الفتوى تاريخيا وحاضرا

الفتوى تاريخيا وحاضرا

 إعداد: أ. د. أحمد الخميشلي

  (مدير دار الحديث الحسنية بالمملكة المغربية)

  

تقديـــــــم:

اقتُرِح عليَّ موضوع «ظهورُ مصطلحي الفتوى والنوازل وتطورهما» الذي يركّز على الجانب التاريخي للفتوى، وهو ما لا تخفى أهميته باعتبار أنَّ مواصلة البناء لا يكون سليما إلا بعد المعرفة الكاملة للأسس التي يراد بها وصل البناء عليها، ولكن المشكل الجوهري الذي نعاني منه في تعاملنا مع التراث الأصولي والفقهي على الخصوص هو إنفاق كلّ الوقت والجهد في السرد التاريخي، وتغييب السؤال عن الأفكار والأحكام التي تجاوزها الزمن، وعما يجب القيام به لربط الفقه وأصوله بحياة الناس وواقعهم.

لذلك أودّ تقسيم تدخّلي إلى فقرتين: الأولى: عن معالم ظهور الفتوى والنوازل وتطورهما. والثانية: ـ وهي الأهم عندي ـ أثير فيها مشكل الازدواجية القائمة بين الفتوى والقانون، ومحاولة البحث عن حل.

 

الفقرة الأولى: الفتوى لغويا وتاريخيا:

يقول ابن فارس في “معجم مقاييس اللغة”:” الفاء والتاء والحرف المعتلّ أصلان: أحدهما: يَدلّ على طراوة وجدة والآخر على تبيين حكم”([1]).

وفي لسان العرب لابن منظور:”والفتيا: تبيين المشكل من الأحكام، أصله من الفتى وهو الشاب الحدث الذي شبّ وقوي، فكأنه يقوي ما أشكل بيانه فيشب ويصير فتيا قويا… “.

بهذا المعنى اللغوي وردت مشتقات الجذع (ف ت ي) في أربع سور مكية: يوسف([2]) والنمل([3]) والكهف([4]) والصافات([5])، بينما وردت هذه المشتقات في آيتين من سورة النساء المدنية ([6]) بالمفهوم الذي استقرَّ في الاستعمال الأصولي والفقهي، وهو الإخبار بحكم شرعي “لا على وجه الإلزام”([7]).

مصطلح الفتوى: إذن تم تداوله في المجتمع الإسلامي منذ بدء الرسالة ونزول القرآن. ولذلك كان أوَّل الممارسين للفتوى الرسول e، وقد عني بعض الفقهاء بجمع فتاويه([8])، وباتساع رقعة الإسلام وانتشار التخصص في المعرفة الفقهية كثرت الفتاوى، فظهرت لعشرات الفقهاء مؤلفات خصّها كلّ واحد منهم لفتاويه الشخصية، بينما تصدى آخرون لجمع الفتاوى المتداولة في زمنهم، مثل ما فعل الونشريسي([9]) والوزاني([10]) بالمغرب.

وقد أدَّت الفتوى دورا كبيرا في حياة المجتمع الإسلامي على مر العصور. فانتشار الأمية، وغياب المؤسسات الممثلة للدولة في كثير من الأحيان فتحا لمجال الفتوى التي يطلبها الناس في جميع شؤونهم العامة والخاصة، عبادات وعقائد ومعاملات.

ولكن من الجانب الآخر فإنَّ الفتوى لا تتعلق بالأحكام الواردة في النصوص القطعية الورود والدلالة. فلا يفتى مثلا بوجوب صوم شهر رمضان، أو صلاة الصبح وأنها ركعتان، أو بحرمة الزواج مِمَّن ذكرن في سورة النساء؛ لأن مثل هذه الأحكام مِمَّا يعلم من الدين بالضرورة يجب على كلّ مسلم العلم بها.

وإنَّما تكون في الأحكام التي جاءت في نصوص ظنّية الدلالة أو الورود، أم لم يرد بها أي نصّ، ويتوصل إليها عن طريق القياس، وما إليه من طرق الاستدلال، مثل: الاستحسان والمصالح المرسلة. وهو ما يعني أن الفتوى تعبّر في مضمونها عن رأي المفتي في تفسير نصّ خاص، أو تطبيق مبدأ من مبادئ الشريعة وكلياتها.

غير أنّ ما حدث سار في اتجاه آخر علا بالفتيا إلى مرتبة اعتبار المفتي شارعا وقائما مقام النبيّ e، أو أنّه ترجمان عن الله.

يقول أبو إسحاق الشاطبي: “إنَّ المفتي شارع من وجه؛ لأنَّ ما يبلغه من الشريعة إمَّا منقول عن صاحبها، وإمّا مستنبط من المنقول، فالأوَّل يكون فيه مبلغا، والثاني يكون فيه قائما مقامه في إنشاء الأحكام، وإنشاء الأحكام إنَّما هو للشارع، فإذا كان للمجتهد إنشاء الأحكام بحسب نظره واجتهاده فهو من هذا الوجه شارع، واجب اتّباعه والعمل على وفق ما قاله، وهذه هي الخلافة على التحقيق… وعلى الجملة فالمفتي مُخبر عن الله كالنبيّ، وموقّع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبيّ، ونافذ أمره في الأمَّة بمنشور الخلافة كالنبيّ… فإذا ثبت هذا انبنى عليه معنى آخر… أنَّ الفتوى من المفتي تحصل من جهة القول والعمل والإقرار”([11]).

وبالغ أكثر شهاب الدين القرافي -رحمه الله- فقال: “مثال الحاكم والمفتي مع الله تعالى مثال قاضي القضاة، ولله المثل الأعلى، يولي شخصين: أحدهما نائبه في الحكم، والآخر ترجمان بينه وبين الأعاجيم. فالترجمان يجب عليه اتِّباع تلك الحروف والكلمات الصادرة عن الحاكم، ويخبر بمقتضاها من غير زيادة ولا نقص؛ فهذا هو المفتي، يجب عليه اتِّباع الأدلة بعد استقرائها، ويخبر الخلائق بما ظهر له منها من غير زيادة ولا نقص إن كان المفتي مجتهدا. وإن كان مقلّدا كما في زماننا، فهو نائب عن المجتهد في نقل ما يمضيه إمامه لمن يستفتيه، فهو كلسان إمامه والمترجم عن جنانه”([12]).

هذا التكييف للفتوى -وللاجتهاد عموما-خرج بها عن حقيقتها، وهي إبداء الرأي
في تفسير نصّ أو مجموعة نصوص، وأضفى على ما تتضمَّنه من رأي تفسيري صفة حكم الشريعة الثابت بالنصِّ القطعيّ الورود والدلالة في نصوص الوحي، وهو ما ساعد
على الإكثار من استعمال الفتاوى لمثل عبارات:”حكم الله”، أو “حكم الإسلام” هو كذا…

ومنذ القرن الثالث الذي تأسَّست فيه معالم المذهبية، وبوادر شرعنة التقليد، أصبحت الفتوى تقوم أساسا على التقليد، وبقدر تعدّد آراء السابقين تتعدّد “أحكام الله” في الفتاوى المتعلقة بنفس الواقعة. الذي يحرم يقول: إنَّ الشريعة هي التي حرمت، والذي يبيح يؤكّد أنّه لم يبح إلاّ ما أباحته الشريعة. وفي حالات غير قليلة يستدلّ كلّ مفت بآية أو آيات من القرآن دون تدبّر في قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾([13]).

وقد بلغ هذا الوجه السلبي للفتوى ذروته في الوقت الحاضر الذي تشابكت فيه المشاكل والأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتيسرت وسائل الاتصال ونشر الأفكار بالتقدّم العلمي الذي قرب البعيد، ومكّن الفرد من مخاطبة من يريد في جميع قارات الدنيا وأصقاعها.

ومن ناحية ثانية أخذت كلّ دولة إسلامية بنظام دستوري يحدد المؤسسات المخولة صلاحية تقرير القواعد الملزمة (القانون بمفهومه العام) في تنظيم المجتمع وعلاقات التعايش بين أفراده، وهو ما ترتّب عنه “تداخل في الاختصاص” بين هذه المؤسسات وبين “المفتي”، وبالتالي وجود التناقض والتصادم في عدد غير قليل من أحكام القانون والفتاوى، وهذا ما نتناوله بإيجاز في الفقرة الثانية.

 

الفقرة الثانية: مشكل ازدواجية القانون والفتوى

انحصرت سلبيات الفتيا من قبل في التعارض أحيانا بين الأحكام المفتى بها، وبالأخص في العصور المتأخّرة التي استولى التقليد فيها على أكثر المفتين، مع تعدّد الآراء حول الواقعة الواحدة، وداخل نفس المذهب، وغياب الضبط الفعلي لأهلية الإفتاء.

هذه السلبيات ما تزال قائمة وتضاعفت آثارها بالوسائل الحديثة للنشر التي تمكّن المفتي من إبلاغ فتواه إلى الآلاف والملايين، بينما كان المفتي قديما يقتصر على نقل فتواه شفويا أو كتابة إلى المستفتي وحده، وإذا عنى بكتابتها فقد يطَّلع عليها من تمكّن من قراءة المخطوط الذي خلَّفه المفتي.

ويضاف اليوم إلى هذا كلّه المشكل الأكبر الناتج عن أخذ المجتمعات الإسلامية جميعها بنظام الدولة الحديثة، القائم على المؤسسات الدستورية التي تملك وحدها إصدار القواعد الملزمة في السلوك الاجتماعي وتعديلها وإلغاءها، الأمر الذي أحدث اضطرابا قويّا في التعايش والتوافق بين نظامي “القانون” و”الفتيا”.

ورغم أنَّ العالم الإسلامي عانى من هذا الوضع الشاذ منذ بداية القرن الماضي -ومعاناته الآن أشدّ- فإنَّ البحث عن حلّ واقعي لم يبدأ بعد.

أثيرت بعض الآراء أو المقترحات في الموضوع، لكن يبدو أنّها بعيدة عن تحقيق الهدف وإنهاء الخلل الذي يشوش على المجتمع، ويحرمه من الطمأنينة والرؤية السليمة لمصالحه.

هنالك من يدعو إلى قصر الفتيا على أهلها، لكن هذه الدعوة قديمة لم تفد في الماضي، وإفادتها اليوم أبعد لسبب بسيط هو صعوبة تشخيص معايير موضوعية قابلة للتطبيق، وتوصل إلى التمييز الفعلي بين المؤهّل للفتيا ومن لا يتوفّر على شروطها، إضافة إلى تعذّر إيجاد الجهة التي يقبل تخويلها إصدار الشهادة بالأهلية أو بعدمها. وإذا تخيَّلنا إبعاد الفضوليين ولم يبق إلاَّ المؤهلون، هل يحلّ المشكل؟ الجواب قطعا: لا، ما دام ذلك لا ينهي تعدّد آراء المفتين، ولا يعالج معضلة الجمع بين الفتوى وتشريع القانون.

كما قدّمت دعوة إلى وضع عقوبة جنائية تطبّق على المتطفلين على الإفتاء دون التوفّر على المعرفة المؤهلة له. ويبدو واضحا أنّ هذه الدعوة بعيدة عن التحقّق مثل سابقتها، فضلا عن سهولة الانتقال إلى أي مكان في العالم لإصدار الفتيا منه، والقانون الجنائي إقليمي يطبق داخل حدود إقليم الدولة التي أصدرته ولا يتجاوزها إلى غيره.

ولعلَّ أهمّ الاقتراحات المثارة في موضوع الإفتاء هو: إنهاء الفتوى الفردية وتعويضها بالفتوى الجماعية، الاقتراح يهدف إلى تجاوز وضعية التسبب الذي يوجد فيه الإفتاء اليوم، لكن كيف يتحقّق الإفتاء الجماعي المقترح؟.

من ناحية أولى تتوفَّر الآن في دول إسلامية هيئات أو مجالس للإفتاء تشكِّلها الدولة
أو مؤسسات علمية أو هيئات للعلماء، ومنها “مجمع الفقه الإسلامي” التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدَّة، ومع ذلك لم يتغيَّر شيء في الواقع المعيش: الإفتاء الفردي استمرَّ، ولم يحظ عنه الإفتاء الجماعي بأيّ امتياز عملي، والقطيعة مع التشريع المؤسسي لم تمسّ، وبذلك بقي الوضع كما كان.

ومن ناحية ثانية نادى أكثر من واحد بالاجتهاد والإفتاء الجماعيين على أساس تولي “العلماء” أنفسهم -في حدود القطر المعني أو على مستوى العالم الإسلامي كله-اختيار من يقدمونه إلى عضوية مجلس الاجتهاد أو الإفتاء، من كبار العلماء أو الراسخين في العلم، أو المشهود لهم بالمعرفة الدينية والاستقامة… غير أنّ جميع هذه الأوصاف تصلح للتنظير والجدل، وتستعصي عن معايير الواقع والتنفيذ. من يستطيع أن يحدِّد عمليا مواصفات “العالم” التي يحقّ له أن يكون في هيئة الناخبين، و”العالم” الجامع لأوصاف استحقاق عضوية مجلس الإفتاء؟.

 الاقتــــــــــراح:

الموضوع ذو أهمية قصوى لا يعالجه رأي فرد، ولا مجموعة أفراد. يجب أن يشعر الجميع بخطورة الواقع القائم على نظام تشريعي مستورد، ونظام إفتاء موروث يضفي على المفتي صفة “النبي” أو “المترجم” عن الله -جل جلاله-، ما تحدثه اليوم هذه الازدواجية في العالم الإسلامي من عنف وسجون وإنفاق مضيّع للوقت والمال، يفرض على الجميع البحث عن المخرج كي تستعيد الأمة طمأنينتها وتعايشها السلمي، وترصد إمكاناتها للعمل المفيد والمساهمة في بناء معرفة الإنسان وحضارته وتوجيههما إلى الخير والرشاد بدل الحيوانية والخراب…

وتجب الإشارة إلى ضرورة التمييز بين مجالي شعائر العبادات والمعاملات، فما أتحدّث عنه هو علاقات التعايش والسلوك الاجتماعي (المعاملات)، أمّا العبادات فإن مراجعة الإفتاء بشأنها تختلف عن تقييم الإفتاء في المعاملات باعتبار العبادات ثابتة بالنقل حتى في أغلب تفاصيلها، ولا تتأثّر بتغير الزمان أو المكان، ولا تتصادم أحكامها مع ما تصدّره مؤسسات التشريع التي يقتصر اختصاصها على شئون الحياة المدنية، ولا علاقة لها بالعبادات وأحكامها.

 

ملخـــص الاقتـــــراح:

أولا: تجاوز القول بأن المفتي ترجمان عن الله، أو كاشف عن حكم الله الأزلي؛ فأحكام الإفتاء كثيرا ما تختلف، وقد تتناقض بالتحليل والتحريم لذات السلوك، أو بالصحة والبطلان لتصرف واحد، وأحكام الله تعالى لا اختلاف بينها ولا تناقض.

فالإفتاء -والاجتهاد عموما-إنَّما يكون في النصوص الظنّية الدلالة، ومن ثمّ فإنّ المفتي ليس مكلفا بالكشف الفعلي عن حكم الله الأزلي؛ لأن ذلك تكليف بما لا يطاق، وصدق الإمام الغزالي عندما قال:

“ومن نظر في المسائل الفقهية التي لا نصّ فيها([14]) علم بالضرورة انتفاء دليل قاطع فيها، وإذا انتفى الدليل فتكليف الإصابة من غير دليل قاطع تكليف محال، فإذا انتفى التكليف انتفى الخطأ. فإن قيل: عليه دليل ظنّي بالاتِّفاق، فمن أخطأ الدليل الظنّي فقد أخطأ. قلنا: الأمارات الظنية ليست أدلة بأعيانها، بل يختلف ذلك بالإضافات، فربّ دليل يفيد الظنّ لزيد وهو بعينه لا يفيد الظنّ لعمرو مع إحاطته به، وربما يفيد الظنّ لشخص واحد في حال دون حال، بل قد يقوم في حقّ شخص واحد في حال واحدة في مسألة واحدة دليلان متعارضان كان كل واحد لو انفرد لأفاد الظنّ، ولا يتصوّر في الأدلّة القطعية تعارض… فالأمارات كحجر المغناطيس تحرّك طبعا يناسبها كما يحرّك المغناطيس الحديد دون النحاس”([15]).

وبناء على هذا التحليل المقنع من الإمام الغزالي فإن المفتي يتبع ما غلب عليه ظنّه، وقد يكون صوابا أو خطأ، وبالخصوص في حالات تعدّد الآراء وتناقض مضامينها.

ثانيا: اعتبار منطوق الفتوى رأيا للمفتي في تفسير نصّ معين أو مجموعة نصوص، وهو بهذا الاعتبار لا يكتسب وصف “الحكم الشرعي الملزم” بمجرد إعلانه، وإنَّما يتعيَّن مراعاة الآراء الأخرى المتعلقة بذات الموضوع:

إن توافقت -ونادرا ما يحدث التوافق- فلا إشكال، وتتبع الإجراءات المنظمة لإضفاء الصفة الإلزامية على الحكم المعني.

وإن اختلفت طبّقت الوسائل التي توصل إلى إقرار تطبيق الرأي الذي يبدو أرجح سندا، وأكثر ملاءمة لواقع الأمَّة ومصالحها. وإن هذا سيؤدي إلى النتائج الآتية:

-صيانة وحدة الأمّة وتجنيبها ما نهى الله عنه من الفرقة ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾([16]).

-الاحتفاظ للإفتاء بصفته البشرية الصرفة، وهو ما يفرض مراجعته باستمرار بحثا عن فهم أنسب لتحقيق اتّباع ما أنزل الله، جريا على سنَّته التي أودعها الإنسان في تعامل
كلّ جيل منه مع معارف سابقه.

-بقاء الفقه في حدود طبيعته الاجتماعية بعلاجه لوقائع الحياة كما يعيشها الناس،
دون تحليق في سماء الخيال والسباحة في الميتافيزيقا.

أمَّا القول بأن المفتي يترجِم عن الله، أو يشرّع الأحكام كالنبيّ فتترتّب عنه نتائج سلبية وخطيرة، الجميع يدركها وينال نصيبه منها:

-المساعدة على افتراق الأمَّة إلى طوائف وشيع، ثمَّ التناحر بالعنف، وإسالة الدماء بذريعة دفاع كلّ فريق عن “حكم الله” الذي أوصله إليه اجتهاده.

-التناقض في الأحكام التي تنسب كلها إلى الله وتغيرها بتغير الفتوى.

-التمسّك بأحكام اجتهادية كانت ملائمة لوقت وظروف صدورها، وبحكم تغير
هذه الظروف أصبحت لا تحقّق المصلحة التي شرعت من أجلها.

ثالثا: الالتزام في الفتيا وإبداء الرأي بالمبدأ الأصولي، وهو مراعاة نتائجه وآثاره
في الواقع المعيش.

يقول أبو إسحاق الشاطبي: “النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أنّ المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلاَّ بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، مشروعا لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك. فإذا أطلق القول في الأوَّل بالمشروعية فربما أدَّى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدَّى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصحّ إطلاق القول بعدم المشروعية. وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلاَّ أنه عذب المذاق، محمود الغبّ، جار على مقاصد الشريعة”([17]).

وكثير من فتاوى اليوم لا تراعي هذا المبدأ، وتكتفي باستنساخ آراء قيل بها في واقع آخر، وفي ظروف تختلف عن التي نعيش فيها، من ذلك مثلا: الإفتاء بأن الإسلام:

-لا يشترط توثيق عقد الزواج، وأنَّ العقود التي يتوفَّر فيها الإيجاب والقبول مع حضور شاهدين أو الإشهار تعتبر صحيحة شرعا، وإن كان “قانون” البلد المعني يفرض توثيق عقد الزواج.

فكيف ينسب هذا الحكم إلى الإسلام في ظلِّ طبيعة الحياة الاجتماعية المعيشة المتسمة بالحركة والتنقل اللا محدود؟. أليس من المؤكِّد أنَّ عدم التوثيق يؤدِّي إلى ضياع نسبة مهمة من الأزواج
في حقوقهم، وعشرات الآلاف من الأطفال في أنسابهم؟.

وأمثلة هذه الفتاوى كثيرة ومعروفة لا حاجة إلى الإطالة بذكرها.

رابعا: ـ تدبير الاختلاف والانتقال برأي الفرد (المفتي) إلى قوَّة الإلزام:

هذا هو المشكل الأكثر صعوبة، ولكن بدون حلِّه لن تختفي سلبيات الإفتاء التي يعيش فيها الآن العالم الإسلامي. وسبب صعوبته انه يصادم المفهوم الذي أضفته الأجيال على الفتيا وعلى علاقتها بنصوص الشريعة وأحكامها.

إن وسائل التعامل مع فتاوى الأفراد والانتقال بها إلى “المؤسسة” التي تقرّر ما يجب أن يكون في الموضوع الذي تناولته الفتاوى قد يختلف من دولة إسلامية إلى أخرى؛ فالأساسي في هذا التعامل هو المبدأ الأصولي الذي يقول: “رأي وليّ الأمر يرفع الخلاف”، ومفهوم “ولي الأمر” في كلّ دولة يحدده نظامها الدستوري الذي يبقى قابلا لإغنائه بالاقتراحات التي تجعل من مؤسسة “ولي الأمر” الجهة المقبولة من المجتمع في ممارسة صلاحية رفع الخلاف.

لكن قبل مناقشة فكرة رفع الخلاف عن طريق ولي الأمر يتعيَّن تحديد الموقف من التصوّر الذي يقدم به موضوع الاجتهاد في أصول الفقه، وبالأخص طبيعة الرأي الاجتهادي، هل هو مجرد رأي شخصي في التفسير لنصوص الشريعة، يحتاج إلى مقارنته بالرأي أو الآراء المخالفة، بعدها تأتي مرحلة التقرير والإلزام؟ أم هو “حكم شرعي” نهائي يجب على الجميع الالتزام به والامتثال لمقتضياته؟.

في حالة الأخذ بالتكييف الثاني يبقى الحديث عن “تجديد الفتوى” وتفادي الآثار السيئة لفوضى الإفتاء الحالي جدلا تنظيريّا لا يبدو محققا للآمال المرغوب فيها.

 

خاتمــــــــــة:

لقد فهمت من عبارة “تجديد الفتوى” الواردة في عنوان هذه الندوة أنَّ الهدف هو البحث عن الأفكار والوسائل التي تمكّن من الوقاية من آثار الفتاوى التي أثرت على التماسك بين فئات المجتمع ومؤسسات الدولة، وساعدت على الفتنة المكلفة بشريا ومعنويا وماديا، لا يقتصر ذلك على فتاوى من يوسمون بالتيارات الضالة، وإنَّما يشمل أيضا الإفتاء المتعارض مع التشريعات الصادرة داخل كلّ دولة إسلامية، دون تحليل لظروف الواقع ولا عرض للموضوع على كليات الشريعة ومقاصدها. فبدل البحث عن الوسائل الكفيلة بعلاج ازدواجية التشريع ومصادره، يكتفى ببيان “الأحكام الشرعية” في الإفتاء، مع تجاهل مقتضيات التشريع الذي تصدّره المؤسسات الدستورية، ووصفه “بالقانون الوضعي” الذي يعني في العرف العام: القانون الذي وضعه البشر بدَل الشريعة المنزلة من الله، ونتائج ذلك لا تحتاج إلى بيان.

وما قدَّمته من مقترحات في موضوع الفتوى مجرَّد محاولة لإثارة الانتباه إلى أن المشكل الجوهري في الإفتاء هو تكييف الأحكام التي ترد فيه هل هي رأي في التفسير غير ملزم، يتوقف الإلزام به على إقراره من المؤسسة التي تخولها الأمَّة صلاحية التقرير؟ أم هو حكم قطعي ملزم لا صلاحية لأحد في مراجعته؟ وبدون حلّ هذه العقدة يبقى الحديث في موضوع الفتوى جدلا غير منتج.

 وأهمية الموضوع تفرض إسهام الجميع في استقصاء عناصره والبحث عن الوسائل المفيدة في علاج سلبياته.

وعسى الله أن يوفق غيري إلى تقديم ما هو أحسن مِمَّا أشرت إليه وهو الذي يوتي فضله من يشاء، ولا يضيع أجر من أحسن عملا. ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾([18]) صدق الله العظيم.


[1]– 4/473.

[2]– الآيتان 43 ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾، و46 ﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾.

[3]– آية 32 ﴿ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾.

[4]– آية 22 ﴿ وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا﴾.

[5]– آية 41 ﴿ فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا﴾؟.

[6]– ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ آية 127 و﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ﴾ آية 176.

[7]– قيد “لا على وجه الإلزام” أضافه الفقهاء للتمييز بين الفتوى، والحكم القضائي فهو قاصر على المفتين من غير الرسول e، أما فتاويه فهي شرع الله الملزم، وبالأحرى أحكام آيتي سورة النساء المشار إليهما أعلاه.

[8]– منهم ابن القيم في: إعلام الموقعين، ومحمد بن يوسف الصالحي الشامي في كتابه: “سبل الهدى والرشاد”.

[9]– وهو أبو العباس أحمد بن يحيى الونشريسي المتوفى عام 914هـ، الذي طبع ما جمعه من فتاوى في ثلاثة عشر مجلدا بعنوان: “المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب”.

[10]– هو أبو عيسى المهدي الوزاني الحسني المتوفى سنة 1342 هـ، وسمى كتابه: “المعيار الجديد الجامع المعرب
عن فتاوى المتأخرين من علماء المغرب”، وقد طبع في اثني عشر مجلدا ضخما. ويعرف هذا الكتاب كذلك باسم “النوازل الكبرى”، حيث شاع استعمال مصطلح “النوازل” مرادفا لمعنى “الفتاوى”، وإن وجد من يميز بين المصطلحين على أساس أن “النوازل” قاصرة على الوقائع التي تحدث فعلا، ثم يطلب من نزلت به حكم الشرع فيها، بينما الاستفتاء قد يتم على وقائع افتراضية. ومن الناحية العملية لا وجود لهذا التمييز.

[11]– الموافقات: 4/245.

[12]– الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، وتصرفات القاضي والإمام، ص12. وأضاف في، ص28 و29 أنّ المفتي “يخبر عن مقتضى الدليل عنده فهو كالمترجم عن الله  فيما وجده عن الإله كترجمان الحاكم يخبر الناس بما يجد في كلام الحاكم أو خطه… أن الفتيا لا تقبل النسخ لتقرر الشريعة”.

[13]– آية 82 سورة النساء.

[14]– أي: نص قطعي الثبوت والدلالة.

[15]– المستصفى من علم الأصول، 2/365 -366.

[16]– سورة الأنعام آية 159.

[17]– الموافقات، 4/194.

[18]-آية 105 سورة التوبة.

 

*  ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان ” فقه النوازل وتجديد الفتوى” 

المنعقدة خلال الفترة: 13-16 ربيع الأول 1428هـ/ 1-4 إبريل 2007م

سلطنة عمان – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك