال السياسى كان يخاطب ملوك غير المسلمين بأدب يَدُلّ على أن الكمال من خلقه، والأدب من شيمته، والتواضع من سجاياه، فحين أشار على المسلمين بالهجرة إلى الحبشة، قال لهم: اذهبوا إليها فإن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد أبداً، فوصفه بلقبه، ونسب له من العدل ما يستحقه مع أنَّه كان نصرانياً، وحين خاطب المقوقس وصفه بأنَّه عظيم القبط، فبدأ أوَّل مكاتبة بينهما بقوله: «من محمَّد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط»، ولَمَّا خاطب كسرى قال: «من محمَّد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس»، وفي رسالته الأولى إلى هرقل قيصر الروم قال له: «من محمَّد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم»([39])، ومن يتأمل في مبانى تلك الألفاظ النبوية على قلتها، يدرك مدى ما فيها من ثراء المعانى التي تفيض بالأدب والرقة والسماحة، والمحافظة على أقدار الرجال وإنزال كلّ مخاطب في المنزلة التي يستحقها، وبما يجعلنا نتساءل في تعجب عن المصدر الذي يتمسك به أولئك الذين أبدلوا بهذا الأسلوب السلوكي الراقى في لغة الخطاب الدينى الدولي، بمثل تلك الأساليب المتدنية التي أصبحت تمثل لغة معاصرة في التخاطب مع الآخرين، حتى أوشك الناس من فرط اتساع تداولها أن يترسخ في أذهانهم أنَّها هي اللغة الصحيحة في هذا المجال، مع أنَّها لغة خاطئة ويلفها العوار في مبناها ومعناها، والمقاصد التي تتوخاها والبواعث التي تنطلق منها، كما أنَّها لا تعبر إلا عن فهم خاطئ وغرض خبيث، أو -على الأقل- فإنها لا تعبِّر إلا عن رأي قائليها، ولو حاولوا أن يجعلوا لها أساساً إسلامياً أو إسناداً دينياً.

وفي تصورنا المتواضع أن السبب فيما شاب انحراف الخطاب الدعوي في المجال الدولي عن جادة الصواب، الذي رسمته سنة النبيّ صلعم يرجع إلى ما ران على أحداث التاريخ الإسلامي من طوارئ المواجهات العسكرية، وما ارتبط بها أو تخلف عنها من تصريحات وتصرفات عدائية تفرزها طبيعة المواجهات الحربية والظروف النفسية التي تحدث فيها.

وقد بدأ تأثير الظروف النفسية للدعاة والفقهاء يبدو واضحاً منذ القرن السادس الهجرى، وتحديداً في غضون هجوم التتار على العالم الإسلامي، وما صاحبه من فظائع عقمت الأيام والليالى عن مثلها، حتى سقطت بغداد سنة 656هـ، وسقط المسلمون بسقوطها في براثن إرهاب غير مسبوق، حيث لم يبق التتار على قيمة، ولم يرعوا لإنسان حرمة، فقتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنة، ولم يقف طوفانهم المدمر عند العراق، بل أخذ يمتد ليبلغ الشام ثم يتوجه صوب مصر، وهو يتلمظ كالوحش الهائج في غطرسة لالتهامها، وبعد أن تحفز هولاكو لذلك برسالته المهينة التي بعث بها إلى السلطان المسلم “قطز ” ويقول فيها: “من هولاكو ملك الملوك شرقاً وغرباً، عليكم بالهرب وعلينا بالطلب، فأي أرض تؤويكم، وأي طريق تنجيكم، وأي بلاد تحميكم، فما لكم من سيوفنا خلاص”([40])، وقد تزامن مع تلك الأحداث الدامية على العالم الإسلامي تزايد نشاط الفتن الداخلية والنعرات الطائفية التي يزداد نشاطها عادة في أتون مثل تلك الظروف، من جراء التطرف الدينى الموجود لدى اتباع كلّ ملة، وافتقاد الوعي الوطني، حيث لم يكن ذلك الولاء إبان تلك الفترة داخل حدود معروفة يمارس دوره من خلالها، ويربط بين أبنائها بأواصر الصلة التي تجمعهم في الملمات، وتناديهم في المسرات، وليجد ضعاف النفوس ضالتهم في التعاون مع هؤلاء الذين اعتدوا وأساءوا واحتلوا وقتلوا لقاء غنم تافه، أو جعل مالي حقير، وألقت تلك الأحداث المؤسفة بظلالها العدائية القاتمة على المجتهدين وأهل الفكر والفقه من المعاصرين لها في تلك الحقبة، فظهرت في مصنفاتهم وآثارهم العلمية التي تضم فتاواهم أو توصيفهم لمآسي زمانهم، وما قرروه في ضوء السياسة الشرعية الملائمة لمواجهة الأخطار المحيطة بهم، خاصة فيما يتعلق بالصلة بينهم وبين غيرهم، وظهرت الأقوال التي تخصّ غير المسلمين بملبس معين، أو مظهر اجتماعي محدد، أو تحظر عليهم بناء الكنائس أو دور العبادة، وذلك لظروف الحرب القائمة والمخاطر الحالة، وكأسلوب وقائي مؤقت لتسيير دفة النشاط اليومي في المجتمع إبان تلك المواجهات الكفيلة بأن تفرق بين الأخ وأخيه، بل بين الولد ووالده، وليس بين من يختلفون في الديانة وحدهم.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أدَّى إلى تنامي الأفكار التي تعمق فجوة الخلاف والعداء، وذلك من خلال التطبيقات الخاطئة لأحكام “الولاء والبراء”، أي الولاء لله ورسوله وللمؤمنين، والبراء من المشركين، وقد ألحق التطبيق الخاطئ لتلك الأحكام بهم أهل الكتاب من غير المسلمين، حتى غدت تلك التطبيقات موجهة قصداً لشيوع العداء والفرقة والحقد لمجرد اختلاف العقيدة، وقطع جسور التعاون أو التواصل مع غير المسلم في جل أنشطة الحياة، بل التحذير من التشبه بهم، أو الإقامة في بلدهم أو مشاركتهم في مناسباتهم، وقد يكون الخطأ في تطبيق تلك الأفكار وهذه المقولات مبنياً على رأي ضعيف، أو نقلاً من تلك التي احتوت عليها المصنفات التي أفرزتها المواجهات العسكرية، أو ألفت في غضونها، وجرى نقلها إلى الأجيال اللاحقة في الدراسة أو التعليم، كما وجدت لها في الرأي القائل: بأن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هي الحرب، وليس السلام، أساساً قوياً لرواجها، وسنداً كبيراً في إشاعتها، مع مخالفة ذلك الرأي للأدلة الصحيحة من المعقول والمنقول، وشاع في ظلها ذلك التقسيم الفقهي للبلاد، أو ما يعرف بالدور، إلى دار إسلام، ودار حرب، حتى لكأن الذين قالوا بهذا التقسيم من الفقهاء لم يتصوروا العلاقة بين المسلمين وغيرهم إلاَّ من منطلق الحروب المستمرة والمواجهات التي لا تنتهي، بل إن بعض الباحثين لم يتورع عن تفسير الأدلة ولي أعناق ألفاظها لتدل على ما يريد أن ينتصر له بغير حق، وذلك كقولهم بتأييد المواجهات العسكرية بين المسلمين وغيرهم إلى ما لا نهاية، ومعاملة غير المسلمين بالعنف والفظاظة، وذلك من خلال فهمهم الخاطئ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ([41])، حتى قال قائلهم: إن على المسلمين أن يظلوا شاهرين سيوفهم في وجوه من يجاورونهم من غير المسلمين، فلا يتفرغون لزراعة أو صناعة ولا ينفرون لعلم وغيره من أنشطة الحياة، ليظلوا في حرب مع من يلونهم حتى ينهزموا ويخضعوا لسلطان المسلمين، مع أن دلالة الآية لا تتجاوز التنظيم العسكري لصفوف المسلمين إذا فرض عليهم الجهاد من غيرهم، ودفاعاً عن النفس حتى يـردوا التعدي أو يجنح المعتدون إلى السلم، وليس من دلالتها أن تظـل السيوف مشرعة إلى ما لا نهاية؛ لأَنَّ ذلك يعني هجر كافة أوجه النشاط الإنساني والتفرغ للحروب، فيختلف المسلمون عن غيرهم، أو يعتمدوا عليهم في أمور معاشهم، ثم ينتهي الأمر إلى أن يهزموا أنفسهم بأنفسهم ويكون مصيرهم بأيدي غيرهم، وذلك هو المراد من فكر العباد.

لقد تطورت العلاقات الدولية، وأصبح العالم أشبه ببلد واحد يأتلف من جملة أفراد، والأفراد هنا هم الدول التي تتمتع كلّ دولة منها بحقها في السيادة وتقرير المصير، بما لا يجوز فرض الرأي عليها بالقوة أو ارتكاب أي فعل يمس سيادتها أو كيانها أو أمنها، أو مقومات حياتها، وذلك يقتضي أن يكون هناك خطاب إسلامي يتواءم مع تلك المفاهيم المستجدة، ولأن تلك المواءمة هي التي تتفق مع أصول الإسلام الصحيحة، وسنة النبيّ e وذلك على نحو ما رأينا، وهو ما يوجب إعادة النظر في أحكام الولاء والبراء ليتم تطبيقها في إطار العلاقات الدولية المتكاملة، وليس وفقاً للنظرة الفردية القاصرة.

لقد تغيرت ظروف المواجهات التقليدية في عدائها بين المسلمين وغيرهم، ولا يجوز أن تكون الثقافة الفكرية التي نشأت في أحضان تلك المواجهات مادة أساسية في تشكيل العقل الإسلامي، أو تحديد الهوية في مجال المعاملات الدولية، كما أصبحت العلاقات الدولية محكومة باتفاقات ومعاهدات تنظم العلاقة بين كلّ دولة وأخرى على أساس الحق والواجب، والإسلام يدعو المسلمين إلى ضرورة الوفاء بحقوق تلك الاتفاقات، وواجب هذه العقود، وذلك في محكم كتابه حين قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ([42])، وحين قال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً([43])، ولهذا يجب صياغة لغة الخطاب الدولي بين الدول المختلفة وفقاً للسياسة النبوية الرشيدة، ومحو آثار الكراهية التي تسربت إلى المصنفات الفقهية من خلال المواجهات الحربية؛ لأَنَّ أحكام الحروب مؤقتة، وهي لا تصلح لأن تكون أساساً لأحكام دائمة، وإذا كانت تلك الظروف قد تغيرت، فمن المعقول أن تتغير الأساليب التي نشأت في أحضانها، ولا يجوز أن تكون تلك التطبيقات العارضة عائقاً دون إعمال ما قرره الشارع في كتابه لغير المسلمين من قسط وبر.

إن علاقة الدول ببعضها لم تعد علاقة بين دارين، دار إسلام ودار حرب، بل أصبحت محكومة باتفاقات دولية، وتجمعها مؤسسة واحدة هي هيئة الدول أو الأمم، ولهذا أصبح من الأوفق أن تسمى العلاقة علاقة “عهد”، وذلك ما لا يأباه النظر الفقهي الصحيح، وينبغى توجيه الاستدلال في الخطاب الدولي على ضوء ذلك، ليحكمه أسلوب راق، ولغة متحضرة تعكس إنسانية الإسلام وشمول رحمته للبشرية كلها، والجهاد لم يشرع إلا لحماية المقومات الإسلامية من التعدي عليها، ولهذا لا يجوز دق الطبول له دون أن تكون تلك المقومات قد أقيمت على غرار ما فعله غير المسلمين وأكثر، يجب أن يكون للمسلمين بنية حياتية من الصناعات والعلم الذي يتيح لهم أن يواجهوا غيرهم، إذا اقتضت الظروف بما هو موجود لديهم من ثمار العلم والبحث والاختراع، أما أن ترتفع العقائر بالسباب والتحقير، وتدمير مبنى هنا أو هناك، أو قتل جماعة في الشرق أو في الغرب، دون استعداد حقيقي للمواجهات الشاملة، فإن ذلك من شأنه أن يثير الوحوش الضارية علينا ونحن لا نملك في مواجهتها ما نقوى به على درء خطرها، والجهاد ما شرع لمجرد القتل والعداء، ولكنه شرع لحماية المصالح الإسلامية العليا، فعلى الذين يرفعون عقيرتهم به، ويستثيرون حفيظة الدنيا كلها ضد الإسلام أن يقيموا تلك المصالح أولاً، ليوجدوا مايدخلون تلك الحروب العالمية لأجله، عليهم أن يصنعوا الخير، ثم يفكروا في حمايته، وفي إطار تلك المفاهيم يجب إعادة النظر في الخطاب الدعوي الدولي الإسلامي، بما يحقق مقصود الشارع في أن يكون الإسلام خيراً للإنسانية كلها، ولمثل هذا يجب أن يعمل العاملون وينشط المخلصون.

 

المبحث الثالث:

توجيه الاستدلال الفقهي في مجال المعاملات

من الملامح التي تبرز رحمة التشريع الإسلامي أنَّه أقام نظام المعاملات على اليسر والتوسعة التي تتيح للمسلمين أكبر قدر من حق الاختيار والتصرف في ناتج سعيهم وكدهم وعملهم المالي، وعائد ما يملكونه من الأشياء والأموال حتى ينشط تبادل المال، ويجد الناس في ظل تلك السياسة الإسلامية الرشيدة ما يشجعهم على يذل أقصى طاقاتهم لبناء حياة كريمة يستطيعون بها أن يكونوا ندا لأعدائهم، ولا يضطرون في يوم ما لأن يمدوا أيديهم لهم طالبين منهم صدقة أو إحساناً، فإن اليد العليا عند الله خير من اليد السفلى، ولن تكون للحياة قيمة إذا ركن الإنسان فيها إلى الدعة والتواكل وقضاها دون سعي وحركة حياتية تبث النشاط في كافة أروقة الوجود الإنسانى، ولن يكون للسعي والنشاط قيمة، إذا كان ناتج سعيه سيئول إلى الجمود، وينتهي إلى الضياع والركود بسبب تحجر العقل ورتابة التفكير وتبلد الرؤى، وجر الحاضر إلى الْماضي، وليس الاستشراف بالْماضي إلى المستقبل.

أساس المعاملات في التشريع الإسلامي:

وفى سبيل تحقيق هذا المقصد الإسلامي، ومن أجل إحياء الهمة للعمل، وتجديد العزم للإنتاج والبناء، أعطى الشارع للأفراد في المعاملات قدراً كبيراً من حق الاختيار بين البدائل التي تيسر عليهم تبادل الأموال، وتشبع فيهم روح التملك وتلبية دواعي الطبع وفقا للمستوى المنشود في الحياة. فجعل المعاملات قائمة على المصلحة المتبادلة بين الأطراف وفقاً لِما يرتضونه، وفى حدود المبادئ العامة التي رسمها لهم الشارع، وهي أن يكون التعامل قائماً على الرضا الكامل والاختيار التام، حتى لا يئول المال العام أو مال إنسان إلى آخر بغير الأسلوب الشريف الذي يريده الشارع لعباده، وحتى لا يكون للغش والاحتيال والكذب والتدليس والغصب وجود في الساحة الاقتصادية، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ([44])، فحرم أكل أموال الناس بالباطل كالغش والغصب، وأمثالهما من التصرفات المحظورة، وقال النبيّ e: «لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه»”([45])، والنفس لا تطيب بالمال إلا إذا كان صاحبه قد بذله عن رضا كامل واختيار صحيح قائم على علم وبصيرة، أو ما يسمى بالاختيار البصير.

الرضا أصل في المعاملات:

والرضا الذي جعله الله أصلاً للتبادل لا يعدو أن يكون نشاطاً إنسانياً، لكنه يجمع في طياته كافة مظاهر نشاط الإنسان التي تأتلف من الجانبين المادي والأدبي في الحياة، فهو قائم على إرادة تتولد داخل الإنسان، وتنشأ بين حشايا القلب، وعمل ظاهر يتواءم مع اتجاه تلك الإرادة إيجاباً وقبولاً، وأخذا وبذلا، ولهذا كان الرضا أثراً لتكريم الله للإنسان حين قدر فيه ما يعتمل بداخله من إرادة، وحمى حقه فيها من أن يعتدي عليها الآخرون بما يكبلها، فيجعل صاحبها تابعاً لا رأي له، أو أن يهدروا ما تتوجه إليه فيحكموا على صاحبها بالموت الأدبي والإهمال، فأوجب على المؤمنين جميعاً أن يفوا بوعودهم، وأن يحترموا تعاقداتهم، بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ([46]) وقال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ([47]) وما وجوب الوفاء بالعقود والعهود إلا ترجمة لاحترام إرادة الإنسان، ومظهراً من مظاهر تكريم الله للإنسان.

دور الإرادة في العبادات والمعاملات:

والإرادة في العبادات وفعل الطاعات تمثل ركن النية التي لا تصح العبادة بدونها، ولا تقبل الطاعة مع افتقادها، ولذلك كانت النية هي الفيصل بين العادة والعبادة، أما مجالها في نطاق المعاملات، فإنه يرد في إطار نشاط إنساني يأتلف من حقوق الناس، ويغلب عليه طابع الاختصاص الفردي، الذي يجعل من يتصرف فيه صاحب ولاية عليه ورأي نافذ فيه، ولهذا أعطاه الشارع مجالا واسعا للحركة، وميدانا فسيحا للنظر وإبداء الرأي واتخاذ القرار، وذلك من مقاصد الشريعة المعروفة وأصولها المقررة، فقد روى الإمام أحمد وغيره أن عليا بن أبى طالب t قال: “يا رسول الله، إذا بعثتنى في شيء أأكون كالسكة المحماة، (أي المعدن الذي يسك عليه النقد فلا يتغير ولا يتبدل ويجمد على ما هو عليه أبدا)، أم أنَّ الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟!”، فقال له النبيّ e: «بل الشـاهـد يرى ما لا يراه الغائب»([48]).

وفي نظرنا أن هذا الحديث يعد المدخل المعاصر لتجديد التناول في فقه المعاملات، فهو يعني بوضوح أن مراعاة المصلحة له شأنه في مجال التعامل، ويسمح بالتصرف ووزن الأمور وفقا لمقتضيات عصرها وأوانها وزمانها ومكانها، ما دام الشخص في مكان تدعو ظروفه إلى التصرف قبل أن تضيع الفرصة من بين أصابعه، فيكون قد فرّط في أمر ما كان ينبغي أن يتهاون في تحصيله، ولم يكن بد من أن يتصرف وفقا لما تقتضيه المصلحة، وهذا ما تدعو إليه الشريعة.

توجيه الدلالة على ثمة فقه الواقع:

وعلى ضوء هذا المقصد الإسلامي الأسمى عدل كثير من قدامى الفقهاء عن كثير من الأحكام التي كانت مقررة بنصوص شرعية، لتغير علل تلك الأحكام وفقا لظروف العصر، بل إن عمر بن الخطاب نفسه، قد عدل عما كان متبعا في عهد النبيّ صلعم، وفي خلافة أبي بكر، وهو الذي كان مطبقا لمدة سنتين من خلافته في مسألة وقوع الطلاق الثلاث، إذا طلق الزوج زوجته بالثلاث فقال لها: “أنت طالق ثلاثاً”، حيث كان الحكم الثابت لذلك في عهد الرسول صلعم وسنتين من خلافة عمر أنَّه يقع طلقة واحدة، فلما رأى عمر أن الناس قد اعتادوا على ذلك وأصبح الطلاق الثلاث كالمضغة في الأفواه، إذا غضب الزوج من زوجته أو أراد أن يشغب عليها أطلق عليها الثلاث طلقات، كما يطلق العدوّ على عدوه كلّ ما في سلاحه من ذخيرة، وهي ظاهرة باتت تشكل في عهده استهانة بعلاقة الزوجية، وخروجا عن الأدب في معاملة المرأة، والتفافا على ما سنه الشارع لإيقاع الطلاق من أحكام قرر أن يمضى الطلقات الثلاث عليهم، فأمضاه عليهم وتغير الحكم فيه عما كان مقررا في عهد النبيّ e وأبي بكر من قبله([49]).

عمل عمر وعلي -رضي الله عنهما -:

وهذا الحكم نفسه قد تغير بعد ذلك، بل إنَّه قد تغير في عهدنا الحالي، حيث اختار قانون الأحوال الشخصية في مصر ما يخالف رأي عمر، وعاد إلى الرأي الذي كان معمولا به في عهد النبيّ صلعم وعهد أبي بكر، وأصبح حكم الطلاق الثلاث يقع طلقة واحدة، وذلك لتغير المقتضى الذي من أجله غير عمر t الحكم، وظهور مصلحة جديدة أفصح عنها الواقع المعاصر لم تكن موجودة من قبل، وهذه المصلحة كشفت عما في الحكم السابق من مفاسد لا يمكن درؤها أو القضاء عليها إِلاَّ بحكم جديد.

والإمام علي t غير حكما كان ثابتاً في عهد النبيّ صلعم والخلفاء الثلاثة الذين سبقوه، وهو تضمين الصنَّاع، فقد كان الإنسان إذا دفع لصانع شيئاً ليصنعه له مثل الخياط والنجار والحداد وأمثالهم من ذوي المهن الحديثة فتلف هذا الشيء لا يضمن قيمته لصاحبه، حيث كان الحكم المستقر في ذلك منذ عهد النبيّ صلعم والخلفاء الثلاثة الذين سبقوا الإمام عليا أنَّ الصانع لا يضمن إذا تلف الشيء تحت يده؛ لأَنَّ يده عليه يد أمانة والأمين لا يضمن؛ لأنَّه محسن ومتفضل في قبوله إصلاح الشيء وتصنيعه، ولم يصدم صاحبه برفض قبوله بعد أن سعى إليه به، ورجاه فيما ينشده، والله تعالى يقول: ﴿مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ([50])، ولهذا كان من الثابت أن الأمين لا يضمن.

وقد كان جريان الحكم بعدم تضمين الصناع لِما تحت أيديهم من الأشياء التي تقدم بمبادرة من أصحابها واردا، على أساس ما فشا في الزمن الذي قيل فيه من خوف على أموال الناس، وحرص كلّ صانع على حفظ ما يقدم له من أشياء بما لا يقلّ عن محافظته على الأشياء المملوكة له، فكان ضياع ما يقدم لهم بقصد الصناعة أو الإصلاح أمرا نادراً، أو على الأقل غير وارد.

تغير الاجتهاد بتغير النوازل:

فَلَمَّا تغيَّر الزمان وتبدلت الأحوال وفسدت أخلاق الصناع، وفشا فيهم ما فشا في أيامنا من إهمال في المحافظة على أموال الناس، واستهانة بما يقدم لهم، وكثر التلف والضياع، حتى غدا أمراً مزعجا للناس، غير الإمام علي t الحكم من عدم الضمان إلى الضمان الذي يقبل النفي، بمعنى أن الصانع إذا أثبت أنَّه لم يقصر في حفظ المال، أو أن هلاكه حدث بسبب لا يد له فيه ولا يرجع إلى تقصيره إليه، فَإِنَّهُ لا يضمن، وهذا الحكم نفسه قد اعتراه التغيير مرة ثانية إلى ما هو أشد في تضمين الصناع من قبل أبي حنيفة حين وجد أنَّهم قد ازدادوا إهمالا، ولم يردعهم تقرير الضمان مع إعطائهم حق نفي المسئولية عنهم بإثبات أنَّهم لم يهملوا ولم يقصروا، فرأى تضمينهم مطلقا طالما حدث التلف أو الهلاك والشيء تحت أيديهم، وذلك على أساس ما عم زمانه من شدة إهمال الصناع، حتى غدا إهمالهم عملا يحتاج إلى تشديد أحكام المسئولية عليهم، ولو لم يرد عليهم حكم التشديد في التضمين، لكان ما يؤخذ منهم أكلا لأموال الناس بالباطل، لكن هذا الحكم قد تغير بسبب تغير مقتضاه، وبتغيره انقلب ما كان باطلا إلى حق واجب والتزام مقرر ([51]).

وعثمان بن عفان t قرر حكما خالف فيه دلالة السنة في مضمونها، حين أجاز التقاط المال على أن يبيعه ويعطى ثَمنه لصاحبه مع أنَّه ليس مملوكا له، وليست له ولاية التصرف فيه، وذلك خلافا لما قرره النبيّ e وأبو بكر وعمر، فقد روى البخارى: “أنَّه u سئل عن ضالة الإبل هل يلتقطها من يراها؟”؛ فنهى عن ذلك([52])، ومبنى هذا الحكم النبوي قد جاء على وفق ما كان شائعا في عهده من الأمان الذي عم كافة المخلوقات، فلم يكن ثمة خشية على ناقة ضالة، حيث كانت تترك تروي الماء وترعى الكلأ، وجرى الحكم على ذلك حتى خلافة عثمان، فلما رأى أخلاق الناس قد تغيرت، ودبَّ دبيب الفساد إلى تصرفاتهم، أمر بالتقاط الأموال ومنها ضوالّ الإبل وبيعها، وحفظ ثمنها إلى أن يظهر صاحبها، وما ذهب إليه كان مبنياً على مراعاة وقته ومعايشة زمانه وما فشا فيه من أخلاق جديدة ونوازل طارئة، رعاية للمصلحة العامة، وإعمالا لِما قصده الشارع من يسر الشريعة وعمومها([53]).

فقه التابعين يؤكِّد مراعاة النوازل:

وقد درج التابعون على منوال ذلك النهج التشريعي الإسلامي القويم، فأفتوا بجواز التسعير مع مصادمته لِرضا البائع في بذل سلعته مقابل الثمن الذي يروقه، وخلافا لِما كان النبيّ e قد قرَّره من النهي عن التسعير، وقد حدا بهم إلى هذا التغيير في الحكم ما اعترى أخلاق التجار من جشع جعلهم لا يقنعون بالربح القليل، فأراد التابعون أن يعالجوا ذلك الخلل الطارئ في الأخلاق والسلوك، وذلك بتحديد سقف معين لا يجوز لتطلعات التجار إلى الربح أن تتجاوزه، ورعاية لمصلحة الطبقات التي ترزح تحت خط الفقر من التلاشي والضياع([54]).

وقد سلك التابعون نفس هذا المسلك في باب الشهادة، حيث كان من المقرر في بابها جواز شهادة الأب لابنه، والأخ لأخيه، وأحد الزوجين للآخر، وذلك بناء على عدالة الشاهد وأمانته وخشيته لله، وإيثاره لرضاه عن رضا المخلوقين، حتى لو كانوا من أقرب الناس إليه، وكان رائدهم في ذلك قول الله تعالى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنَّهارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ([55])، وقوله تعالى:﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ([56]). فَلَمَّا تغيَّر الزمان في عهدهم، وتفوَّق حبّ الدنيا في قلوبهم على العمل للآخرة، ورجحت كفة حبّ الأبناء على كفَّة حبّ الله ورسوله آثروا رضا أبنائهم وأزواجهم وذوي قراباتهم على رضا خالقهم، وأصبحت صفة العدالة التي كانت ثابتة لهم يحكم الفطرة في خطر عظيم، إن لم تصبح في خبر كان، ولهذا أفتى التابعون بخلاف ما كان مقرراً لهم من قبول شهادتهم لثبات عدالتهم وقالوا بعدم جواز شهادتهم لبعضهم.

وقد ازداد هذا الداء في حياتنا حتى عمَّ وطمَّ، وأصبح الآباء أعمياء في حبّ أبنائهم وذويهم، حتى إنهم ليحرضونهم على الغشّ الجماعي في الامتحانات، ويقدمون لهم الرشاوى ليفوزوا بالوظائف والاختصاصات، وهو ما يقتضي تغيير الحكم ليس بردّ شهادتهم لهم، بل بمعاملاتهم بنقيض قصدهم، وحرمان من يحرضه أبوه على شرّ، من الفوز بما حرضه عليه حتى لا يكافأ المخطئ بخطئه، ولا يستفيـد الجاني من جنايته، ومبادئ الأحكام الشرعية لا تمنع من هذا([57]).

وجرى مثل ذلك من التابعين في عمل القضاة، حيث كان من الجائز أن يقضي القاضي على قريبه لشدَّة ورعه وغلبة تقواه لربه، فلما تغير الزمان وتفشى الفساد تغير هذا الحكم، وأصبح من المتعين على القاضي التنحي عند نظر القضايا التي يكون أحد أقاربه طرفا فيها، حتى لا يتهم في حكمه، وحتى يصون سمعة القضاء عن القيل والقال، وغدا ذلك من الثوابت القضائية في القوانين المعاصرة.

غاية التجديد مواكبة الواقع:

وقد حدا بهم إلى القول بجواز حكم القاضي على قريبه فيما مضى قوة إيمان القاضي وشجاعته في الْـحَقّ، وأنَّه لم يكن يخشى في الله لومة لائم، حتى روي أن خصومة وقعت بين علي بن أبي طالب وهو أمير المؤمنين، وبين رجل يهودي على ملكية درع، ورفعا خصومتهما إلى القاضي شريح. فطلب من علي الشهادة، فاستشهد بمولاه قنبرا وابنه الحسن، فقال له القاضي شريح: أما شهادة مولاكَ فقد أجزتها، وَأَمَّا شهادة ابنك الحسن لك فلا أجيزها، وكان رأي علي جواز شهادة الابن لأبيه، فلم يكتمل نصاب الشهادة في إثبات حقه فخسر دعواه. وخضع لرأي القاضي وسلَّم الدرع لليهودي، مِمَّا جعل اليهودي يعجب من نقاء تلك العدالة، ومضى يقول: أمير المؤمنين يخضع مثلي للقاضي، ورضي بحكمه، صدق والله إِنَّهَا درعه وسلمها له، ثُمَّ أعلن إسلامه ونطق بالشهادتين.

فَلَمَّا تغيَّر الزمان وضعفت قوة العزيمة في ساحات التقاضي رأي الفقهاء أن يعصموا المنصب من الشبهات وأن يرتفعوا به عن الظن والتهمة، فغيروا الأحكام وفقا لما يقتضيه العصر، ويتفق مع الأيام ([58]).

ويبدو جليا مِمَّا انطوت عليه تلك المقدمة التي آثرنا أن يكون مدخلا يمهد لدراسة تجديد الخطاب في فقه المعاملات، أن هذا التجديد كان سنة فقهية مستمرة على امتداد تاريخ التشريع منذ عهد الصحابة y وتابعيهم وتابعي تابعيهم حتى وقتنا هذا، وأن ذلك التجديد كان ضرورة دينية قبل أن يكون حاجة حياتية، وإن كانت الأخيرة هي مبعث وجوده، وسر المصير إليه.

توجيه الدلالة لا يجوز أن يتجاهل أدلة الشريعة:

ولم يكن ذلك التجديد افتئاتا على أدلة الشريعة ومصادرها، ولا يجوز أن يكون كذلك، ولكنه موافق لِما تقتضيه تلك الأدلة، وفي ضوء ما يشير إليه معناها، ومن فضل الله أنَّه قد أودع في أصل تلك المصادر وقمتها وهو القرآن الكريم من العطاء الجزيل ما يكفى كلّ جيل، وأفاض في رصيد معانيه بما يجعل كلّ عصر يجد نفسه فيه، ومستظلا به وليس بعيداً عنه، أو مختلفا معه، ولهذا قالوا عن اختلاف الأحكام في كلّ عصر: “إِنَّهُ اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان”، أو أنَّه اختلاف الأزمان وفساد الأخلاق، حتى وضع الفقهاء قاعدة: “لا ينكر تغير الأحكام بتغيّر الأزمان”.

ونفس الدواعي التي اقتضت تغيير الأحكام وفقا لتغير زمانها ومكانها موجودة في عصرنا على نحو أشدّ وبأسلوب أقوى؛ لأَنَّ التطور التي تشهده الدنيا اليوم في شهر، كانت تشهده فيما مضى خلال دهر، وأصبحت المكتشفات العلمية المعاصرة أمرا ملحا يقرع آذان المجتهدين، ويدق أبواب الفقهاء ليجدوا لها حكما تستظل به، ويضفي عليها وصفا تضاف إليه، وما لم يفعل الفقهاء والمجتهدون ذلك، فإنهم سيكونون قد ارتكبوا جريمة انتهاك حرمة الدين بالامتناع عن تبيين أحكامه، واستجلاء وجوه دلالاته، واستخراج ما احتواه من عطاء لِكُلِّ جيل.

وتجديد الخطاب في مجال فقه المعاملات يقتضي بيان وجوه ذلك التجديد وحدوده في إطار أبواب المعاملات المالية في التشريع الإسلامي، لا سيما ما يتعلق منها بالنشاط الاقتصادي، والأسس التي يقوم عليها، ومن أهمها مفهوم الغرر الذي يتخذ منه الذين يحاربون كلّ رأي جديد في مجال التعامل الاقتصادي ذريعة لإعلان حربهم على التجديد والمجددين، ووصم كافة النظم الاقتصادية التي تعمل في مجال استثمار المال، بأنَّها أنشطة محرمة، دون بحث عن حلول اقتصادية تنتشل الأمة من وهدة الفقر الذي أرهق كاهلها وكاد أن يذل عنقها، وتنقذ ملايين الشباب الضائعين في غياهب البطالة والفقر، وحماية تلك الأعراض من الانحراف والضياع ومستقبل أمة من التلاشى والاختفاء، واقتصر النشاط على الحجج الكلامية، والمعايير الإنشائية وسرقنا النقاش والجدال بعد أن هجرنا العمل والبناء فنسينا أنفسنا حتى قاربت السفينة التي نمتطيها أن تستقر في القاع.

الذين جددوا وجوه الدلالة لم يخالفوا النصوص:

لم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين منع سهم المؤلفة قلوبهم مخالفاً للنص القرآنى القاطع في تحديد مصارف الزكاة الثمانية، ومنها المؤلفة قلوبهم، ولكنه كان يعمل هذا النصّ بما يتفق مع مقصد الشارع وما تغياه من إنزاله، والغاية المقصودة منه هي مصلحة الإسلام والمسلمين المتمثلة في دفع أذى المشركين والمناوئين، وإطفاء ما في قلوبهم من الحقد المتأجج على الإسلام ودعوته ببذل هذا الجعل المادي لهم، حتى يقعوا أسارى لإحسان المسلمين فيستحوا منهم فقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها، ويتقي المسلمون شرّ كيدهم وتدبيرهم في الخفاء بذلك.

ومعنى بذل مال الزكاة لأعداء المسلمين تأليفاً لقلوبهم أنَّهم في موقف يستطيعون به الكيد والأذى، وأن المسلمين في وضع يخشى عليهم فيه مِمَّا يدبرونه لهم، فإذا تغير الوضع وأصبح المسلمون في قوة ومنعة لا يؤثر فيهما كيد المشركين أو تدبيرهم تكون علة إخراج الزكاة لهم قد تلاشت، وإذا تلاشت علة الحكم فإنه يتلاشى معها، لِما هو مقرر أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، وقد فعل عمر ذلك ([59]).

وما فعله هو الفقه والصواب الذي يصادف عين المصلحة ويصيب مقصد الشارع؛ لأن الله لم يذكر أشخاصا بذواتهم وأعيانهم، وَإِنَّمَا ذكر وصفا هو التأليف، فيرتفع الحكم بارتفاعه، ولو لم يفعل ما فعله لكان بذل المال عند عدم وجود علة بذله حمقا وسفها وإتلافا له في غير منفعة، فيكون مثله كمثل من ينفق المال في المهاوش المحرمة، وهل إذا فعل عمر ذلك يكون قد خالف كتاب الله تعالى، أم يكون قد أصاب عين ما يهدف إليه هذا الكتاب الكريم؟، بالقطع إنه لم يخالف كتاب الله، وَإِنَّمَا وافقه أحسن الموافقة، وقد فعل عمر مثل ما فعله في سهم المؤلفة قلوبهم في كثير من الأحكام الفقهية المأثورة عنه حتى صار له فقه خاص به.

كما أن عثمان t لم يخالف سنة النبيّ e الصحيحة والتي رواها البخارى ومسلم في النهي عن التقاط الإبل الضالة، وأمره بتركها لحالها ترعى الكلأ المباح، وتشرب الماء القراح، وتسرح وتمرح إلى أن يقع عليها صاحبها.

عمل الرسول في أمور الدنيا معلل بالمصلحة المعاصرة:

والرسول e لم يقل ما قاله، إلا لأنَّه يلائم أخلاق الناس في وقته وما درجت عليه من المحافظة على مال الغير وعدم الاقتراب منه، وتعفف كلّ إنسان عن أن يقترب من مال لم يباشر أسباب تملكه المشروعة، فكان المال السائب في حفظ، وكانت اللقطة في أمان حتى يلقاها صاحبها أو تعود إلى حيث كانت.

أما في زمن عثمان فإن تلك الأخلاق قد تغيرت، ودب فيها دبيب الفساد الذي دفع الناس إلى التطاول على أموال غيرهم والاستيلاء عليها بغير حق، ولم تسلم اللقطة أو غيرها من ذلك التطاول، فلو سار على منوال، كان متبعاً من قبل لأدى ذلك إلى استمرار الفساد الحاصل من انحراف أخلاق الناس، وكان لزاما أن يتغير الحكم لمنعه وبالمخالفة التامة لما كان مقرراً فيه من قبل، فأمر بالتقاط الإبل الضالة وبيعها على صاحبها خلافاً لما نهى عنه النبيّ صلعم وإيمانا منه بأن الرسول u حين قال ما قاله، إِنَّمَا كان يقصد تحقيق المصلحة في وقته، وعثمان بمخالفته لمنطوق حديثه دون دلالته إنما كان يتوخى تحقيق المصلحة في وقته، ومن ثم فإنه لم يخالف ما كان متبعاً، بل كان موافقا له أصوب الموافقة كما فعل عثمان t مثل ذلك في كثير من المسائل الفقهية التي خالف فيها ما كان متبعاً من قبل حتى يصيب مقصد الشارع فيها. ولم يكن التابعون حينما أفتوا بجواز التسعير مخالفين لسنة النبيّ e في النهى عن التسعير؛ لأَنَّ هذا النهي كان معللا بالمصلحة في وقته، وهي استقرار الأسواق حيث لم يوجد ما يقتضي التسعير فالأفراد راضون والتجار قانعون، ومن ثم كان التسعير غير ملائم لهم، فنهى عنه النبيّ e؛ فلما تغيرت الأمور، ونحا التجار منحى الجشع ورفعوا الأسعار وبالغوا في توخي الربح أصبحت المصلحة تقتضي التحديد؛ فأفتى التابعون بجواز التسعير مع سبق النهي عنه، وعلى هذا المنوال سار تابعو التابعين وتابعوهم من غير نكير من أحد، وهم حين فعلوا ذلك إنما فعلوه قياما بواجبهم تجاه دينهم الذي جعله الله خاتماً لرسالات السماء إلى يوم الدين، ولو لم يفعلوا ما فعلوا لحكموا عليه بالجمود والتوقف، ولكانوا مضادين لله فيما قصده من خلود الدين وعموميته لِكُلِّ العالمين.

حاجة المسلمين اليوم أشد لتوجيه الاستدلال الفقهي:

والمسلمون اليوم أصبحوا في أشد الحاجة إلى تلمس هذا المنهج الإسلامي القويم الذي سار عليه السلف الصالح منذ عهد الصحابة والتابعين، فقد تغيرت الأخلاق والعادات، كما تغيرت أنماط السلوك والمعاملات، وما يستجد من الوقائع في الصباح ينافس ما يظهر منها في المساء.

وما لم يواكب ذلك التطور المتلاحق بجديد في التناول الفقهي فإن ذلك سيؤدي إلى عزل الفقه عن مسيرة الحياة، واتساع الهوة بين الأحكام الشرعية وتطبيقاتها العملية، وسيكون المسئولون عن ذلك من أهل الفقه والنظر قد اقترفوا في حق دين الله جريمة لن يسهل نسيانها.

والمعاملات الاقتصادية من أكثر أبواب الفقه حاجة لتجديد التناول لارتباطها الوثيق بحياة الناس، وكثرة وقوعها على مدار اليوم والساعة، وهي بطبيعتها تتأثر باختلاف الزمان والبيئات والعوائد، وإذا انفصلت عن واقع الحياة فإن ذلك سوف يشق على الناس ويوقعهم في الحرج الذي انتشلهم الله منه بما شرعه لهم، فقال الله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ([60]) وقال عز من قائل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ([61])، وفي هذا يرى العز بن عبد السلام الفقيه الشافعي: “إن من تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودفع المفاسد حصل له من مجموع ذلك اعتقاد مؤكد بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها، فإن فهم نفس الشرع يوحي بذلك”([62]).

وعلى ضوء هذه الأصول جدد السابقون أسلوب التناول الفقهي، وغيروا الأحكام بما يصيب المصلحة في عهدهم في ضوء ما قصده الشارع وما يكفله لهم شرعه من تحقق النفع ودفع الضر في كلّ أوان ومكان، وعلى ضوئها يجب أن يجدد المعاصرون واللاحقون التناول بتوجيه الاستدلال الفقهي على نحو يستوعب المستجدات، والمسائل التي تحتاج إلى إعادة التناول بما يجعلها متفقه مع ظروف العصر في ضوء أدلة الشريعة ومبادئها كثيرة ربما لا يتسع المقام لتناولها كلها بالدراسة في هذا المقام، ولهذا فإننا ستعني فيها بأمهات تلك المسائل، أو أهمها في أبواب المعاملات المختلفة، وهي كما يلي:

(1) الغرر في العقود: كان الغرر ولا يزال هو السبب الذي يعزى إليه الحكم على كثير من العقود والتصرفات بالفساد والبطلان ومن ثم التحريم، وربما كان الغرر هو السبب الأساس في الحكم على بعض أنواع التأمين التجاري بالتحريم عند من قالوا به، بل إنه يعد السبب في الحكم بتحريم كثير من العقود، وذلك لما فيها من الغرر الذي نهى عنه النبيّ e نهياً يفيد تحريمه، فقد صح عنه في الحديث أنَّه قد «نهى عن الغرر»، كما صح عنه أنَّه قد «نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان». والغرر يدخل تحت هذا المعنى، إذ من ضمن أنواعه، بيع ما لم يوجد تحت اليد؛ ولكن قبل أن نبين أساس القول بتحريم العقود المتلبسة بالغرر ينبغى بيان معناه حتى يكون الحكم عليه فرعاً عن تصوره.

حقيقة الغرر المحرم:

والغرر: هو الذي يحتمل الوجود والعدم أو الكسب والخسارة، أو هو الذي لا يدري المتعاقد معه مقدار ما سيدفعه ولا مقدار ما سيأخذه، كما في القمار فإن كلا من طرفية يتعاقد وهو لا يدري ما إذا كان سيربح أو سيخسر، ومن يشتري السمك في الماء والطير في الهواء يحتمل أن يقبض إذا اصطاده البائع، ويحتمل أن لا يقبضه إذا لم يقدر على صيده ولذلك كان بيعة محل غرر فلا يجوز، ويكون لذلك محرما، وكذلك المستأمن في عقد التأمين لا يدري مقدار ما سيدفعه من الأقساط عند التعاقد، ولا مقدار ما إذا كان سيتقاضى مبلغ التأمين أم لا؛ لأَنَّ ذلك كله معلق على أمر محتمل الوقوع، وهو الخطر المؤمن منه، حيث يمكن أن يقع ويمكن ألا يقع، فتردد أمره بين خطرين فكان محرما لذلك، وموقف المؤمن كموقف المستأمن، لا يدري هو الآخر مقدار ما سيأخذه من الأقساط، ولا يعرف ما إذا كان سيبذل مبلغ التأمين أو لن يبذله، وكذلك بيع الحمل في بطن أمه، فإنه لا يدري أهو موجود أم لا، واللبن في الضرع لاحتمال أن يكون الضرع منتفخاً من غير لبن أو أن يكون منتفخاً باللبن، والأمر إذا تطرق إليه الاحتمال كان متلبساً بالغرر فيحرم التعامل فيه لذلك، ويبدو من الأمثلة التي أنيط بها وصف الغرر، أن مقصد التحريم فيه متجه إلى احترام الإرادة في التعامل، وذلك بتحديد ورودها على محل ثابت الهيئة والأوصاف حتى إذا ما ارتضى الإنسان بيعه أو شراءه، كانت إرادته واردة على شَيْء محدد لا يحتمل غيره، وذلك أدعى لأن يزن مركزه في التعاقد على نحو صحيح يعرف به ماله وما عليه، فيكون رضاه عن بينة يتحمل كافة نتائجها عن رضا وطيب خاطر فلا يثور نزاع بشأن التعامل ويستتب الأمن في حياه الناس.

كما أن مبنى فكرة الغرر قائم على الجهل بالشيء، أو بما يؤول إليه الشيء، فتحريم بيع جنين المواشي في بطن أمه مبني عَلَى الغرر فيه لجهل وجود الشيء؛ لأن هذا الوجود لا يتأكد إلا بانفصال الجنين عن بطن أمه قابلا للحياة، وتحريم بيع السمك في الماء والطير في الهواء مبنى الغرر فيه على الجهل بمصير المبيع، وما إذا كان المبيع سيقع في يد البائع أم لا يقع، وإذا كان الجهل هو مبنى فكرة الغرر فإن دائرته تتسع كلما اتسع الجهل بموضوع التعاقد في حياة الناس، ويضيق كلما ضاق هذا الجهل، وعلى ضوء هذا فإن ما كان مجهولاً فيما مضى أصبح محقق الوجود في ظل ما اكتشف من أدوات، وما ابتكر من أجهزة ترى الجنين في بطن أمه وتعرف دقات قلبه وتتابع حالته الصحية، بل وتجرى له ما يحتاج إليه من العمليات الجراحية والعلاجية، ومن ثم أصبح الجهل بوجوده علماً، وعلماً محققاً لا يتخلف، وإذا كان بيعه فيما مضى حراماً للغرر، فإن بيعه الآن يكون جائزا للعلم بوجوده على نحو يجعل الرضا به صادراً على نحو صحيح.

الجهل بالمعقود عليه أساس الغرر:

وجهل المصير أصبح معلوماً في ظل تقدم أدوات الصيد واختراع الأجهزة التي ترى ما في بطن البحر من الأسماك، وتختار منها للصيد ما تبغيه وتترك ما لا تريده، وفي ظل ذلك التطور تحول الجهل بمصير المبيع إلى علم يحدد هذا المصير إن لم يكن على سبيل القطع والتأكيد الذي يجعل من يتعاقد على بيع السمك في الماء واثقاً من قبض المبيع، فإنه على الأقل يجعل الغرر الناتج عن جهل المصير يسيرا لا يؤثر في صحة التعامل ويكون مثله كمثل بيع اللحاف من غير علم بما فيه من قطن، والجبة من غير علم بما فيها من حشو، والمنازل والبيوت من غير علم بمتانة أسس جدرانها، المدفونة تحت الأرض، ولم يقل أحد من أهل العلم بتحريم تلك المعاملات فيكون الغرر الجسيم إذا تحول إلى غرر يسير على منوالها مباحاً، وما يقال في بيع السمك في الماء والطير في الهواء يمكن أن يجري مثله في مجال الأنشطة الاقتصادية الأكبر، وذلك كالجهالة في التأمين فإنها جهالة يمكن أن يغتفرها ما يحيط نظامه من الدراسات والإحصاءات التي تجعل المصير المجهول فيه لِكُلِّ من المتعاقدين معلوماً على نحو يجعل الغرر يسيراً فلا يتعلق به حظر. وكذلك الأمر في المشاركات المالية التي تمارسها البنوك قصداً لتحقيق الربح لها وللمتعاملين معها، فإن هذا الربح محتمل يمكن أن يحصل وأن لا يحصل، فكان فيها غرر لذلك، وهو غرر مبني على جهالة الوجود، فإذا ما تحول الجهل إلى علم محقق أو شبه محقق من خلال دراسة الجدوى التي تبين نتائج المشاركة من الربح خلال مدة معينة، فإن حكمه يتحول من الحظر إلى الإباحة، وتكون الإرادة واردة على شَيْء محدد، صحيح قد يكون التحديد غير قاطع لكنه -على فرض ذلك- يصلح لورود الاتفاق عليه ويكون العقد الوارد فيه صحيحاً.

الغرر اليسير غير محرم:

والحكم بإباحة الغرر يكفي له أن يكون الجهل بمصير الشيء يسيراً يتسامح فيه، ويحتمل الرضا ويقبل عليه الناس برضا نفس وارتياح بال، ولا يؤدى إلى تنازع فيما بينهم، وإلا لو كان العلم التام بالشيء هو أساس صحة التعامل عليه لَما أصبح التعامل صحيحاً في أمر من الأمور، بل حتى في البيع الصحيح نفسه؛ لأن المشتري قد يشتري شيئاً يحبه ويشتهيه ولا ينتفع به، فقد يكون طعاماً يقف عند شرائه على يد طابخه، فإذا ما مضى به إلى منزله وجد ضيفاً في انتظاره، وقد تعتريه علة تمنع تناوله، وقد يصيب الطعام سائل يلوثه؛ فالغرر قائم، بل إنه قائم في بيع الأجهزة الحديثة كالغسالات والسيارات والتلفاز والكمبيوتر وأمثالها. إذ ربما يشتريها الإنسان وهو لا يعلم عنها ولا عن تشغيلها أو قدرتها العلمية شيئاً، ومع ذلك فإن أحداً من أهل العلم لم يقل بتحريم بيعها، كما أنَّه قائم في إصلاح الأجهزة والسيارات، فمالك الشيء يتعاقد مع من يصلحه إذا عطب وهو لا يعلم ماذا به، ويقبل التعاقد عن جهل يكاد يبلغ في بعض الحالات درجة العمى، ولم يقل أحد إِنَّهُ محرم، وهو قائم في حال من يتعاقد على رحلة حج أو عمرة أو سفر لورود الاحتمال على الصفقة من جهة تمامها بتحقيق الغاية أو عدم تمامها، ولا يوجد شَيْء متلبس بالجهالة، حتى إن عمر الإنسان نفسه موضع جهالة، بل وجهالة كبرى، فمن من الناس يمكن أن يضمن أنَّه سيعيش إلى الغد أو حتى ساعة، أو إلى اللحظة القادمة؟، ولو كان الغرر بإطلاقه صالحاً لتحريم المعاملات لحرم على الإنسان التعامل أساساً لاحتمال موته في كلّ لحظة ولكان المطلوب منه أن يقضي عمره ساكناً شاخصاً ينتظر الموت، ولهذا عفانا الشارع من الغرر بالنص في أمور كثيرة منها الإجارَة والاستصناع، وبيع الأشياء المستقبلة أو ما يعرف بالسلم، وعقود المشاركات كالمزارعة والمضاربة والمساقاة وغيرها.

تغير وصف الغرر يقتضي تغير حكمه:

وعلى ضوء هذا يمكن القول: إن المعاملات المحرمة بسبب الغرر إذا تغير وصف الغرر فيها بسبب اتساع دائرة العلم بالمعقود عليه أمام الإنسان وانحسار دائرة الجهل به، فإنها تصبح جائزة ومباحة لتغير وصف الغرر إلى غرر يسير، وهو لا يؤثر في صحة التعامل، أو إلى علم تام يحقق صحة التعاقد.

وتجديد التناول في بيوع الغرر على هذا النحو، لن يكون أداة لحل القمار والمراهنات والمضاربات غير المشروعة؛ لأنَّها ستبقى على أصل تحريمها، لما تؤدي إليه من نزاع بسبب حقد الخاسر على الرابح فيها، ولتيقنه أنَّه قد أخذ ماله كله بالحظ ومن غير كد منه، أو مقابل عاد عليه، وسيظل القمار مدخلاً للعداء والبغضاء كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ([63])، أما ما سوى القمار من المعاملات فإن إرادة الأفراد فيه جادة، والالتزامات المتبادلة فيه متقاربة، وإذا تفاوتت فيما بينها فهو تفاوت ترضاه الإرادة في إطار المساحة التي سمح لها الشارع بأن تتحرك فيها، ومثله لا يثير نزاعاً أو عداوة أو شحناء فاختلف حكمه عنها.

(2) عقد القرض: الأصل فيه أنَّه صدقة وإحسان فالمقترض فقير محتاج لم يطلب القرض إلا لحاجة ملحة تقربه من الهلاك أو توقعه في العنت الشديد، لذلك فإن المقترض هو والسائل (المتسول) في منزلة سواء من الحاجة الدافعة إلى مد اليد وسؤال الناس، المقترض سائل، والمتسول سائل، وربما كان المقترض أعلى منزلة من السائل؛ لأنَّه وفقاً للحكم الشرعى للقرض: لا يجوز أن يقترض إلا عن حاجة ماسة تدفعه للقرض؛ فالرسول e:«المستقرض لا يستقرض إِلاَّ عن حاجة»([64])، أي يجب على طالب القرض أن لا يلجأ إليه إِلاَّ إذا كان واقعاً تحت حاجة تقترب به من الهلاك، وأما السائل فإنه قد يسأل الناس وعنده، ولهذا جعل الله الثواب على القرض أكثر من الثواب على الصدقة فالصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر كما جاء في الحديث، وقد فسر النبيّ e سبب ذلك التفاوت في مقدار الثواب المقرر للقرض والصدقة بقوله: «لأن السائل قد يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا عن حاجة»([65]).

يحرم القرض لغير حاجة:

والقرض حرام لا يجوز إذا لم يكن الإنسان بحاجة إليه، أي إذا كان في وضع لم يقترب فيه من الهلاك، وعليه أن يبتعد عن القرض طالما استطاع أن يدفع الهلاك عن نفسه بغيره، ولا يقدم عليه إلا إذا لم يجد وسيلة سواه لأن طلبه لغير حاجة سيكون تكثراً، وقد قال النبيّ e: «من سأل الناس تكثراً فَإِنَّمَا يسأل جمراً، فليستقل أو يستكثر»([66])، وقال لقبيصة بن المخارق: «أن السؤال لا يحل إِلاَّ لمن ضاع ماله كله في ضمان غيره، أو أصابته جائحة أتت على كلّ ماله، أو أصبح فقيراً لا يجد قوت يومه، فيحل له سؤال الناس ليصيب سداداً من عيش -أي ما يسد رمقه من العيش-، وما سوى ذلك من السؤال سحت يأكلها صاحبها سحتاً» ([67]).

وَلَـمَّا كان القرض كذلك كان من الواجب رد مثله من غير زيادة ولا نقصان، وكانت الزيادة فيه مسلكاً بغيضاً ورباً محرماً شرعاً.

مضار القرض لغير حاجة:

هذا القرض الذي لم يحله الله تعالى إِلاَّ لمن أشرف على الهلاك ووقع في العنت الشديد، وليسد به مسغبته، اختلط أمره على الناس وأصبح أحد مفاتيح السعادة لحيتان البنوك يأخذون المليارات باسمه ليغرقوا بها في المتع، ويرفلوا في النعيم ويرتبطوا بالغيد الحسان، فإذا ما طلبهم من دفع لهم تلك الأموال بحصته في عائدها الطائل الذي حصلوه أو المفروض أنَّهم قد حصلوه وفقاً لمضمون دراسة الجدوى الذي سبق أن قدموه، رفعوا عقيرتهم بالصياح، وقالوا: إن هذا هو الربا المحرم، فخلطوا بين القرض والمشاركة، ونهبوا أموال الكادحين وفروا بها تحت هذا المسمى الذي لا يصادف من الْـحَقّ شيئاً. إن الأموال التي تصرف من البنوك أو التي تودع فيها لا يصدق عليها وصف القرض المعروف شرعاً، ولا يمكن قبول توظيفها على هذا النحو الخاطئ حتى ولو كان القانون المدنى في المادة (726) يقول ذلك، أو كان قانون البنوك يكيفها على أنَّها ديون ويقصد التعامل في البنوك عليها، ولا يتجاوزها لسواها، ويكون الأصح أن تتغير تلك النصوص بما يجعلها تتفق مع التوصيف الشرعى للقرض؛ لأَنَّ الشرع لا يخضع للقانون الوضعي، وَإِنَّمَا الواجب أن يخضع القانون الوضعى لتوصيف الشرع، فلا يسمى الأشياء إلا بمسمياتها الحقيقية وفقاً لمضمونها ومعناها، وليس لألفاظها ومبناها، ولا يسوغ له أن يسمي تلك الأموال المنهوبة بأنَّها قرض حسن يبتغي من ورائه وجه الله تعالى، ويدخل تحت قوله: ﴿إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ([68]).

لقد نهبت مليارات البنوك تحت هذا المسمى بعد تحويره بما يتفق مع الهدف، ويساعد الطامعين على الاحتيال والفرار بمال المسلمين إلى الخارج، أو إغداقه على الحسناوات في الداخل، وبالمخالفة للشرع، ولكافة القيم والأخلاق، ولن يصلح الخلل إِلاَّ بالعودة إلى الصواب، وتحديد المفاهيم، وتسمية الأشياء بمسمياتها الصحيحة، فيتغير مسمى “قرض” الذي نهبت أموال المسلمين تحت رايته إلى “مشاركة”، وترتيب الحقوق والواجبات على ضوء ذلك.

والحديث في توجيه الاستدلال الفقهي ليستوعب المستجدات ينبغي أن يتواصل في فقه الأسرة وغيره من بقية أبواب الفقه الإسلامي.        هذا وبالله التوفيق.


[1]) سورة الأنبياء:107.

[2]) سورة الأنعام: 124.

[3]) سورة التوبة: 128.

[4]) رواه مسلم عن أبى هريرة، راجع مختصر صحيح مسلم د. مصطفى البغا، رقم 1822، طبعة دار العلوم الإنسانية بدمشق.

[5]) سورة فاطر:15.

[6]) سورة المائدة:3.

[7]) رواه مسلم من حديث جبير بن مطعم، السابق، رقم 1590.

[8]) رواه مسلم من حديث أبى هريرة، السابق، رقم 1527.

[9]) سورة الأحزاب:40.

[10]) سورة الأنبياء:107.

[11]) رواه الإمام مسلم في صحيحه، راجع: مختصر البغا، رقم 205، وابن ماجة في سننه، المرجع نفسه، رقم 667.

[12]) رواه أبو داود في سننه، عن ابن عباس، راجع: سنن أبى داود، 1/156، طبعة الحلبي، وفي رواية عن مالك بن الحويرث t قال: أتيت النبىe أنا وصاحب لي فلما أردنا الانصراف قال لنا: «إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما»، رواه ابن ماجة في سننه، راجع: مختصر البغا، رقم 979.

[13]) سورة النساء: 101.

[14]) أصلها ما روى عن عبد الله بن أنيس حين بعثه النبى e في طلب خالد بن سفيان الهزلي، راجع: سنن أبى داود، 1/315.

[15]) رواه اين ماجة في سننه، راجع: مختصر سنن ابن ماجة للبغا، رقم 3481.

[16]) راجع: التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول، للشيخ منصور ناصف، 1/359، طبعة صوت الأزهر.

[17]) المرجع نفسه، ص358.

[18]) سورة الضحى: 10.

[19]) سورة البقرة: 185.

[20]) رواه الأربعة عن ابن عمر، راجع: التاج الجامع، جـ 2، ص54.

[21]) سورة النساء: 105.

[22]) سورة آل عمران: 97.

[23]) رواه الترمذى وأحمد، التاج الجامع، السابق، ص109.

[24]) المرجع نفسه.

[25]) سورة إبراهيم: 37.

[26]) صحيح البخارى، كتاب التفسير، سورة الشعراء.

[27]) سورة الإسراء:70.

[28]) سورة الكهف:29.

[29]) سورة البقرة:256.

[30]) سورة الممتحنة:8.

[31]) أخرجه البيهقى، راجع: نيلالأوطار للشوكانى، جـ 7، ص13، طبعة الحلبى.

[32]) رواه أبو داود في سننه، راجع: الخراج لأبى يوسف، ص125، دار المعرفة ببيروت.

[33]) صحيح البخارى، جـ 5، ص66، مطبعة عبد الرحمن محمد.

[34]) صحيح مسلم، راجع مختصر البغا، السابق، رقم 1749.

[35]) رياض الصالحين للنووى، تحقيق الالبانى، رقم 330، المكتب الإسلامى.

[36]) رياض الصالحين، السابق، رقم 905.

[37]) ابن القيم: أحكام أهل الذمة، ص157 وما بعدها، دار الكتب العلمية.

[38]) المرجع نفسه، ص158 وما بعدها.

[39]) د. محمد أبو شهبة، السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، 2/ 357 وما بعدها، دار القلم بدمشق.

[40]) ابن تيمية، للدكتور محمد يوسف موسى، إعلام العرب (5)، مكتبة مصر بالفجالة.

[41]) سورة التوبة: 123.

[42]) سورة المائدة: 1.

[43]) سورة الإسراء:34.

[44]) سورة النساء: 29.

[45]) نيل الأوطار للشوكانى، جـ 8، ص172.

[46]) سورة المائدة: 1.

[47]) سورة النحل: 91.

[48]) الإمام أحمد، المسند، 1/83، المطبعة اليمنية، والسلسلة الصحيحة للألبانى، رقم 1904، والخطيب البغدادى، تاريخ بغداد، 3/64، طبعة بيروت.

[49]) رواه مسلم وأبو داود وأحمد، راجع: التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول، للشيخ منصور ناصف،2/340، طبعة صوت الأزهر.

[50]) سورة التوبة: 91.

[51]) د. محمد سلام مدكور، المدخل للفقه الاسلامى، ص266، الطبعة الرابعة، دار النهضة العربية.

[52]) راوه مسلم، راجع: مختصر البغا، رقم 1060.

[53]) المرجع نفسه، والدكتور مصطفى الزرقا، الفقه الاسلامى في ثوبه الجديد، جـ 2، ص933، مطبعة طبرية بدمشق.

[54]) ابن تيمية، الحسبة في الاسلام، ص14 وما بعدها.

[55]) سورة المجادلة: 22.

[56]) سورة التوبة: 24.

[57]) الأشباه والنظائر، لابن نجيم، ص229، طبعة الحلبى عام 1968م.

[58]) المرجع نفسه، ص247، جامع الفصوليين، جـ 1، ص26، ص133، المطبعة الأزهرية.

[59]) الأموال، لأبى عبيد، 1/193 وما بعدها، مطبعة الحجازى بالقاهرة، د. مصطفى الزرقا، السابق، 1/159 وما بعدها.

[60]) سورة الحج: 78.

[61]) سورة البقرة: 185.

[62]) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، 2/189، طبعة دار الجيل.

[63]) سورة المائدة: 91.

[64]) نيل الأوطار للشوكانى، 5/259، والترغيب والترهيب للمنذرى، 2/41.

[65]) المرجعان السابقان.

[66]) رواه مسلم، راجع: رياض الصالحين للنووى، ص336.

[67]) المرجع نفسه، ص337.

[68]) سورة التغابن: 17.

 

*  ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان ” فقه النوازل وتجديد الفتوى”

المنعقدة خلال الفترة: 13-16 ربيع الأول 1428هـ/ 1-4 إبريل 2007م

سلطنة عمان – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

هذه المقالة تحتوي على التعليقات على توجيه الاستدلال الفقهي لاستيعاب المستجدات مغلقة

التعليقات مغلقة مع الأسف