نظرة في تطوّر التأليف الفقهي

من الفتاوى إلى المدونات والجوامع

 نظرة في تطوّر التأليف الفقهي عند الإباضية*

 

إعداد: أ. د. رضوان السيد

(أستاذ الدراسات الإسلامية والفكرية بالجامعة اللبنانية بالجمهورية اللبنانية)

 

ما أنَّ حلَّ النصف الأَوَّل من القرن الثاني الهجري، أو منتصف القرن الثامن الميلادي حتى كانت خمسة أنواع من الكتابة الفقهية أو التدوين الفقهي قد آذنت بظهور:

1-      مجموعات صغيرة سمِّيت سؤالات أو جوابات.

2-      وتفاسير الخمسمائة آية.

3-      ورسائل في مسائل مفردة مثل: المواريث أو الحجّ أو الصوم أو الزكاة.

4-      وكتب السنن.

5-      وكتب السير، أو كتب السير والجهاد.

بيد أن أياًّ من هذه الأنواع لم يستمرّ في القرن الثالث، أو أَنَّهُ ظلَّ على الهامش في القرنين اللاحقين. فكتب السؤالات والجوابات عادت للظهور وتحت أسماء مختلفة مثل: الفتاوى أو الدواوين أو النوازل أو الجوامع، لكن لوظائف أخرى.

وتفاسير الخمسمائة آية، أي آيات الأحكام اختفت تقريباً، باستثناء كتاب أو كتابين من هذا النوع لدى الزيديَّة والإباضية بعد قرون. وظهرت بدلاً منها كتب (أحكام القرآن) وبعد القرن الرابع الهجري. أما الرسائل في المسائل المفردة وبخاصة في العبادات والمعاملات فقد ذابت في الأعمّ الأغلب في كتب الفقه ومجموعاته العامة. وقد استمرت الرسائل التي تعرض لمشكلات مثل الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه، لكنها صارت جزءا من علوم القرآن، وما عادت معتبرة مؤلفات فقهية.

واختلف الأمر بعض الشيء ـ لدى الإباضية والزيديَّة على الخصوص ـ فيما يتصل بالرسائل والكتب في السير أو السير والجهاد، إلى جانب كتب الخراج والأموال، وسأعود لتفصيل ذلك فيما بعد. لكن ما يمكن قوله هنا إنه لدى غير الإباضية والزيديَّة فإن أربعة كتب أو خمسة تحت اسم السير ظهرت حتى مطالع القرن الثالث الهجري، ثُمَّ صار هذا الموضوع باباً أو أكثر في كتب الفقه العامة. في حين استمرت الرسائل في فضائل الجهاد، وليس في أحكامه الفقهية المرتبطة به.

أما النوع الخامس -وأعني به كتب السنن- فقد كان منذ البداية الأقرب إلى ما صار فيما بعد كتباً فقهيةً عامةً وشاملة. لكن هناك من يرى أن تلك المؤلفات الكبرى ما كانت تطوراً عن المجموعات الآثارية التي سمِّيت سنناً ومصنفات مثل: سنن إبراهيم بن طهمان، أو سنن سفيان الثوري، أو سنن الحميدي، أو مصنف معمر بن راشد.

كتب السنن هذه تعتمد ترتيباً مقارباً لكتب الفقه فيما بعد، بيد أَنَّهَا تورد في كُلّ فصل عدة آثار مرفوعة إلى النَّبِيّ e، أو موقوفة على الصحابة والتابعين روايةً أو رأياً في مسألةٍ ذات طابع فقهي. على أن هذه الصيغة في كتب السنن تستمرّ إلى ما بعد القرن الرابع الهجري، فلا تندمج في كتب الفقه العامة وتكتسب وظائف جديدة غير فقهية، كما هو معروف عن سنن الترمذي وأبي داود وابن ماجة مثلاً.

كيف ظهرت كتب الفقه العامة إذن؟ وكيف ظهرت لدى الإباضية على الخصوص؟

يرى المستشرق جوزف شاخت (J.Schacht) أنَّ كتب الفقه المبسوطة والمرتبة على الأبواب تطورت عن مجموعات السؤال والجواب، أو مجموعات الفتاوى المبكرة وليس عن كتب السنن والمصنفات. وهو يتصوَّر تنافساً أو صراعاً دار بين القضاة والفقهاء المحترفين في القرن الثاني الهجري. ودليله على ذلك: المجادلات والردود التي دارت بين الطرفين، مثل: رد أبي حنيفة على ابن أبي ليلى، ورده على سير الأوزاعي، ورسالة مالك إلى الليث بن سعد ورد الليث عليه.

وبحسب هذا التصور فإنَّ الفقهاء وليس القضاة هم الذين كانوا يجيبون على الأسئلة التي يطرحها الناس، وهم الذين كانوا يدرّسون في المساجد، فتطورت بالتدريج عن الأجوبة والتدريس والردود والمجادلات كتب فقهية بعد أن جرى ترتيبها وتنظيمها.

والواقع أن صيغة السؤال الحقيقي أو المفترض في التأليف ما كانت قاصرةً على المسائل الفقهية أو مسائل الحلال والحرام؛ إذ نجد ذلك حتى وقت متأخّر نسبياً في كتب أبي عبيد القاسم بن سلام (224هـ) وهي كتب في علوم القرآن، وفي مسائل الفتوح والخراج، وليس في الفقه المحض، وكتب الحارث المحاسبي (243هـ) وهي ذات منحى زُهدي وإرشادي.

لدينا إذن فرضيتان: الأولى: ترى أن كتب الفقه العامة بترتيبها المعروف إِنَّمَا تطورت عن كتب السنن والمصنفات. والثانية: ترى أن كتب الفقه العامة إِنَّمَا تطورت عن مجموعات الأسئلة والأجوبة، والردود، والمجادلات،أي: عن الفتاوى والمناقشات التي جرى ترتيبها في مرحلة ثانية على أبواب الفقه المعروفة.

كيف كان عليه الأمر لدى الإباضية؟

يبدو الجواب صعباً لأنَّ الآثار الفقهية الباقية لهم قبل كتاب الربيع بن حبيب المسمى بالمسند ضئيلة.

وهذا الأمر ليس خاصا بهم كما قد يظن؛ فأبو حنيفة الإمام المشهور والمتوفى عام 150هـ ما بقي من كتبه الفقهية كتاب واحد رغم شهرته وكثرة تلامذته الأعلام. ومع ذلك فإن دراسات العقود الأخيرة من جانب الباحثين العرب والأجانب حققت كشوفاً معتبرةً لهذه الجهة. فقد ظهرت مخطوطات ورسائل كان قد حكم عليها بالضياع، كما نشر عدد كبير من المصنفات الفقهية الواسعة، والتي تورد اقتباسات مطولة عن كتب السابقين ومسائلهم وفتاويهم وكلامهم في التفسير وعلم الكلام. ولكي نتمكن من تحديد طبيعة النتاج الثقافي للإباضية في القرن الثاني وحتى منتصف القرن الثالث يكون علينا أن نعرض بإيجاز للظروف التي كانت تحيط بهم في حقبة النشوء والتطور تلك وما دفعت أو أدَّت إليه:

أوَّلاً: كان التحدّي الأبرز الذي يواجهونه هو التمايُز عن المتطرفين من ثوار المحكّمة والذين كانوا يصارعون السلطات الأموية بالعراق وبلاد فارس، وكان خلافهم معهم أساسياً تذكره كتب التاريخ وتظهر آثاره في رسائلهم، وهو يتعلق بالإيمان، ومرتكب الكبيرة، والموقف من السلطة الجائرة، والموقف من المسلمين الآخرين.

ثانياً: وكانت المشكلة الأخرى التي يواجهونها العلاقة بالسلطات التي ما كانت تميز بين الثائر وغير الثائر من المحكمة، وما هو الموقف الصحيح الذي ينبغي اتّخاذه عند الضرورة إن كان لجهة الثورة أو للتوقف مهما بلغ الأمر.

ثالثاً: وظهرت لديهم إشكالية ثالثة ومهمة بعد الربع الأَوَّل من القرن الثاني عندما قامت دولة إباضية بعمان، ثُمَّ بعد أربعة عقود بالمغرب. والإشكالية في ذلك متعدّدة الأوجه: كيف تجري الشورى بشأن الإمامة؟ وكيف تواجه السلطة الجديدة المشكلات العملية؟ وما هي حدود مشاركة العلماء في الشأن العامّ بعد اختيار الإمام وبيعته؟

إذا تأملنا آثار الإباضية الثقافية الأولى في ضوء تلك الظروف نجد أَنَّهَا تنقسم إلى أقسام ثلاثة:

1-  الرسائل التي كانوا يتبادلونها فيما بينهم، ومع السُلطات. وكان الغرض منها إيضاح وجهة نظرهم فيما شجر بين فئات الأمَّة من خلاف، والموقف من السلطة القائمة ومن المسلمين الآخرين، والموقف من المحكِّمة المكفرين والثائرين. وبعض هذه الرسائل قصير مثل الرسالة المنسوبة إلى عبدالله بن إباض بعثها إلى عبدالملك بن مروان، ومثل الرسائل المنسوبة للإمام جابر بن زيد، وهي مرسلة في الغالب إلى أتباعه خارج البصرة، ومثل رسالة عبدالله بن إباض في الرد على نافع بن الأزرق. وغنيٌّ عن البيان أن هذه الرسائل رغم تضمنها بعض فقه الفروع، ليست رسائل فقهية بل عقدية أو جدالية، ولذلك ما تطورت طبعاً إلى كتب فقهية؛ وإن ظلت حتى القرن الرابع أسلوباً متبعاً بين حملة العلم في الجدال فيما بينهم أو المراسلة مع خصومهم.

2-  الخطب والسيَر القصيرة والطويلة في الحرب والسلم. والخطب مثل خطبة أبي حمزة الشاري الإباضي في أهل المدينة عام 131هـ.

أمَّا السير فتختلط فيها العقائد بالبرامج، والسير جمع سيرة، أي: أن الخطيب أو العالم يصعد إلى المنبر أو يكتب سيرة يذكر فيها اعتقاده واعتقاد (جماعة المسلمين)، والموقف من الفتنة والافتراق الذي نزل بالأمة، بما في ذلك مقتل عثمان، والاختلاف مع علي، وقيام السلطة الأموية، وما يريده أو يريدونه من صلاح وإصلاح.

ومن السيَر المبكرة: سيرة سالم بن ذكوان التي تضيف -للمذكور سابقاً- حديثاً طويلاً عن المتشددين وبراءةً منهم. وفي بعض السير الواردة في مجموعة (سير الإباضية) المشهورة، عروضٌ للخلافات الداخلية لدى الإباضية بسبب الإمامة والسلطة بعمان وبالمغرب. وكنتُ قد فكَّرت في احتمال أن يكون ذلك النوع من التأليف قد أثَّر في الموسوعات الفقهية الإباضية؛ لكنني أعرضت عن ذلك بعد القراءة المتأنية؛ لأَنَّ موضوعات السير تاريخية وعقدية وجدالية، والمسائل الفقهية الواردة فيها عرضية. ثُمَّ إِنَّهَا ظلت تُكتب حتى وقت متأخّر في الوقت الذي بلغت فيه الكتب الفقهية العامة ذروة ازدهارها بشكل منفصل تماماً عن السير. وعلى الرغم من ذلك فهناك تأثير محتمل لكتب السير في كتب الفقه سأعود إليه فيما بعد.

3-الكتب والمجموعات المسماة: “جوابات” أو “سؤالات” أو “مسائل”، وأقدم تلك المجموعات: جوابات جابر بن زيد، والمسائل والرسائل الأخرى المنسوبة إليه. وَمِـمَّا يمكن إلحاقهُ بهذا النوع من التأليف رسالة أبي عبيدة المشهورة في الزكاة, ورسالته مع حاجب بن أبي مودود إلى أهل المغرب أيضاً، ورسالته مع حاجب إلى أهل عمان.

وجوابات جابر بن زيد ومسائله ورسائله كلُّها فقهية الطابع، ويبدو منها جميعاً -رغم اختلاف الأسماء-أَنَّهَا كانت إجابات على أسئلة من إباضية خارج البصرة، ومنها إجابات في النكاح والصلاة والبيوع والصيد… إلخ. وقد أضاف الدارسون لآثار الإمام جابر فتاوى له موجودة في كتب غير إباضية من مطلع القرن الثالث، مثل: مصنف ابن أبي شيبة، ومصنف عبدالرزاق، وسنن سعيد بن منصور.

وما يقال في جوابات جابر بن زيد ومسائله يُقال أيضا في رسائل أبي عبيدة وبخاصةٍ رسالته في الزكاة، ورسائله إلى أهل المغرب وعمان. ولنلاحظ أَنَّهَا جميعاً إجابات على تساؤلات لرجال الدولتين الإباضيتين في عُمان والمغرب، وفي مسائل فقهية عملية، ولأبي عبيدة رسائل عقدية الطابع ضدّ المرجئة والقدرية، وهذه الرسائل جميعا موجودة في مخطوطات سِير علماء الإباضية، أو سِير المسلمين، ومعنى ذلك أَنَّهَا تتّخذ طابعاً شبه رسمي من حيث الاعتراف. ولنلاحظ هنا أنَّ استعمال مصطلح السيرة في حالة رسالة أبي عبيدة الفقهية تظلّ صحيحة، إذ إن مقصدها إيضاح كيفية السلوك بشأن الزكاة.

وإلى حقبة مقاربة لتلامذة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ينتمي كتاب النكاح لأبي سعيد عبد الله بن عبد العزيز، وقد كان إجابةً على سؤال, أي أَنَّهُ كان استفتاء أيضا.

لقد كانت حقبة مرجعية أبي عبيدة والربيع بن حبيب حقبة قيام الجماعة الإباضية، والاستقلال بشؤونها العقدية والفقهية. وكان حملة العلم من أهل البصرة وأبرزهم هذان الرجلان، يتلقيان الأسئلة، ويقدمان الإجابات، وازدادت المسؤوليات مع قيام دولتي الإباضية بعمان والمغرب، وهكذا فاز التحدّي العقدي, أو تلك الوسطية المتوترة بين الأزارقة والصفرية والنجدات من جهة, والمرجئة والقدرية من جهة ثانية. لكن مع قيام الدولة بالذات تقدَّم التحدي الفقهي على التحدِّي العقدي أو أن الأمر تحوّل؛ فحتى الجدالات العقدية صارت تجري مع الجماعات والمذاهب الإسلامية الأخرى، وليس بين تيارات المحكمة. أما الدولة فتتطلب حلولاً عمليةً للمشكلات حتى ما كان اعتقادياً منها. وكان رجل المرحلة الجديدة بدون منازع الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي (ت175هـ)، وقد شارك في تدوين الحديث، وفي الفتوى: كتَب “المسند” أو دوَّنه شأن أبناء عصره من أهل الحديث، وأجاب على الأسئلة والاستفسارات الفردية، وتلك التي أتت من رجالات دولة الإباضية. وقد قام تلامذته بالكتابة في الفقه العام استنادا إلى الفتاوى والأسئلة السابقة، وإلى مرويَّاتهم عن شيوخهم.

وهكذا ظهر بسرعة نوعان من التأليف الفقهي, كلاهما تأسَّس على مجموعات الفتوى للأجيال الثلاثة السابقة: الدواوين، أي: جمع كلّ فتاوى جابر بن زيد، وَكُلّ فتاوى أبي عبيدة، وفتيا الربيع.

والنوع الآخر: كتابة الفقه العام، أي كتب الفقه المرتبة على الأبواب تارة تحت اسم المدونة، وطورا تحت اسم الجامع. والتي كانت في الحقيقة إعادة ترتيب للفتاوى وللأجوبة البادئة بالإمام جابر بن زيد. ومن المدونات: مدونة أبي غانم الخرساني، ومدونة عبدالله بن يزيد الفزاري، ومن الجوامع: جامع ابن بركة، وجامع ابن جعفر.

يقول ابن النديم صاحب الفهرست (المتوفى حوالي 380هـ) إنَّ للإباضية كتبا كثيرة في الفقه وعلم الكلام، لكن القوم يخفونها. وفي الواقع فإنَّ التأليف الفقهي بالذات نضج عندهم قبل غيرهم؛ لأنّ الدولة ظهرت في أوساطهم، وصار من الضروري التدوين والتعليم والتنشئة والتدريب والتنظيم وحلّ المشكلات.

بيد أن الملاحظة الختامية التي أودُّ العودة فيها إلى كتب السيَر بإيجاز -كما سبق أن ذكرت- أَنَّهُ بخلاف علماء وفقهاء المذاهب الأخرى الذين انفصلت عندهم منذ البداية المباحث العقدية عن المباحث الفقهية؛ فإنّ الإباضية رغم إفرادهم السير للمسائل العقدية ظلوا إلى وقتٍ متأخّر يثبتون موجزاً في العقيدة في مقدمات كتبهم الفقهية الطويلة. وربما كان ذلك تأكيداً على الخصوصية الباقية للمذهبين الفقهي والسياسي.

 

 

*  ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان ” فقه النوازل وتجديد الفتوى” 

المنعقدة خلال الفترة: 13-16 ربيع الأول 1428هـ/ 1-4 إبريل 2007م

سلطنة عمان – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك