الفتاوى الفقهية بين الأدلَّة والقواعد

الفتاوى الفقهية بين الأدلَّة والقواعد*

 إعداد: حجَّة الإسلام. أحمد مبلغي

(مدير معهد الفقه والحقوق، ومسؤول مجمع التقريب بين المذاهب بقم، الجمهورية الإيرانية)

 

 تقديـم:

إنّ الفتيا تُعدّ المرحلة الأخيرة التي تسبقها مرحلتان، هما: مرحلة إعداد العلوم التي هي مقدمة للاستنباط مفرداته وقواعده،كعلم الأصول والرجال و الدراية و… ومرحلة الاستنباط، وبعدما ينتقل الفقيه من تلك العلوم المقدّماتية إلى مرحلة الاستنباط، ويستنبط الحكم الشرعي يأتي الدور للدخول في المرحلة الثالثة، فيفتي بذلك الحكم الذي استنبطه.

ولولاَ هذه المرحلة الأخيرة لَضاعت الجهود التي تحصل في المرحلتين السابقتين؛إذ إن الاجتهاد قبل وصوله إلى هذه المرحلة لم ينفذ إلى المجتمع بعد، فما هو موجود لاَ يتجاوز عن كونه أمراً حاصلاً في أجواء شخصية المستنبط، غير أَنَّهُ بعد أن يفتي بالحكم المستنبط، يأخذ الاجتهاد طابعاً اجتماعياً، فيبرز كظاهرة تساهم في ربط الناس بالشريعة، وإيجاد العلاقة بها، وتعيين وتكييف عملهم على أساسها.

وعليه فإنَّ أيّ مُمارسة ترمي إلى القضاء على هذه الظاهرة تعني هدم الجسر الرابط للناس بالأحكام الشرعية، غير أنَّ الذي ينبغي ذكره أنّ هدمه لا يتمثَّل في المخالفة لأصل الفتيا، أو اتِّخاذ مواقف سلبية تجاهها فقط، بل هناك مُمارسات أخرى تؤدِّي هي أيضا إلى تخريب مكانة الفتيا، ومن ثمّ تتوسع الفجوة بين الدين والناس.

وهذه الممارسات كثيرة تتمثَّل في واحد من الموارد الأربعة التالية:

1)     حالات النقص في عملية الاجتهاد.

2)     التصرفات الحاصلة في ضمن عملية الفتيا نفسها.

3)     الأدبيات التي يتقولب عرض الفتوى في إطارها.

4)     الممارسات التي ترمي إلى تقوية الفتيا، وهي لا تجيد الدفاع عنها.

وقد صبَّت هذه المقالة جهودها على المورد الأَوَّل، فتوضّح بعض الإشكالات والثغرات التي تتخلَّل في عملية الاستنباط، وتترك آثاراً سلبية في حركة الفتوى؛ فنقول إن هناك قسمين من حالات النقص في علمية الاستنباط، كان لهما التأثير الأساسي في جعل الفتاوى غير قادرة على مواكبة متطلبات الحياة:

الأَوَّل: ما يمثل حالة نقص في عملية الاجتهاد تجاه الأدلَّة.

الثاني: ما يمثل حالة نقص في عملية الاجتهاد تجاه القواعد.

* وإليك توضيح كُلّ من القسمين:

القسم الأَوَّل: ما يمثل حالة نقص في عملية الاجتهاد تجاه الأدلَّة:

وحالة النقص تجاه الأدلَّة تتمثَّل إِمَّا في عدم المعرفة ببعض الأدلَّة، أو إهمال الرجوع إليها.

هناك أدلَّة كثيرة لم تحصل فيها معرفة مطروحة بصياغة علمية، وطبعاً لا يرجع إليها في عملية الاستنباط إِلاَّ قليلاً، ونحن هنا على سبيل المثال نكتفي بذكر دليلين من هذه الأدلَّة، وهما ما يلي:

1 – المباني الكلامية:

ونقصد بالمبنى الكلامي كُلّ معتقد كلامي أمكن أن نُلبسه لباس الدليل لإثبات حكم مسألة فقهية به، ولتوضيح أكثر نلفت الأنظار إلى عدَّة أمور:

أوَّلاً: إنَّ الكثير من الاعتقادات التي نؤمن بها قابلة لأن ندخلها في عملية الاستنباط للاستناد إليها، وعمق قابلية بعض المعتقدات أن تلعب دور الأدلَّة، يبلغ إلى حدٍّ رُبَّمَا لا يفتح الطريق المسدود الذي واجهته عملية الاستنباط إِلاَّ بإدخال معتقد كلامي في هذه العملية والرجوع إليه؛ وذلك لأَنَّ المباني الكلامية تشكل إطاراً كليّا تأطّر الفقه به، وعليه فينبغي للفقيه المتفطِّن لذلك في استنباطه للمسائل ألاَّ يذهب إلى أحكام لازمها خروج الفقه عن ذلك الإطار، ومن هنا يسهل جدّا الإذعانُ بأنَّ المعتقدات الكلامية لا يصحّ أن نَمنحها في مجال الاستنباط دور أداة شاملة يثبت بها حكم كُلّ مسألة فقهية، فَإِنَّهُ ليس بوسع الفقيه تعيين كافة الأحكام اعتماداً على معارفه وتصوراته الكلامية، بل الممكن فقط إثبات الحكم بها فيما إذا وجدنا اقتضاءً بشكل منطقي للمعتقد الكلامي بالنسبة إلى الحكم الفقهي.

ثانياً: بالرغم من أنَّ المباني الكلامية تحظى بقدر كبير من الأهمِّية إِلاَّ أَنَّهَا مع ما تملك من قابليات استدلالية عميقة لم تصل إلى مكانتها اللائقة بها، ودورها المؤثّر في الفقه والأصول. ولعلَّ السرَّ في ذلك يعود إلى أَنَّهُ لم تتمّ محاولة جادَّة من قبل العلماء في تنظيم العلاقة بين الكلام والفقه تنظيماً منطقياً وفنِّياً، وتوظيف الكلام لهذا الغرض.

ثالثاً: إِنَّهُ لدى الاستفادة من عقيدة كلامية مَّا يلزم أن لا يكون لدينا انطباع مشوب بالإبهام والغموض بالنسبة لها، وتوضيح ذلك: أَنَّهُ تارة ينظر إلى إحدى العقائد الكلامية بنظرة مكتنفة بالغموض، بحيث تجعلنا عاجزين عن إعطاء تصوير بخصوصيات محدَّدة لها، وفي هذه الحالة لو استفدنا من هذا المبنى الكلامي للوصول إلى حكم فقهي لكانت نتيجة هذه الاستفادة باطلة لا يصحّ الاعتماد عليها.

وَمِـمَّا يجدر ذكره أَنَّهُ لو برزت عقيدة كلامية بعدَّة أوجه واتجاهات بعد أن رسم لها مظهر وإطار كلِّي؛ لعدَّ هذا نوعاً من الإبهام وعدم الشفافية.

مثال ذلك: ما ذهب إليه بعض العلماء في الإجابة عن سؤال: هل يجوز خطاب المعدوم والغائب أم لا؟ من أَنَّهُ يجوز خطابهما، متمسِّكين لإثبات مدّعاهم هذا بمبنًى كلاميّ هو أن الله سبحانه خاطب الناس كافة في عالم الذرّ.

والملاحظ عليهم ذكر أمرين: من جهة أنّنا لا نَمتلك من هذا الخطاب الإلهي رؤية شفافة حتى نتمكَّن من الاستناد إليه لإثبات المدعى، ولا مجال لدعوى أن هذا الخطاب من نوع الخطابات الرائجة بين أبناء البشر حتى يستقيم الاستدلال، ومن جهة أخرى أن مدى امتلاك أولئك المخاطبين في عالم الذرّ لحظ الوجود مسألة يكتنفها الغموض، مع كُلّ ذلك -طبعاً- نحن نعتقد بأصل تحقّق الخطاب في عالم الذر([1]).

2- مرتكزات المتشرعة:

والمقصود بالمرتكز المتشرعي: كُلّ شعور معمّق رسخ في ذهن المتشرعة يعتمد في نشوئه على بيان من الشارع، أو تصرف خاص منه في مسألة مَّا.

ولو نفعّل البحث عن هذا الدليل، وننشّط الرجوع إليه في الاستنباط، لنتمكّن حقيقة من فتح ملفات فقهية ذات قابليات عظيمة في الكثير من المسائل.

والبحث عن حجِّية المرتكز المتشرِّعي ومناشئ تكوّنه والعلائم الدالة عليه، وأقسامه موكول إلى مَحلّ آخر([2])، غير أنَّنا نكتفي هنا بذكر بعض المجالات التي يؤثر المرتكز المتشرِّعي فيها على استنباط الحكم، وهي كما يلي:

أَوَّلاً: ما إذا كان مؤدّى المرتكز نفسه حكماً شرعياً، فحينئذ يجعل الارتكاز حجَّة على هذا المؤدَّى، ويفتي بهذا الحكم، ويمكن أن نمثّل لذلك بارتكاز جواز المعاملة مع غير المسلم.

ثانياً: ما إذا كان المرتكز مؤدياً إلى حكم شرعي كأن نقول باشتراط النية في غسل الميت على أساس أن هذا الغسل عبادة في ارتكاز المتشرعة. فالمرتكز هو عباديته إلا أننا ننطلق من هذا المرتكز ونفتي باشتراط النية فيه بضميمة أن كل عبادة تشترط فيها النية.

والفرق بين هذين المجالين يكمن في أن الحكم يستفاد في الأول من المرتكز نفسه في حين يستفاد منه بشكل غيرمباشر في الثاني.

ثالثاً: تعيين صغريات أحكام هي في كبرياتها معلومة.

ولتوضيح ذلك نقول: قد توجد أحكام يشك في بعض الموارد هل هي من مصاديقها وصغرياتها أو لا؟ ويمكن أن نمثل بأننا لو قبلنا كبرى اشتراط الموالاة في الصلاة، لأمكننا في تعيين صغريات هذه الكبرى الرجوع إلى المتشرعة وما لديهم من ارتكازات في هذا المجال.

أو مثلاً قد يسأل: هل وضع الشيء المتنجس اليابس على القرآن هتك له حتى يقال بحرمته أو لا؟ فربما أمكن الاعتماد على المرتكز وإثبات عدم كونه هتكاً له.

القسم الثاني: ما يمثّل حالة نقص في عملية الاجتهاد تجاه القواعد، وتتمثَّل في عدة أمور:

– عدم محاولة توفير البحث عن بعض القواعد الاستنباطية بالقدر اللازم.

-إهمال تطبيق بعض القواعد الاستنباطية.

– محاولة تطبيق القواعد من دون الدقة والمهارة.

وإليك توضيح كُلّ هذه الأمور:

*- الأمر الأَوَّل: عدم محاولة توفير البحث عن بعض القواعد الاستنباطية بالقدر اللازم.

إنَّ الكثير من القواعد التي بأيدينا لم يستوف حقها من الدراسة والبحث، فهي تتعطش جداً لأن نوجّه إليها اهتمامنا العلمي بشكل واسع حتَّى تزداد نضجاً، ونعطيها بحثاً أعمق حتى يكشف عن المزيد من أبعادها وزواياها بصورة أوسع.

وهذه القواعد على صنفين:

القواعد التي ما زالت هي مضمرة بصورة ارتكازية، أو مبحوثة بشكل ابتدائي وأولي في بحوثنا واستنباطاتنا، مع كوننا في أمسِّ الحاجة إلى البحث التفصيلي عنها.

ويمكن أن نمثل لذلك بقاعدة: “تناسب الحكم والموضوع”، وقاعدة: “الانصراف”([3]) اللتين لهما أهمية بالغة جداً.

القواعد التي لم يكن بحث العلماء عنها ضئيلاً بمثل ما في الصنف الأَوَّل، غير أَنَّهَا تتطلب دراسة ذات نطاق واسع أكثر مِـمَّا قد حصل فيها، بدليل ما فيها من أهمية كبيرة من جهة، ووجود زوايا اكتنفها الغموض من جهة أخرى.

ويمكن أن نمثل لذلك بقاعدة: “كون السنة شارحة للقرآن”؛ فَإِنَّهَا رغم كونها بالغة الأهمية ورغم استبطانها لمدَّخرات عظيمة قابلة للاستثمار في عملية الاستنباط، لم يبحث عنها بحثاً دقيقاً مفصلاً ومذيلاً بنظريات.

ولتوضيح أكثر نقول: إن الاستفادة من السنَّة لبلوغ حكم القرآن قد احتلّت مكانة مرموقة ورصينة في الفكر الأصولي والفقهي، حيث إنَّ هذا النهج عريق وممتزج مع ذهينة العلماء، إلى درجة أنهم لم يكونوا أن يأخذوا حكماً من القرآن إِلاَّ بعد مراجعة كلا هذين المصدرين، وتجذُّر هذا النهج في التجربة الفقهية بحيث لم يقدم أي أحد من أي مذهب كان على رفض وإنكار ضرورة ذلك، فأصرَّت جميع التكتلات الفكرية السنِّية، ابتداءً بالمذاهب الأربعة ومروراً بالظاهرية وأتباع مقاصد الشريعة وانتهاءً بالسلفية، وجميع التكتلات الفكرية الشيعية الإماميَّة أيضا ابتداء ً بالأصوليين وانتهاءً بالأخباريين، وكذالك المذهب الإباضي‌‌‌ والمذهب الزيدي أصرَّ كُلّ أولئك على السير على هذا النهج.

غير أنَّ قبول هذا المعنى من قبل كافة الأطراف وارتضاء كُلّ المجاميع الفكرية لَه لا يعني -بالضرورة-استواء نظرهم في هذا الموضوع، كما أَنَّهُ لا ينبغي اعتبار تفاوت آرائهم في هذا الصدد تفاوتاً سطحياً وقليل الأهمية؛ لأَنَّ هناك بوناً شاسعاً وفجوة كبيرة وتبايناً عظيماً بين بعض الآراء.

ومن هذا المنطلق يجب الاعتراف أنَّ النقص الكبير الذي يعاني منه مبحث “الاهتمام والعمل بالسنَّة أثناء مواجهة القرآن” هو عدم دراسة الآراء المطروحة في هذا المضمار دراسة مقارنة، فلا التباين بين الآراء، ولا عمق الفجوات والمسافات بينها، ولا النتيجة المنطقية لِكُلِّ رأي، أو صداه التاريخي في تهيئة الاستفادة من القرآن أو حجمها أو كيفيتها، ولا أدلَّة كُلّ رأي ولا… لم تتمّ دراسة أي من هذه الأمور دراسة وافية عميقة في سياق تطبيقي.

إنَّ ما تحقق من ذلك على نحو رئيس مسائل منفردة، ودراسات مبعثرة ومشوشة أحياناً، لم ترق إلى فتح أفق شفاف أمام الاستنباط بغية الانتفاع من القرآن الكريم، من الطبيعي أنَّ عدم التطرّق لذلك وعدم دراسته أفرز فراغاً ونقصاً وغموضاً جدِّياً في هذا المجال.

ولفتح هذا الملف رُبَّمَا يكون أنفع موضوع هو التعرف على النظريات الرئيسة ودراستها، والتي تشكِّل هي الطبقات المستترة -والظاهرة أحياناً -خلف الآراء المختلفة في هذا المجال.

وهذه النظريات ثلاثة، وهي كما يلي:

1- نظريَّة التغيير.

2- نظريَّة التفسير.

3- نظريَّة التفصيل.

فقد أكَّدت نظريَّة التغيير على إيجاد تحوّل في مراد الآية على يد السنَّة، فيما شدَّدت نظريَّة التفسير على استخراج الأمور الكامنة في الآية من قبل السنَّة، في حين أن نظريَّة التفصيل أكَّدت على إضَافة نقاط أخرى على الآية فضلاً عن مدلولها السابق، هذا من جهة ومن جهة أخرى تدرج نظريتا التفصيل والتغيير الظواهر القرآينة في دائرة “المبيّن” لا “المجمل”، بينما تعدّ نظريَّة التفسير الظاهر قسيماً للمبيّن، وليس في مرحلة أدون منه، ومن جهة ثالثة تنفي نظريتا التفسير والتفصيل -خلافاً لنظريَّة التغيير -وقوع أيّ تصرّف يؤول إلى تغيير في مراد الآية من قبل السنَّة، مع فارق أن نظريَّة التفسير تعتقد أنَّ السنَّة تكشف النقاب عن المراد الجدي والواقعي للآية، وأنَّ الآية تستبطن ما قدَّمته، في حين أن نظريَّة التفصيل تشدّد على إضَافة تفاصيل وجزئيات تفوق مدلول الآية نفسها ولا تغيّرها، وتعتقد نظريَّة التفصيل -طبعاً- أن التفاصيل المضافة أوحيت من الله تعالى إلى النَّبِيّ الأكرم e([4]).

*-الأمر الثاني: إهمال تطبيق بعض القواعد الاستنباطية:

إنَّ ما حصل على أرض الواقع هو استفادة ضئيلة ومحدودة من القواعد الناظرة إلى الأساليب الكلامية المتعارفة في الاستنباط من القرآن، وإذا قبلنا أنَّ القرآن نزل بلسان المحاورة العرفية فيجب أن نقبل إمكان استخدام قواعد هذه المحاورة في الاستنباط من القرآن. والحقيقة أَنَّهُ لو أمكن إثبات أنَّ الله -سبحانه وتعالى- استعمل نفس هذه الأساليب الكلامية المتعارفة، لأمكن حينئذ استنباط معارف كثيرة من القرآن الكريم. ولتوضيح أكثر نقول:

إِنَّهُ يُمكن تفسير كون كلام الله سبحانه بلسان العرف ومسلك العقلاء بنحوين:

-النحو الاول: هو أن ننظر إلى الجانب السلبي الحد الادنى منه، ونقول: ان الله سبحانه لا يستخدم الكلمات التي هي خارج نطاق العرف، وغير المعروفة عندهم.

-النحو الثاني: بالإضَافة إلى الجانب السلبي، أنَّ الله سبحانه استخدَم أفضل الفنون والأساليب الكلامية الرائجة عند العرف لإيصال مراده؛ والذي يبدو أنَّ التفسير الثاني هو الصحيح.

وفيما يلي الإشارة إلى بعض القواعد الرائجة العرفية التي ينبغي تطبيقها على القرآن:

1-قاعدة الكناية:

من المتعارف عند العرف استعمال الكناية، بل قيل: «الكناية أبلغ من التصريح»، فالمتكلم يستعمل الكناية في كلامه من أجل بيان مقصوده. والسؤال هل الله سبحانه استعمل هذا الأسلوب في القرآن؟

فإن قبلنا أنه سبحانه استعمل الكناية في القرآن فلابد أن يكون الحكم المستنبط منه مناسبا لمعناه الكنائي.

ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾([5])، فعلى أساس اعتبار هذه الآية متضمنة لمعني كنائي، فلابدَّ من القول بأن الله سبحانه لم ينه عن قولِ «أف» للأب والأمّ، بل في مقام الكناية نهى عن إيذائهما، يقول أحد الفقهاء: “نفس الأفّ ليس منهياً عنه، بل هو كناية عن النهي عن ضربهما وإيذائهما”. هذا مع أنَّ البعض استفاد من ذلك أَنَّهُ يحرم أن يقال للأب والأم «أف»، وَأَمَّا حُرمة ضربهم فهو يستفاد من الآية بطريق الأولوية.

والاختلاف بينهما واضح، فإنَّ الأَوَّل يرى عدم إمكان إثبات النهي عن قول «أف»، لهما بهذه الآية الكريمة، بل نهى الله سبحانه بالكناية عن إيذائهما، وعليه إذا لم يكن في قول «أف» إيذاء لهما فلا يحرم، وإذا كان هناك فعل آخر فيه إيذاء لهما فهو حرام ومنهيّ عنه، بخلاف القول الثاني فَإِنَّهُ يرى تحريم قول «أف»، ومن تحريمه يستفاد تحريم ما هو في مرتبة أعلى من هذا القول بالأولوية.

والقول باستعمال الكناية في القرآن يستقيم على أساس الاعتقاد بالنحو الثاني، فإنَّ الكناية عند العرف أبلغ من التصريح، ووجود الأمثال في القرآن هو دليل على هذا المدَّعى.

2- الاستفادة من السياق في فهم القرآن الكريم:

إنَّا إذا التفتنا إلى جهة سوق الكلام فإنّنا نستفيد نقاطاً لا يمكن أن نستفيدها من كلمات وعبارات ذلك الكلام،وَإِنَّمَا نستفيدها من نظم وترتيب الجمل فيه، وهذا ما يسمَّى بسياق الكلام.

وَكُلّما كان المتكلم أكثر علما وإحاطة بموضوع كلامه، يكون كلامه بنحو يمكن الاستفادة من سياقه بشكل أفضل وأكثر. فإذا كان المتكلّم هو الله العليم الحكيم، فنحن أمام أحد أمرين:

الأَوَّل: أن ندَّعي أن الله سبحانه بالرغم من أَنَّهُ هو العالم المطلق إِلاَّ أَنَّهُ أعرض عن جعل مطالب ونقاط مهمة في طيَّات كلامه، وساقه كما يسوق العوام كلامهم،خالياً من الدقة والظرافة والنكات العلمية. إِلاَّ أنَّ هذه النسبة والتفسير لكلامِ الله سبحانه واضح البطلان؛فَإِنَّهُ كيف يمكن للشعراء أن يودعوا -على سبيل المثال-في أشعارهم أنواع العلوم والدقة والظرافة، ويكون كلام الله سبحانه خالياً عن هذه الميزة المهمة!.

والثاني: أَنَّ الله سبحانه وإن خاطب الناس بلغتهم إِلاَّ أَنَّهُ أودع في كلامه من العلم والحكمة على قدر فهمهم، ومن ذلك ما أودعه في سياق كلامه من الالتفاتات والظرائف.

فيتضح بهذه المقدمة أنَّ المعارف المستفادة من سياق القرآن الكريم هي بحر عظيم، وفرصة مهمة بين يدي أهل الاستنباط، إِلاَّ أَنَّهُ وللأسف لم تستغل هذه الفرصة في مقام الاستنباط في الفقه والأصول.

وبالرغم من أن الاستنباط من السياق فرصة مهمة إِلاَّ أَنَّها تضاعف احتمال الوقوع في الخطأ، فلابد من تعلّم القواعد المختصة بكيفية التعامل مع السياق والاستنباط منه.

ومن القواعد التي يمكن أن تفيد في ذلك:

1 – أن لا يكون هذا السياق خلاف ظاهر بقية الآيات.

2 – من المهم جدا الاهتمام بالضمائر، والإشارات و… لمعرفة السياق.

3 – هناك آيات إلى جنب آيات أخرى، إِلاَّ أَنَّها لا تعد من السياق.

إذن فلابد من الدقّة والتأمل في معرفة السياق؛ فَإِنَّهُ من الممكن لأيّ أحد أن يفسره طبقاً لفهمه الموهوم؛ من هنا فإن تأسيس قواعد خاصة أخرى بمعرفة السياق للوصول إلى فهم سياقي وموضع توافق العرف أمر ضروري جداً.

وهنا نأتي بتطبيق لهذه القاعدة ورد في كلام العلماء، يقول بعض بعد الإشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾([6]): “لا إشكال في دلالة الآية على البراءة بأبلغ وجه؛وذلك لأَنَّ الظاهر أَنَّ الآية راجعة إلى يوم القيامة، وإنّ المراد بالعذاب فيها هو العذاب الأخروي؛لورودها في سياق الآيات المتعلِّقة بيوم القيامة، وهي قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾([7]).

إنَّ حاصل وضع اليد على السياق في القرآن بوسعه أن يساعد على عملية الاستنباط، وإنه من خلال الدقة في سياق الجمل القرآنية يمكن فتح نافذة نحو الاستنباط وكشف الاستخدام الأمثل لمفاهيم القرآن، ليشمّر الفقهاء عن سواعد الجدّ في إدخال القرآن في عمليات الاستنباط في ضمن برامج محدَّدة وأطر معينة.

الأمر الثالث: محاولة تطبيق القواعد من دون الدقة والمهارة:

إن توفير البحث عن بعض القواعد الاستنباطية وعدم إهمال تطبيق بعض القواعد في مجال الاستنباط لا يَعني اجتياز جميع العقبات، بل إِنَّهُ حتى بعد الاطمئنان من توفر هذين الأمرين، ينبغي الالتفات إلى أن هناك مرحلة أخرى نواجهها في الاستنباط، وهي مرحلة تطبيق القاعدة. وَلَـمَّا كان التطبيق يأخذ على عاتقه إنجاز مهمة الكشف عن مضمون النصّ الشرعي وتوفير الوعي والمعرفة بمراد الشارع، فلا ينبغي اعتباره مرحلة سطحية ساذجة، بل مرحلة هي هامة تستحقّ أن نقف عند الوصول إليها وقفة تبذل فيها الدقة.

والتطبيق الذي يتم بمعزل عن الدقة عرضة لِخطر إيقاع المستنبط في إحدي الحالتين التاليتين:

الأولى: الإفراط في تحميل القواعد الأصولية مهمة استنطاق النصّ وتوظيفها أكثر مِـمَّا تقدر عليه.

وفي توضيحه نقول: إِنَّهُ من الطبيعي أن لا تتمكَّن القاعدة أحياناً من القيام بدورها المتوقع منها، والذي هو جعل فهم النصّ في متناول المستنبط، إِلاَّ أن ذلك قد يخرج عن كونه حالة عادية ويتحول إلى مشكلة لها انعكاساتها السلبية على الاستنباط، وهذه المشكلة تحصل في كُلّ مورد يتسم بخصيصتين:

الأولى: كان النصّ فيه عرضة لأن يكون مستبطناً لروح غير المعنى الذي يظهرمنه.

الثانية: كان المستنبط مفرطاً في تركيزه على القاعدة كآلية للتعامل مع النص.

وفي مثل هذا الوضع تخرج القاعدة عن كونها آلية لفهم المراد -وهو الروح التي تكمن وراء المتن-وتصبح أداة موجبة لاقتناع المستنبط بفهم حرفيّ للنصّ وأخذه بالمعنى الصوري له.

وهذه الحقيقة مِـمَّا حدا بنا أن نؤصِّل ونؤسس هنا قاعدة لو روعيت لكانت مبعدة لنا عن الوقوع في خطر الجمود على الظاهر الجاف للنصّ، وهذه القاعدة: “لزوم الأخذ بروح الشريعة في كُلّ مورد وجدنا النصّ فيه ممتلكاً لها”.

وليعلم أَنَّ هذا الأخذ لازم حتى وإن انجرَّ إلى عدم العمل بقاعدة من القواعد الرائجة الأصولية.

ولو نظرنا إلى الكتب الفقهية لوجدنا بعض الفقهاء قد راعوا هذه القاعدة ولو بشكل ارتكازي، ومن هؤلاء الإمام النووي في مجموعه، حيث انتقد من ذهب إلى ثبوت الحضانة للكافر، وبنى انتقاده هذا على كونه مخالفاً لروح الشريعة([8])، كما أنَّ منهم الإمام صاحب الجواهر حيث اعتبر أَنَّهُ قد يحصل في استخدام بعض العلل النحوية تشويش للذهن فيمنعه عن الوصول إلى الْـحَقّ([9]).

الثانية: تطبيق القاعدة في حالة تكتنفها ذهنيات انتزاعية بحتة وبعيدة عن النظر إلى الواقع.

إِنَّهُ لا شكَّ أن لِكُلِّ نصّ أجواءً وظروفاً اجتماعية صدر فيها، كما لا شكَّ في أن هناك نوعاً من الربط والانسجام بين تشكّل النصّ ومعناه، وبين الظروف التي صدر النصّ فيها، والاعتراف بهذين الأمرين يجعلنا ندرك بأنه لا يصحّ فصل النصّ عن الأجواء والظروف الصادر فيها، وَأَنَّهُ لا يتمّ الفهم الصحيح للنصِّ إِلاَّ فيما إذا نُمارسه في إطار محاولة معرفة تلك الملابسات والظروف المحيطة به.

وانطلاقاً من ذلك فَإِنَّهُ لو تَمَّت “عملية التذرّع بالقواعد لاستنطاق النصّ” بعيدة عن النظر إلى المقارنات والملابسات المكتنفة بذلك النصّ فَإِنَّهُ إعمال لها -أي القواعد – بصورة عشوائية وغير دقيقة، بخلاف ما إذا حاولنا فهم النصّ مع لحاظ الأرضية الفكرية التي صيغ فيها، فإن تطبيق القاعدة في هذه الحالة سوف يحصل في جو مفعم بالعلم والدقة.

وكمثال على ذلك قاعدة حجّية الظهور، فإنَّ تطبيقها يحصل بصورتين: مع الدقَّة وذلك فيما إذا حاولنا أن يحصل واقع الاستظهار في أنفسنا في ضوء لحاظ علاقة النصّ بالظروف التي صَدر فيها وبلا دقَّة، وهو الاستظهار الذي يتم من دون محاولة معرفة الأوضاع المحيطة بالنصِّ.


[1]) راجع: تهذيب الأصول، 2/41.

[2]) وقد ألّفتُ رسالة مفصّلة في المرتكزات لا تزال مخطوطة.

[3]) وقد كتبتُ مقالاً حول الانصراف، نشر في مجلة فقه أهل البيت، العدد 26.

[4]) وقد كتبت رسالة حول هذه النظريات لا تزال هي مخطوطة.

[5]) سورة الإسراء: 23.

[6]) سورة الإسراء: 15.

[7]) سورة الإسراء: 13-15.

[8]) يقول: “قال أبو سعيد الإصطخري: تثبت الحضانة للكافر على المسلم لحديث عبد الحميد بن جعفر عن أبيه، وقد أوردنا طرقه آنفا، وقد قال المصنف: إِنَّهُ منسوخ. ونقول: إن هذا الحديث استدلَّ به القائلون بثبوت الحضانة للأمِّ الكافرة كأبي حنيفة وأصحابه، وابن القاسم المالكي وأبو ثور، وذهب الجمهور إلى أَنَّهُ لا حضانة للكافرة على ولدها المسلم. وأجابوا عن الحديث بما تقدم من المقال فيه، وبما فيه من الاضطراب، ولكن الحديث بأسانيده وطرقه يصلح للاحتجاج به، والاضطراب مَمنوع باعتبار محلّ الْـحُجَّة، وهو كفر الأمّ وثبوت التخيير. وهذان العنصران هما ما يدور حولهما الحكم. ولعلّ المصنف يحتج في النسخ بأدلة عامة، كقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ وبنحو «الاسلام يعلو»، وقد استدلَّ ابن القيم بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ على أنَّ المراعى أولا في التخيير أو الاستهام بالقرعة ما هو أصلح للصغير، وأن أيا ما كان الأمر من التخيير أو التعيين أو الاقتراع، فإن أولئك مقيد بقوله تعالى ﴿قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾، وحكى عن شيخه ابن تيمية أَنَّهُ قال: تنازع أبوان صبيا عند الحاكم فخيّر الولد بينهما فاختار أباه، فقالت أمه: سله لأي شَيْء يختاره؟ فسأله فقال: أمي تبعثني كُلّ يوم للكاتب والفقيه يضرباني، وأبى يتركني ألعب مع الصبيان؛ فقضى به للأم. ورجح هذا ابن تيمية فإذا كانت روح الشرع تقضى بمراعاة صالح الصغير. فإن مِـمَّا لا شكَّ فيه أنَّ إلقاءه في أحضان قضاء على صلاحه دنيا وأخرى. ومن ثَمَّ يتعين خطا أبي سعيد الإصطخري وأبي حنيفة وأصحابه وابن القاسم وأبي ثور.

[9]) جواهر الكلام للشيخ الجواهري، 41/134-136.

 

*  ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان ” فقه النوازل وتجديد الفتوى”

المنعقدة خلال الفترة: 13-16 ربيع الأول 1428هـ/ 1-4 إبريل 2007م

سلطنة عمان – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك