الفتوى في العصور الإسلامية الأولى بين أهل الرأي وأهل الحديث

الفتوى في العصور الإسلامية الأولى

بين أهل الرأي وأهل الحديث *

 

إعداد: أ. د. وهبة مصطفى الزحيلي

(رئيس رابطة علماء الشام، عضو المجامع الفقهية الإسلامية، أستاذ كلية الشريعة، بدمشق)

 

تقديـم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، وعلى آله وصحبه وتابعيه إلى يوم الدين، وبعد:

فإنَّ الفتوى السليمة هي النبض المتدفّق في كُلّ زمان ومكان بالحيوية والتجديد، وإحياء معالم الشرع الحنيف، وربط الناس الحريصين على دينهم ووعيهم بشرع ربّهم وبأمور مستقبلهم في الدنيا والآخرة، حتى يكونوا على الجادة القويمة، ويدركوا أحكام الحلال والحرام، والشرائع والغايات والمقاصد.

والفتوى ملازمة لِكُلِّ نظام قانوني أو شرعيّ؛ لأنَّ مواد القانون محدودة، والحوادث والوقائع والنوازل متجدّدة، لذا نجد في كُلّ دولة ما يعرف بـ”إدارة الفتوى والتشريع” لتحقيق الانسجام والتوافق بين النصوص القانونية وبين وقائع الحياة المتطورة، ولأنَّ مخالفة الأنظمة والقوانين المختلفة تعرِّض المخالفين للمساءلة المدنية بالحكم ببطلان العقود والتصرفات غير المشروعة، أو للمساءلة الجنائية أو العقابية بالحكم على الجناة ومخالفة القانون بالعقاب الرادع.

وهذا هو الشأن القائم في ميدان تطبيق الأحكام الشرعية، فكان الاجتهاد والإفتاء هو الظاهرة الملموسة في الوسط العلمي في كُلّ عصر، وكانت وما تزال مرجعيات الفتوى الموثوقة في نشاط دائم وحركة مستمرة،ويهرع المستفتون عادة إلى أهل العلم الثقات، لتزويدهم بالحكم الشرعي السليم، ولتحقيق الالتزام بحكم الله تعالى، والظفر برضوانه، واجتناب كُلّ ما يسخطه أو يغضبه بسبب اقتراف الحرام والوقوع في حمأة العصيان، انطلاقاً من قول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ([1]).

والعلماء أمناء على ما يقولون، فكانت مسؤوليتهم خطيرة، وفتاواهم في غاية الحساسية والأهمية، من أجل تحقيق الوفاق مع الشريعة، والاهتداء بنورها، والاستضاءة بأحكامها؛ لأنَّه لا ثالث بعد الحلال والحرام، وَكُلّ منهما بيِّن، لا يقبل الترقيع.

والمفتي يحرص على المواءمة بين النصّ الشرعي، وبين رعاية المصالح ودرء المفاسد، وتلك مهمة شاقَّة ليست بالسهلة، فعليه الالتزام بضوابط الفتيا، وابتغاء وجه الله تعالى، والتحلِّي بالأناة والحلم، وخشية الله والورع، وسعة العلم والاطلاع، والدقة والحرص على الصواب.

وليس معنى تجديد الفتوى في الفقه العُماني أو غيره من أنحاء العالم الإسلامي، هو تجاوز النصوص الشرعية أو تعطيلها، وَإِنَّمَا التجديد في نطاق تبدل المصالح والأعراف المعتبرة شرعاً، وهذا بحث رصين يحقق التطلع إلى الجديد مع الالتزام بأصول الشريعة.

المطلب الأَوَّل: تعريف الفتوى، والفرق بينها وبين الاجتهاد والقضاء:

الفتوى: هي بيان الحكم الشرعي في واقعة من الوقائع الحادثة. والإفتاء أخصّ من الاجتهاد؛ لأنَّ الاجتهاد استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، سواء أكان هناك سؤال في موضوعها أم لم يكن. أما الإفتاء: فلا يكون إِلاَّ إذا كانت واقعة وقعت، ويتعرّف الفقيه حكمها.

والمجتهد:هو من توافرت فيه ملكة أو قدرة على استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية.

والأصل في المفتي: أن يكون مجتهداً([2])، بحيث تتوافر فيه شروط الاجتهاد، وهو كُلّ من كان أهل الاستدلال والاستنباط، ومن يلحق بهم من أهل الترجيح أو التخريج.

والترجيح: إظهار زيادة لأحد المتماثلين على الآخر بما لا يستقلّ، وهو تعريف أكثر علماء الحنفية([3])، وعرفه ابن الحاجب والآمدي: بأنه اقتران الأمارة (الدليل الظني) بما تقوى به على ما يعارضها([4]). هذا مع ملاحظة أن الترجيح من أفعال الشخص المجتهد.

والتخريج: هو شأن أهل استنباط الأوجه والطرق في المذهب، ومجتهد التخريج: هو الذي يتمكن فيه المستنبط من معرفة الأحكام في الوقائع التي لم يرد فيها نص عن إمام المذهب، بطريق التخريج على كلام المجتهد في مسألة من المسائل أو القواعد المنقولة عن إمام المذهب. ويحدث التخريج أيضا فيما إذا أفتى المجتهد (إمام المذهب) في مسألتين متشابهتين بحكمين مختلفين في وقتين، فيجوز نقل الحكم وتخريجه من كُلّ واحدة منهما إلى الأخرى، ما لم يفرّق بينهما، أو يقرب الزمن([5]).

والفتوى السليمة تتطلب -عدا توافر شروط الاجتهاد-شروطاً أخرى وهي معرفة واقعة الاستفتاء، ودراسة نفسية المستفتي، والجماعة التي يعيش فيها ليعرف مدى أثر الاجتهاد سـلباً أو إيجاباً، حلا أو تحريماً([6]).

ومن ضوابط أو شرائط الاجتهاد أو الإفتاء: معرفة الأحكام الشرعية وأنواعها وطرق إثباتها ووجوه دلالتها على مدلولاتها، في القرآن الكريم والسنة النبوية ومسائل الإجماع ومواقعه، ووجوه القياس وطرقه وضوابطه، وعلوم اللغة العربية وفهمها وإدراكها، ومقاصد الشريعة العامة، وقواعد أصول الفقه، مع العدالة والإتقان والتدين([7]).

وهذه الأوصاف يقتضيها الواقع وتفرضها الظروف والتجارب وأمانة العلم.

ثم أصبح لفظ “المفتي” بعد عصر الاجتهاد إلى نهاية القرن الرابع الهجري يطلق على متفقهة المذاهب الذين يقتصر عملهم على مجرّد نقل نصوص كتب الفقه، وهذا الإطلاق من باب المجاز أو الحقيقة العرفية الموافقة لعرف العوام واصطلاح الحكومات([8]).

وَأَمَّا الفرق بين الإفتاء أو الاجتهاد وبين القضاء: فإنّ الإفتاء أو الاجتهاد غير ملزم للمستفتي قضاءً، والقضاء بإصدار القاضي حكمه في الخصومة أو المسألة ملزم ويجب تنفيذه؛ لأنَّ أحكام القضاة واجبة التنفيذ لإنهاء الخصومات واستقرار الأوضاع ومنها المعاملات.

لكن بعض حالات الإفتاء ملزمة، مثل: إجماع الفقهاء على حكم شرعي، وَأَمَّا الاجتهاد أو الإفتاء الجماعي([9]) فهو وإن لم يكن ملزماً فهو أقرب إلى الإلزام. وكذلك الإفتاء الفردي إن لم يوجد مخالف للمفتي؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ([10]) والأمر بسؤال العلماء يقتضي التقيد بأجوبتهم، وَإِلاَّ لم يكن هناك فائدة من سؤالهم. يؤيّد ذلك قول الله تعالى أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ([11]) وهذا كسابقة أمر، والأمر يقتضي الوجوب، وأولو الأمر في العلم: هم العلماء، وفي السياسة هم الحكام، كما نقل عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.

ويرشد إلى مشروعية الاجتهاد الجماعي ما رواه سعيد بن المسيّب عن علي t قال: قلت: يا رسول الله الأمر ينزل بنا، لم ينزل فيه القرآن، ولم تمض فيه منك سنة؟ قال: «اجمعوا لـه العالِمين -أو قال: العابدين-من المؤمنين، فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد»([12]). ويؤيده قول ابن مسعود: “ما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحاً فهو عند الله قبيح” ([13]).

المطلب الثاني: ضوابط الفتوى وضرورة تحديد المرجعيات الموثوقة في كُلّ دولة:

الفتوى أمانة في أعناق العلماء، ومسؤولية خطيرة، تقتضي التثبت الشديد من الحكم الشرعي ودليله، والخوف من الله وخشينه ورقابته في السرّ والعلن، دون تسرع في الجواب، ولا خجل من المسؤول بعدم المعرفة، فهذا الإمام مالك سئل عن أربعين مسألة، فأجاب عن أربع منها، وقال في ستّ وثلاثين منها: لا أدري. وقال u: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار»([14]).

وبما أن الفتوى بالإضافة إلى كونها أمانة كما قال النبي e: «يحمل هذا العلم من كُلّ خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين»([15]) فهي تصرف في الشريعة، فينبغي أن تكون موافقة لها، غير مصادمة نصًّا من نصوصها أو أصلاً من أصولها، أو مقصداً من مقاصد الشريعة العامة، خلافاً لِما نجده اليوم من الفتاوى المتعارضة والمتعجلة والسطحية من أناس يحسنون العروض الكلامية والتمثيل كأصحاب أو مصممي الأزياء، ولكنهم بعيدون عن العلم وخشية الله تعالى، وربما قال أحدهم تهرباً من الجواب الصحيح المطابق للشريعة: هذا رأيي، وهو ليس أهلاً للرأي، فلم يبلغ درجة الاجتهاد، ولا يسأل عن رأيه، وَإِنَّمَا عن حكم الشرع الإلهي، وهذا يقتضي تخصيص مرجعيات علمية موثوقة ومؤهّلة عليا في كُلّ دولة، لمراقبة فتاوى الدخلاء.

لذا اشترط علماء الأصول في المفتي العدالة([16])؛ لأنَّ العدل المستقيم في دينه يكون غالباً موفقاً إلى اختيار الصواب، ويطمئن الناس إليه، بخلاف الفاسق، فَإِنَّهُ مذموم شرعاً وعرفاً، ويتطرق الشكّ إلى أقواله كثيراً، فلا يصلح قدوة حسنة لاتباعه أو تقليده، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ # كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ([17]).

ومقتضى العدالة في المفتي: أن يلاحظ الأمور الآتية إذا اختار حكماً من أحكام الفقه المقرّرة في المذاهب الإسلامية:

أوَّلاً: أن يتّبع القول لدليله، فلا يختار من المذاهب الفقهية أو العقدية أضعفها دليلاً، أو قولاً شاذاً، بل يختار أقواها دليلاً، كالقول بأنَّ أهل الكتاب الحاليين يدخلون الْـجَنَّة أو أن عذاب الكفار في النار ليس خالداً.

ثانياً: أن يجتهد ما أمكن الاجتهاد في أن لا يصادم نصًّا شرعياً قطعياً أو ظنيّ الدلالة؛ لأنَّ غلبة الظنّ توجب العمل بالنصّ، وأن لا يترك الأمر المجمع عليه إلى المختلف فيه، كالقول بإباحة بقاء المرأة التي أسلمت في عصمة زوجها ومضت عدتها، وأبى زوجها الإسلام، والقول بأن الإجماع خرافة!! وبإباحة زواج المسلمة من الكتابي غير المسلم، أو أن الحجاب الشرعي ليس لازماً للمرأة المسلمة البالغة العاقلة، والقول بإباحة الفوائد المصرفية المأخوذة من البنوك التقليدية الربوية، والقول بجواز إمامة المرأة، ونحو ذلك من سموم المستشرقين التي تسربت إلى عقول بعض الزعماء الإسلاميين السياسيين الذين تتلمذوا في الغرب.

ثالثاً: أن لا يتّبع أهواء الناس، بل يتَّبع المصلحة والدليل، والمصلحة المعتبرة هي مصلحة الكافة أو المصلحة العامة([18])، كمن أفتى بإباحة الاعتراف بحكومة إسرائيل في فلسطين المحتلة، وعقد معاهدة سلم دائمة مع الكيان الصهيوني، محتجاً بالآية الكريمة: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ([19]) علماً بأن هذه الآية واردة في عقد الهدنة أو الصلح المؤقَّت مع الأعداء فِي بلادهم، لا في أرض إسلامية اغتصبوها وأقاموا فيها، فهذا يوجب العمل والتعاون بين جميع المسلمين على استعادة هذه الأرض المحتلة.

هذه الأصول أو الأسس الثلاثة مستمدَّة من منهج السلف الصالح، ومن تبعهم في ممارسة الفتيا، قال الإمام القرافي([20]): “كُلّ شيء أفتى فيه المجتهد فخرجت فتياه على خلاف الإجماع، أو القواعد أو النصّ أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح، لا يجوز لمقلده أن ينقله للناس، ولا يفتي به في دين الله تعالى، فإن هذا الحكم لو حكم به حاكم لنقضناه، وما لا نقرّه شرعاً بعد تقرّره بحكم الحاكم أولى أن لا نقرّه شرعاً إذا لم يتأكَّد، وهذا لم يتأكَّد، فلا نقره شرعاً، والفتيا بغير شرع الله حرام، فالفتيا بهذا الحكم حرام، وإن كان الإمام المجتهد غير عاص به، بل مثاباً عليه؛ لأنَّه بذل جهده على حسب ما أمر به، وقد قال النبي u: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران».

وأضاف قائلاً: فعلى هذا يجب على أهل العصر تفقد مذاهبهم، فكلّ ما وجدوه من هذا النوع يحرم عليهم الفتيا به، ولا يعرى مذهب من المذاهب عنه، لكنه قد يقل وقد يكثر، غير أَنَّهُ لا يقدر أن يعلم هذا في مذهبه إِلاَّ من عرف القواعد والقياس الجلي والنص الصريح وعدم المعارض لذلك،وذلك يعتمد تحصيل أصول الفقه، والتبحر في الفقه، فإن القواعد ليست مستوعبة في أصول الفقه، بل للشريعة قواعد كثيرة جداً عند أئمة الفتوى والفقهاء لا توجد في كتب أصول الفقه”.

رحم الله القرافي الذي حدَّد لنا مرجعيات الفتاوى وهي النصوص الشرعية، والإجماع، والقواعد الفقهية الكلية، والقياس الجلي، وأصول الشريعة وأحكامها ومبادئها، وهو منهج السلف في الفتيا.

وذلك مستمدّ من قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ([21])، وهذا يتضمَّن إقرار الاجتهاد أو الفتيا بطريق القياس، على أن تتوافر في المفتي أهلية الإفتاء([22])، على النحو المذكور بضرورة توافر شروط الاجتهاد أو الإفتاء المتقدمة.

ومراعاةً لشروط ومقومات الإفتاء المتقدمة وتوافر أهلية الفتوى، قال القرافي: ولاعتبار هذا الشرط يحرم على أكثر الناس الفتوى. وكذلك كان السلف -رضوان الله عليهم- متوقفين في الفتيا توقّفاً شديداً. قال الإمام مالك: “لا ينبغي للعالم أن يفتي حتى يراه الناس أهلاً لذلك، ويرى هو نفسه أهلاً لذلك”. يريد مالك ضرورة تثبُّت أهليته عند العلماء، ويكون هو بيقين مطلعاً على ما قاله العلماء في حقه من الأهلية. وما أفتى الإمام مالك حتى أجازه أربعون محنّكاً (أي ملثماً بالعمائم تحت الحنك شعار العلماء) ([23]).

وقال الإمام الشافعي: “لا يحلّ لأحد أن يفتي في دين الله إِلاَّ رجل عارف بكتاب الله بناسخه ومنسوخه، ومُحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيّة ومَدَنية، وما أريد به، ويكون بعد ذلك بصيراً بحديث رسول الله e، وبالناسخ والمنسوخ،ويعرف من الحديث مثلما عرف من القرآن، ويكون بصيراً باللغة، بصيراً بالشعر وما يحتاج إليه للسنة والقرآن”([24]).

وقال الإمام أحمد: “ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالماً بوجوه القرآن، عالماً بالأسانيد الصحيحة، عالماً بالسُنَن، وَإِنَّمَا جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النَّبِيّ e، وقلَّة معرفتهم بصحيحها من سقيمها”([25]).

وذكر ابن القيم فصلاً مُمتعاً بعنوان “تحريم الإفتاء في دين الله بالرأي المتضمن لمخالفة النصوص والرأي الذي لم تشهد له النصوص بالقبول” واستدلَّ بآية: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ([26]) وبآيات أخرى، ثُمَّ قال ابن القيم: فقسّم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما: إِمَّا الاستجابة لله والرسول وما جاء به، وإمَّا اتِّباع الهوى، فكلّ ما لم يأت به الرسول فهو من الهوى.

تطبيق هذه الأصول والمرجعيات على المفتين:

أصبح الشائع الآن والواقع القائم أن أهل الفتوى هم متفقِّهة المذاهب، والتفقه في المذهب ليس أمراً سهلاً، بل يحتاج لجهد كبير، وعمر طويل في التحصيل، وحصافة، وعلم وحكمة وتأمّل وتعمّق في آفاق الشريعة كُلّها من عقائد وتفاسير وسنَّة، وسيرة نبوية وإجماع العلماء واختلافهم، واطلاع كافٍ على ثقافة العصر وأعراف الناس وعاداتهم في المعاملات وقضايا الاجتماع والاقتصاد؛ لأنَّ عصرنا الآن تغمره ثقافات وعلوم شتى، وقد جرَّبنا هذا في حياتنا، فليس من السهل التصور بأن عالماً يصبح فقيهاً متمكناً قادراً على الفتوى من دون تحصيل مكين، وقدرة علمية واسعة، وذكاء ونباهة، وامتزاج بالحياة الخصبة أو المعقدة في قضايا المعاملات، لاسيما ما استجد منها في قضايا البرّ والبحر والجوّ من عقود، وبنوك، وتأمين، وتخليص جمركي، واستيراد وتصدير([27])، وغير ذلك مِـمَّا تَموج به الحياة من ألوان المعارف والعلوم.

وما أدقَّ ما صنفه القرافي في فروقه([28]) في الفرق الثامن والسـبعين بين قاعدة من يجوز له أن يفتي، وبين قاعدة من لا يجوز له أن يفتي، وموجز كلامه حيث قال: “اعلم أن طالب العلم له أحوال:

الحالة الأولى: أن يشتغل بمختصر من مختصرات مذهبه فيه مطلقات مقيدة في غيره، وعمومات مخصوصة في غيره. وهذا يحرم عليه أن يفتي بما يجده في كتاب معين، وإن أجاده حفظاً وفهماً إِلاَّ في مسألة يقطع فيها أَنَّهَا مستوعبة التقييد، وأنها لا تحتاج إلى معنى آخر من كتاب آخر، فيجوز له أن ينقلها لمن يحتاجها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان. وفي غير ذلك يمنع من الفتيا بالمحفوظ، فيجب عليه التوقف.

الحالة الثانية: أن يتَّسع تحصيله في المذهب بحيث يطلع من تفاصيل الشروحات والمطولات على تقييد المطلقات وتخصيص العمومات، ولكنه مع ذلك لم يضبط مدارك إمامه ومسنداته في فروعه ضبطاً متقناً، بل سمعها من حيث الجملة من أفواه الطلبة والمشايخ، فهذا يجوز لـه أن يفتي بجميع ما ينقله ويحفظه في مذهبه، اتباعاً لمشهور ذلك المذهب بشروط الفتيا.

الحالة الثالثة: أن يصير طالب العلم إلى ما ذكرناه من تحصيل أهلية الإفتاء، ومن الشروط المطلوبة للفتوى، مع الديانة الوازعة والعدالة المتمكنة، فهذا يجوز لـه أن يفتي في مذهبه نقلاً وتخريجاً، ويُعتمد على ما يقوله في جميع ذلك.

المطلب الثالث: أنماط الفتوى في العصور الإسلامية الأولى ومناهجها لدى السلف وأتباعهم

على العلماء المعاصرين التزام طريقة السلف ومنهجهم في الإفتاء، حتى تنضبط الفتوى بعد اضطرابها وتصادمها مع بعضها، بل وظهور الأخطاء الفادحة على ألسنتهم، لاسيما فتاوى بعض أدعياء العلم في القنوات الفضائية الكثيرة، دون توثيق ولا كتابة ولا مراجع، بسبب مفاجآت الأسئلة المختلفة من السامعين، والمسؤول يجيب بارتجال واضح، وبُعد عن التريث والتعمّق والتأمل، بسبب إغراءات الشاشة التلفازية، وأوحدية شخصيته في الإجابة، لذا كانت الندوات المشتركة من اثنين أو أكثر أبعد عن الوقوع في الأخطاء، والضياع في المتاهات والأغوار، أو دهاليز المشكلات.

ويتطلب الموقف الديني السديد العودة لمنهج السلف في الإفتاء كما يبدو فيما يأتي:

علماً بأن بعضهم هم من خير القرون، لقول النبي e: «خير القرون الذي أنا فيه، ثُمَّ الثاني، ثُمَّ الثالث»([29]).

1- الفتوى في عهد الصحابة الكرام y:

الصحابة الكرام y هم بحقّ السادة والنماذج العليا في شأن مُمارسات الفتوى وغيرها؛ لأنَّهم تربوا في مدرسة النبوَّة، فجمعوا بين الالتزام الشديد بأصول الإسلام، وبين الورع والاحتياط، والانفتاح على تطور الأوضاع والأحوال ومراعاة المصالح، بسبب اتساع الفتوحات الإسلامية، وظهور مشكلات وقضايا تتطلب الحل العاجل، فأعملوا كُلّ طاقاتهم العلمية، وتشاوروا فيما بينهم، حتى سجلوا مواقف العز والشرف، والعقل والوعي، والتأدّب بآداب العلم؛ لأنَّ ما يفتون به دين، لا مُجرد قانون وضعي، أو بيان موقف سياسي مؤقت.

وتَميَّز منهجهم في الإفتاء فيما يأتي، بالإضافة إلى الإقلال من رواية الحديث حماية للسنة، وتوقفاً عند السنة الصحيحة الثابتة عن النبي u، وكانت ميزاتهم هي:

أولاً: التوقّف الشديد عن الفتوى ومدافعة أو مدارأة الإفتاء من الغالب حتى يتحمل عبء الفتوى أخوه، احتياطاً في الدين، وبعداً عن الوقوع في الإثم أو الضلال والإضلال، انطلاقاً من قول الله تبارك وتعالى وتجنباً لعادات الجاهلية: ﴿ولا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ([30]).

وقولـه U: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ..([31])، وقوله سـبحانه: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ([32]) وهو مطابق لتحذير النبي e من الجهل والضلال حيث قال: «إنَّ الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالِماً، اتَّخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلوا»([33]).

إن عاقبة القول جهلاً، أو كذباً، أو ضلالاً في غاية الخطورة؛ لأنَّ الأمة تضلّ بفتوى العالم المخطئ، ويسري الخطأ، ويتفاقم الضلال بتوارث الأجيال.

ثانياً: التزام النصوص الشرعية في الكتاب والسنة:

اتفقت الأمَّة الإسلامية قاطبة من غير أي خلاف على أنَّ مصدر الأحكام الشرعية أساساً يتمثَّل في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة؛ لأنَّهما وحي من الله تعالى، أمَّا القرآن فوحي بنظمه ومعناه، وَأَمَّا السنة فهي في الأصل وحي بالمعنى، واللفظ من النَّبِيّ u، مع رقابة الله U.

لهذا كان مرجع الصحابة الكرام ومن تبعهم إذا عرضت مسألة اللجوء إلى القرآن والسنة، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ([34])، ﴿ومَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ([35])، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ([36]). فإن لم يجدوا حكماً للحادثة فيهما اجتهدوا ونظروا بعمق.

وذلك بدليل حديث معاذ بن جبل t الذي بعثه رسول الله e قاضياً بالإسلام ومعلماً إلى اليمين، فقال له الرسول e: «كيف تقضي يا معاذ إذا عرض لك قضاء؟» قال: أقضي بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد في كتاب الله؟» قال: فبسنة رسول الله، قال: «فإن لم تجد في سنة رسول الله؟» قال: أجتهد برأيي ولا آلوا([37])، فضرب رسول الله e على صدره، وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله([38]). وروايات هذا الحديث وصلت إلى حد التواتر المعنوي.

والتقيّد أوَّلاً بالقرآن، ثُمَّ بالسنة، ثم بالاجتهاد أو القياس: هو اتجاه منطقي وسديد وسليم، وحبَّذا لو عاد المفتون اليوم إلى هذا المنهج بشرط أن يكونوا أهلاً للنظر، لا يفتون بالأهواء والشهوات، وبالكلام الأدبي أو العاطفي كما نلمس من بعضهم، والذي هو أخلاط وشوائب وضلالات.

ثالثاً: رعاية المصلحة العامة:  

إذا لم يوجد النصّ أو لم تتوافر شروط القياس وضوابطه، كان الصحابة الكرام يلجؤون إلى رعاية المصلحة العامة، وأدناها ما سمي بعدئذ بالمصالح المرسلة والاستحسان والعرف وسد الذرائع ونحوها من أدلة الاجتهاد والعقل، أو الرأي الصحيح المنسجم مع أصول الشريعة، مثل: جمع القرآن الكريم في صحف واحدة في عهد أبي بكر t بعد تفرقه في صحف مختلفة، وجمعه في عهد عثمان t على رسم واحد بلغة قريش، وتدوين الدواوين، ووضع الخراج على أهالي الأراضي المفتوحة في مصر والشام والعراق من غير تقسيم الأراضي بين الغانمين، والتوقف عن إعطاء الزكاة للمؤلفة قلوبهم، وإيقاف حد السرقة عام الرمادة (المجاعة)، وإمضاء الطلاق الثلاث بكلمة واحدة ثلاثاً ونحو ذلك، وتضمين الصناع في عهد عمر t، ونزع ملكية الدور المجاورة للمسجد الحرام لتوسعته في عهد عثمان، والقبول بمبدأ التحكيم صوناً للدماء في عهد علي t.

هذه أمثلة من فتاوى الصحابة الكرام بسبب توسع رقعة الخلافة الإسلامية.

قال ابن القيم: وكما أن الصحابة سـادة الأمة وأئمتها وقادتها، فهم سـادات المفتين والعلماء([39]). وقسم ابن القيم الصحابة المفتين إلى أقسام ثلاثة بحسب ضوابط الفتوى السابقة([40]):

1- المكثرون من الصحابة: وهم مائة ونيف وثلاثون نفساً، ما بين رجل وامرأة، وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر. ويمكن أن يجمع كتاب صغير أو كبير من فتاوى هؤلاء، ومن فتاوى ابن عباس عشرون كتاباً.

2- المتوسـطون منهم: فيما روي عنهم من الفتيا: أبو بكر الصديق، وأم سَـلَمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وأبو موسى الأشـعري، وسـعد بن أبي وقاص، وسـلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل، فهؤلاء ثلاثة عشر يمكن أن يجمع من فتيا كُلّ واحد منهم جزء صغير جداً. ويضاف إليهم: طلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان.

3- المقلّون في الفتيا: لا يروى عن الواحد منهم إِلاَّ المسألة والمسألتان، والزيادة اليسيرة على ذلك، يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير فقط، بعد التقصِّي والبحث وهم كثيرون: كأبي الدرداء، وأبي اليسر، وأبي سلمة المخزومي، وأبي عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد، والحسن والحسـين ابني علي، والنعمان بن بشير، وأبي مسعود، وأبي كعب، وأبي أيوب، وأبي طلحة، وأبي ذر، وأم عطية، وصفية أم المؤمنين، وحفصة، وأم حبيبة، وأسامة بن زيد، وجعفر بن أبي طالب، وفاطمة بنت الرسول e، وخالد بن الوليد، ورافع بن خديج… الخ.

والخلاصة: تميزت الفتوى أو الاجتهاد في عهد الصحابة بأمرين([41]):

الأَوَّل: أخذ الحكم من ظواهر النصوص: إذا كان مَحلّ الحكم مِـمَّا تتناوله تلك النصوص.

الثاني: أخذ الحكم من معقول النصّ: بأن كان للنصِّ علَّة مصرَّح بها أو مستنبطة، ومحلّ الحادثة مِـمَّا يوجد فيه تلك العلة، والنصّ لا يشمله، وهو المعروف بالقياس.

وكانت أسباب اختلاف الصحابة في الفتوى ثلاثة([42]):

الأَوَّل: اختلاف الفتوى بسبب الاختلاف في فهم القرآن، وله وجهان:

أ‌-       ورود لفظ يحتمل معنيين: كاختلافهم في فهم “القرء” في آية: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ([43]) ففهم عمر، وابن مسعود أنه “الحيضة” وفهم زيد بن ثابت أنه “الطُّهر”.

ب‌-   ورود حكمين مختلفين لموضوعين يظن أن أحدهما يشمل بعض ما يشمله الآخر، فيتعارضان في ذلك الجزء، كآية عدة الوفاة لمدة أربعة أشهر وعشر في سورة البقرة [ الآية: 228 ] وآية عدة الطلاق للحامل بوضع الحمل في الآية: (4) من سورة الطلاق، فهل الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بعدة الوفاة أو بوضع الحمل؟ للصحابة رأيان في الموضوع.

الثاني: اختلاف الفتوى بسبب ثبوت السنة القولية:

وذلك حيث لم تكن السنة النبوية مجموعة في كتاب يرجع إليه، وَإِنَّمَا يعتمد نقلها على الحفظ في الذاكرة، فإذا لم يوجد نص في كتاب الله، سألوا الصحابة: هل عندكم شيء من قضاء رسول الله e في الحادثة الطارئة، فكان عمر يطلب من الراوي شاهداً له في سماع الحديث، وكان علي يستحلف الراوي، فإذا لم تثبت السنة أفتى بعض الصحابة بالمفهوم من النصوص القرآنية، وأفتى آخرون بالرأي والاجتهاد إذا لم يكن هناك نصّ.

الثالث: اختلاف الفتوى بسبب الرأي:

فبعض الصحابة يفتون حيث لم يوجد نص في القرآن أو في السنة بما يرونه مصلحة، وأقرب إلى روح التشريع الإسلامي، من غير نظر إلى احتمال وجود نص معين للحادثة، أو لا يكون، وبعض آخر يتقيد بالبحث عن أصل للقياس عليه.

مثل إفتاء عمر بوقوع الطلاق الثلاث مرة واحدة ثلاثاً؛ لأنَّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، وحرَّم على من تزوج امرأة مطلقة في عدتها أن يتزوج بها مرة أخرى فهي محرمة عليه على التأبيد، بعد التفريق بينهما زجراً له، عملاً بالمصلحة، وجزاء لاسـتعجاله، في حين خالف آخرون رأي عمر. وكان هذا الاختلاف محدوداً في مسائل ليست كثيرة.

وأشهر القائلين من الصحابة بالرأي المحمود: عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسـعود وزيد بن ثابت، وثلاثة آخرون هم علي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري، وكان كل فريق يستفتي بعضهم من بعض([44]).

2- الفتوى في عهد التابعين:

سارت الفتوى في هذا العهد على منهج الصحابة من حيث الاعتماد على الكتاب والسنة والإجماع والقياس، لكن ضعُف مبدأ الشورى بسبب التفرق السياسي وتنازع المسلمين على الخلافة، وانقسامهم إلى طوائف ثلاث: خوارج، وشيعة،وجمهور المعتدلين، فتمسَّكت كُلّ طائفة بآرائهم، مِـمَّا أدى إلى الاضطراب الفقهي، وبسبب آخر هو تفرق علماء المسلمين في الأمصار، بعد أن كانوا محصورين في إقليم واحد هو المدينة المنورة.

واتَّجه جمهور المعتدلين إلى ناحيتين في المنـزع الفقهي:

ففريق وقف عند الأخذ بالنصوص وسموا بأهل الحديث، وفريق غلب عليهم التوسع في الاستنباط بطريق القياس،وسموا بأهل الرأي([45]).

وشاعت رواية الحديث في عهد التابعين (نهاية عهد الخلفاء الراشـدين سـنة 41هـ إلى أوائل القرن الثاني الهجري)، وظهر الوضاعون للحديث، وظهر الموالي (غير العرب) الذين أسهموا في الحركة العلمية).

وكان أكابر التابعين يفتون في الدين، ويستفتيهم الناس،وأكابر الصحابة حاضرون يجوِّزون لهم ذلك.

وأدى كُلّ ما ذكر إلى إثارة الخلاف حول الفروع الفقهية، وبرزت ظاهرة الجدال، واحتد النزاع بين الفقهاء،وتعقدت مسائل الفتوى.

وظهر الفقه الإقليمي في عهد التابعين([46]):

ففي المدينة المنورة: برز الفقهاء السبعة، وهم: سعيد بن المسيّب الذي لقب بالجريء، وهو راوية عمر وحامل علمه. وعروة بن الزبير، والقاسـم بن محمَّد، وخارجة بن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعُبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. ونظمهم القائل بقوله:

إذا قيل من في العلم سبعة أبــحــر           روايتهم ليست عن العلم خــارجةْ

فقل: هم عبيد الله، عروة، قــاسم           سعيد، أبو بكر، سليمان، خارجةْ

ومن فقهاء مكة، أو المفتين بمكة: عطاء بن أبي رباح، وطاوس بن كيسان، ومجاهد بن جبر، وعُبيد بن عمير، وعمرو بن دينار، وعبد الله بن أبي مُليكة، وعبد الرحمن بن سابط، وعكرمة.

ومن فقهاء البصرة: عمرو بن سلمة الجَرْمي، وأبو مريم الحنفي، وكعب بن سود، والحسن البصري الذي جمعت فتاواه في سبعة أسفار ضخمة.

ومن فقهاء الكوفة: علقمة بن قيس النخعي،والأسود بن يزيد النخعي، وهو عم علقمة، وعمرو بن شَرَحبيل الهمداني، ومسـروق بن الأجدع الهمذاني، وعَبيدة السَّـلْماني، وشـريح بن الحارث القاضي، وسليمان بن ربيعة الباهلي… الخ. ومنهم عبد الرحمن بن أبي ليلى الذي أخذ عن مائة وعشرين من الصحابة، وميسرة، وزاذان، والضحاك.

ومن فقهاء الشام: أبو إدريس الخولاني، وشرحبيل بن السِّمْط، وعبد الله الخزاعي، وقَبيصة بن ذُؤيب الخُزاعي، وحبان بن أمية… الخ.

ومن فقهاء مصر: يزيد بن أبي حبيب، وبُكَير بن عبد الله ين الأشج، وعمرو بن الحارث.

ومن فقهاء القيروان: سُحْنُون بن سعيد بن محمَّد الحداد.

ومن فقهاء الأندلس: يحيى بن يحيى، وعبد الملك بن حبيب، وبَقيُّ بن مَخْلد، وقاسم بن محمَّد صاحب الوثائق، تحفظ لهم فتاوى يسيرة، ومَسْلمة بن عبد العزيز القاضي، ومنذر بن سعيد.

ومن فقهاء اليمن: مُطَرِّف بن مازن قاضي صنعاء، وعبد الرزاق بن همام، وهشام بن يوسف، ومحمَّد بن ثور، وسماك بن الفضل.

ومن فقهاء بغداد: أبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو ثور إبراهيم بن خالد صاحب الشافعي والإمام أحمد بن حنبل.

3- الفتوى في عهد أتباع التبعين:

لم يكن هناك انفصال تام بين عهد الصحابة، وعهد التابعين وعهد تابعي التابعين، فقد عاش كثير من التابعين في عهد الصحابة، وعاش أغلب تابعي التابعين في عهد التابعين، والمراد بعصر أتباع التابعين: أَنَّهُ العصر الذي بزغ فيه ازدهار العلم والفقه بالأمصار الإسلامية، وكان لأهل هذا العصر تأثير على الفقه([47]). وكان لهذا حكمة بالغة وهي تلاقح الثقافة، واقتفاء أهل كُلّ عصر ما لدى المتقدمين منهم من علم وفقه وفتوى أو اجتهاد، أدَّى إلى استمرار منهج الصحابة الكرام في إغناء الفقه، والالتزام بأصول الشريعة ومبادئها وقواعدها العامة.

وتَميز هذا العهد بما يأتي إيراده موجزاً([48]):

1- اتباع منهج الصحابة والتابعين في الفتوى: بالتزام أمرين:

الأَوَّل: اتّباع ما جاء في النصوص الشرعية الواردة في الكتاب والسنة الثابتة.

الثاني: استنباط الآراء بطريقة تجمع بين الأصول النصّية ورعاية المصالح والأعراف التي لا تصادم النصوص. فتمسك الفقيه بالحديث المسند والمرسل، واستدلوا بأقوال الصحابة والتابعين وكانت تلك الأقوال مرجع العمل عند اختلاف الأحاديث.

2- ازدهار الفقه في الأمصار: بسبب كثرة الرحلات إلى تلك الأمصار للتعليم أو للجهاد، وكثر الفقهاء في البلدان الإسلامية الذين تربوا على منهج التابعين ومن قبلهم([49]).

فمن فقهاء المدينة: أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حَزْم، وعبد الله بن عمر بن عثمان، وجعفر بن محمَّد بن علي، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمَّد، ومحمَّد بن المنكدر، ومحمَّد ابن شهاب الزهري الذي جمعت فتاواه في ثلاثة أسفار.

ومن فقهاء مكة: أبو الزبير المكي، وعبد الله بن خالد بن أَسِيد، وعبد الله بن طاوس، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وسـفيان بن عيينة، ومسـلم بن خالد الزنجي، وسـعيد بن سـالم القدَّاح، ومحمَّد بن إدريس الشـافعي، وعبد الله بن الزبير الحُميدي، وموسى بن أبي الجارود وغيرهم.

ومن فقهاء البصرة: أيوب السِّختياني، وسليمان التيمي، وعبد الله بن عوف، ويونس بن عبيد، والقاسـم بن ربيعة، وخالد بن أبي عمران، وأشعب بن عبد اللملك الحمراني، وقَتَادة، وحفص بن سليمان وإياس بن معاوية القاضي، وجابر بن زيد أبو الشعثاء إمام الإباضية.

ومن فقهاء الكوفة: إبراهيم النَّخَعي، وعامر الشعبي، وسعيد بن جبير، وحمَّاد بن أبي سليمان، وسليمان الأعمش، وسليمان بن الْمُعْتمر، ومِسعر بن كِدام، وحفص بن غياث، ووكيع بن الجراح، وأصحاب أبي حنيفة كأبي يوسـف القاضي، وزُفَر بن الهُذَيل، وحَمّاد بن أبي حنيفة، والحسـن بن زياد اللؤلؤي القاضي، ومحمَّد بن الحسـن قاضي الرقة.. إلخ , وأصحاب سـفيان الثوري كالأشجعي، والمعافى بن عمران، ويحيى بن آدم.

ومن فقهاء الشام: عبد الرحمن بن جبير بن نُفير، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، ورجاء بن حَيْوة، وعبد اللملك بن مروان، ويحيى بن حمزة القاضي، والأوزاعي، وإسماعيل بن أبي المهاجر،وسليمان بن موسى الأموي، وسعيد بن عبد العزيز، ومَخْلد بن الحسـين، والوليد بن مسلم.. إلخ.

ومن فقهاء مصر: أصحاب مالك: مثل عبد الله بن وَهْب، وعثمان بن كنانة، وأشهب وابن القاسم، وأصحاب الشافعي كالمزني والبُويطي وابن عبد الحكم، والليث بن سعيد، وربيعة الرأي، وأبو أمية عبد الله بن الحارث.

وَمِـمَّا ساعد على ازدهار الفقه والفتوى في عصر تابعي التابعين وما بعده أمران مهمان:

الأَوَّل: الشروع في تدوين السنة النبوية: على رأس المائة الأولى في عهد الإمام العادل عمر بن عبد العزيز المتوفى في شهر رجب عام 101 هـ، حيث كتب إلى أبي بكر بن حزم قائلا: “انظر ما كان من حديث رسول الله صلعم فاكتبه، فإنِّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إِلاَّ حديث النَّبِيّ صلعم”.

وأخرج أبو نعيم في تاريخ أصفهان هذا التوجيه بلفظ: كتب عمر إلى الآفاق: انظروا حديث رسول الله e فاجمعوه.. إلخ، وتابع الإمام ابن شهاب الزهري (50 – 124هـ) أعلم الحفاظ تدوين السنة، مع نفر آخر من العلماء. مثل: مكحول الشامي وابن جريج والأوزاعي والثوري وأبي الزناد. وهذا يساعد على الفتوى بالاعتماد على الأحاديث المروية الثابتة.

الثاني: تدوين الفقه في العبادات والمعاملات: مقترناً بتدوين السنة، على يد بعض الأئمة وتلاميذهم في حقل المذاهب الفقهية، مثل: جعفر الصادق إمام الجعفرية، وجابر بن زيد إمام الإباضية، وزيد بن علي إمام الزيديَّة، وأبي حنيفة ومالك وإبراهيم النخعي إمام الكوفة وفقيهها، وسعيد بن المسيّب فقيه المدينة وإمامها، وحمّاد بن سَلَمة، وسعيد بن أبي عروبة بالبصرة، ومعمر بن راشد باليمن، وعبد الله بن المبارك بخراسان، وجرير بن عبد الحميد بالري.

ودُوِّنت العلوم الإسلامية الأخرى، كالتفسير وعلوم العربية، قال الذهبي -مؤرخ الإسلام- بعد إشارته إلى تحوّل الخلافة من الأمويين إلى العباسيين عام 132هـ: “وشرع الكبار في تدوين السنن وتأليف الفروع وتصنيف العربية، ثُمَّ كثر ذلك في أَيَّام الرشيد، وكثرت التصانيف، وألَّفوا في اللغات، وأخذ حفظ العلماء ينقص، ودوِّنت الكتب واتَّكلوا عليها، وَإِنَّمَا كان قبل ذلك علم الصحابة والتابعين في الصدور، فهي كانت خزائن العلم لهم y”([50]).

المطلب الرابع: اتِّجاه الفتوى في مدرستي الحديث والرأي وخصائصهما:

كان المفتون في عصر الصحابة فريقين في الغالب:

فمنهم من يتوسع في الرأي، ويتعرف المصالح، فيبني الحكم عليها، مثل: عمر، وعبد الله ابن مسعود، ومنهم من كان يلتزم الورع والاحتياط، فيقف عند النصوص والتمسك بالآثار، كالعباس بن عبد المطلب، والزبير بن العوام، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص y أجمعين.

وَلَـمَّا تفرق الصحابة في الأمصار قضاةً ومفتين ومعلمين، وورث عنهم التابعون وأتباع التابعين علمهم وطرائقهم في البحث والاستنباط.

تبلور الاتجاهان الفقهيان في العصر الأموي في مدرستين:

1-  مدرسة أهل الحديث في الحجاز: ورئيسهم سعيد بن المسيّب سيّد التابعين في المدينة، فكانوا لا يلجأون إلى الرأي إِلاَّ عند الضرورة القصوى، ثُمَّ آلت إمامة هذه المدرسة وزعامتها إلى الإمام مالك بن أنس (93-179هـ) الذي كان إماماً في الحديث والفقه، وكان يعتمد في فتياه أوَّلا على كتاب الله ثُمَّ على سنة رسول الله صلعم بالاعتماد على كبار المحدثين من علماء الحجاز، ويجعل عمل أو إجماع أهل المدينة حجَّة في نحو 79 مسألة ويقدِّمه أحيانا على حديث الآحاد، مِـمَّا نازعه في ذلك فقهاء الأمصار ومنهم الليث بن سعد، والإمام محمَّد بن إدريس الشافعي. ثُمَّ يعتمد على القياس إذا لم يكن نصّ كتاب أو سنة، وعلى المصالح المرسلة: وهي المصالح التي لم يشهد لها من الشرع بالبطلان ولا بالاعتبار نص معين، كضرب المتهم بالسرقة للإقرار بها، وهي في الواقع ترجع إلى حفظ مقصود شرعي يعلم كونه مقصوداً بالكتاب أو السنة أو الإجماع، إِلاَّ أَنَّهَا لا يشهد لها أصل معين بالاعتبار، بل بمجموع أدلة وقرائن أحوال وتفاريق الأمارات. واعتمد الإمام مالك العرف، وسد الذرائع، ومذهب الصحابة، وشرع من قبلنا أدلَّة أخرى في الاستنباط والفتيا.

وأسباب نشوء هذه المدرسة وخصائصها ثلاثة:

1- تأثرهم بطريقة شيوخهم: مثل عبد الله بن عمر، في تعلّقهم بالآثار، وتورعهم عن الأخذ بالرأي.

2- كثرة ما لديهم من الآثار: وقلّة ما يعرض عليهم من الحوادث الجديدة بعد عصر الصحابة.

3- بداوة أهل الحجاز: فكانوا إذا استفتوا في مسألة عرضوها على الكتاب، ثُمَّ السنَّة، ثُمَّ آثار الصحابة، ثُمَّ عند الحاجة يعملون رأيهم.

وكان من ميزاتهم أو خصائصهم: كراهة السؤال عما لم يقع، وكان أساطين هذه المدرسة من التابعين الذين يرون أن أهل الحرمين أثبت الناس في الفقه والسنة، وأصل مذهبهم يرجع إلى زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عباس. قال الإمام مالك عنه: “كان أعلم الناس عندنا وبعده ابن عمر”.

وكان سعيد بن المسيّب يفتي في الغالب بفتاوى زيد بن ثابت، ويقول عنه: “هو أعلم من تقدّمه بالقضاء، وأبصرهم بما يرد عليه، مِـمَّا لم يسمع فيه بشيء”.

وتَميّزت هذه المدرسة بميزتين:

الأولى: الاعتماد على النصوص الشرعية أولاً.

الثانية: التوقّف عن الفتوى فيما لم يقع من المسائل، فكانت فروعهم الفقهية محدودة.

والخلاصة:

كان مذهب أهل المدينة يعتمد على مذهب عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وعمر بن الخطاب، وكان هؤلاء جميعاً يمثّلون طريقة واحدة، تتركز في زيد بن ثابت الذي تأثر بعمر، وأثّر في ابن عمر. وكان أصحاب زيد اثني عشر فقيهاً، وهم: قبيصة بن ذؤيب، وخارجة بن زيد، وأبان بن عفان، وسليمان بن يسار، ثم من بعدهم سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزبير، وعبد الملك بن مروان، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمَّد([51]). وكان فقهاء المدينة السبعة مِمَّن ذكر يمثلون هذه المدرسة.

وسبب تكوّن هذه المدرسة ظروف سياسية تتركز في كراهة الأمويين واعتزالهم في المدينة، وظروف اجتماعية مرتبطة بمكانة المدينة وحالتها، وتلمذتهم على كبار الصحابة.

2- مدرسة أهل الرأي في العراق:

ظهرت هذه المدرسـة في الكوفة بالعراق بزعامة الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت (80-150هـ) الذي ولد في الكوفة التي كان لها قيمة فقهية كمدرسة المدينة، وتلقى الفقه عن حماد ابن أبي سليمان، وسمع كثيراً من علماء التابعين كعطاء بن أبي رباح ونافع مولى ابن عمر.

وكان أئمَّة هذه المدرسة من الصحابة الذين أثروا في مدرسة الكوفة هم: عبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب. ويعدّ ابن مسعود بحقّ زعيم هذه المدرسة، الذي جمع حوله أصحاباً كوفيين أخذوا عنه واتبعوا أقواله، وتثقفوا بآرائه، وكان أشهر أصحابه هؤلاء الفقهاء الستة: علقمة بن قيس، والأسود بن يزيد النخعي، ومسروق بن الأجدع الهمداني، وعبيدة بن عمرو السَّلماني، وشريح بن الحارث القاضي، والحارث الأعور.

وأسباب نشوء هذه المدرسة وخصائصها ثلاثة أمور:

1-تأثّرهم بطريقة معلِّمهم الأَوَّل: عبد الله بن مسعود، وهو من حزب عمر في الأخذ بالرأي، وهو الذي يقول: لو سلك الناس وادياً وشعباً، وسلك عمر وادياً وشعباً لسلكت وادي عمر وشعبه. وكان أتباع هذه المدرسة يرون أن ابن مسعود وأصحابه أثبت الناس في الفقه، كما قال علقمة لمسروق، وجمعوا فتاوى ابن مسعود وعلي، وخرجوا عليها كأهل المدينة.

2- وجود كثرة الصحابة في العراق: حيث كانت الكوفة والبصرة قاعدة الجيوش الإسلامية، ومنها فتحت سائر الأمصار من خراسان فما وراءها، ونزل بها أكثر علماء الصحابة. وكانت الكوفة مقرّ الخلافة زمن علي، وكان فيها حملة الحديث ورواته: ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وأبو موسى الأشعري، والمغيرة بن شعبة، وأنس ابن مالك، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن حصين .

ونظرا؛ لأَنَّ العراق منبع الشيعة، ومقرّ الخوارج، ودار الفتنة، والتي شاعَ فيها الوضع والكذب على رسول الله صلعم، اشترط علماؤها في قبول الحديث شروطاً لا يسلم منها إِلاَّ القليل.

3-كانت المسائل التي تحتاج إلى تعرف أحكامها في العراق أكثر منها في الحجاز، نظراً لبداوة الحجاز، وحضارة العراق، مِـمَّا أدى إلى إعمال الرأي.

وكانت ميزات هذه المدرسة:

1-كثرة تفريعهم للفروع، وظهور الفقه الفرضي أو الاحتمالي الذي قد يقع في المستقبل.

2-قلَّة روايتهم للحديث باشتراطهم شروطاً مشدَّدة لقبوله. وقد أدَّى ذلك لخصوبة الفقه واتساعه، وانتشار الفتاوى في مجالات مختلفة.

وكان إبراهيم النخعي لسان فقهاء الكوفة، كما كان سعيد بن المسيّب لسان فقهاء المدينة وأحفظهم لقضايا عمر ولحديث أبي هريرة.

وكانت هذه المدرسة لا تكره المسائل، ولا تهاب الفتيا، ولكنهم كانوا يهابون رواية الحديث والرفع إلى رسول الله صلعم، فقلَّت بضاعتهم في الحديث، ولم يأخذوا بأقوال علماء البلدان الإسلامية وجمعها والبحث عنها، لاعتقادهم أَنَّهُم في الدرجة العليا من التحقيق، وتَميَّزوا بالقدرة على تخريج أجوبة المسائل على أقوال أصحابهم.

والخلاصة: أنَّ كلاّ من المدرستين يأخذ أصحابها بالحديث والرأي المحمود المتَّفق مع روح الشريعة وأصولها ومقاصدها، لكن الغالب على المدرسة الأولى العمل بالحديث، وعلى المدرسة الثانية العمل بالرأي.

المطلب الخامس:

هل كان جابر بن زيد إمام الإباضية من أتباع مدرسـة الحديث أو مدرسة الرأي؟

أبو الشعثاء جابر بن زيد (المتوفى سنة 93هـ/711هـ) التابعي البصري العامل بالقرآن والسنة، كان عالم أهل البصرة في زمانه، من أقران الحسن البصري وابن سيرين، وهو من كبار تلامذة ابن عباس، روى عطاء عن ابن عباس قال: “لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد، لأوسعهم علماً عما في كتاب الله”، وروي عن ابن عباس أَنَّهُ قال: “تسألوني وفيكم جابر بن زيد؟!” حدَّث عنه عمرو بن دينار، وأيوب السختياني، وقتادة وآخرون. قال عمرو بن دينار: “ما رأيت أحداً أعلم من أبي الشعثاء”.

قال ابن الأعرابي: “كانت لأبي الشـعثاء حَلْقة بجامع البصرة يفتى فيها قبل الحسـن (البصري) وكان من المجتهدين في العبادة، وقد كانوا يفضِّلون الحسن عليه حتى خفَّ الحسن في شأن ابن الأشعث، قال الذهبي: لم يخفّ، بل خرج مكرهاً([52]). وقال قتادة يوم موت أبي الشعثاء: اليوم دفن علم أهل البصرة -أو قال: عالم العراق-. وقال إياس بن معاوية: أدركت أهل البصرة، ومفتيهم جابر بن زيد”([53])، وهو إمام الإباضية.

يتبيَّن من هذه السيرة المتميزة أن جابر بن زيد من أنصار مدرسة أهل الرأي([54])؛ لأنَّه عاش في البصرة، وتتلمذ على ابن عباس، ولأنَّ أصول فقهه العمل بالقرآن والسنَّة والإجماع والقياس وسائر طرق الاستدلال أو الاستنباط كالاستحسان والمصالح المرسلة والاستصحاب وقول الصحابي وسد الذرائع وشرع من قبلنا.. الخ.

الخاتمة: الفتوى عند أئمَّة المذاهب أو علماء المذاهب مرادفة للاجتهاد، خلافاً لمصطلح الفتوى والمفتي فيما بعد العصر الذهبي للاجتهاد في نهاية القرن الرابع الهجري.

فكان المفتي مجتهداً، والإفتاء في الدين هو النافذة العملية المراعية لواقع الحادثة التي تربط المستفتين المؤمنين بشرائع الإسلام وأحكامه ومبادئه.

والفتيا وإن لم تكن ملزمة خلافاً لحكم القضاء، فهي ملزمة ديانة؛ لأنَّ الله تعالى جعل مرجعية الناس في دينهم هي في أهل العلم، فقال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ([55]) ولا جدوى من السؤال اللازم إلا الاتباع والالتزام بقول المفتي العالم الثقة.

وضوابط الفتـوى ثلاثـة:

1″- اتِّباع القول لدليله.

2″- والاجتهاد في عدم مصادمة النصّ الشرعي في الكتاب والسنة.

3″- والابتعاد عن اتِّباع أهواء الناس، وَإِنَّمَا اتّباع الدليل ومراعاة المصلحة المعتبرة شرعاً.

والمفتي ينبغي أن يكون قادراً على فهم القرآن والسنة، واتباع الإجماع، ومعرفة ضوابط القياس والاستحسان والاستصلاح والذرائع والاستصحاب، واحترام أقوال الصحابة ونحوها من مصادر التشريع.

وكانت الفتوى في عهود السلف الأولى (الصحابة والتابعين وتابعي التابعين) مقيدة بهذه الأصول المعتبرة في الشـريعة، وعهود السـلف الصالح من خير القرون، وقدوة الأمة، ومعلِّمي الشريعة.

وذلك مرعي في كلتا المدرستين: مدرسة الحديث ومدرسة الرأي، أي الرأي المحمود المنسجم مع روح الشريعة وأصولها ومقاصدها، إِلاَّ أنَّ الغالب على أهل الحديث اتِّباع الأثر، وعلى أهل الرأي اتباع الرأي المحمود، دون تصادم مع أصول الشرع، وَكُلُّ فريق من أتباع هاتين المدرستين حريص على الشريعة، لكن الاجتهاد قد يضيق أحياناً أو يضمر إذا اقتصر المفتي على النصوص الواردة، ويتسع وينمو إذا أخذ المفتى بدائرة الشريعة ومجالها الأوسع، ومن اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر، فكل منهما مأجور، والعبرة بسلامة النية أو القصد، مع الإخلاص والنصح للمسلمين، ويعد جابر بن زيد إمام الإباضية من مدرسة أهل الرأي، والله الموفق إلى سواء السبيل.

 

المصادر والمراجع

1)     الإحكام في أصول الأحكام، أبو محمَّد علي بن أحمد بن حزم، ط القاهرة.

2)     الإحكام في أصول الأحكام، سيف الدين الآمدي، مطبعة صبيح بالقاهرة.

3)  الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، شهاب الدين أحمد ابن إدريس القرافي، مكتب المطبوعات الإسلامية- حلب.

4)     إرشاد الفحول للشوكاني، مطبعة صبيح، مصر 1349 هـ.

5)     أصول الفقه الإسلامي، مجلدان، أ.د. وهبة الزحيلي، ط دار الفكر بدمشـق عام 1418 / 1998م.

6)     أصول الفقه للشيخ محمَّد أبو زهرة، دار الفكر العربي بمصر.

7)  أعلام الموقعين عن رب العالمين، شمـس الدين أبو عبد الله محمَّد بن أبي بكر، ابن قيم الجوزية، ط محمَّد محيي الدين عبد الحميد، الطبعة الأولى عام 1374هـ/ 1955م، مطبعة السعادة بمصر.

8)     تاريخ التشريع الإسلامي، الشيخ محمَّد الخضري عام 1373 / 1954م، مطبعة دار السعادة بمصر.

9)     تاريخ الفقه الإسلامي، أ.د. محمَّد يوسف موسى، عام 1378 هـ / 1958م، مطابع دار الكتاب العربي بمصر.

10) تاريخ الفقه الإسلامي، الشيخ محمَّد علي السايس، مطبعة وادي الملوك بمصر.

11) تذكرة الحفاظ، شمس الدين الذهبي، ط القاهرة.

12) تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير لابن حجر العسقلاني، شركة الطباعة الفنية بالقاهرة.

13) تهذيب تاريخ ابن عساكر (مختصر تاريخ دمشق) لابن منظور، طبع دار الفكر بدمشق 1408 هـ / 1988م.

14) جامع الأصول لابن الأثير الجزري، مطبعة السنة المحمَّدية بالقاهرة.

15) الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض، جلال الدين السيوطي، طبع الجزائر، 1325 هـ.

16) سنن أبي داود، مطبعة البابي الحلبي بمصر، عام 1371 هـ/ 1952م.

17) ســير أعلام النبلاء، شـمـس الدين محمَّد بن أحمد الذهبي، الطبعة الرابعة 1406هـ/ 1986م، مؤسسة الرسالة بدمشق.

18) شرح مختصر المنتهى (لابن الحاجب) لعضد الملة والدين، الطبعة الأولى، المطبعة الأميرية.

19) عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق، للشيخ محمَّد سعيد الباني، مطبعة حكومة دمشق 1341 هـ / 1923م.

20) الفروق، شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، مطبعة دار إحياء الكتب العربية بمكة المكرمة 1344 هـ.

21) فصول الأصول، الشيخ خلفان بن جميل السيابي، الطبعة الثانية 1426هـ/2005م. مطابع مؤسسة عمان للصحافة.

22) كشف الأسرار على أصول الفقه (للبزدوي) للبخاري، ط مكتب الصنايع بمصر، 1307 هـ.

23) مسلَّم الثبوت لمحب الله بن عبد الشكور، المطبعة الحسينية المصرية.

24) المعاملات المالية المعاصرة، أ.د. وهبة الزحيلي، دار الفكر بدمشق عام 1423هـ/2002م.

25) الموافقات في أصول الفقه للشاطبي، مطبعة المكتبة التجارية بمصر.

26) نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، محمَّد بن يوسف الزيلعي عام 1357/1938م، ط دار المأمون- شبرا- مصر.

27) نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي، أ.د. علي حسن عبد القادر، مكتبة القاهرة الحديثة.

نهاية السول شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول، جمال الدين الإسنوي، مطبعة صبيح بمصر.


([1]) سورة النحل: 43.

([2]) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي: 3/167. إرشاد الفحول للشوكاني:، ص234.

([3]) مسلَّم الثبوت: 2/161، 165. كشف الأسرار على أصول البزدوي: 4/1198.

([4]) الإحكام للآمدي، المرجع السابق:3/174، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب: 2/309.

([5]) الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض للسيوطي:، ص38.

([6]) عمدة التحقيق للشيخ محمد سعيد الباني:، ص124.

([7]) الموافقات للشاطبي: 4/105 وما بعدها، الإحكام للآمدي: 3/139، شرح جمال الدين الإسـنوي للمنهاج (نهاية السول): 3/344، فصول الأصول للشيخ خلفان السيابي:، ص378، 420، 441، 544 – 545.

([8]) أصول الفقه للأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة:، ص387.

([9]) وهو الاجتهاد الذي يتفق عليه أعضاء المجامع الفقهية أو العلمية المتخصصة بعد إجراء دراسات وبحوث معمقة، ومناقشتها، وإصدار قرار في المسألة.

([10]) سورة النحل: 43.

([11]) سورة النساء: 59.

([12]) أعلام الموقعين لابن قيم الجوزية: 1 /65، لكن قال ابن القيم: وهذا غريب جداً من حديث مالك، وإبراهيم البرقي وسليمان (الراويان عن مالك) ليسا ممن يحتج بهما.

([13]) المرجع والمكان السابق.

([14]) رواه الدارمي عن عبيد الله بن أبي جعفر مرسلاً.

([15]) رواه ابن عدي والقرطبي، وذكره المتقي الهندي في كنز العمال والتبريزي في مشكاة المصابيح وغيرهم.

([16]) وهي كما عرفها الإمام الغزالي: عبارة عن استقامة السيرة والدين، وحاصلها يرجع إلى هيئة راسخة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة.

([17]) سورة الصف: 2 – 3.

([18]) الشيخ محمد أبو زهرة، المرجع السابق: ص390.

([19]) سورة الأنفال: 61.

([20]) الفروق: 2/109.

([21]) سورة النساء: 105.

([22]) أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن إِلاَّ الترمذي من حديث عمرو بن العاص وغيره، وهو حديث متواتر المعني، ولفظه: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (جامع الأصول لابن الأثير: 10/548. تلخيص الحبير لابن حجر: 2/180. نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية للزيلعي، 4/63).

([23]) الفروق: 2/110.

([24]) أعلام الموقعين لابن القيم: 1/46.

([25]) المرجع السابق: 1/44.

([26]) سورة القصص: 50

([27]) انظر كتابي، المعاملات المالية المعاصرة.

([28]) الفروق: 2/107 – 110.

([29]) رواه مسلم عن عائشة -رضي الله عنها-، والقرن الثاني هم الصحابة، والثالث هم التابعون.

([30]) سورة النحل: 116.

([31]) سورة الإسراء: 36.

([32]) سورة البقرة: 80.

([33]) أخرجه البخاري في صحيحه.

([34]) سورة النسـاء: 59.

([35]) سورة النساء: 80.

([36]) سورة الحشر: 7.

([37]) أي لا أقصر.

([38]) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن عدي والطبراني والبيهقي وابن عبد البر من حديث معاذ، من طريق أصحابه الثقات، وهو حديث مرسل صحيح، قال الدار قطني: والمرسل أصح، وقال البخاري في تاريخه الكبير: مرسل، إِلاَّ أن عدم اتصال إسناده لا يمنع صحَّته؛ لأَنَّهُ مروي عن أصحاب معاذ، وهم كُلّهم ثقات. (حامع الأصول: 10/551، سنن أبي داود: 2/272، نصب الرابة: 4/63).

([39]) أعلام الموقعين: 1/14.

([40]) المرجع السابق: 1/12-14.

([41]) تاريخ التشريع الإسلامي للشيخ محمد الخضري: ص113.

([42])  المرجع الســابق: ص124– 127.

([43]) سورة البقرة: 228.

([44]) تاريخ الفقه الإسلامي للشيخ محمد علي السايس:، ص45.

([45]) المرجع السابق:، ص61.

([46]) المرجع نفسه: ص75-76، أعلام الموقعين: 1/22-68. الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: 5/95 وما بعدها، تاريخ التشريع للخضري: ص150-164.

([47]) تاريخ الفقه الإسلامي، للدكتور محمد يوسف موسى: ص144.

([48]) المرجع السابق، يوسف موسى:، ص146 – 225.

([49]) أعلام الموقعين، والإحكام لابن حزم، المرجع والصفحة السابقة.

([50]) تذكرة الحفاظ للذهبي: 1 /151.

([51]) تهذيب تاريخ ابن عساكر: 5/448.

([52]) أي: اتهمه بالتورط في عملية الخروج على الأئمة الأمويين.

([53]) انظر ترجمته رقم 184 في سير أعلام النبلاء للذهبي: 4 / 481 – 483.

([54]) هذا السيرة والمعاشرة والتعلّم فِي الحقيقة لا تكفي دليلا فِي كون جابر بن زيد من أصحاب الرأي، وحتى يكون الاستدلال مقبولا لابد من تناول آرائه وفتاويه بالدراسة والتمحيص والمقارنة، وهو ما فعله المراجع فِي أحد بحوث هَذِهِ الندوة «الإمام جابر وتعامله مع المشكلات الفقهية»، وخلص في النهاية إِلَى أَنَّ الإمام جابر كان من أهل الجمع بين الحديث والرأي، وهي المدرسة التي لم يتناولها العلامة الزحيلي فِي هذا البحث. (المراجع)

([55]) سورة النحل: 43.

 

*  ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان ” فقه النوازل وتجديد الفتوى”

المنعقدة خلال الفترة: 13-16 ربيع الأول 1428هـ/ 1-4 إبريل 2007م

سلطنة عمان – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك