قضايا النوازل في فقه المعاملات وتجديد الفتوى

قضايا النوازل في فقه المعاملات وتجديد الفتوى

الـمصطلح و الـمنهج*

إعداد: أ.د. محمَّد كمال الدين إمام

(أستاذ ورئيس قسم الشريعة، كلية الحقوق، جامعة الاسكندرية بالجمهورية المصرية)

 

 

قضايا النوازل في فقه المعاملات بين المذاهب الفقهية وتجديد الفتوى

أوَّلا: في معنى فقه النوازل:

لعلَّه من الملائم منذ البداية ضبط المصطلح الخاص بالنوازل -في منظور هذا البحث -؛ لأنَّ اتساع المفهوم وتصوره وغموضه في بعض الأحيان أدَّى إلى اتساع تصوّر النوازل بحيث تشمل الفقه الإسلامي كلّه، وإلى حصر المفهوم عند البعض حتى لا تَكاد تستوعب الواقعة القضائية، والرأي عندي أن النوازل في مسيرتها العلمية -كغيرها من الأفكار الفقهية- بدأت ظاهرة واستوت على سوقها علما مستقلاّ له قواعده وآلياته، وله مدوناته ومصنفاته، في مرحلة النوازل باعتبارها “ظاهرة” كانت تستوعب فقه الإسلام، وهو يتحول من نص إلى واقع، أمَّا في مرحلة العلم فقد انتقلت في المفهوم من العموم إلى الخصوص، ومن الإطلاق إلى التقييد، سواء في مجال ضبط المصطلح، أو بناء قواعد العلم أو التأليف المفرد فيه.

إنَّ تنزيل الأحكام على الوقائع هو بداية العلم بالشريعة وبيانها للناس، وهي في عصر الرسالة مهمَّة الرسول الأساسية، إنَّها سؤال وجواب، سؤال من المسلم باعتباره مكلفا في دائرة الايمان، وإجابة من الرسول باعتباره مرسلا بالتكاليف التي حمل بها الإنسان، وفي ضوء هذا يفهم قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ﴾([1]). وفي قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾([2]).

والسؤال قد يعرض مباشرة من المكلّف كما ورد في سورة المجادلة من قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾([3]).

فنحن هنا أمام تساؤل تعبر عنه الحيرة، وهي أوَّل الطريق إلى المعرفة: إن نزول الأحكام الشرعية باعتبارها بلاغا، وتنزيلها على الوقائع باعتبارها حكما، ليست من عناصر “النوازل”، قبل أن ينشأ الفقه الذى هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية، وقبل أن ينشأ علم النوازل الذى نبحث عن معناه الاصطلاحي، وعن مكانه في خريطة العلوم الفقهية الإسلامية.

وهنا أفرِّق بين أمرين:

الأمر الأول: تنزيل الحكم على الوقائع، وهذه مهمة قام بها الرسول e، ويقوم بها علماء الإسلام في كلّ العصور؛ لأنَّ في مقدمة الوظائف الشرعية صنع الوقائع على عين من أحكام الشريعة، فالعلماء يأخذون الأحكام التي جاءت بها النصوص، وينزلونها على الوقائع التي يستغرقها حكم النص، وليست المهمة هنا سهلة بل هي مزلة أقدام؛ لأنَّها تحتاج إلى علم دقيق بالحكم، وهو في المستوى التجريدى أمر ونهي يستوعب الزمان والمكان، وفي المستوى العملي وقائع تحدث في دنيا الناس لها تاريخ ولها جغرافيا، وترتبط بأشخاص وأفعال وأحداث، وإذا كان العلم بالنصِّ هو توثيق للنصِّ -متنا وسندا-ومعرفة لأمره ونهيه تبدأ من بنيته اللغوية وتمتد إلى أنواع التكليف الواردة فيه، ولا تغفل عن مصالحه المحمية ومقاصده المرعية، وهذه المهمة أيضا تحتاج إلى فقه بالوقائع حتى يمكن وصفها وتحديدها، وإدخالها تحت حكم النصّ الذى تخضع له، وإذا كانت المهمة الأولى شرعية بحتة فإنَّ المهمة الثانية تدخل فيها علوم كثيرة ليست من الفقه بمعناه التخصصي، ومنها العلوم الاجتماعية سياسة واقتصادا واجتماعا وغير ذلك، بل والعلوم الطبيعية مثل: علم الطب، وخاصة علمي الطب العقلي، الطب الشرعي، وهذا ما أطلق عليه البعض: “فقه الواقع” بكلِّ عناصره ومكوناته، كلّ هذا يتعلَّق “بتنزيل النصِّ”، في أية مرحلة وفي أيِّ عصر، وهو فقه يبدأ حيث ينتهى النصّ وحيا أو اجتهادا، ويقوم بفقه التنزيل أربعة: الإمام والقاضي والمفتي والمكلف كلّ في مجاله؛ فالأحكام التي تحتاج إلى حكم حاكم يتمّ تنزيلها الإمام والقاضي، والأحكام التي لا تَحتاج إلى حكم حاكم ينزلها المفتي والمكلف. وكلّ هذه الميادين لها شرائط وقواعد في نظرية الاجتهاد عند المسلمين.

الأمر الثانى: ” النوازل التي تحتاج إلى نصّ، وهذه هي “المستجدات” التي لا يَجد الفقهاء لها حكما “في التجريد النصي” يعودون إليه مباشرة ويدخلون الواقعة تحت خطابه، وهنا يتحرَّك الاجتهاد الفردي والجماعي، ليقوم العقل الفقهي بدور أصعب من مُجرَّد التنزيل إلى عمل من مرحلتين:

المرحلة الأولى: الوصول إلى حكم يُمكن التعامل مع الواقعة من خلال التكليف الوارد فيه، وهو تكليف يصبح التزاما على المجتهد قبل أن يصبح ملزما للمحكوم عليه.

المرحلة الثانية: تنزيل الحكم الاجتهادي على الواقعة الجديدة.

وهذه المهمة الثانية تنطلق من عمومية الشريعة، ومن كون الوقائع قد يتعذَّر إدخالها تحت دائرة الحكم المنصوص عليه، أو حتى في الأدلة المعروفة حصر، وهو ما يشير إليه الشاطبي في “الموافقات” بقوله: “إنَّ الوقائع في الوجود لا تنحصر، فلا يصحّ دخولها تحت الأدلة المنحصرة، ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره، فلابد من حدوث وقائع لا تكون منصوصا عليها حكما، ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد، وعند ذلك فإمَّا أن يقوم الفقيه بعمله، أو أن يترك الناس فيها مع أهوائهم، أو ينظر فيها بغير اجتهاد شرعي، وهو اتِّباع للهوى، وذلك فساد كله فساد”.

والرأي عندي أنَّه في هذه الدائرة، دائرة “فقه المستجدات” قديما وحديثا يتحـرك “علم النوازل” وقواعده الفقهية، حيث إنَّ “فقه التنزيل” أوسع من “فقه النوازل”؛ لأنَّ الأوَّل يستوعب ما فيه نصّ، ويستوعب الاجتهاد فيما لا نصَّ فيه، ففقه التنزيل -على أهميته وصعوبته- هو حركة مع النصّ من أجل تطبيقه، فالفقيه هنا كاشف لا منشئ، أمَّا في “فقه النوازل” فالفقيه منشئ للأحكام بحسب نظره واجتهاده، وهي مهمة أخطر وأصعب، ويقوم بها الفقيه استجابة لضرورات الواقع الكوني، بعيدا عن خلاف الأصوليين حول الوقائع وإمكان خلوها من حكم الله، وهو خلاف أكَّد فيه علماء الأصول في المذاهب المختلفة أنَّ الأحكام لا يُمكنها أن تخلو من حكم لله، اللهم إلاَّ ما أثاره الباقلاني من جدل لا يَخلو من طرافة عقلية، ولكنَّه لا يؤثر في رجحان اتفاق الأصوليِّين.

إن فقه النوازل في ضوء هذا التحليل لُحمته وسداه النوازل الجديدة التي تفرض اجتهادا جديدا، لا ينضوى تحت نصّ معين، وَإِنَّمَا يستمدّه المجتهد من مُجمل مصادر الشريعة، ومن مقاصدها الشرعية؛ لأنَّه كما يقول العلامة الطاهر بن عاشور: فإنَّ ” أكثر المجتهدين إصابة وأكثر صواب المجتهد في اجتهاده يكونان على مقياس غوصه في تطلّب مقاصد الشريعة”، وهو علم لا يخوض فيه كما قال ولي الله الدهلوي في “حجَّة الله البالغة”: “إلاَّ من لطف ذهنه واستقام فهمه”، وفقه النوازل فقه حدَّد البعض خصائصه في الواقعية والمحلية، والأمر أوسع من ذلك؛ لأنَّ الفقيه هنا مفوَّض في الوصول إلى الحكم، ومفوَّض في إبلاغه للناس؛ «فالعلماء ورثة الأنبياء».

في “فقه التنزيل” ينتقل المكلّف به من المعلوم وهو النصّ أو ما يؤول إليه إلى المجهول، وهو الواقعة التي ينبغي استخدام منهج تحقيق المناط ليحسن التنزيل ويصحّ التكليف، أمَّا في “فقه النوازل” فإنَّ الفقيه لا يستدعي النصّ، بل يوجده استنباطا ثمَّ ينزله مناطا.

إنَّ “فقه التنزيل” وجد منذ عصر الرسول e، وتعلم الصحابة منه e المنهج الدقيق فيه، من توثيق ووصف وقيد، أمَّا “فقه النوازل” فلم تظهر إرهاصاته إلاَّ بعد انتهاء عصر الوحي، بل إنَّه أطلَّ فجأة بعد رحيل الرسول إلى الرفيق الأعلى، في أمر الخلافة ذاتها، وهل هي شورى وبيعة؟ أم نصّ ووصيَّة؟ ثمَّ وجهت الخلافة الجديدة في أيَّامها الأولى بنازلة الردَّة والمرتدِّين، وإذا كانت النصوص لا تسعف في فقه النوازل، فإنَّ منهج الرسول e وخطة السلف تُمثل العواصم من القواصم كلَّما حلّ بالمسلمين حدث جديد يَحتاج إلى اجتهاد جديد، إن “فقه التنزيل” يتعلق بتحكيم النصّ في الوقائع، و”فقه النوازل” يتعلَّق بالبحث عن حكم للوقائع، و”فقه الفتوى” يتعلَّق بالإخبار بحكم الوقائع، ولأنَّ الفقهاء الأوائل كانوا يتحركون على كلّ هذه المجالات بِما لهم من إحاطة معرفية، وعلم موسوعي، فلم تتميَّز هذه العلوم، ولم تظهر الحدود والتعريفات الدقيقة للكثير من المفردات التي يبنى عليها مفهوم العلم ومجالاته ومدوناته، ولعلَّ هذا يبدو فيما نقل عن فقهاء الصحابة والتابعين، يقول عطاء بن رباح: “لا ينبغي لأحد أن يفتي حتى يكون عالما باختلاف الناس”، ويقول غيره: “من لم يعرف اختلاف الفقهاء فليس بفقيه”، و”فقه النوازل” لا يجري في المعاملات فحسب، بل يشمل الفقه الإسلامي كلّه عبادات ومعاملات، والقول بأنَّ العبادات إذن، والمعاملات طلق لا يجري على إطلاقه، ولعلَّ ذلك ما وسع من مجال استعمال الأدلة العقلية وفي مقدمتها القياس، وعند أغلب المذاهب الفقهية وأجروه في مجال العبادات، والفقه العماني ليس بعيداً عن هذا التوسّع يقول مهنى التواجيني في كتابه “الفقه مدخلا وتشريعا”: “لقد ذهب الإباضية مذهب الكثيرين من غيرهم إلى التوسع في استعمال القياس، ولم يكتفوا بمسائل المعاملات والحوادث المستجدة، كلّما تبيَّنت العلة التي قام عليها حكم الأصل، فاستعملوه في العبادات، فأوجبوا التتابع في قضاء رمضان قياسا على التتابع في الأدَاء، ومن ذلك أيضا قولهم في المسافِر والمريض إذا أخَّرا القضاء حتى يدخل رمضان وقد أمكنهما القضاء، يصومان هذا الحاضر ويطعمان على الماضي لكلِّ يوم مسكينا غداء وعشاء، ويقضيان بعد ذلك قياسا على وجوب الإطعام على المفطر تعمُّدا؛ لأنَّ كليهما مُنتهك لحرمة الشهر، وفي “قواعد الإسلام” للجيطالي و”الإيضاح” للشماخي أمثلة كثيرة لاستعمال القياس في العبادات “.

ثانيا: في تا ريخ فقه النوازل ومدوناته:

لا شكَّ أن إرهاصات “فقه النوازل” بدأت منذ اللحظة الأولى لرحيل رسول الله e إلى الرفيق الأعلى، وفي ضوء توجيهاته لأصحابه عن كيفية العمل عند الخلاف، وفي ضوء هذا المنهج في فقه الصحابة تكوَّنت المدارس الفقهية، ثمَّ على ذات المنهج استقرَّ أمر المذاهب الفقهية على تنوعها، وفي عهد استقرار المذاهب بدأت النوازل تتحوَّل إلى علم له مجاله وقواعده ومدوناته، وله خصائصه التي تُميِّزه عن غيره، وهنا نشير إلى ما يلى:

1- على الرغم من التدوين المبكر للفتاوى، حيث يمكن العودة فيه إلى كتب أولى في السيرة مثل كتاب “عروة بن الزبير”، بل إلى مدونات خاصة منذ القرن الهجرى الأوَّل إذا تأكَّد ما يقوله المؤرخون الإباضيون بأنَّ الإمام جابر بن زيد جمع بِنفسه كتاباً كبيراً في الأحاديث والفتاوى يعرف بـ”ديوان جابر بن زيد”، إلاَّ أن هذه المدونات الأولى وغيرها من المصنفات التي ضمت مع أحاديث رسول الله e فتاوى الصحابة وأقوال التابعين، مثل مسند الربيع بن حبيب، وجوابات جابــر بن زيد، ومسند الإمام زيد، ومصنفات عبد الرازق، وابن أبى شيبة وغيرهم إلاَّ أن هذه المصنفات لا يُمكن العثور فيها على فقه نوازل بالمعنى الدقيق الذي يقوم على جديد يحتاج إلى اجتهاد، ويتخطَّى الأدلَّة المحصورة، وعليه فإنَّ التأليف في النوازل يعود إلى عصور متأخِّرة في تاريخ الفقه الإسلامي، ولا نزال في حاجة إلى من يُجرِّد “فقه النوازل” من مَجموعات الفتاوى الضخمة التي شملت أعمال القضاة والمفتين، وأقوال الفقهاء والولاة، وهي تضمّ أحكاما قضائية، وفتاوى، إضافة إلى نوازل أي حوادث جديدة حكمت في ضوء اجتهاد جديد، وهو جانب من الإنجاز الفقهي للمغرب العربي فيه جهد كبير، وليس خاصا بالمالكية فحسب بل إنَّ للإباضية فيه نصيب كَبير يحتاج إلى مراجعة ودراسة وتحقيق.

2- إن كتب النوازل هي المعين الذي لا ينضب والذي استعان به المستشرقون ومن بعدهم عدد من الباحثين لكتابة التاريخ الاجتماعي للإسلام؛ فالدراسة المفردة لنوازل فقيه واحد مثل البرزلي، وابن السراج، أو الدراسة الشاملة لمجموع النوازل تجعل الواقع أكثر وضوحا أمام الباحثين، وتضيء أمامه أسباب الانحسار والازدهار، وقد أتيحت لي في مناقشات جامعية قراءة “نوازل ابن سهل”، و”نوازل أبي عبد الله الأزدي”، فوقفت على ثراء الفقه الإسلامي والقواعد التي أنشأها العقل الفقهي الإسلامي للتعامل مع الواقع حتى لا ينحسر حكم الشريعة، وحتى لا ينكر القاضي العدالة. والرأي عندي أنَّ تأصيل “فقه النوازل” وجمع قواعده من كتب الفتاوى سوف يَرسم منهجا، بل عدَّة مناهج في مجال المعاملات، وفي مجال التجديد الفقهي، إضافة إلى كتابة التاريخ الصحيح للمجتمعات الإسلامية بسلبياته وايجابياته.

ثالثا: العلوم المرتبطة بعلم النوازل:

إن علم النوازل يجد أصوله الاجتهادية أساسا في الكتاب والسنَّة، فهما المصدران الأساسيان لكلّ العلوم الفقهية الإسلامية، ولكن الفقيه النازلي لا يَستقيم منهجه في التفكير الفقهي إلاَّ إذا استعان بمجموعة من العلوم الفقهية، إضافة إلى علوم عصره، وفي مقدمة هذه العلوم ما يلى:

1- مبحث المقاصد الشرعية:

وعن عمد اخترت كلمة مبحث؛ لأني أرى في المقاصد الشرعية مبحثا يَحتل أهمِّية كبرى في علم أصول الفقه، سواء كانت المقاصد الجزئية التي استقلَّت بها كتب حكم التشريع أو المقاصد الشرعية الكلية التي حفلت بها كتب الأصول، وإدراج هذا المبحث في علم أصول الفقه يحقِّق أمرين:

أ – ضبط المقاصد الشرعية حتى لا تُحلِّق في فضاء الأهواء؛ لتكون عند كثير من مثقفي زماننا منهجا لتجاوز النصّ وتاريخيته، أي يَستبدلون المقاصد بعلمِ أصول الفقه، فتصبح الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات قيد التعديل والتغيير؛ فالمقاصد مبحث مهمّ في تنزيل النصوص، ويكتسب أهمية، خاصة عندَ الاجتهاد الجديد. وحتى لا ينفرط عقد التجديد فينقلب إلى تبديد، وحتى لا يتراجع خطو الفقيه حتى يصل إلى مرحلة الجمود.

ب-تفعيل المقاصد الشرعية في ضوء المصادر وما تشير إليه، وعلل الأحكام وما تقتضيه من التوسعة ورفع الحرج، ومآلات الأفعال التي يَحكمها معيار الصلاح والفساد، ولعلَّ هذا ما جعل الفقهاء في كلّ العصور حتَّى العصر الحديث يعلون من شأن مُراعاة مقاصد الشريعة، دون أن تستقل بعلم خاص حتى ولو كان يدور في فلك علم أصول الفقه.

2- علم السياسة الشرعية:

ويقصد به سلطة ولي الأمر في الحفاظ على المصالح العامة للدين والدنيا، وفي ملئ المساحات الشاغرة التي لا يوجد نصّ مباشر يَحكمها، وهي سلطة يباشرها ولي الأمر المعاصر من خلال فُقهاء الأمَّة وعلمائها، فلم يَعُد الحاكم المجتهد معروفا في زماننا إلاَّ ما ندر، والنادر لا يُقاس عليه.

والسياسة الشرعية تنضبط بقاعدتين لابد من الإشارة إليهما:

القاعدة الأولى: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق

والقاعدة الثانية: تصرُّف ولي الأمر مَنوط بِمصلحة الرعيَّة، ومهمة السياسة الشرعية في عصرنا، ليس فقط الوصول إلى أحكام شرعية لكلِّ جديد، وَإِنَّمَا أيضا إضفاء عنصر الإلزام على القواعد التي يتمّ اختيارها لتكون جزءا من البناء التشريعي الإسلامي، وهو بناء قد يستدعي تقديم المرجوح وترك الراجح، وفي بعض الأحيانِ يتطلَّب إعمال المصلحة فيما قد يكون مَحلّ نصّ إرجاء وضرورة، أو إعادة توصيف للواقع، وليس إنكارا أو إغفالا، وفي كلّ ذلك يستعمل ولي أمر سلطة أعطاها له الفقه، وتلخّصها قاعدة “اختيار ولي الأمر يرفع الخلاف”.

3- علم الخلاف:

يستوى في ذلك الخلاف العالى أى الخلاف بين المذاهب، أو الخلاف النازل وهو الخلاف الواقع في دائرة المذهب نفسه بين أعلامه أو بين المتقدمين والمتأخرين، يضاف إلى ذلك المقارنة التي نقوم بها اليوم بين الشريعة الإسلامية وغيرها من الأنظمة القانونية العالمية.

4- علم القواعد الشرعية:

وهو علم يقف في منطقة وسطى بين علمي الأصول والفقه، ولا نعدو الحقيقة إذا قلنا: إنَّه أهمّ العلوم التشريعية التي يحتاج إليها الفقيه المعاصر، وحسنا فعلت أغلب المذاهب الفقهية بتجريد القواعد الفقهية من موسوعاتها، هكذا فعل الإماميَّة فيما صَدر من مجموع للقواعد على المذهب الإمامي من مجمع التقريب بين المذاهب في إيران، وهكذا فعلت سَلطنة عمان فيما تَمَّ تجريده من قواعد الفقه الإباضي من الموسوعات الفقهية، وهكذا يفعل المجمع الفقهي في منظمة المؤتمر الإسلامي في مشروعه الضخم عن القواعد الفقهية؛ لأنَّ التأصيل الحديث للقواعد الفقهية يتحقق بأمرين:

الأول: الرد على المستشرقين وأتباعهم في القول بأن الفقه الإسلامي مُجرد حلول جزئية لا اعتبار فيها للنظريات العامة، أو الأنساق الفقهية الكلية، وبناء القواعد الفقهية وما يتفرَّع عنها يرد هذه الدعوى.

الثانى: تفعيل العقل الفقهي المعاصر وحماية تجديده بسياج من القواعد الكلية الحاكمة التي تضبط مساره، وتَجعل أحجامه جزئيات وتطبيقات عملية لقواعد كلية شاملة، أو أغلبية تحكم التفاصيل والفروع الفقهية.

وتلك وظيفة مهمة تؤدِّيها القواعد في فهم التراث الفقهي وفي تجديد التراث الفقهى. وهناك علوم أخرى كثيرة يكفي الإشارة إليها مثل: علم الفروق، وعلم تخريج الفروع على الأصول، وعلم الأشباه والنظائر، وعلم التوثيقات الشرعية، وعلم الأحكام ذات المبادئ إلى غير ذلك، وكلّها علوم لها في مكتبتنا قديما وحديثا تراث مكتوب ومؤلفات مهمة بين مطبوع ومخطوط.

رابعا: النوازل وفقه المعاملات:

إن فقه النوازل والعلوم المرتبطة به يعتبر الطريق الطبيعى للبحث في المستجدات، سواء تعلَّق الأمر بتجديد الفقه، أو تطوير تدريسه في الجامعات الإسلامية، أو تعلّق بتلك التوجهات الجديدة نحو استمداد قوانين الدول الإسلامية من الشريعة الإسلامية.

وإذا كان الاهتمام بالقواعد الفقهية عند استنباط التشريعات أصبح مقدمة مسلمة منذ مجلة الأحكام العدلية، ومنذ قام ” سانتلانا” بكتابة “مجلة الالتزامات التونسية”، فإنَّ علوماً كثيرة لا تزال غائبة عن ذهن المشرع الحديث، وفي مقدمتها مقاصد الشريعة، والسياسة الشرعية، وما يتفرَّع عنهما من مباحث، ولعلَّ من أهمِّ ما ينبغي الإشارة إليه عند البحث عن منهج للنوازل في معالجة المعاملات، أنَّ فقه المعاملات اليوم لم يَعد مغلقا على علوم الفقه التقليدية، بل إنَّه من خلال التطورات المعاصرة سواء في العلاقات الدولية، أو المعاهدات ذات الطابع الدولي، أو في ثورة المعلومات، فإنَّ في ذلك كلّه ما يستوجب تحريك الفقه، وتفعيل قواعده حتى تستجيب للمنهج الذي يعطي للخبرة ولو بِمعناها المادي والتجريبي دورها في توصيف الوقائع، ويعطي لعالم الطبيعة وعلم النفس والاجتماع والاقتصاد والإعلام دوره إلى جوار الفقيه، في بيان كلّ حقائق الواقع الذى يراد للشريعة الإسلامية أن تَحكم عليه، وتساعد الفقيه.

إن القطيعة بين الفقه والعالم ليست في مصلحة الفقيه؛ لأنه ينفصل عن واقعه وعلوم عصره، وليست في مصلحة العالم لأنَّه ينسلخ من عقيدة أمته وهوية مجتمعه، والإسلام يجعل كلاّ منهما على ثغرة، وإنَّهما معا في رباط واحد، والأمة لا تنهض إلاَّ بهما معا، بما يفرض على ثقافتنا المعاصرة التخلي عن ثنائيات مستجلبة، وتقاطعات وهمية لا تعرفها شريعة الإسلام، وتنكرها مقاصده الكلية، من تجديد يستند إلى الأصول ويلائم أحوال العصر، إنَّ الفقه الإسلامي في مجال المعاملات فيه من النظريات العامة مثلَ: نظرية التعسف في استعمال الحقّ، ونظرية الضرورة، ونظرية الضرر، ونظرية تحمل التبعة، ونظرية المصلحة، ونظرية الضمان… وغير ذلك من نظريات قام الفقه المعاصر في أطروحات جامعية، أو بحوث معمقة بتناولها وتطبيقها على موضوعات كثيرة اجتماعية وسياسية واقتصادية، مستخدمة المنهج الواسع الذي لا يهمل المصادر، ويتفاعل مع المقاصد، ويتعامل بالقواعد، بل إن القواعد في ذاتها قامت دراسات مفردة لتطبيق بعضها على المعاملات فهناك دراسات عن المصلحة الشرعية وتطبيقها في نظم الحكم، والمقاصد الشرعية ودورها السياسي، وقاعدة المشقة تجلب التيسير وتطبيقاتها، وقاعدة الأمور بمقاصدها وتطبيقاتها، وغير ذلك كثير.

وما أوصي به في ختام هذه الورقة هو ألاَّ نَمرَّ بهذه الدراسات مرور الكرام، بل نجعلها مَحلاًّ للدرس والتقويم، والبحث والنقد، حتى تصبح ذات أثر في تجديد العقل الفقهي المعاصر، ودعم قدرته على الإبداع والابتكار.

والله ولى التوفيق.


[1]– سورة النساء الآية: 176.

[2]– سورة النساء الآية: 127.

[3]– سورة المجادلة الآية: 1.

 

*  ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان ” فقه النوازل وتجديد الفتوى”

المنعقدة خلال الفترة: 13-16 ربيع الأول 1428هـ/ 1-4 إبريل 2007م

سلطنة عمان – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك