Edit Translation

Religious discourse in the poetry of Abu the Muslim Albahlana under school revival

الخطاب الدّيني في شعر أبي مسلم البهلاني

In the context of a school revival *

 

D. Nasser Muhammad Bin Qasim Bouhjam

(Algerian researcher)

Nizwa College of Education Sultanate of Oman

 

1- Significance of religious discourse in the poetry of Abu Muslim:

When one reads poetry father Muslim Albahlana, and يتأمله and Eetmly ideas and meanings, and induces its content, he finds himself in front of Adib Muslim: Poetry and poetic, in form and substance. Noticed in what has been written, and in every aspect shown, and in every position attitude of, and in any subject covered. The Islamic poet His sense of a strong and sincere, scoffed all the potential and talents to serve its noble objectives, which are the objectives of Islamic.

From here the whole hair was not beyond the circle of religious poetry, or religious discourse: “You feel for the first reading you with Adib truly Muslim, Islam is reflected in his poetry a sincere Islamic Bahacish, noble and religious feelings, and language inspired by the Koran, and his faith sober, enlightened ideas Muhammadiyah…”([1]).

إنّ أبا مسلم شاعر صاحب رسالة يكتب ليوجّه شبابا، ويتحرّك ليؤدّي واجبا، ويقول ليصلح، ويعمل ليغيّر، إنّه “يتّخذ الأدب وسيلة هادفة لتربية الفرد المسلم؛ لأنّه يعتقد أنّ الأدب رسالة وتوجيه وأمانة. وهذا الإحساس إنّما يدفعه إليه شعوره الإسلامي العميق”([2])، لم يحد عن هذا المنهج قيد أنملة في كلّ ما نظم شعرا، وكلّ ما كتب نثرا. هذا ما أعطى كتاباته هذا الطّابع الدّيني المتميّز” هكذا كان أبو مسلم يسخّر شعره من رؤية رساليّة لأهداف استنهاضيّة، تستجيب لمتطلّبات المرحلة السّياسيّة والاجتماعيّة الصّعبة التي كانت تعيشها الأمّة الإسلاميّة بعامّة، وعمان بخاصّة، قبيل اندلاع الحرب العالميّة الأولى”([3])، اهتمّ أبو مسلم في شعره بالإنسان المسلم، عالج قضاياه، وتناول اهتماماته، وحاول أن يسير به إلى شاطئ الأمان، ويحطّ به في برّ السّعادة؛ منطلقا في ذلك من روح دينيّة، متشبّعا برؤية إسلاميّة. وقد كان يقصد من توجّهه هذا توجيه خطاب له، يوجّه حياته، ويبصّره بما يجب القيام به وفعله. دليل صبغة هذا الخطاب بالصّبغة الدّينيّة تناوله موضوعات مهمّة في حياة الإنسان، وطريقة معالجته هذه الموضوعات. يقول الدّكتور محمد ناصر: “فعالج بشعره موضوعات حضاريّة على غاية من الأهميّة والعمق والشّموليّة، فكتب في التّاريخ والحضارة والعقيدة واللّغة والشّخصيّات والسّيرة، واهتمّ بالجوانب الإنسانيّة: الجانب الرّوحي في شعر السّلوك، الجانب العقلي في شعر التّاريخ، الجانب العاطفي في شعر الحنين والطّبيعة. فكان في ذلك يحرّك في متلقّي شعره كلّ هذه الأحاسيس التي تربط الإنسان بماضيه من جهة، وتجعله يعيش عصره وواقعه من جهة ثانيّة…”([4]), And his poem: “Wake brown Quran” يستعرض فيها واقع المسلمين المرير، ويكشف عن علاقتهم بدينهم الضّعيفة. ويحثّهم فيها على المبادرة إلى التّوبة والرّجوع إلى الله. وبين ذلك يستعرض أخلاق السّلف الصالح دعوة منه إلى الاقتداء بهم. وفي التّناول والمعالجة خطاب، يتجاوز حدود العرض والنّشر([5]).

يقول محمد بن ناصر المحروقي: “ومن ناحية أخرى فإنّ الخطاب الدّيني في شعر أبي مسلم يتموضع ضمن تيّار شعريّ ظهر في الوطن العربي في نهاية القرن التّاسع عشر ومشارف القرن العشرين. هذا التّيّار الشّعري أفرزته ظروف متقاربة من الصّراع المرير ضدّ المستعمر الغربي، وممارساته الدّائمة في كبت الحرّيات، مِمَّا عزّز الجانب الرّوحي الذي طالما عرف به الشّرق”([6]).

نحن لا نوافق على ما ذهب إليه محمد بن ناصر المحروقي في كون فكرة النّصرة على الأعداء هو القضيّة القاعديّة للخطاب الدّيني في شعر أبي مسلم وبقيّة الموضوعات كان الشّاعر يمهّد بها لمعالجة هذا الموضوع في شعره ([7])، فإنّ تلك نظرة قاصرة في تحديد إطار مجال الشّعر الدّيني عند أبي مسلم، فرغم تكرّره كثيرا فيما نظمه، غير أنّه يعدّ أحد المجالات التي عالجها الشّاعر بشعره، وهو يحمل همّ الإصلاح الشّامل والاستنهاض العام، والتوجيه الواسع، والتّغيير العميق. وهو ما يتطلّب العمل الكبير والواسع في مختلف الأصعدة والميادين.

نحن لا ننكر أنّ هذه الفكرة استأثرت باهتمام الشّاعر؛ لأنّه كان يرى ما كان سائدا ومنتشرا في عصره من تكالب الأعداء والمستعمرين على الوطن الإسلامي، وعرقلة المدّ الإسلامي، وقهر المسلمين؛ فكان لأجل ذلك يبتهل إلى الله تبارك وتعالى، ويدعوه أن يقهر أعداء الدّين، وينزل عليهم غضبه وبطشه، يقول صالح بن عيسى الحارثي: “فأنت سوف تراه عندما يعبد ربّه فيدعوه بالشّعر ويسبّحه به، يعود إلى الظّالمين فيستنزل عليهم غضب الله، فكأنّه يريد أن يطهّر أوّلا نفس قارئ شعره بذكر الله، فيهيّئها للعمل خالصة في مقابلة الظّلم “([8]).

نحن نعترف أنّ هذا الموضوع تكرّر كثيرا في شعر أبي مسلم تكرارا لافتا للنّظر، لكنّنا لا يمكن أن نعدّه القضيّة القاعديّة في شعره. إلاّ أن يكون الأستاذ محمد المحروقي قد حدّ من إطار أو دائرة الشّعر الدّيني عند أبي مسلم، وهو ما لا نوافقه عليه.

يقرّ كلّ من درس شعر أبي مسلم دراسة موضوعيّة معمّقة أنّه لا يخرج عن هذا الخطّ المستقيم، الذي رسمه؛ كي يسير عليه أو فيه، هذا الخطّ المستقيم، نقطتا الارتكاز فيه اثنتان، لا ثالث لهما: نقطة المبادئ الثّابتة، ينطلق منها، ونقطة الأهداف المرسومة، ينطلق إليها. هاتان النّقطتان لا تخرجان عن روح الإسلام، ولا تتنصّلان عن صبغة الدّين. من هنا كان شعره ذا صبغة واحدة، هي صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة، وروح واحدة، هي روح الإسلام، ومنهج واحد هو منهج الدّين. يقول الدّكتور محمد ناصر: “فوطنيّاته ومدائحه ومراثيه كلّها لا تخرج عن إطار هذا المنهج المستقيم، ولينظر المتأمّل ملاحمه الوطنيّة: المقصورة والنّونيّة والميميّة والعينيّة، ثمَّ لينظر تخميساته لقصائد الشّيخ سعيد بن خلفان الخليلي، ولينظر بعد ذلك مراثيه في العلماء الأجلاّء، يجدها قد صبغت كلّها بقالب سلوكي رفيع؛ لأنّ شعره كلّه في الغالب متمحور حول الاستقامة، ومنشقّ عنها، داع إليها”([9]).

الموضوعات التي استأثرت بشعره تؤكّد على الصّبغة الدّينيّة، التي لا تقبل الفصل بين ما هو ديني وما هو غير ديني فيه؛ لأنّه أصلا لا وجود لهذا التّقسيم في هذا الشّعر. ففيه حديث عن العقيدة الإسلاميّة بمسائلها المختلفة، وتناول لواقع المسلمين في آمالهم وآلامهم، والتّركيز على الابتهال والدّعاء والذّكر، ثمَّ توجيه خطاب متعدّد الأشكال، متنوّع الألوان إلى المسلمين؛ ليحرّك فيهم هممهم، ويشحذ عزائمهم، ويخاطب ضمائرهم، حتّى ترجع وتبقى في دائرة الإسلام. ثمَّ يخصّ الشّعب العماني بالخطاب. وذلك بتذكيره بما له وما عليه نحو دينه، واستنطاق تاريخه واستلهامه، والإشادة بمآثر أسلافه وآثار أجداده، وتسجيل المنجزات الحضاريّة لهذا الشّعب الأبيّ, ورثاء العلماء المصلحين، وتوجيه النّظر إلى أخذ العبر من حياتهم في الاستقامة والسّلوك والعمل والدّأب والنّشاط وخدمة الإسلام والمجتمع… يقول الدّكتور محمد ناصر ” لقد كان أبو مسلم يتّخذ من التّاريخ عبرة لبثّ الرّوح الاستنهاضيّة في القلوب، فالتّاريخ عنده ليس افتخارا أو ادّكارا فحسب، بل هو قبل هذا وذاك اعتبار ومقارنة، حثّ ومواكبة. وما وقفاته عند صور البطولة والجهاد إلاّ إحياء لهذه المعاني في النّفوس؛ لأنَّ الصّراع بين الحقّ والباطل كما كان في القرن الأوّل والثّاني الهجريين، هو الصّراع نفسه في القرن الرّابع عشر الهجري، وإن اتّخذ لبوسا مختلفا وأرضيّة مغايرة، والدّارس عندما يريد استجلاء هذا الجانب الهام في شعر أبي مسلم ينبغي عليه أن يلمس ذلك من خلال الدّيوان كلّه؛ إذ لا يجد الاستنهاض فيه موضوعا خاصّا أو اتّجاها معيّنا في هذه القصيدة أو تلك؛ لأنّ الاستنهاض موجود وراء كلّ كلمة يقولها الشّاعر، خاطب بها نفسه أو غيره، ابتهل إلى الله متضرّعا، أو عاتب قومه محفّزا، وهو على وعي كامل بهذه الرّسالة التي ندب شعره لها([10])، وهذا الاستنهاض لا يكون ملوّنا إلاّ باللّون الدّيني، ولا موجّها إلاّ بروح الإسلام.

من هنا حقّ لعليّ النّجدي ناصف أن يقول: “وهكذا يبدو أبو مسلم في جملة شعره مؤمنا راسخ الإيمان متديّنا، يخلص الدّين للّه، ويحضّ على الجهاد فيه، ذيادا عنه، وتمكينا له وإعلاء لكلمته، مهما عظم فيه الخطب، وتألّبت دونه الشّدائد والمحن. فالدّين أحقّ ما يجب فيه البذل ويهون الفداء”([11]).

الرّأي نفسه أكّده عبدالرّحمن الخزندار: “… ولا سيّما أنّ هذا الدّيوان قد تناول موضوعات متعدّدة متنوّعة، تجلّت فيها الرّوح الإسلاميّة العربيّة الصّافيّة، والشّاعريّة المستفيضة، والإيمان العميق، بما يدعو إليه من التّقوى والعلم والعمل”([12]).

يمكن أن يتّخذ المعجم الشّعري دليلا على كون أبي مسلم يمارس الخطاب الدّيني في شعره، في كلّ ما قال وكتب، يقول محمد بن ناصر المحروقي: “وتجد عند أبي مسلم أنّ أبرز الكلمات المفاتيح تتّصل بهمّ واحد، تتمثّل في مفهوم الاستنهاض. ومن تلك الكلمات التي تعكس هذا الهمّ (الرّجال، بنو الإسلام، بنو التّوحيد، بنو القرآن، بنو الأحرار، كتائب الله، غارة الله، سياسة الله، السّيوف القنا، الخيول، المعاهد، الدّهر).

إنّ الرّوح الاستنهاضيّة التي يحاول الشّاعر الدّعوة إليها لمواجهة الاستعمار الغربي ترتكز على مقوّمات دينيّة، فالرّجال الذين سيقومون بمهمّة المواجهة هم (بنو الإسلام) وكتيبتهم تنسب إلى الله (كتيبة الله) وبذلك يرتبط الاستنهاض بالبعد الدّيني”([13]).

إنّ الدّين هو الدّائرة الكبرى التي تشمل في محيطها كلّ الدّوائر الأخرى، التي يتحرّك فيها أبو مسلم، والإيمان بالله حقّ الإيمان هو الخيط النّفسي الذي ينتظم شعره كلّه. والإسلام هو لحمة شعره وسداه. And”الدّين مصدره ومورده، والدّين باعثه وهدفه”([14]).

من هنا نقرّر من دون تحفّظ أنّ شعر أبي مسلم كلّه ديني، والخطاب الدّيني عنده يعني كلّ ما كتبه شعرا. ولذلك أكّد الدّارسون على صعوبة الفصل في قصائده على أساس الأغراض ” فمع الشّاعر أبي مسلم الذي ينطلق من رؤية إسلاميّة يصعب الفصل في قصائده على أساس الأغراض، فنقول هذه قصيدة دينيّة وهذه قوميّة وهذه تصوّفيّة وهذه استنهاضيّة وهذه في الحنين وتلك في الغزل… إلى غير ذلك من الأغراض التّقليديّة المعروفة؛ لسبب بسيط وهو أنّ الشّاعر عندما يعالج موضوعا من موضوعاته إنّما يعالجه من نظرة شموليّة، تنبع من أحاسيسه ومشاعره الدّينيّة أوّلا وقبل كلّ شيء”([15]).

يؤكّد الباحث نفسه، وهو يناقش الذين تحدّثوا عن وجود شعر ديني في قصائد أبي مسلم ” إذ نخشى لو وافقنا على هذا التّقسيم أن يظنّ أنّ لأبي مسلم قصائد دينية وأخرى غير دينيّة، أو يظنّ أنّ بعض الشّعر عنده يخلو من الإحساس الدّيني، فقد يصحّ هذا المنهج مع غيره من الشّعراء الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا، أو الذين كتبوا في كلّ الفنون تلبية لرغبات، قد لا تكون ذاتيّة، تصدر عن أحاسيسهم الدّاخليّة، بل هي استجابة لمناسبات ما، كما نجد ذلك عند شوقي وحافظ مثلا.

ولو نحن درسنا شعر أبي مسلم على غير هذا النّحو من اعتبار الدّين عنصرا أساسيّا في كلّ القصائد لأخللنا بالمنهج السّليم لدراسة شعر أبي مسلم، بل لظلمنا رؤية الشّاعر نفسه؛ لمكانة الدّين في الشّعر…”([16]).

يمكن لنا بعد العرض المقتضب المركّز أن نقول ونقرّر: إنّ أبا مسلم الرّواحي يختلف عن شعراء الإحياء الآخرين كون شعره كلّه خطابا دينيّا، أي هو ملتزم بخطّ واحد، وهو الإصدار عن الدّين في كلّ ما قال، وخدمة الدّين في كلّ ما نطق، وتوظيف الدّين في كلّ ما تفوّه به. بينما غيره من الشّعراء الإحيائيين أو بعضهم نستطيع أن نميّز في شعرهم بين ما هو ديني وما هو غير ديني”إنّ الشّاعر أصيل في أفكاره، محافظ على عقيدته، متميّز بصفاء طويّته ونقاء سلوكه. يتجلّى الإسلام في كامل شعره: رؤية وموقفا، تصويرا وتعبيرا، معالجة وتناولا، ممارسة وتحرّكا وسلوكا”([17]).

ونحن إذ نورد العنوان المقترح علينا الكتابة فيه، فإنّنا سنتحدّث عن الخطاب الدّيني عند أبي مسلم انطلاقا من التّصوّر العام الذي قدّمناه نحو شعره، وهو أنّه كلّه خطاب ديني.

2- خصائص شعر مدرسة الإحياء:

ما يميّز شعر مدرسة الإحياء الجزالةُ ومتانة الأسلوب، وفخامة التّعبير، واللّجوء إلى اللّغة القويّة، يقول الدكتور محمد أحمد موسى وهو يحدّد بعض مميّزات هذه المدرسة، ويعلّل اتّصافها بها: “جزالة اللّفظ وفخامة التّعبير لدى معظم شعراء هذه الاتّجاهات؛ لأنّ موقف البطولة والحرب والشّجاعة ومدح الرّسول صلعم، والذّود عن الإسلام، والدّفاع عن الدّين يتطلّب مثل هذه الألفاظ”([18]).

ويؤكّد الدكتور إبراهيم السّعّافين هذه الحقيقة بقوله: “ومن هنا كان تطوّر حركة الإحياء عاملا من عوامل تمثّل التّراث القديم، واستغلاله استغلالا أكثر كفاءة، وقد كان لقوّة الصّياغة وتماسك النّسيج أثر كبير في تمثّل المعاني بهذه القدرة والكفاءة”([19]). إنّ الشّاعر الإحيائي ـ غالبا ـ ما يتنفّس في أجواء الشّعر العربي القديم: لغة وتصويرا وأسلوبا وخيالا ومعاني وأغراضا أحيانا. ويستعير من القدماء إطار قصيدته، وما يتّصل بها من تشبيهات واستعارات، ثمَّ يملؤها بروحه، ويطبعها بشخصيته. يقول الدّكتور إبراهيم السّعّافين: “فقد توجّه الشّعراء إلى القديم، وبخاصّة في عصور قوّة الشّعر وازدهاره ليتمثّلوه ويستلهموه. وقد رأوا أنّ الشّعر القديم لم يكن على الصّورة التي رأوها في شعر النّدماء والعروضيّين، كما عرفوا أنّ مكانة الشّاعر في القديم لم تكن كمكانة الأدباتي والنّديم، وإنّما كان الشّاعر محترما، بل كان من الشّعراء خلفاء وأمراء ووزراء وقادة، فعادت صورة الشّعر تأخذ مظهرا لائقا في نفوس الشّعراء والقرّاء معا”([20]).

– طبيعة القصيدة في المدرسة الإحيائيّة تتميّز بالتّكرار والإطناب والإسهاب، وطول النّفس وتداخل الأفكار والمعاني، وانعدام الوحدة الموضوعيّة والوحدة العضويّة…

– يعيش الشّعراء في هذه المدرسة، وفي المرحلة التي وجدوا فيها فترة إحياء حقيقيّة؛ إذ أنّهم جهدوا أنفسهم وكلفوا بإحياء التراث العربي القديم للنّهوض بالشّعر والأدب وإعادة الاعتبار لهما، وإحكام الصّلة بين التّراث والواقع المعيش. وقد آمنوا أنّ الرّجوع إلى التّراث الأصيل والتماسه من الشّعر العربي في عصوره المزدهرة أنجع وسيلة للنّهوض من الكبوة، والإفاقة من الغفوة. إنّ هذا يندرج ضمن مفهومهم لرسالة الشّعر، التي هي إصلاحيّة توجيهيّة، تثقيفيّة تربويّة، وفي النّهاية هي أمانة. ومن جملة الأمانة مسؤولية النّهوض بالأدب. يقول إبراهيم السّعّافين: “إنّ الأمر الذي يتّفق عليه الدّارسون يتركّز في أنّ الإحيائيّين قد اعتمدوا على التّراث الشّعري الذي وصل إليهم في صياغة أساليبهم ورسم صورهم وإبراز أفكارهم”([21]).

“ومن هنا ينبغي علينا أن نتفهّم حقيقة مهمّتهم التي تتعلّق بالدّرجة الأولى بإحياء التراث الشّعري القديم وبعث أساليبه وربطه بالحياة قدر المستطاع”([22]).

غرق الإحيائيّون في تقليد القدماء في الكتابة الشّعريّة، وبخاصّة في جانبي اللّغة والتّصوير. فقد كان أكثر ما نظموه شعرا لا يتزحزح عمّا قدّمه القدماء، أو قألوه. وهم كما يقول إبراهيم السّعافين: “وكأنّهم توهّموا أنّ لغة الشّعر ومعانيه وصوره ينبغي أن تستمدّ من القديم”([23]).

إنّ هذا تأكيد لما ذهب إليه عمر الدّسوقي عن معاني شعراء الإحياء وصورهم: “أمّا معانيهم فليس فيها جديد إلاّ النّادر… ومعظمها مأخوذة من الأدب العربي القديم، أو من المعاني المتداولة، وخيالهم تصويري، ومبني على الاستعارة والتّشبيه والمجاز. بل كثيرا ما تكون تشبيهاتهم غير مجارية لزمانهم أو بيئتهم، وإنّما نهجوا فيها نهج العرب الأقدمين، متأثّرين بالقوالب المحفوظة والعبارات المتداولة”([24]).

– مِمَّا يميّز شعراء مدرسة الإحياء اللّجوء إلى معارضة القدماء فيما كتبوه شعرا؛ إعجابا بمعانيهم، وتقديرا لأفكارهم، واحتفاء بأساليبهم، وانبهارا بصورهم. وربّما يكون ذلك قد جاء بدافع إبراز قدرتهم على مجاراتهم، وربّما التّفوّق عليهم.

سار الإحيائيّون على نهج القدماء في بناء القصيدة؛ وذلك بِعَدّ البيت وحدة مستقلّة، ليست له علاقة بالأبيات الأخرى في هندسة القصيدة، وتنامي معانيها وبنائها، ولا يرون ضرورة توفير الوحدة العضوية فيها، وهو “ما جعل طبيعة النّظم تنصرف عن التّدرّج النّامي في كتابة القصيدة, ورسم صورها، ذلك؛ لأنّ الصّياغة اللّفظيّة هي الشّغل الشّاغل الذي كان يستأثر بجهود القدماء”([25]).

هذه الخصّيصة وإن كانت بارزة في شعر الإحيائيّين إلاّ أنّنا يجب أن لا نسرف في عدّها عيبا كبيرا، ونقصا أو قصورا في الكتابة الشّعريّة، بل يجب أن نناقش ونحلّل هذه الظّاهرة أو هذه الميزة على ضوء الظّروف التي كان يتحرّك فيها هؤلاء الشّعراء وينظمون ما يحسّون به، ويقدّمونه بالطّريقة التي يحذقونها، ويملكون أدواتها، ووفق ما كانوا يخطّطون له ويرسمون، ووفاقا لما يهدفون إليه من كتابة الشّعر. إذ بذلك نتمكّن من فهم طبيعة البناء الذي اختاروه لكتاباتهم.

وقد نجد عندهم البديل، الذي يعوّض عن الوحدة العضويّة أو الوحدة الموضوعيّة، وهو الوحدة النّفسيّة، التي تربط ما يقوله الشّاعر الإحيائي من أفكار، وما يتناوله من موضوعات في القصيدة الواحدة، يربط كلّ ذلك خيط نفسي، يترجم ويعبّر عمّا يريد قوله؛ لأنّ الشّاعر الإحيائي ـ تبعا للظّروف التي عاشها ـ يكتب عن غيره، ويعالج قضايا سواه والآخر، ولا يهتمّ بالشّعر الذّاتي إلاّ قليلا. وينظم وفقا لمفهومه لحقيقة الشّعر، التي هي توجيه وإرشاد واستنهاض… فهو يحرص على توفير الوحدة النّفسيّة، التي تبقيه منسجما مع ما يقول، وما يصوّر، ومرتبطا بالهدف الذي رسمه لمضمون قصيدته. ما هو خارج عن هذا المطلب لا يهمّه كثيرا، من ذلك إيجاد الوحدة العضويّة أو الوحدة الموضوعيّة، أو توفير الجانب الجمالي في الكتابة الشّعريّة. يجب أن نناقش الشّاعر الإحيائي على ضوء هذه المعطيات.

– الأغراض التي كتب فيها الإحيائيون هي: المدح، الرّثاء، الهجاء، الغزل، الوصف، الحكمة، الأخلاقيات، الإخوانيات، الشّعر التّاريخي، الشّعر السّياسي، الشّعر القومي، الشّعر الدّيني…

– غلب عليهم الالتزام بمظهر القصيدة العربيّة القديمة، الذي يبدو في التزام رويّ واحدة وقافية موحّدة، ووزن رتيب. وأحيانا يبدؤون القصيدة بمقدّمة طلليّة أو غزليّة، كما كان يفعل القدماء.

بالجملة حاولوا المحافظة على روح الشّعر المشرقة في ديباجته اللّفظيّة الجزلة، وملازمة عمود الشّعر القديم في وزنه وقافيته ومعانيه وصوره وبناء قصائده، وغير ذلك. من هنا جاءت تسميتهم بالمحافظين، ونعتت مدرستهم بالاتّجاه التّقليدي.

نحاول فيما يأتي من الصّفحات الوقوف على حقيقة الخطاب الدّيني عند أبي مسلم في إطار مدرسة الإحياء، مستحضرين خصائص هذه المدرسة، كما عرضناها آنفا. نشير أنّ هذه الدّراسة تهدف إلى تحليل هذا الخطاب، ولا تعنى بدراسة كلّ الظّواهر، أو مناقشة الأساليب أو عرض المضامين؛ ولهذا اخترنا بعض النّماذج من شعره، ووقفنا عند بعض المحطّات والظّواهر التي رأيناها مساعدة على مناقشة الموضوع وتوضيح بعض الرّؤى، واعتمدنا كثيرا على الإحالات؛ لأنّ حجم الدّراسة لا يسمح بالإسهاب والإطالة. لم نتناول بالنّقد كثيرا من أشعار أبي مسلم؛ لأنّ الدّراسة موجّهة أساسا لإبراز السّمات الإحيائيّة في شعره، في إطار الخطاب الدّيني. ونذكر أيضا أنّنا لم نتعرّض لشعر الابتهال والمدائح النّبويّة؛ لأنّهما مدرجان فِي محورين يتناولان في هذه النّدوة.

3- الأغراض والمعاني:

إنّ محاولة إبراز سمات المدرسة الإحيائيّة في شعر أبي مسلم، والكشف عن الخصوصيّة، التي يتميّز بها عن بقيّة شعراء هذا الاتّجاه يفرض علينا تناول الموضوع من جانبين مستقلّين: جانب المعاني، والجانب الفنيّ.

حتّى وإن كان الأصل أن يكونا متّصلين؛ إذ أنّ العمليّة الإبداعيّة لا تفصل بينهما، إلاّ أنّ الرّغبة في فسح المجال لمزيد من الكشف، وإماطة اللّثام عن بعض المكنونات وبعض المخفيّات في شاعريّة أبي مسلم قد تشفع لنا في هذا التّناول، بخاصّة وأنّ الشّاعر ما يزال لم يتبوّأ مكانته التي يجب أن يحوز عليها. وهذا ما يمكن أن تحقّقه الدّراسة المعمّقة والبحث الدّؤوب.

لقد جارى الإحيائيون الشّعراءَ القدماءَ في بعض الأغراض كالمدح والهجاء والرّثاء والغزل والوصف والحكمة والفخر. مع الكتابة في أغراض أخرى كالإخوانيات والشّعر التّاريخي والشّعر السّياسي وغيرها. كتبوا في كلّ ذلك بكثير من المحاكاة والتّقليد في الأفكار والمعاني، وطريقة التّناول ” فإذا أرادوا أن يصفوا الخمرة كانت صفاتهم نمطيّة مشتركة، وإذا تشبّبوا بالنّساء كانت صفات المرأة عند كلّ الشّعراء واحدة، وإذا أرادوا الحديث عن وِصال النّساء اشتركوا جميعا في وصف مغامراتهم المسلّحة، سواء أكانوا يصدرون في ذلك عن تصوير صادق لواقعهم وواقع الحياة الاجتماعيّة أم كانوا يصدرون عن إرادة محضة، وكما استقرّت القيم الاجتماعيّة وكما ثبتت القيم الشّعريّة أو كادت”([26]).

يذكر الباحث نفسه أنّ تقليد الإحيائيين القدماءَ والسّير على سننهم وترسّم خطاهم كان أمرا طبيعيّا ذلك ” أنّ الظّروف الموضوعيّة والتّاريخيّة تلزم الإحيائيين
ـ وفي أوائل العصر بالذّات ـ تمثّل القدماء والاقتداء بهم في حركاتهم وسكناتهم”([27]).

مع محاولات متميّزة من حين إلى حين من بعض الشّعراء في بعض المواقف لربط ما كتبوه بالواقع المعيش، والاستجابة للمستجدّات في الحياة، والخضوع للتّطوّر الزّمني ولشخصية الشّاعر الثّقافيّة، وتطوّره الفنّي أو الرّكون إلى ظروف القصيدة السّياسية والاجتماعية… فما هي أبرز الأغراض التي كتب فيها أبو مسلم الرّواحي؟ وما هي المعاني والأفكار التي عرض لها؟ ووجّه من خلالها خطابه الدّيني؟

كتب الشّاعر في الابتهال والاستنهاض والمديح النّبوي، وفي الحكمة والرّثاء. وكتب في العقيدة والأخلاق والحضارة والتّاريخ والسّيرة واللّغة والعلم والشّخصيات، وفي الدّنيا والحياة والموت والدّهر… تناول كلّ الموضوعات من وجهة نظر الدّين، وعالجها برؤية إسلاميّة.

سنركّز على غرضي الحكمة والرّثاء، ونعرض بعض المعاني والمضامين التي ضمّنها الشّاعر هذين الغرضين، أو نقل من خلالهما بعض المعاني التي أشرنا إليها؛ لأنّ حجم الدّراسة أو نطاق الدّراسة لا يسمح بأكثر من ذلك، وتناول كلّ الأغراض، التي كتب فيها الشّاعر. ثمَّ إنّي لمست أنّ الرّوح الدّينيّة والرّؤية الإسلاميّة كانت أكثر وضوحا، والمعاني التي ترجمت عن شخصيّته، وأبانت عن منهجه في الحياة كانت أجلى مظهرا في هذين المجالين.

4– الحكمة في شعر أبي مسلم:

إنّ جوانح أبي مسلم المملوءة إيمانا، وقلبه الثّابت يقينا بالله، ونفسه التي أشربت العقيدة حتّى الثّمالة، وتجربته الكبيرة في الحياة، وصراعه الدّائم الدّائب مع الدّهر، وحبّه الخير لكلّ النّاس، وانشغاله المستمرّ بنصح البشر، وحرصه العريض الصّادق على النّهوض بالمسلمين… كلّ ذلك جعله ينطق بالحكمة وجوامع الكلم، اللّذين يكشفان عن نضج في العقل وسداد في الرّأي، وتوفيق في القول، ونجاح وإصابة في الهدف”والحكمة لا يستطيع التّلفّظ بها إلاّ من وهب المقدرة على النّظر البعيد والتّجربة السّديدة، إضافة إلى موهبة صياغة كلّ ذلك في كلام، فيه إعجاز وإيجاز. كأن يجيء ذلك في جملة نثريّة أو بيت من الشّعر”([28])، وأبو مسلم توفّر شعره على أغلب هذه المميّزات.

وقد تجلّت الحكمة في شعر أبي مسلم في أبياته الوعظيّة وفي مراثيه بخاصّة، وفي طيّ بعض قصائده بعامّة. وقد دارت معانيها ـ غالبا ـ حول التّامّل في الدّنيا وأحوالها وعلاقة الإنسان بها إيجابا وسلبا، والإفادة منها، والانخداع بها، والاعتبار منها وبأفعالها. وقد حاول الشّاعر تبصير النّاس بما لهم وعليهم نحوها. كما تناول موضوع صراع الإنسان معها، وموضوع النّفس البشريّة ونظرة الإنسان إليها. وقدّم تأمّلات في الحياة والموت بعامّة؛ مِمَّا يدخل ضمن رسالته التّوجيهيّة، وفق الخطاب الدّيني الذي ميّز شعره، الذي هو شعر رسالي، يحمل أمانة. كما كان أو هو دأب وشأن الإحيائيين عامّة. وبرزت الحكمة أيضا في أسمى معانيها، وأجلى صورها، وأعمق دلالاتها، وأرقى أسلوبها في قصيدته “في المواعظ “([29]).

· الدّنيا:

لأبي مسلم نظرات عميقة وتامّلات مهمّة، ووقفات مركزّة هادفة في الدّنيا وأحوالها وطبيعتها، أنتجت تلك الحكم وتلك الأقوال، التي سارت سير الأمثال، واتّخذت طابع التّقريرات والقوانين الحياتيّة. فإنّ مراثيه مليئة بهذه الأقوال، وبخاصّة الحديث عن الدّنيا ” ففي أغلب قصائد الرّثاء نجد عنده المقدّمات ذات الطّابع الحكمي أو الوعظي. هذه المقدّمة عادة ما يتّخذها مخلصا إلى الولوج إلى موضوع الموت والفناء المحتّم، باعتبار هذه النّهاية من عيوب الدّنيا التي أسرت النّاس وخلبت ألبابهم، فركنوا إليها ونسوا آخرتهم”([30]).

قال في مقدّمة قصيدة رثى بها الشّيخ الحاج محمد بن يوسف اطفيش (T.: 1332هـ/1914م).

عش ما تشاء وراقب فجعة الأجـل سينقضي العمر في بطء وفي عجـل

تلهو بتصويرك الآمال مغتبطـا وبين جنبيك ما يلهي عن الأمـل

تناقلتك ليال غير راجعـة وما تجاهك يوم غير منتقـل

ماذا يغرّك من دنيا نضارتهـا نهب المنون ومجراها إلى الزّلـل

قالوا دسائسها في طيّ زخرفهـا وقلت قد صرّحت بالسّمّ في العسـل

لم تخفِ عيبا ولم تأخذ مخالسـة ولا الهناء بها إلاّ على علـل

هل في مصارع أجيال بهم فتكـت عذر المحيل عليها شنعة الأمـل

فما التّهافت منّا في مهالكهـا جهل بماض ولا علم بمقتبـل

ما باينتك عواديها مصادقـة ولم تعاهدك أمنا غارة الغيـل

رأي الرّكون إلى آفاتها سفـه وصفوها بين نابي مهلك جلـل

ما شأن صولاتها البقيا على أحـد وإنّما أجل يتلو خطى أجـل([31])

المعاني التي ضمّنها الشّاعر هذه الأبيات هي كالآتي: إنّ الموت يدرك الإنسان لا محالة، وإنّ العمر سينقضي في مهل وفي عجل، والإنسان يتعلّق بالآمال وينسى أنّ العمر أمل ينهيه أجل. وفي لفتة وتذكير يبيّن أنّ الدّنيا نضارة يفنيها الموت، وزخارف منطوية على السّمّ في العسل، وأنّ هذه الدّنيا لم تخفِ عن النّاس دسائسها، ولا تأخذهم خلسة، فهي واضحة في طبيعتها، بيّنة في أفعالها. لكنّ الإنسان هو الذي لا يعي ولا يرعوي ولا يحتاط لنفسه منها. وهي ليس في نيّتها الإبقاء على أحد. بل على العكس من ذلك هي تسعى دائما للإفناء والإهلاك. يتساءل الشّاعر بعد ذلك لم هذا التّهافت على هذه الدّنيا؟ ولم التّدافع نحوها؟ إنّ هذا الذي يبديه الإنسان تجاهها سفهٌ في الرّأي وخطل في العقل وخطأ في التّصرّف.

فالشّاعر من خلال هذه الأفكار، وهذه المعاني، وهذه اللّفتات يوجّه النّاس إلى فهم طبيعة الدّنيا وحقيقة تصرّفاتها، والتّعامل معها بما يدعو إليه الدّين، ويمليه العقل، ويقتضيه الحزم والمنطق. وقد صاغ ذلك في جمل وتراكيب موجزة محكمة البناء، كثيرة الرّواء. اتّخذت طابع الحكمة؛ بما يدرجها ضمن الخطاب الدّيني.

وفي قصيدة ثانية رثى فيها الحاج محمد بن يوسف اطفيش أيضا، التي تعدّ ستّة وخمسين ومائة بيتٍ. كانت البداية فيها أيضا الحديث عن الدّنيا وأحوالها، وقد امتدّ ذلك إلى خمسة وثلاثين بيتا([32]).

كان الشّاعر ينعى على الانكباب على الدّنيا رغم أنّها تسعى إلى الإبادة والإفناء، ويلوم على الحرص على جمع حطامها، رغم أنّ هذا الحطام آيل إلى الفناء، وأنّ هذه الملذات صائرة إلى الهباء. ويدعو إلى التّخلّي عن التّدافع على هبات الدّنيا؛ لأنّها كثيرا ما تعود على هباتها فتأخذها، بل هي تُمنِّي وتعد, وما تعد إلاّ غرورا، فهي لا توفي ولا تنجز. ولنتأمّل هذين البيتين:

تكالب فيها أهلها وتذودهـم وعمرك لو كنت اعتبرت تـذود

وإنّك إن تسكن إليها تركتـها وليس بها مِمَّا تركت حميـد([33])

يتأمّل هذا التّقابل والتّناظر في المعاني: فإنّ النّاس يتهافتون على طلب الدّنيا وما فيها من زخارف، وهي تدفعهم، ولا تحقّق لهم ما يصبون إليه وما يريدون منها. ولو كانوا حصفاء وحكماء وحلماء لكانوا هم الذين يدفعون الدّنيا وينبذونها؛ لأنّها شحيحة لئيمة، ناقضة العهود، ماكرة غرّارة، كما وصفها الشّاعر نفسه في القصيدة.

في البيت الثّاني يقول الشّاعر: إنّك إن تركن إليها وتسكن وتلجأ، فسوف تتركها وتبتعد عنها؛ لأنَّك لا تطيقها. وليس فيما تترك أسف أو حسرة؛ لأنّه ليس فيه ما يحمد، فكلّ ما يأتي منها شؤم ولؤم.

كما نلمس ونقف على التجربة والخبرة في هذه الأبيات التي تحدّث فيها عن الدّنيا، من خلال التّذييل الذي كان يذيّل به كلّ بيت، إلى جانب ما نتحسّسه من الصّياغة المحكمة والإيجاز المعجز:

تساور ملحاحا على أخـذ فائت نعم كلّ ما يرجو الحصاد حصيـد

تعزَّ عن الدّنيا وأيقن بأنَّـها لئيمة طبع في الهبات تعـود

تمنّيك بالآمال وهي شحيـحة وتعطيك لين القول وهي حقـود

ولو نلت منها طائلا كان آفـة تداجي بها مغرورها وتكيـد

ألست تراها ريثما واصلت جـفت وإن أقبلت حينا تلاها صـدود

نرى غاية الدّنيا وكيف صروفـها ونحن على رأي الرّكون ركـود([34])

ويصدق على هذه الأبيات ما أورده حنّا الفاخوري من أنّ “الحكمة هو الكلام القائم على العلم والموجّه إلى الصّواب والسّداد والقول والعمل”([35]).

ولا تخرج المقدّمة التي قدّم بها قصيدته في رثاء الشّيخ نور الدّين السّالمي
(ت 11332هـ/1914م) عن دائرة ما تناول فيها الدّنيا في المرثيتين المذكرتين آنفا. في هذه المقدّمة يوجّه الشّاعر خطابه للإنسان الذي يغترّ بالدّنيا، ولا يعتبر بما يجنيه منها من شرور وآثام ومصائب.

يقول إنّها تستقرّ على زخارف باطلة زائفة، ستهوي بمن يركن إليها؛ لأنّه يسكن إلى شفير هار:

قرّت على رنق وزخرف باطل مثل القرار على شفير هار([36])

التّشبيه أو الصّورة الواردة في البيت يربطنا بقوله تعالى ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾([37]).

فالذي يركن إلى الدّنيا ومتاعها سينهار ويسقط، مثلما ينهار ويهوي في نار جهنّم كمن أسّس بنيانه على أساس غير صحيح، بعيد عن التّقوى ورضوان الله؛ لأنَّ الحياة في الدّنيا ليست بالحياة الحقيقية، وما تقدّمه الدنيا ليس بالشّيء الذي يطمأنّ إليه. ولأن القرار الذي تستقرّ عليه الدّنيا هو أكدار ومنغّصات. فماذا يجذب المرء إليها، فيطلب الحياة بهذه المكدّرات التي تطحنه، وتمزّقه بأظفارها، وتنهشه بأنيابها، وتبلعه في لهواتها:

ماذا يغرّ المرء من محيـاه في دنياه وهي قرارة الأكـدار

يتساقط المغرور في لهواتـها تفريه بالأنياب والأظـفار([38])

يتعجّب الشّاعر من النّاس الذين يسعون إلى حتوفهم بأظلافهم؛ حين يقبلون على الدّنيا بكلّ حماسة وشراهة واغترار، مع أنّها كشفت لهم علانية عن شرورها ومخازيها وصنيعها اللّئيم، لكنّ القوم لا يرعوون ولا يتّعظون:

كشفت سرائرها ومادت جهـرة بعيوبها في سائر الأعصـار

لم يبق شيء من شؤون صروفـها في نحت أثلتنا على الإضمـار

نفقت تجارتها وما باعـت على غرر ولا كذبت على التّجّـار

يتهافت العمّار على هلكاتـها فعل الفراش على لهيب النّـار

تجري إلى شهواتها سعيـا على أنقاض ما هدمت من الأعمـار

نصبت حبالتها وأنـذرت الرّدى وكأنّنا صمم عن الإنـذار([39])

بعد هذه الأبيات وهذا العرض يرسلها كلمات شاردة، وأمثالا سائرة، وحكما نادرة، تبصّر المرء وتنبّهه إلى ما يجب تبنِّيه وتمثّله في الحياة؛ للانفلات من قبضة الدّنيا الفتّاكة:

شرّ الغرور سكون ذي بصـر إلى عيش تمزّقه يد الأخطـار

عبر تلونها الصّروف وأنفـس تفنى وآثار على آثـار

هل زاد عيشك ذرّة عـن هـذه لو كنت في الدّنيا على استبصار

هلاّ اعتبرت وفي حيـاتك عـبرة ممّا تصرّفه يد المقـدار

لا تستمرّ لك السّلامة لمحـة وغوائل الأيّام في استمـرار

ما بالنا نبكي الفقيد ونحن مـن حبّ الذي أرداه في استهتـار([40])

وفي بدايات مرثيته الثّانية للشّيخ السّالمي كرّر المعاني نفسها، التي ضمّنها القصائد الأخرى، إلى أن قال:

أيّها العاقل لا تحفل بـها سوف ترمي بك من رأس جـبـل

قد بلوناها ولكن سحـرها ينزل الأعصم من أعلى القلـل

هكذا تخبطنا فتنتـها بينما نأنس منها بالحيـل

لم تسالم جاهلا في غيّـه لا ولا عالمها الأجـل

لا تبالي بك في بطشتـها كنت ربّ التّاج أو كنت خـول([41])

الجديد في هذه الأبيات ـ وإن كانت المعاني متداولة، والأفكار متناولة ـ هو توجيه النّظر وإيقاف المخاطبين على أماكن التّجربة والخبرة من هذه الدّنيا؛ عسى القوم يذّكرون وينتهون وينتبهون من غفلتهم، ويفيقون من غفوتهم.

ما جمّل هذه الحكم المتتالية وهذه الصّور الملتقطة من الواقع لجوءُ الشّاعر إلى تعبير قرآني، صوّر من خلاله استحالة النّجاة من مكايد الدّنيا، إذا ارتمى الإنسان في أحضانها، ووقع أو قبع في محاجرها. كما أنّ ابن نوح u، الذي ظنّ أنّه سينجو من الغرق، إن هو آوى إلى جبل، يعصمه من الماء. قال له أبوه لا عاصم اليوم من أمر الله، ولا نجاة لك من الغرق. قال الله تبارك وتعالى ﴿… وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ، قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾([42]).

كما تعزّزت قيمة هذه القصيدة أنّ فيها روحا من لامية ابن الوردي، التي هي كلّها حكم وأمثال وتجربة وتوجيه وتبصرة…

The bottom line: إنّ أبا مسلم نظم ثماني قصائد في الرّثاء، سبعة منها كانت الدّنيا من بين الموضوعات التي تناولها فيها، وبشكل مستفيض مع تنويع المعاني فيها، وإن كانت هذه المعاني مكرّرة في القصائد السّبع. وما يهمّنا هو الطّابع الدّيني الذي طبع معاني هذا الموضوع. أمّا القصيدة التي خصّصا كلّها للحديث عن الدّنيا، إلاّ أبياتا قليلة تحدّث فيها عن الموت وما بعد الموت فهي التي قدّمت في الدّيوان هكذا: “وقال رحمه الله واعظا” وهي تعدّ ثمانية ومائة بيت ([43]).

  • · الحياة والموت:

ما له علاقة وصلة بالدّنيا وأحوالها الحياةُ والموتُ. فالإنسان يحيا في الدّنيا بطموحه وآماله، ويتقلّب فيها بأعماله وأفعاله وأقواله، يجهد نفسه للإفادة منها، والاستمتاع بملذّاتها، والتّفنّن في استثمار زخارفها ومتاعها. والنّاس غالبا ما يشرئبّون ويتطلّعون إلى الحياة النّاعمة المترفة. هذه الحياة ينهيها الموت، وترديها المنيّة.

حاول الشّاعر أن يقدّم صورة عن الحياة والموت، مستوحاة من تأمّلاته فيهما، مصبوغة بروح دينيّة. ففي رثاء الشّيخ أحمد بن سعيد الخليلي يذكّر النّاس بحقيقة الموت الذي لابدّ منه. وهذا الموت الذي ينهي الحياة ويوقف الطّموح، ويصدّ أو يردّ الآمال، لا يكون فيه العبرة للنّاس. فكعادة الشّاعر فإنّه ينعى التّمسّك بهذه الحياة والتّعلّق والكلف بها، والمنيّة لها راصدة، وأسهمها صادرة واردة، وآساد الآجال حاردة، ومناجلها حاصدة… يلوم من ينشد صفاء العيش وطيب الحياة، بينما الموت يحارب هذا الصّفاء وهذا الطّيب:

أما ترعوي في مراعي الغـرور وصائدة المنتهى راصـده

تعيش بها بين مفقـدة وراقبة حتفها فاقـده

نَهَشُّ إلى زخرف منقـض ونعرض عن دارنا الآبـده

وننسى المنايا وقد أنفـذت مقاتلنا الأسهم الصّـارده

نروح ونغدو على مأمـن وآساد آجالنا حـارده

ننازع أيّامنا صفـوها وما للصّفاء بها واجـده

ونأمن فيها هجوم الـرّدى وليس لهجمته جاحـده

وهيهات قد بادرت زرعـها ومدّت مناجلها الحاصـده

ويدهى الوديعَ بنعمائـه زوالُ معيشته الرّاعـده

متى ينزع الموت عن فتكـه فتبقى لمولودها الوالـده

يحزّ الحياة شبا قـارظ ولم تنتبه هذه الرّاقـده

وإنّ حياة إلى مـنتهى خيال يحول بلا فائـده([44])

إنّ الشّاعر ينبّه إلى الغفلة التي يتّسم بها الإنسان في هذه الحياة، فيغدو ويروح، يمرح ويسرح، ولا يدبّر حاله، ولا يفكّر في نفسه، ولا يراقب حركاته وسيرته، وهو يعلم أنّ الآجال له بالمرصاد، عبّر عن ذلك بالآساد الحاردة.

وفي صورة أخرى يؤكّد هذا المعنى، ويعبّر عنه بطريقة أخرى، وهي أنّنا في هذه الدّنيا زرع نحيا، والموت يرسل مناجله فينا، فيحصدنا. أي هو يخترمنا ونحن في عزّ حياتنا، وفي أتمّ نضارة عيشنا. هذا هو النّغص والتّكدير أو الكدر. ألا نرعوي ونعتبر؟!

يحزّ الحياة شبا قـارظ ولم تنتبه هذه الرّاقـده

ولهذا فإنّ الحياة التي لها نهاية، والعيش الذي له انقضاء لا فائدة منهما، ولا رغبة فيهما ولا أمل يعقد عليهما. فالأحسن ألاّ نحفل بهما:

وإنّ حياة إلى منتـهى خيال يحول بلا فائـده

وفي رثاء الشّيخ سالم بن أحمد الرّيامي قاضي الجزيرة الخضراء بزنجبار يبدأ الشّاعر القصيدة بحديث عن الحياة والموت، في أبيات عديدة، تكاد تحمل فكرة واحدة، هي انتهاء الحياة بالموت، وإظهار الاستغراب مِمَّن لا يعتبر بهذه النّهاية، فيطلّق الدّنيا، ويتزّود من هذه الحياة بما ينفعه في الأخرى والعقبى:

تزوّد منه للعقبى ودعـه فليس الشّأن في الفاني المـهين

وطلّق هذه الدّنيا بـتاتا طلاقك لا أليكِ ولا تـليني([45])

افتتح القصيدة بقوله:

تهدّ العمر رائعة المنـون وحدّ الحيّ إتيان اليـقين([46])

قاعدتان لا تتخلّفان: العمر يقصف ويدكّ بالموت. والمرء تحدّ حياته باستسلامه؛ حين يناديه ما هو متيقّن من مجيئه، وطلبه له، وهو الحقّ المبين، كما عبّر في القصيدة نفسها:

يثبّطنا من الآمال وهـم ويُجلَى ألوهم بالحقّ المبـين([47])

استعار الشّاعر في مطلع القصيدة تعبير القرآن نفسه عن هذه الحقيقة، مِمَّا أضفى على الفكرة أو المعنى جلالا وجمالا، وأعطاها صفة القاعدة التي لا تتخلّف.
He says: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ، حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾([48]).

وقد وظّف الشّاعر العبارة نفسها في موضع آخر:

تعبّد حتّى أتاه اليقيـ ـنُ فذابت له الأنفس العابـده([49])

وأكّد على حتميّة الموت بقوله:

على أنّ الحياة لها حـدود سنقطعها على رغم الرّكـون

أليس على الغباوة ذو هنـاء وظفر الحتف يفري في الوتـين

ودون مدارك الآمال رصـد من الآجال منقطع الظّنـون

وهل نقضي سوى عيش قصير أجب الظّهر مقبوب الوضين([50])

نلحظ أنّ الشّاعر قد عبّر عن فكرة حتميّة انقضاء الأجل ونهاية الحياة بتعبيرات مختلفة، وصوّرها بصور كثيرة؛ ليؤكّد المعنى في الذّهن.

وفي رثاء الشّيخ راشد بن سليم الغيثي كتب خمسة وأربعين بيتا مقدّمة للقصيدة قبل أن يبدأ بالحديث عن الشّيخ، وعن الفاجعة التي ألمّت بالمسلمين؛ بسبب وفاته، وذكر مناقبه وغيرها من الموضوعات التي ضمّنها القصيدة. وهذه الأبيات تدور كلّها حول حتميّة انقضاء الحياة وانتهائها، وتحوّل الإنسان إلى دار أخرى وحياة ثانية؛ بداية من القبر وما بعده. وكيف لا يعتبر الإنسان مِمَّا يشاهد أمامه، وما يمرّ عليه من الآيات والدّلائل على هذه النّهاية، وعلى حقارة هذه الحياة الدّنيا.

1 ـ مِمَّا سجّلناه في هذه الأبيات ورود كثير من المعاني على شكل حكم وتقريرات لا تقبل النّقض؛ لأنّها صادرة من تجربة، وعن معاينة ومشاهدة ومعايشَة:

خذوا بجميل الصّبر وارضوا وسلّموا فإنّ فناء العالمين محتّـم

رضا بقضاء الله إنّ حياتنـا على السّخط منّا والرّضا تتصـرّم

وإنّ حياة تقتضيها منيّـة ركون إليها غفلة وتوهّـم

وما هذه الأرواح إلاّ ودائـع سيأخذها مستودع ليس يظلم([51])

ما يدلّ على قصد الشّاعر إلى التّقرير، وتثبيت هذه القواعد وهذه السّنن لجوؤه إلى تركيب تعبيرات في جمل اسميّة. ومن المعلوم أنّ من خصائص الجمل الاسميّة الدّلالة على الثّبات والاستقرار، مع أنّ البيت الأخير مستلهم من قول الشّاعر لبيد بن ربيعة:

وما المال والأهلون إلاّ ودائـع فلابدّ يوما أن تردّ الودائـع

2- كذلك سجّلنا ـ كما ذكرنا في القصائد الأخرى ـ لجوء الشّاعر إلى تكرار المعاني والأفكار والصّور والتّراكيب والألفاظ، هذه ظاهرة في حاجة إلى دراسة وتحليل، لمعرفة ما للشّاعر وما عليه في هذا المجال. Said:

ألهوًا ومخبوء المنايا حبـائل وأرواحنا فيها وُقوع وحـوّل([52])

وفي موضع آخر قال:

ألهوًا بالغرور ولا نبـالِي ونؤخذ بالشّمال وباليـمين([53])

ما بالنا ومطايا الموت تنقلنـا نلهو بما قيل: “إنّ العزّ في النّقـل”([54])

Said:

تناهشنا الآجال لا نـرعوي وتخبطنا البأساء فيها وننعـم([55])

Said:

أما ترعوي في مراعي الغـرور وصائدة المنتهى راصـده([56])

وقال في (النّهروانيّة):

لِي الويل هلاّ أرعوي عن مهالكي أما في المنايا واعظ ونذيـر؟ ([57])

Said:

سيرجع ربّ التاج في الرّمس جيفة وإن عاش كبرا أنـفه يتورّم([58])

Said:

لا تبالِي بك في بطشتهـا كنت ربّ التّاج أم كنت خول([59])

الأمثلة على هذا التّكرار كثيرة جدّا، لا تخطئها عين الدّارس ([60])قد يكون هناك اختلاف في دلالة اللّفظة المكرّرة، أو الصّورة المعارة، أو التّركيب المعاد… لكنّها في النّهاية تشير إلى أنّ الشّاعر لم يجد حرجا، ولا غضاضة من تكرار نفسه في بعض تعبيراته.

في الحقيقة إنّ هذه الظّاهرة تميّز بها شعراء مدرسة الإحياء بعامّة. وهي تأتي نتيجة لعدم احتفائهم بالنّاحية الفنيّة في الكتابة الشّعريّة، بقدر احتفالهم بالفكرة والمعنى. المهمّ عند أبي مسلم أن يعبّر عن مكنونه بأيّة طريقة، وبأيّة وسيلة، تمكّنه من أداء رسالته التّوجيهيّة الإرشاديّة، وتساعده على بلوغ خطابه إلى متلقّيه.

إنّ ما استشهدنا به في موضوع الحياة والموت، الذي اتّخذ طابع الوعظ والحكمة، يدلّ على الخبرة الواسعة والتّجربة الثّرّة اللّتين تمتّع بهما أبو مسلم مع الدّنيا والدّهر بخاصّة، والحياة بعامّة. وهو ما أعانه على التّوسّع في إيراد هذه المعاني، وتقليب النّظر، والتّأمّل في الخبايا والخفايا. يقول الدّكتور محمّد ناصر: “فأبو مسلم يمكن أن يسلك من هذا المنظور الدّيني في عداد هؤلاء الشّعراء الذين دفعهم زهدهم في الحياة الدّنيا إلى التّأمّل الدّائم في حقيقة الحياة والموت”([61]).

هذه بعض الشّذرات التي تكشف لنا عن جانب الحكمة في شعر أبي مسلم البهلاني، وهي مبثوثة كثيرا فيما كتب شعرا. هذا الميدان كشف لنا عن مؤهّلات توفّر عليها الشّاعر، تتمثّل في العمق في التّفكير، وسداد في الرّأي، وبعد نظر في الأمور، وكفاية عالية في تحليل الأوضاع، وطول نفس في تقديم كلّ ذلك شعرا، وقدرة وبراعة في صياغة هذه المعاني والأفكار بأسلوب رصين، ولغة قويّة، وتراكيب جيّدة. وقد كان للفكر والعقل دورهما في بلورة كلّ ذلك. وهو ما يتميّز به الشّعراء الكلاسيكيّون وأصحاب مدرسة الإحياء بعامّة. ويعدّ أبو مسلم الرّواحي رائدا في هذا المجال، ومبرّزا في هذا المضمار.

وقد لاحظنا أنّ أبا مسلم، في إرساله هذه الحكم كان ينقل تجربته، ويحكي عن نفسه- أحيانا ـ ماذا فعلت به الأيّام، ماذا صنع به الدّهر، وكيف كان يتصرّف، كيف كان يتحرّك([62])، ومن حين إلى آخر كان يرسل توجيهاته وإرشاداته إلى القارئ والمتلقّي في قالب حكمة أو موعظة، ويستخدم كثيرا ” أسلوب المخاطب الذي قد يعني نفسه، وقد يعني به أيضا متلقّي شعره”([63]).

كما كان يخاطب العقول والقلوب والنّفوس، أي هو لا يخاطب شخصا معيّنا، أو فئة خاصّة، بقدر ما يصوغ هذه الحكم ليخاطب بها كلّ من هو معنيّ بذلك الخطاب. وهذا التّناول كان يكتسي طابعا دينيّا، وهو ما يدرجه ضمن الخطاب الدّيني.

The bottom line: إنّ كثرة ورود الحكمة في شعر أبي مسلم ـ وهو ما تميّز به شعراء مدرسة الإحياء ـ يدلّ على إيمانه بأنّ الشّعر رسالة ومسؤولية، تتمثّل في التّوجيه والإرشاد والإصلاح والسّعي إلى التّغيير نحو الأحسن. كلّ ذلك يتمّ عن طريق تقرير حقائق، أثبتتها التّجربة، وباركها العقل، واحتضنها الدّين. والشّاعر كغيره من الإحيائيين يمزج شعره بالحكمة.

5- الرّثاء في شعر أبي مسلم:

لم يخرج الرّثاء عند أبي مسلم عن المسار الذي اختطّه ليسير أو ينظم فيه شعره، وهو توجيه خطابه إلى النّاس كي يستقيموا ويقيموا شرع الله، ويرجعوا إلى الله ويراجعوا سلوكهم، ويعتبروا بهذه الحياة الدّنيا ليعبروا إلى الحياة الأخرى وهم سالمون غانمون.

1 ـ يستغلّ الشّاعر فرصة رثاء عالم أو مصلح أو عظيم ليشيد بالفضائل والعظائم، التي يتمتّع بها المرثيّ، وينطلق منها ليتوجّه إلى نقد أوضاع المسلمين، ويدعو إلى تغيير ما بالنّفوس حتّى يغيّر الله ما بها من ذلّ وهوان وتعاسة؛ ليطلب بعد ذلك من الله الهداية والسّداد، ورحمة هذه الأمّة المسكينة، بالأخذ بيدها إلى حيث الرّشاد.

إنّ رثاء الأعلام والزّعماء المعبّرين عن وجدان الأمّة هو ما عرف به ولوحظ في شعر شعراء مدرسة الإحياء. هذه الحقيقة نقف عليها في المقدّمات التي افتتح بها أبو مسلم قصائده في الرّثاء، التي غالبا ما تتّخذ طابع الحكمة والأمثال السّائرة، وتتميّز بالتّأمّل والنّظر العميق في أحوال الحياة والموت والدّنيا، والحرص على استخلاص العبر والعظات مِمَّا يدلِي به أو يشير إليه، بما يوجّه القارئ أو المتلقّي إلى متابعة الشّاعر فيما يقول أو ينطق، والتّطلّع إلى استيعاب أو إدراك ما يريد الوصول إليه؛ مِمَّا ينسي القارئ ـ أحيانا ـ أنّ الشّاعر يرثي أو يعزّي، أو يسرد مناقب الهالك، أو بسجّل حالة الفجع والحزن على المتوفَّى. هذا ما يعطي رثاءه هذا طابع الخطاب. فحين نتأمّل قصيدتيه في رثاء الشّيخ السّالمي نجد أنّ المرحوم لم يحظ من الشّاعر إلاّ بأبيات قليلة، بالقياس إلى حجم القصيدتين([64])؛ لأنّ الهدف لم يكن رثاء العالم فقط، إنّما كانت الغاية أيضا توجيه خطاب إلى النّاس ليستخلصوا العبر من حياته، ومن الواقع المعيش، والإفادة مِمَّا يعين على النّهوض من كبواتهم وإصلاح هفواتهم([65]).

يقول الدّكتور أحمد درويش: “إنّ التّركيز على هذا الجانب الوعظي في بداية المراثي، قد يشفّ عن جانب من شخصيّة الشّاعر الفقيه الذي يرى أنّ مسؤوليّة الكلمة عنده تتجاوز مجرّد رصد مشاعر اللّحظة الطّارئة على جسامتها، إلى التّنبيه إلى أنّ هذه اللّحظة هي الأصل، وما عداها من الاستكانة إلى دوام الحياة عرض طارئ. ولقد يمتدّ هذا الجانب في مراثي أبي مسلم امتدادا كبيرا، وحتّى إنّنا لنجد بداية الحديث عن المرثيّ لا تجيء إلاّ بعد مرور نحو خمسين بيتا من بداية المرثيّة”([66]).

2 ـ راوح الشّاعر بين الدّعوة إلى الصّبر على المفقود، وعدم تحمّل الصّبر على فقدان العظماء والعلماء والأحباب، وزاوج في حديثه بين الرّضا بقضاء الله وقدره وإظهاره الحسرة على بعض ما يحدثه الدّهر، وبخاصّة عند فقدان العظماء. هذا التّصرّف يدلّ أنّ المعاني التي كان يضمّنها الشّاعر، لا تبقى في جانبها الظّاهري التي تبدو به الجمل والتّراكيب، التي صاغها الشّاعر. إنّما تتعدّى ذلك إلى الجانب الباطني والمعاني العميقة والكبيرة، التي تحمل آيات العظات والمواعظ والتّوجيهات والإرشادات، التي يهدف إليها الشّاعر، وتحمل دلالة تحريك النّفوس، وإيقاظ الضّمائر، وتوجيه العقول إلى ما يجب عمله وسلوكه، وهو ما يندرج في مفهوم الخطاب. قال في رثاء قطب الأئمّة الشّيخ محمد بي يوسف اطفيش:

لكن من الخطب خطب لو يقاومـه صبر الجليد انثنى بالدّحض والفشـل

فقدت كفل اصطبار كان يكفلـني في النّائبات فخان الآن مكتفلـي

فليس بعد مصاب الدّين من طمـع في الصّبر أو جزع بالصّبر مـنعزل

يا ناعي الدّين هل أبصرت من بقيت فيه بقيّة رشد غير منذهـل

غادرت في أنفس الأكوان حشرجة فإن قضى الكون فاستسلم ولا تسل([67])

وقال في رثاء الشّيخ نور الدّين السّالمي:

أقدرت لي جلدا يقاوم نكبـتي فاليوم لا جلدي ولا أقـداري

ناهيك من جلدي يقيني بالرّضا والسّخط في أنّ المقدّر جـاري([68])

من هذه الوخزات أو هذه اللّفتات تكراره- وفي كثير من المرّات وهو يرثِي علما مصلحا عاملا ـ أنّه لن تقوم لهذا الدّين قائمة، ولن تستقيم حياة النّاس، مثلما قال في رثاء الشّيخ السّالمي:

بعد عبد الله يبقى أمـل للهدى، هيهات قد شطّ الأمل

خلّها يا ابن حميد تلتـوي فتنة عمياء كاللّيل المـضل

ليس يغني عنك فيها أحـد طمست إذ ذهب النّور السّبـل([69])

وقال في رثاء الشّيخ سالم بن أحمد الرّيامي:

وفقدك لاقتراب الحشر نـوع من الأشراط في أخرى القـرون

وأرباب الكمال إذا تولّـوا تولَّى الخير في دنيا وديـن

أبعدكم رجال الدّين يـرجى صلاح الأرض أو جبر ألوهيـن([70])

أين الحقيقة في هذه النّظرة، وهذا الشّعور؟ تفسير ذلك عندي أنّ الشّاعر كان يخاف على ضياع هذا الدّين، فكان يهيب بالأحياء ـ عن طريق هذا الخطاب ـ أن يقوموا ليتكفّلوا به، ويعملوا على إحياء ما اندرس، وإقامة ما طمس. أي هو يخز نفوسهم ويحرّك ضمائرهم ويمسّ شعورهم بهذا الخطاب؛ ليصل إلى هدفه، وهو حماية الدّين.

هذا العمل أو هذا التّوجّه ينطلق ويصدر من رسالته في هذا الوجود، التي تجعل للشّعر وظيفة وغاية. وهذا الصّنيع يحشره في زمرة شعراء الإحياء، الذين عنوا بالبعث والإحياء والنّهضة. فإنّ الشّاعر أبا مسلم أراد أن ينهض بالدّين، ويبعث الأمّة الإسلاميّة، ويحيي المآثر.

إنّ الرّثاء شغل حيّزا مهمّا في الخطاب الدّيني عند أبي مسلم: كمّا وكيفا، فهو وإن رثى أشخاصا معدودين، إلاّ أنّه كان يطيل النّفس، ويعدّد المعاني، وينوّع الأساليب، ويكرّر الأفكار، ويركّز على مواطن العبر ومكامن العظات، ويرثِي ويتحسّر على ضياع أو المساس بالإيمان والتّقوى والأخلاق والعلم والفضائل والشّمائل… ويتأسّف على الفراغ الذي يتركه العالم أو المصلح الذي يرحل عن الدّنيا، ولا يوجد من يسدّ هذا الفراغ؛ إذ الحياة عاجزة أن تمدّ بالبدل. قال عن الشّيخ محمد بن يوسف اطفيش:

فوامصاباه إن ودّعت مرتحـلا وما وراءك للإسلام من بـدل([71])

إنّ الشّاعر يخاطب ـ أحيانا ـ فردا غير معيّن، وفئة غير محدّدة؛ ليكون خطابه معنيّا كلّ قارئ شعره، أو مستمع له. ثمَّ هو ينتقر من يرثِ، وينتقي ما يتناول، ويختار من يخاطب، ويعي ما يوجّه؛ لأنّه يصدر في كلّ ذلك عن رسالة واضحة، ويندفع من مبادئ معيّنة، وينطلق إلى غاية مرسومة. إنّ هذه هي مواصفات الخطاب، وهذه هي منطلقات الدّين. يقول الدّكتور محمد ناصر: “ومن هنا فمرثياته تلك تسلك في الضّمير الجمعي العام، الذي يصوّر فيه الشّاعر من خلال إحساسه بالفقد والفراغ إحساس أمّته الإسلاميّة من حوله أوّلا وقبل كلّ شي؛ ولذلك نلحظ كثرة دوران المعجم الشّعري في هذه القصائد حول الدّين، الإسلام، الملّة، الشّريعة، العلم، الأمّة وغير ذلك”([72]).

ويقول محمد بن ناصر المحروقي: “يصدر أبو مسلم البهلاني في شعر الرّثاء عن عاطفة دينيّة إصلاحيّة. من هنا فقد اتّجه إلى رثاء زعماء الإباضية الدّينيين، وهذا ما يربط شعر الرّثاء عنده بالشّعر الدّيني، وقد استغلّ الشّاعر موت المرثيّين للتّشديد على دعوته الإصلاحيّة”([73]).

6- الجانب الفنّي:

  • · المقدّمات:

تشكّل المقدّمة عنصرا مهمّا في بناء القصيدة عند أبي مسلم الرّواحي، فهو يراها ضروريّة لمضمون شعره، يمهّد بها ويهيّئ نفس المتلقّي؛ كي يعي ما سينقله إليه من مشاعر وأحاسيس. فهو ـ في الأغلب ـ لا يهجم على الموضوع مباشرة، وهذه سمة عرف بها الشّعراء الذين يحملون رسالة في الحياة، ويتّخذون من شعرهم وسيلة أو مطيّة للتّبليغ والتّوجيه. وهي خصيصة يتميّز بها الشّعراء الذين يميلون إلى الاستقصاء والإطناب والإسهاب في القول والنّظم، وهي ـ أيضا ـ من مميّزات شعر مدرسة الإحياء. فللظّروف التي عاشوها، وللهموم التي حملوها، وللأعباء التي تحمّلوها سبب في ذلك.

يقول الدّكتور سمير هيكل: “إنّ الشّاعر الجيّد هو الذي يوجد علاقات وطيدة بين مقدّمات قصائده والموضوعات التي يتناولها في هذه القصائد. ويندرج اسم أبي مسلم في لائحة هذا الصّنف من الشّعراء، حيث نجد مقدّمات قصائده قد جاءت نابضة بالحياة، زاخرة بها، ومن هنا يمكن أن يحكم على القصيدة من مقدّمتها؛ لأنّ صناعة الشّعر ليست أمرا هيّنا، وإنّما هي عمليّة صعبة، تحتاج إلى الدّربة والدّراية والجهد والمكابدة([74]).

المقدّمات في قصائد أبي مسلم نوعان: نوع سار فيه على نهج القصيدة العربيّة القديمة، التي يلجأ فيها الشّاعر إلى الوقوف إلَى الأطلال، والسّؤال عن الأحبّة، والحديث عن الشّوق والحنين ومزج ذلك ـ أحيانا ـ بالغزل وغيره. ونوع كان يعتمده ويختاره ليكون تمهيدا لمضمون قصائده، ومنه يتخلّص ببراعة إلى موضوعات هذه القصائد.

في النّوع الأوّل، لا نجد له قصائد كثيرة. وإنّ أوضح ما يبرز نوع هذه المقدّمة قصيدتان، كلتاهما كانت احتذاء وتقليدا لمن سبقه. القصيدة الأولى: هي مقصورته التي عارض بها مقصورة ابن دريد، والثّانية: مديح التزم فيه بطريقة أو منهج شعراء المديح، وعلى رأسهم البوصيري، إمام هذا الفنّ الشّعري. ويرى الدّكتور سمير هيكل أن الشّاعر نحا النّحو نفسه في مقدّمة “نونيّته” And”ميميّته”: “ويلاحظ أنّ مقدّمة أبي مسلم (في النّونيّة) هي أشبه ما تكون بمقدّمات القصائد الجاهليّة، من حيث الأسلوب واستخدام المفردات. وليست هذه هي المقدّمة الوحيدة في ديوانه التي يأتي فيها الشّاعر بمقدّمة تشبه من حيث الشّكل مقدّمات الجاهليّين، وإنّما نلحظ ذلك في مقدّمة ميميّته المشهورة”([75]).

فكأنّي بأبي مسلم أراد أن يكون وفيّا لأسلافه الذين سبقوه في القول، وملتزما بطريقتهم. وقد يكون ذلك محاولة منه لإثبات قدرته على مجاراة الأقدمين في النّظم، وقد يكون الطّموح إلى التّفوّق عليهم، كما كان يفهم أو يستنتج من صنيع شعراء الإحياء، الذين كثرت عندهم المعارضة والتّخميس والتّشطير… لنتأمّل هذه الأبيات من مقدّمة ” المقصورة”:

تلك ربوع الحيّ في سفح النّـقا تلوح كالأطلال من جدّ البلـى

أخنى عليها المرزمان حقبـة وعاثت الشّأمل فيها والصّبـا

موحشة إلاّ كناس أعفـر ومجثم الرّأل وأفحوص القطـا

عرّج عليها والها لعلّهـا تريح شيئا من تباريح الجـوى

نسألها ما فعلت قطّانهـا مذ باينوها ارتبعوا أيّ الحشـا

هيهات أقوت لا مبين عنهـم لمحتف بشأنهم غير الصّـدى

تربّع الآنس من أرجـائها واستأنست بها الظّباء والمهـا

فقف بنا عند غصون بانـهـا نشاطر الورق البكاء والأسـى

بحيث أُهريق بقايا دمعتـي وأتبع النّفس إذا الدّمع انقضـى

إنّ من الحقّ على مدامعـي أن تسبق السّحب على ربع عفـا

عهدي بدمعي طاعة ادّكارهـم وبفؤادي إن دعا العذل عصـى

وما وقوفي عند بان نبتـت غصونه بين الضّلوع والحشـا

لولا علاقات هوى تحكّمـت في رمق عاش على مثل الصّـلا

دعني أبكِ دمنا تغـيّرت وأطبق الجفن بها على القـذى([76])

يستمرّ الشّاعر على هذا المنوال، يبثّ أشجانه، ويبوح بشدّة حنينه، سائرا على طريقة القدماء في افتتاحيات قصائدهم. مِمَّا يدلّ على ارتياحه إلى هذا الأسلوب وهذه الطريقة في الكتابة، التي رآها ملبيّة لحاجاته النّفسية؛ من البوح بما يعتمل في داخله، وإشباع رغبته في السّير في طريق القدماء. فقد وقف الشّاعر في هذه المقدّمة على آثار الأحبّة، بعد أن رحل عنها ساكنوها، واندرس رسمها، ثمَّ تحدّث عن ناقته, ووصف صلابتها وقوّتها وسرعتها. وأورد فيها كثيرا من الأفكار التي كان يضمّنها القدماء مقدّمات قصائدهم.

في النّوع الثّاني كان أبو مسلم يحرص أن يوجد علاقة بين مقدّمة القصيدة ومضمونها. بل إنّ بعض القصائد تطول فيها المقدّمة، بحيث لا يحظى فيها الموضوع إلاّ بأبيات قليلة، كقصيدته “في تقريظ كتاب المنهل”([77]).

قد يعاب على الشّاعر هذه الطّريقة: منهجيّا وفنيّا، لكنّ الشّاعر لا يعنيه هذا الانتقاد ما دامت له مهمّة خاصّة، أناطها بشعره، وهي تبليغ رسالة، والقيام بواجب النّصح والإرشاد، فتكون المناسبات كلّها واحدة، والوسائل كلّها متاحة ومعتمدة للوصول إلى الغاية.

يتجلّى ذلك واضحا في مقدّمة قصيدة: “الفتح والرّضوان” And”النّهروانيّة”. فقصيدة: “الفتح والرّضوان” التي نظمها الشّاعر بعد تنصيب الشّيخ سالم بن راشد إماما على عمان، كانت استجابة أو تجاوبا مع الحدث المهمّ؛ وقد رأى فيه تحقيقا لحلم كان يتطلّع أن يتجسّد في الواقع، وهو وجود إمام على رأس المسلمين، بعد انقطاع دام عدّة سنوات. فكتب هذه القصيدة وقصائد أخرى.

هذا الحدث أثار فيه الحنين إلى وطنه، وأهاج فيه الرّغبة في مشاركة أبناء وطنه في تشييده، ومساندتهم في الإصلاح والتّغيير، والإسهام في النّهوض به. إذ أنّه وجد نفسه لا تستطيع ذلك؛ لأنّ الظّروف لا تسمح له بالانتقال والرّجوع إلى بلده، فأرسل هذه القصيدة؛ ليشارك إخوانه بالكلمة والشّعور والنّصح والتّوجيه في أضعف الإيمان.

بدأ القصيدة بذكر الحنين وأنهاها بالدّعوة إلى النّهوض والقيام، والتّحرّك ونصرة الإمام، والعتاب على الخمول والخذلان والتّقاعس والذّلّ. وما بين ذلك سرد أمجاد عمان، وتحدّث عن إمامة سالم بن راشد. وكان الهدف من كلّ ذلك هو الاستنهاض وشحذ العزائم، ونشدان العظائم. بذلك نرى أنّ للمقدّمة علاقة وطيدة ولحمة متينة ببقيّة أجزاء القصيدة.

وقد جاءت القصيدة لتسجّل انطباعا جسنا، وتثبت أو تعلن عن أمل عريض في الحياة العمانيّة، يعدّ ” نصرا مبينا وتحوّلا تاريخيّا، ينقل عمان من عهد إلى عهد، ويدخل به إلى رحاب القرن العشرين؛ ليواكب النّهضة والاستقلال التي أخذ كلّ العالم الإسلامي يتطلّع إليها، ويعي بحقّ مصيره وما يراد به من أعدائه داخلا وخارجا.

ومن ثُمَّ واستجابة لهذه الأحاسيس القويّة نرى أبا مسلم يتّخذ الدّعوة إلى الاستنهاض مدارا ومحورا للنّونيّة. ومن هنا تتابعت فيها اللّوحان الفنيّة الرّائعة التي تبثّ هذه المعاني في النّفوس، من لوحة فيها الحنين إلى عمان وأخرى تنقل تاريخ عمان حيّا نابضا: أعلاما وآثارا، إلى أخرى فيها العتاب الأخوي الحميم والاستصراخ النّابض الملتهب”([78]).

Said Abu Muslim:

تلك البوارق حاديهنّ مرنـان فما لطرفك يا ذا الشّجو وسنـان

شجت صوارمها الأرجاء واهتزعت تزجي خميسا له في الجوّ ميـدان

تبجّست بهزيم الودق منبثقـا حتّى تساوت به أكم وقيعـان

إن هيّج البرق ذا شجو فقد سهرت عيني وشبّت لشجو النّفـس نيران

وصيّر البرق جفني من سحائـبه يا برق حسبك ما في الأرض ظمـآن

إنّي أشحّ بدمعي أن يسـحّ على أرض وما هي لي يا برق أوطـان

هبك استطرت فؤادي فاستطر رمـقي إلى معاهد لي فيهنّ أشجـان

تلك المعاهد ما عهدي بها انتقلـت وهنّ وسط ضميري الآن سكّـان

نزحت عنها بحكم لا أغالبـه لا يغلب القدر المحتوم إنسـان

فإن تيامنت الحوراء شاخصـة لها مع السّحب أكناف وأحضـان

فحطّ رحلك عنها إنّها بلغـت نزوى وطافت بها للمجد أركـان

انزل فديتك عنها إنّ حاجتهـا عدل وفضل وإنصاف وإحسـان

هنالك انزل وقبّل تربة نبتـت بها الخلافة والإيمان إيمـان

انزل على عذبات النّور حيث حوت أئمّة الدّين بطنان وظهـران

يا قوم هذا إمام الدّين بينكـم مقصوده الحقّ لا ملك وسلطـان

يدعو إلى الله قوّاما بملّتـه له حسامان أقساط وإحسـان

يا قوم طاعته في مصركم وجبـت فرضا عليكم وما في الدّين أدهـان

تلكم وصيّة حسّان لكم ثبتـت فإنّني اليوم للإسلام حسّـان

لا يصدق الدّين إلاّ من بناصحـه ولا يتمّ بغير النّصح إيمـان

فإن تمكّن نصحي من بصائركـم بدا لكم من ضياء الحقّ فرقـان([79])

وفي قصيدة: “النّهروانيّة” التي خصّها للتّعليق على حدث تاريخي كبير، وللتّعبير عن مواقف تاريخيّة، كان أقطابها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ كرّم الله وجهه ـ وجماعة من المسلمين، كانوا على خلاف معه في سياسته، وفي بعض المواقف؛ مِمَّا أدّى إلى الصّدام والعراك والحرب، وما نجم عن ذلك من أحداث متتابعة، مسّت الأمّة الإسلاميّة في العمق، في وحدتها وفي كيانها.

موضوع القصيدة كان الحديث عن هذا الموضوع وما أفرزه من نتائج خطيرة على الأمّة الإسلاميّة في مختلف العصور، وامتدّت إلى يومنا هذا. لكنّ مضمونها كان شيئا آخر، كان تأسّفا على حال المسلمين من التّفرّق والشّقاق، وانحراف عن سواء الصّراط، وكان دعوة إلى تحكيم شرع الله في الحياة والمسيرة.

قدّم تفصيلات عن مجريات الأحداث بمواصفات شاعر؛ مركّزا على المضمون، لا على الموضوع. فقد بدأ القصيدة بالحنين والتّذكّر، وأنهاها بذكر خصال أهل النّهروان ومزاياهم، التي هي أخلاق نابعة من صميم الإسلام، وصادرة عن الإيمان الرّاسخ. وكأنّي بالشّاعر يلوم ويعاتب الذين حاربوا هؤلاء وقتلوهم، وهم مسلمون ومؤمنون قلبا وقالبا، وفي الوقت نفسه يوجّه أنظار المسلمين إلى أن يكونوا مثل أولئك في المعتقد والسّلوك. وما بين هذه الموضوعات التي جاءت في القصيدة تفصيلات واستقصاء لتعاقب الأحداث في المواقف التي أفرزها الحدث.

لقد كان بين البداية والنّهاية تناغم وتوافق، البداية حنين وتذكّر لمرابض الحبيب ومواطن الهيام ومواضع الغرام. الحبّ الذي هو في ظاهره للمحبوبة، وفي باطنه هو لمن يكنّ لهم المحبّة والتّقدير، هيام بمن يتّصف بأخلاق الإسلام. والنّهاية تسجيل لهذه الشّمائل، ودعوة النّاس إلى التّحلِّي بها.

إنّ الشّاعر يبدأ بعض قصائده بالحنين والتّذكّر؛ ليدفع بنفسه كي تتذكّر الماضي والتّليد، وبذلك يشبع في نفسه رغبة التّعلّق بالوطن وبما له صلة به، وليعوّض عن الحرمان الذي سبّبته له هذه الغربة, وليستلهم هذه الأيّام الغابرة الخالدة العامرة بالفضائل، ومن ثمَّ يستنهض الهمم الخامدة، ويحرّك القلوب الباردة، ويثير النّفوس الهامدة. وليقدّم ما عليه من واجب، وما عليه من فرض. وقد لمحنا هذه الطّريقة وهذه المقدّمات في أغلب قصائده الرّثائيّة، وقد بيّنا ذلك في مبحث الرّثاء من هذا البحث.

عن هذه المقدّمات التي تميّزت بها قصائد أبي مسلم يقول الدكتور أحمد درويش: “إذا كانت هناك معلومات جادّة كهذه فإنّ الشّاعر يمهّد لها بمناخ شعري مكثّف، تزاحم فيه الصّور وتهيّأ المشاعر، وتعلو نبرة العاطفة، وتسمو فيه اللّغة عن لغة النّثر ولغة المعلومات، فإذا صُبَّ قدر من هذه المعلومات فيما بعد فإنّ متلقّي الشّعر يكون حلّق في طبقة معيّنة، لا يحسّ معها كثيرا بجفاف المعلومة”([80]).

في ختام هذا المبحث نسجّل هاتين الملاحظتين:

1- المقدّمات التي كان يحرص أبو مسلم على افتتاح قصائده بها، وعدم الدّخول في الموضوع مباشرة تدلّ أنّ الشّاعر كان يقصد فعلا توجيه الخطاب لمتلقّي شعره، وكان يهدف إلى تقديم رسالة ما من خلال ما ينظم شعرا، ولا يكون للموضوع المقترح أو المزمع القول فيه كبير أهميّة، ولا تكون المناسبة المثيرة للكتابة إلاّ فرصة للإدلاء بما يريد البوح به، لهذا تكون للمقدّمات علاقة بالموضوع الأساس في القصيدة، وكان الشّاعر يعمد إلى التّخلّص إليه أو النّفاذ إليه بطريقة فنّيّة ذكيّة، محكمة متدرّجة. ينتظم كلّ ذلك خيط نفسيّ واحد، يسري في القصيدة كلّها، بل إنّ كلّ ما كان يقوله شعرا كانت تنتظمه وحدة نفسيّة. هذا هو الالتزام الصّادق الذي يصبغ شعر الشّاعر بصبغة واحدة، لا ثاني لها، وهي الصّبغة الدّينيّة.

2- المقدّمات التي كان يأتي بها الشّاعر في قصائده، قبل الدّخول في الموضوع لا تختلف ـ في حقيقتها ـ عن المقدّمات في القصائد العربيّة القديمة، من حيث بناؤها، لا من حيث مضمونها وموضوعها([81]). فالشّاعر يرى في ذلك ضرورة أن تكون تمهيدا للموضوع، الذي يخدم مضمونه، ويرى في ذلك محافظة على سنن القدماء، الذين تأثّر بهم كثيرا.

هذا ما يسلكه في زمرة شعراء مدرسة الإحياء، التي بقيت وفيّة لتقاليد القصيدة العربيّة التّقليديّة. كما أنّ هذا السّلوك وهذا البناء يجعل لشعره رسالة ووظيفة اجتماعيّة. ويمنحه صفة الخطاب الموجّه لأداء مهمّة، تكون مطبوعة بالطّابع الدّيني.

6- الأسلوب الخطابي:

يعدّ الأسلوب الخطابي من أبرز الخصائص الفنيّة في شعر أبي مسلم الرّواحي، وقد جاء هذا استجابة للواقع الذي كان يعيشه الشّاعر، وهو يواجه مجتمعا في حاجة إلى توعية وإيقاظ، محتاج إلى توجيه وإرشاد. هذا الوضع انعكس على نفس الشّاعر؛ رغبة منه في القيام بالواجب أزاء هذه الأوضاع، التي أفرزت الأسلوب الملائم لمعالجتها، ولمخاطبة القلب والعقل والنّفس. فقد أكثر من الاستفهام والتّعجّب والأمر والنّهي والحثّ والتّحضيض والنّداء والاستغاثة والنّدبة والتّوكيد والقسم… وغير ذلك من الوسائل التي تعين على استنهاض الهمم وشحذ العزائم.

هذا الأسلوب وهذه النّزعة، أو هذا التّوجّه يعدّ إحدى خصائص مدرسة الإحياء التي كانت بلورة لمفهوم النّهضة، الذي ساد الفترة التي عاشها أبو مسلم، وانعكاسا للظّروف التي مرّ بها الشّعر العربي آنذاك. يقول الدّكتور محمد ناصر: “فأبو مسلم إذن حين استخدم هذه الأدوات الفنّية كان واعيا بمدلولاتها النّفسيّة والتّبليغيّة كلّ الوعي. فقد اختار أن يكون شعره شعرا رساليّا، يبلّغ القيم الأخلاقيّة والتّطلّعات الوطنيّة والمبادئ الإسلاميّة إلى الآخرين، فكان لابدّ من توظيف كلّ العناصر الفنيّة لضمان وصول هذه الغاية، وهو محقّ فيما ذهب إليه”([82]) Said Abu Muslim:

يا للرّجال وداعي الله بينـكم لبّوا الدّعاء فإنّ الصّـوت قرآن

يا للرّجال ألم يأن الجهاد لـكم بلى لقد فات إبّان وإبّـان

يا للرّجال أقيموا وزن قسطـكم فما لكم قبل وزن القسط ميـزان

يا للرّجال احفظوا أوطان ملّتـكم فما لكم بعد خذل الدّين أوطـان

يا للرّجال احفظوا أحساب مجدكم إن لم تكن فيكم للدّين أشجـان

يا للرّجال اندبوا لله غيرتـكم فالوقت قد ضاق والتّثبيط خسـران

يا للرّجال ألا لله منتـصر فناصر الله لا يعروه خـذلان

يا للرّجال أروني من شهامتـكم إنّ الحوادث آساد وسيـدان

يا للرّجال اجعلوا لله نجدتـكم فالغاية الفتح أو موت ورضـوان

يا للرّجال ألم يحزنكم زمـن طار البغاث به وانحطّ عقـبان

يا للرّجال ألم يدهش عقولـكم صوت الأرامل والأيتام إذ هانـوا

هذا اليتيم قد انحازت مفاصـله من جلبة الجوع والظّلاّم تخمـان

يا للرّجال بيوت الله قد هدمـت ومالُها للعِدا نهبٌ وحلـوان

يا للرّجال دماء المسلمين غـدت هدرا كما عبثت بالماء صبيـان

فلا قصاص ولا أرش ولا قـود كأنّ لجم بني الإسلام جعـلان

يا للرّجال أفيقوا من سباتـكم فقد أحاط بكم بغي وعـدوان

أخيفة الموت ظلّ العجز يقعـدكم وليس للأجل المعدود نقصـان([83])

في هذه الأبيات حشد لمجموعة من الأدوات التي تسمها بالخطابيّة من (نداء واستفهام وأمر وتحضيض مع تكرار…) وهي كلّها تخدم غرض الشّاعر فِي الاستنهاض. إنّ هذه الأدوات التي أتى بها أبو مسلم مترادفة متساوقة، يشدّ بعضها أزر بعضن لا تنال من القيمة الفنيّة والمعنويّة للأبيات، مادامت تنسجم مع شخصيّة الشّاعر، وتتناغم مع منزعه في الكتابة الشّعريّة، وتحقّق له هدفه من إرسال هذه الأبيات، وهو الاستنهاض وتحريك الهمم. فنحن لا نوافق ما ذهب إليه الأستاذ محمد بن ناصر المحروقي معلّقا على أبيات من النّونيّة حين يقول: “كما استخدم الشّاعر إلى جانب النّداء الاستنهاض والأمر مِمَّا شوّش الوظيفة الشّعريّة، فصارت القصيدة أشبه شيء بخطبة منبريّة، تهدف إلى إثارة المشاعر الدّينيّة والوطنيّة، ويرتبط ذلك ـ بالطّبع ـ إلى مفهوم الشّعر ودور الشّاعر عند أبي مسلم، وهو مفهوم أفرزه الظّرف التّاريخي، حيث يتوجّب على الشّاعر أن يدافع عن أمّته بسنانه ولسانه. ولن نكون منصفين إذا أنكرنا على أبي مسلم تغييب الوظيفة الفنيّة للشّعر، فذلك ما لم تبلغه العقليّة العربيّة آنذاك”([84]).

إنّ هذا الحكم عام، وغير دقيق، نابع عن غير تأنٍّ في قراءة شعر أبي مسلم، وغير مدرك أو غير معترف بأثر هذا الشّعر في نفوس من وُجِّه إليهم، وهو غير منصف لشاعريّة الشّاعر، التي اختارت هذا الأسلوب الذي ينسجم مع المرحلة التي عاشها الشّاعر، ويلبّي ما يطلبه الوضع آنذاك. فإذا تلاءم الشّعر مع الوظيفة التي من أجلها قيل أو نظم حصلت الفائدة، وتحقّق الهدف. والكاتب نفسه قال: “لم يكن الشّاعر مشغولا بفكرة إحداث أيّ تغيير على نمطيّة الشّعر العربي، وإنّما انكبّ جلّ اهتماماته على مجتمعه، ومحاولة تغيير بعض المظاهر التي لا يرتضيها الشّاعر, فالشّعر عنده وسيلة لا غاية بحدّ ذاته”([85]).

إذا رجعنا إلى قصيدته “النّهروانيّة” وأخذنا منها الأبيات الآتية لاحظنا فيها االتّقريريّة:

تدارك وصايا الحقّ والصّبر إنّـما يفوز محقّ بالفلاح صبـور

وخذ بكتاب الله حسبك إنّـه دليل مبين للطّريق خفـير

فما ضلّ من كان القران دليـله وما خاب من سير القران يسـير

تمسّك به في حالة السّخط والرّضـا وطهّر به الآفات فهو طهـور

وحارب به الشّيطان والنّفس تنتصر فكافيك منه عاصم ونصـير

دعيت لأمر ليس بالسّهل فاجتـهد وسدّد وقارب والطّريق منـير

وأسّس على تقوى من الله توبـة نصوحا علَى قطب الكمال تـدور

وزن صالح الأعمال بالخوف والرّجا هما جنّة للصّالحات وسـور

وبالعدل والإحسان قم واستقم كما أمرت وبادر فالمعاش قصـير

وراقب وصايا الله سرّا وجهرة ففي كلّ نفس غفلة وفتـور([86])

إذن إنّ التّقريريّة والمباشرة ظاهرتان في الأبيات، وقد توالت فيها أفعال الأمر متساوقة؛ مِمَّا أضفى عليها صفة الخطابيّة. لكنّ الدّارس المتأنّي والباحث عن حقيقة ما يراد قوله، والمتأمل في الآثار الأدبيّة بشموليّة وعمق، والرّابط بين أجزاء العمل الأدبي، يستطيع إصدار أحكامه عن دراية وكفاية، تعطي للعمل ما يستحقّه من هذه الأحكام. فلنتأمّل في تعليق الدّكتور أحمد درويش على لوحات من قصيدة: “Alnehruanah” نفسها: “هذه التّفاصيل الشّعريّة الدّقيقة تضعنا منذ البداية على أعتاب المناخ الشّعري للعمل الذي بين أيدينا، ولأنّها صيغت في لغة صافية، فقد خفّف ذلك قليلا من وقع اللّغة المباشرة التي تسلّلت بعد قليل في صورة مجموعة من أفعال الأمر (تدارك، تمسّك، حارب، أسّس، زن، قم، راقب، جرّد ثابر… Etc.) وهي صيغ مع خطابتها ومباشرتها تحقّق جزءا مِمَّا تهدف إليه القصيدة من إيقاظ المشاعر والعبور، في رحلة انصهار الحاضر بالماضي، ومن الطّبيعي أنّ تركن اللّغة في مثل هذه المواقف إلى التّجريد لا إلى التّصوير، ومع ذلك فقد كانت تطلّ الصّور المحكمة من حين إلى حين…”([87]).

إنّ النّظرة المتأنيّة الفاحصة الموسّعة إلى العمل كلّه تعطي هذه الأحكام، فلا تسقط في فخّ التّعميم، ولا تقع في خطأ النّظر الجزئي إلى الإبداع. بل إنّ أبا مسلم الرّواحي تمكّن من توجيه الأسلوب الخطابي إلى ما يخدم غاياته من الكتابة، واستطاع أن يصبغ شعره الموسوم بسمة الخطابيّة بالصّبغة الفنيّة في كثير مِمَّا نظمه بهذا الأسلوب. فأبو مسلم من الصّنف الذين ذكرهم الدكتور محمود السّليمي في الفقرة الآتية، التي مهّد بها ليأتي بأبيات للشّاعر من ” النّونيّة ” ثمَّ يعلّق عليها: “والشّاعر المقتدر يمكنه الإفلات من أسر الصّيغ التّقليديّة لهذا الأسلوب(الأسلوب الخطابي)، إذا استطاع أن يوجّه هذا الأسلوب وجهة ناجحة، مبتعدا بأسلوبه الحماسي الخطابي عن المباشرة، فيمنح نصّه جوّا إيحائيّا، مستثمرا تجربته الشّعوريّة، وهو يخاطب وينادي، في محاولة منه لبعث الهمم، فيهتمّ بموضوعه وفنّه في آن معا. أمّا إذا جاء الشّاعر بألفاظ لا تتعدّى دلالتها القاموسيّة، فإنّه يقع في مطبّ الابتذال..”. وبعد أن سرد بعض أبيات علّق قائلا: “لوجدنا أنّ هذه الأبيات وإن بناها الشّاعر على اللّهجة الخطابيّة، من الاستفهام المباشر، وفعل الأمر وصياغة التّعجّب وأسلوب التّقريع، إلاّ أنّ الشّاعر استطاع أن يبثّ فيها حيويّة شاعريّة، تمزج بين الذّات والموضوع وقوّة المشاعر وتعدّد صيغ الخطاب”([88]).

ليس معنى ذلك أنّ الشّاعر سلم من التّقريريّة في كتاباته الشّعريّة، بل له أبيات ولوحات نحسّ ونلمس فيها برودة ورتابة ونثريّة، تقتل حاسّة تذوّقها، إلاّ أنّ ذلك ليس عاما ينسحب على كلّ شعره، أو يصبح ظاهرة عامّة، كقوله:

الفضل ما وزع النّفوس إلى الصّفـا ورأيتُ إدراك المعارف أشرفـا

وكمال كلّ نزاهة وسجيّـة أبدا على شرف العلوم توقّفـا

لم يرتفع بجناح جهل طائـر نحو الكمال وكم بعلم رفرفـا

أحدو النّفوس بشدو لحن بصيرتـي نحو الكمال إذا حدا حادي الوفـا

حرّ الضمائر لا يقيّده الهـوى في علّة من دون إدراك الشِّفـا

صَدْعُ الصّدا من حكمتي أرجو به صدع النّفوس إلى الصّفاء عن الجفا([89])

حاول الدّكتور أحمد درويش تبرير هذه الصّياغة بقوله عن أبي مسلم: “وكان به جنوح إلى اللّغة الخطابيّة واللّغة المباشرة في كثير من الأحيان؛ لأنّه لم يكن يتخيّل أن تصل قصيدته إلى القارئ في صحيفة الصّباح، أو في ديوان، تدور به المطابع، وإنّما كان يتخيّلها مسموعة في أذنه، تناقلتها أذن عن شفة فوعتها، أو دوّنها قلم وحرص على أن يقرأها لأكبر جماعة لم يتح لها حظّ التّدوين”([90]).

إلاّ أنّ هذا الرّأي أو هذا التّفسير في حاجة إلى مناقشة؛ لأنَّنا لو قبلناه كما هو واقتنعنا به لحكمنا على شعر أبي مسلم أنّه كلّه على هذا النّمط، حتّى يصل إلى متلقّيه، كما ذكر الدّكتور. مع أنّه قال: “وكان به جنوح إلى اللّغة الخطابيّة واللّغة المباشرة في كثير من الأحيان”، بينما الحقيقة أنّ شعر أبي مسلم يتراوح بين الخطابيّة والمباشرة والتّصوير والإيحاء…

7- التّكرار:

إنّ التّكرار في شعر أبي مسلم: تكرار المعاني والأفكار والألفاظ والتّراكيب… ظاهرة لافتة للنّظر، تستوقف الدّارس، وتدفع به إلى أن يتشعّب في التّفسير، ويذهب بعيدا في التّأويل، فيغوّر وينجد في إصدار الأحكام، التي قد تكون إيجابية وقد تكون سلبيّة.

من هذه التّفسيرات الإيجابية لهذه الظّاهرة أنّها تدلّ على وضوح رؤية الشّاعر إلى الأمور، كما تبرز التزامه نهجا واحدا في الاعتقاد والتّفكير والكتابة والتّعبير، وتحديد هدف معيّن ورسم خطّة محكمة في تحرّكه وعمله، وحصر نفسه في خندق واحد، يتحرّك فيه. وطالما وجد أنّ غايته لم تتحقّق كما يريد هو، فإنّه يكرّر ما كان يقوله ويدعو إليه، كلّما سنحت الفرصة، وجاءت المناسبة، ودعت الضّرورة. فيتأمّل ويدعو ويوجّه ويأمل، ويلوم ويتعجّب ويسخط، ويبشّر وينذر، ويستنهض ويحمّس، ويكرّر المعاني نفسها، ويعيد التّراكيب والألفاظ ذاتها، من دون حرج، إلاّ أنّ المصدر أو المورد يبقى واحدا هو الدّين.

لقد أشرنا إلى أحد مواطن هذا التّكرار، وهو ميدان الرّثاء. ففي القصائد التي خصّصها للرّثاء كان يعظ ويرشد وينبّه ويلوم، ويرسل أمثالا وحكما، ويكرّر ذلك كثيرا، مِمَّا يوقعه ـ أحيانا ـ في الجانب السّلبي من التّكرار. لكن ما يهمّنا في هذا المجال هو أنّ هذا التّكرار أسهم في بيان حقيقة الخطاب الدّيني عند الشّاعر. يقول الدّكتور أحمد درويش: “إنّ التّكرار يمثّل دون شكّ واحدة من أبرز الخصائص التي يتّكئ عليها أبو مسلم لمحاولة إبراز المحاور العاطفيّة الرّئيسة في عمل مطوّل مثل مرثيّاته، وهو يستخدمه في إحكام في كثير من أغراض بناء القصيدة. فقد تنتقل به معه من مرحلة الانفعال العاطفي إلى مرحلة سرد المآثر”([91]).

إنّ أبا مسلم لا يتحرّج من تكرار الكلمات والجمل والمعاني؛ لأنّه لا يؤمن إلاّ بشيء واحد، هو إنّ للشّعر رسالة ووظيفة محدّدة، يجب القيام بها بأيّة وسيلة يتمكّن منها، ولو بواسطة التّكرار. وفي سبيل ذلك لا يعير للجانب الفنّي كبير اهتمام، إذا كان يحول بينه وغايته. وهذه نظرة الإحيائيين للعمل الشّعري. يقول الدّكتور محمد ناصر: “وقد دفع الإحساس النّهضوي الشّاعر أبا مسلم إلى حشد كلّ العناصر الفنّية التي تضمن له تجسيد تلك المشاعر، فلم يكتف باستخدام أدوات الخطاب المتنوّعة، وإنّما لجأ إلى أسلوب التّكرار. والتّكرار الذي نعنيه هنا هو التّكرار اللّفظي. فهو قد يبدأ بكلمة أو جملة ثمَّ يكرّرها في الأبيات المتتالية مرّات عديدة، تصل أحيانا عشرات مرّات. وقد يراه البعض تقليدا وحشوا، ويراه بعض لازمة من لوازم الأسلوب والهدف اللّذين اختارهما الشّاعر لشعره”([92]).

إنّ التّكرار من أهدافه أو دواعيه التّأكيد والإصرار والتّحذير والإخطار، وإثارة العواطف والإشارة إلى عمق المأساة… وعن طريق التّعامل أو التّأمّل فيما تكرّر في شعر الشّاعر، قد يدخل الدّارس إلى داخل نفس الشّاعر ليفهم حقيقة شخصيّته، ويقف على طبيعة اهتماماته، ويعي الموضوعات التي يثيرها ويتعلّق بها، ولماذا يثيرها…

هناك كلمات مكرّرة كثيرا في شعر أبي مسلم، تعدّ مفاتيح لشخصيته كالسّيف والبرق والدّهر، والألفاظ التي تدلّ على معاني الإيمان والإسلام وما يتّصل بها، والألفاظ التي تشير إلى الموت ودلالاتها، إضافة إلى تراكيب معيّنة تكون جاهزة أحيانا، ومتجاورة أخرى، ومتقابلة ومتضادة مرّات…

بما أنّنا قد أتينا على أمثلة من هذا التّكرار في الصّفحات السّابقة، فإنّنا سنكتفي بشواهد قليلة نذكرها هنا. قال مثلا:

عوائد الله أغنى لِي وإن تربـت كفّي ونعمة ربِّي نعمة جلـل([93])

Said:

فإن استطعت حقوقها وشروطـها تربت يداك، اغنم فنعم المدخـر([94])

Said:

وهيهات قد بادرت زرعـها ومدّت مناجلها الحاصـده([95])

Said:

متى ترجو الحياة رخـاء بال وقد زرعت لتحصد بالمنـون([96])

المهمّ إنّ ظاهرة التّكرار في شعر أبي مسلم في حاجة إلى دراسة معمّقة. نشير ـ فقط ـ إلى أنّ هذه الظّاهرة قد أسهمت ـ في بعض مظاهرها ـ في الكشف عن جوانب من شخصيّة الشّاعر نفسيّا، وأعانت على بلورة طبيعة الخطاب الدّيني عنده([97]).

8- الصّورة الشّعريّة:

شعر أبي مسلم مليء بالصّور الفنّية التي بناها من الألوان البلاغيّة في الدّرجة الأولى، بل تكاد كلّ صوره لا تخرج عن دائرة البلاغة، يكفي دليلا على ذلك ما امتلأت به إحدى روائعه “النّونيّة”. للوقوف على هذه الصّور المتلاحقة المتساوقة نقرأ ما كتبه الدّكتور سمير هيكل تحليلا لهذه القصيدة([98]) وهو لا يشذّ عمّا عرف عن شعراء مدرسة الإحياء، أي إنّ البلاغة تشكّل مادة الصّورة الشّعريّة في شعرهم، من تشبيه واستعارة ومجاز… يقول الدّكتور عمر الدّسوقي عن الإحيائيين: “وخيالهم تصويري مبنيّ على الاستعارة والتّشبيه والمجاز، بل كثيرا ما تكون تشبيهاتهم غير مجارية لزمانهم أو بيئتهم، وإنّما نهجوا فيها نهج العرب الأقدمين؛ متأثّرين بالقوالب المحفوظة والعبارات المتداولة([99])

يتصدّر التّشبيه بناء الصّورة في الخطاب الشّعري عند أبي مسلم، وهو ما عرف عن شعراء الإحياء أو الاتّجاه المحافظ. قال محمد الهادي الطّرابلسي عن أحمد شوقي: “شوقي من الشّعراء الذين أجروا التّشبيه كثيرا، ناهيك أنّ الصّورة الشّعريّة في الشّوقيات هي في الغالب من باب التّشبيه”([100]) والملاحظة نفسها تنطبق على شعراء هذا الاتّجاه بعامّة.

قال أبو مسلم بعد أن تأسّف عن فراق أحبّة كانوا يتّصفون بالأخلاق الحسنة، إلاّ أنّه لم يفقد الأمل في فتية يكومون خلفا لأولئك السّلف:

فتنجلي غرّة الأيّام عن خـلف صدق يقوم بنفع الخلق مضطلـعا

فإنّ لي أملا في فتية نجـب وريثما حاولوا إدراكه خضـعا

تناولوا المجد من أركان سالفهـم برق الفضيلة في أعطافهم لمـعا

لهم وجوه مصابيح مشعشعـة كأنّما البدر في أغصانها طلـعا

نجد أماجد في أحسابهم فلـق ومن أياديهم البيضاء قد نبـعا

زهر المناقب ينشقّ المجاد بهـا عن حاجب الشّمس أو عن صبحها انصدعا

مثل الكواكب في علم وفي عمـل وفي قلوب وفي صيت لهم شسـعا

تنافسوا في اقتناء المجد واستبقـوا والكلّ جلى لمجد ليس مختـرعا

سمت بهم همّة كالشّمس نيّـرة فكلّ همّ عزيز تحتها ركـعا([101])

حشد الشّاعر في هذه الأبيات مجموعة من التّشبيهات والاستعارات المتلاحقة المكرّرة: فالفتية بدر الكواكب، برق، شمس، فلق… هذا التّكديس لهذه التّشبيهات والاستعارات يدلّ على التّعلّق بطريقة بناء القدماء لصورهم، وفي الوقت نفسه يشير إلى روح المحافظة التي يتميّز بها شعر أبي مسلم.

لاحظت أنّ الشّاعر يكثر من التّشبيه بالشّمس وبالجبل والبدر والبرق والسّيف… ([102])، قال مثلا:

صكّ الخطوب بخطب اسمه جلـد والق الأمور بحلم بشخصه جبـل([103])

عبد ببابك مستجير عـائذ بجبال حلمك نفسه استعصامـها([104])

وقال في مدح الشّيخ عبد الرّحمن بن سالم الرّواحي:

هزّك الفضل والفتوّة والسّـؤ دد والمجد كاهتزاز السّيـوف([105])

وقال في رثاء الشّيخ سالم بن أحمد الرّيامي:

بقاؤك للمعارف والمعـالي بقاء البدر في سدف الدّجـون([106])

تميّزت صور الشّاعر بالتكرار، وببنائها من الصّور القديمة في الأعمّ الأغلب. فلنتأمّل هذه الصّورة الضّعيفة:

كنت النّصير وكان لي صبر الحصا فأصبت في صبري وفي أنصاري([107])

لو استعمل الشّاعر الصّخر أو الحجر أو الجبل لكان أقوى، أمّا الحصا فتبدو غير مؤثّرة، ولا معبّرة تعبيرا قويّا عمّا كان يعانيه.

إذا كانت الصّور السّابقة يبدو بعضها بسيطا وبعضها ضعيفا؛ لإغراقها في النّمطيّة والابتذال فإنّ الصّورة الآتية تظهر أحسن حيويّة وأكثر رواء، رغم اعتمادها على التّشبيه وبنائها من صورة قديمة:

بِبني الدّهر علّة ليس تشفـى بدواء حتّى لقاء الحتـوف

لا تحاول علاجهم بكمـال آفة الدّهر في كمال الشّـريف

وتموت الجعلان في نفحة الطّيـ ـبِ وتحيا سعيدة في الكنيـف([108])

الصّورة لا تحتاج إلى توضيح ما فيها من إيحاء وتكثيف، بما نقلت من شعور الشّاعر بالضّيق من تصرّف لا يتناسب مع الفطرة ومع ما يليق بالإنسان العاقل المتميّز عن بقيّة المخلوقات، فقد انقلبت عنده الموازين فأصبح لا يعيش إلاّ على ما ينبذه الذّوق والحسّ السّليم، ولا يجد سعادته المقلوبة إلاّ في البيئة النّتنة، وقد عبّر عن ذلك وصوّره التّشبيه الضمني الذي بنى منه الشّاعر صورته، وهي صورة الجعلان الذي يموت إذا شمّ رائحة زكيّة، وينتعش ويحيا إذا وجد كنيفا ورائحة كريهة يتململ فيها. بمعنى إنّ الإنسان طبع على فعل الشّرّ، وتأصّل فيه الدّغل والغشّ والخداع، وكلّ الأعمال الخبيثة، ولا يجد سعادته إلاّ حين يمارس ذلك فيها، فهو كالجعلان تماما.

صراع الشّاعر مع الدّهر لم ينته ولم يتمكّن من التّخلّص منه يوما ما، لذا نراه يكثر من تصوير هذا التّصادم معه. في هذه المرّة أيضا يلجأ إلى التّشبيه الضّمني، فيبني منه صورته الآتية وهو يعبّر عن علاقته بهذا الدّهر. قال يخاطب الشّيخ سالم بن أحمد الرّيامي، وقد رحل عنه إلى الأبد، وهو الذي كان ينافح ويدفع عنه صروف الدّهر وعتوّه عليه:

وأعداء أرادوا حذف جـاهي كسرتهم بآلات السّـكون

فلم تحذر لهم برقا ورعـدا وما شأن الذّبابة والطّنـين([109])

ومن الصّور التي بناها الشّاعر على الاستعارة قوله وهو يخاطب الشّيخ السّالمي:

ارجع فإنّ الاستقامة أرملـت ارحم يتيمك وهو دين البـاري([110])

وقال عن وفاته:

أشعل البرق علينا جـذوة فانطفا واتّقدت فينا الشّعـل([111])

وعن وفاة الشّيخ راشد الغيثي قال:

هناك اقشعرّ الرّوض واغبرّ جلده وذاك روض النّعمة المتسـوّم([112])

قال يصف أسلافه الذين يعتزّ بهم وبأخلاقهم، فلجأ إلى الاستعارة والتّشبيه، وإلى استلهام الصّورة التي قدّمها سلفه أبو حمزة الشّاري عن أصحابه الشّباب، الذين أضنتهم العبادة، ورقّق قلوبهم الخوف من الله وخشيته، وأرهق أجسامهم كثرة السّجود…

أنضاهم التّسبيح والتّرتيـل والتّهجيد بين جوانح الأسحـار

خبت إذا جنّ الظّلام رأيتهـم طاروا إلى الملكوت بالأسـرار

غرّ إذا سجد الظّلام على الفضـا سجدوا على الثفنات كالأحجـار

قطع النّحيب صدورهم وكأنّمـا وضعوا السّحائب موضع الأشفار([113])

He also:

وصيّر البرق جفني من سحائبـه يا برق حسبك ما في الأرض ظمآن([114])

مطلع النّونيّة يتضمّن صورة شعريّة فنيّة، بناها الشّاعر من الاستعارة المكنيّة؛ حيث يستبدّ الشّوق والحنين به، وتهتاج نفسه حين يرى البرق يلمع في الأفق، فيحرّك فيه وفي نفسه الهوى والجوى والوجد نحو المعاهد والمرابع والمهاد، التي كان يعيش فيها، والتي نزح عنها، ولم يستطع الرّجوع إليها؛ لأنّ القدر المحتوم الذي فرض عليه النّزوح عن بلده لا يغلب، كما أشار إلى ذلك في قصيدته.

وقد تصوّر البوارق حداة كحداة القوافل، التي تتقدّمها، فتحرّكها بصوتها الشّجيّ، وألحانها المطربة المنعشة:

تلك البوارق حاديهنّ مرنـان فما لطرفك يا ذا الشّجو وسنان([115])

يعلّق الدكتور سمير هيكل على هذا البيت قائلا: “ويتّضح البعد النّفسي في هذه الصّورة من خلال الأرق الذي أصاب الشّاعر، هذا الأرق الذي كان نتيجة للمعاناة النّفسيّة، بسبب البعد عن الأحبّة والأوطان والنّأي عن الدّيار. فهو يبحث عن وسيلة للوصول، فكان الخيال الشّعري حافزا لرسم هذه الصّورة المتحرّكة بركب المرتحلين وصوت الحادي الذي يسير في مقدّمة القافلة…”([116]).

يتكرّر المشهد نفسه، والصّورة ذاتها، واللّون البلاغي المعتمد في بناء الصّورة، ويكون للشّوق والحنين ولذكر الأوطان سبب في تكوين الصّورة:

إن هيّج البرق ذا شجو فقد سهرت عيني وشبّت لشجو النّفس نيران([117])

تكرّرت بعض الكلمات في البيتين كالبرق والشّجو، مِمَّا يؤكّد على قصد الشّاعر إلى التّأكيد على ما يعانيه، وعلى تقرير حقيقة الحالة التي مرّ بها، وتكشف عن محاولات الشّاعر إخراج الكمد الكمين في قلبه. وفي البيتين أو الصّورتين لجأ إلى الاستعارة المكنيّة لبنائهما. مع ملاحظة أنّ البرق تكرّر كثيرا في شعر الشّاعر. وهو يعدّ من الكلمات المفاتيح لشخصيّته.

ويقول الشّاعر عن نزوى بيضة الإسلام وأصل الدّين، ومصدر الحكم في عمان، ومركز الحركة الإسلاميّة الدّينيّة، يقول مصوّرها طائرا له جناحان، يطير بهما، هذان الجناحان هما الإيقان والعرفان على سبيل الاستعارة المكنيّة:

أرض مقدّسة قد بوركت وزكـت تنصبّ فيها من الأنوار معنـان

ما طار طائرها لله محتسبـا له جناحان إيقان وعرفـان

إلاّ وقام يمين الله ساعـده والفتح والنّصر والتّأييد أعـوان([118])

وقال يخاطب الإنسان المغترّ بالدّنيا، الذي ينساق وراءها، ويجري خلف حياة تُزيّن له ثمَّ توؤد. تقدِّم له الدّنيا زخارفها ثمَّ تودي به. عبّر الشّاعر عن ذلك بصورة الزّارع ثمَّ الحاصد بعد ذلك:

متى ترجو الحياة رخـاء بال وقد زرعت لتحصد بالمنون([119])

الاستعارة المكنيّة تبدو في تشبيه الدّنيا بإنسان يزرع ويحصد. فالدّنيا تزرع وتهيّئ للإنسان ما تُطمِعه فيها، ثمَّ تحصده وتتركه حصيدا خامدا. إشارة إلى أنّ الدّنيا غرّارة وخدّاعة، فعلى الإنسان أن يحذر منها ولا يغترّ بزخارفها، ولا يركن إليها، ولا يكون معها في غفلة. وقد تكرّرت هذه الصّورة في شعر أبي مسلم كثيرا، وبخاصة في وصف الدّنيا. قال مثلا:

وهيهات قد بادرت زرعـها ومدّت مناجلـها الحاصـده([120])

ومن أمثلة الاستعارة التّصريحيّة التي بنى منها الشّاعر بعض صوره ما يأتي:

تعيث قرود الجبت في سنة الهدى إذا عقدوا شنعاء جاءت شنائع([121])

من الصّور الفنيّة المبنية على بعض المحسّنات اللّفظيّة والمعنويّة البديعيّة الصوّرة الآتية التي اعتمد فيها على الطّباق:

يا برق حرّك همومي إن تكن سكنت فكلّ حظّي تحريك وإسكان([122])

إنّ الحالة النّفسيّة التي مرّ بها الشّاعر أو التي عاشها، وهي شعوره بحرمانه من البقاء في وطنه ومع أحبّته، كشف عنه الطّباق، الذي يتميّز بالمقابلة بين ضدّين؛ قصد إبراز المعنى، الذي هدف الشّاعر الكشف عنه بجلاء (حرّك، سكنت، تخريك، إسكان). Said:

فإذا جاءت القريحة بيضـا ء، ففضلي اليراعة السّـوداء([123])

Said:

ليس لها إلاّ نفوس طفئـت أضغانها واشتعلت فيـها التّقى

يلمّها الإيمان قلبا واحـدا وجهته الله وحشوه الهـدى([124])

إنّ المقابلة التي بنى عليها الشّاعر صورته بيّنت حال المسلمين الذين يتقابل فيه شيئان متضادّان أو متنافران: انطفاء الضّغائن، واشتعال التّقى. هذا ما يعطي لهم حقيقة الإيمان، كما أوضح ذلك في البيت الثّاني.

جمع الشّاعر في البيت الآتي بين الاستعارة والطّباق، وبنى منهما صورته ليعبّر عن اندهاشه وحسرته للمفارقات التي شاهدها في الحياة، إنّ الموازين تغيّرت فالنّاس الضّعاف استنسرت، والشّجعان والنّاس الأعلون تقهقروا وجبنوا، والرّجال لا يتحرّكون ولا ينهضون لتغيير هذا الوضع نحو الأحسن:

يا للرّجال ألم يحزنكم زمـن طار البغاث به وانحطّ عقبـان([125])

كما قال عن أهل الاستقامة؛ معتمدا على الجناس النّاقص:

لا يقبل الله دينا غير دينهـم ولا يصحّ الهدى إلاّ بما دانـوا

من عهد بدر وأحد لا تزعزعهم عن موقف الحقّ أزمات وأزمان([126])

وقال يخاطب الشّيخ سالم بن أحمد الرّيامي، بعد ما رحل عنه رحيلا أبديّا، وتركه يقاسي أهوال الدّنيا ومصاعب الحياة:

لقد خلّفت ذا قلب طعـين بفقدك، هل رثيت لذا الطّعـين

أجالد بين جانحتي نـارا يؤوسا من هدوء أو هـدون([127])

Said: نرى غاية الدّنيا وكيف صروفها ونحن على رأي الرّكون ركود([128])

هناك نماذج كثيرة من الصّور التي بناها الشّاعر من المحسّنات البديعيّة، ويبدو فيها أقلّ توفيقا في بناء صور شعريّة جيّدة من التي كان يبنيها من التّشبيه والاستعارة. المهمّ إنّ أغلب صوره كان ينشئها من الألوان البلاغيّة، كأمثاله من شعراء المدرسة الإحيائيّة.

لقد أكّد الدّارسون على براعة أبي مسلم في التّصوير، وعلى حسن التّنسيق والتّلاؤم بين صوره الفنيّة في اللّوحة الواحدة أو القصيدة الواحدة؛ لتعبّر عن أحاسيسه ومشاعره وأفكاره. يقول الدّكتور سمير هيكل: “إذا كانت المفردات اللّغويّة تنقاد بيسر وسهولة لأبي مسلم لينظم من لآلئها عقد روائعه الشّعريّة، فإنّ الصّور الفنّيّة ما كانت لتتأخّر عن التّدافع إلى خياله الشّعري ليربط بينها وبين موضوع القصيدة في وحدة وانسجام، ويأتي بناء القصيدة نتيجة لذلك مرتديّا ثوبا قشيبا من الجمال الفنّي والكمال البياني”([129]).

ويقول الدّكتور محمد ناصر: “إنّ براعة أبي مسلم تتمثّل في استطاعته البارعة في أن يسلك صوره في خيط نفسي، يربط بين المعاني والأخيلة برباط محكم، ويعود مرّة أخرى إلى البرق الذي افتتح به القصيدة ليقدّم بين أعيننا لوحات فنيّة تعبيريّة أخرى”([130]).

كلا الباحثين كان يعلّق على قصيدة أبي مسلم “النّونيّة” مِمَّا يؤكّد على أهميّة هذه القصيدة، وقيمتها المعنويّة والفنيّة، وعدّها من عيون شعر أبي مسلم([131]).

هذا النّجاح الذي حقّقه الشّاعر في شعره يرجع إلى الصّدق الفنّي الذي يلمسه القارئ والمتأمّل في هذا الشّعر، وهو نابع أو ناتج عن الإخلاص في العمل، والتّفاني في خدمة الأمّة الإسلاميّة، والاهتمام بالإنسان المسلم؛ بناء وإعدادا وتوجيها وعناية([132]).

هذا الصّدق الفنّي وهذا الالتزام هو الذي وفّر في خطاب الشّاعر الوحدة النّفسيّة، البديل عن الوحدة العضويّة أو الوحدة الموضوعيّة، التي تبدو مفقودة في شعره؛ على غرار لداته من شعراء مدرسة الإحياء.

إنّ شعر أبي مسلم ينتظم في خيط نفسي، هو البوتقة التي تنصهر فيها أفكاره ومشاعره وتلتقي؛ لتتوجّه نحو الهدف الذي رسمه لنفسه. فشعره رسالي يؤدّي مهمّة وواجبا، هو العمل على النّهوض بالمسلمين، إنّ أبا مسلم شاعر قضيّة حمل هموم الأمّة الإسلاميّة([133]).

فإذا كانت الوحدة في القصيدة تعني التّلاؤم والتّعانق والمزج بين ما يفرزه الوجدان وما يمليه العقل([134])، فإنّ هذا كان متوفّرا بشكل كبير في شعر أبي مسلم الرّواحي؛ حيث إنّ القصيدة تمثّل عنده تجربة حيّة صادقة، تنطلق من باعث أو محرّك لمشاعره، وتسير إلى هدف محدّد، يعيّنه مضمونه ورسالته من نظمه القصيدة. ولهذا فإنّ كلّ الأفكار والموضوعات التي ترد في القصيدة الواحدة عند الشّاعر، تتّحد أو توجّهها الفكرة أو المضمون الذي تحمله القصيدة.

مع كلّ ذلك نسجّل أنّ أبا مسلم يبدو أحيانا ضعيفا في التّصوير؛ بسبب التّكلّف في رسم صوره، وبسبب اقتباس صور غيره، وبسبب نمطيّة بعض الصّور التي كان يلجأ إليها، وبسبب تكرار أخرى في قصائده، وبسبب اعتماده كثيرا على الألوان البلاغيّة التي قد لا تتيح له الفرصة والمجال لبناء صور فنيّة جميلة. وهذا ما عرف أيضا عن شعراء مدرسة الإحياء بعامّة.

9- الموسيقى:

تمثّل الموسيقى عنصرا أساسا في العمليّة الإبداعيّة، لهذا عني الشّعراء بتوفيرها في قصائدهم، سواء الخارجيّة منها أم الدّاخليّة: إيقاعا ووزنا وجرسا. فالموسيقى تسهم في طبع العمل الأدبي بالجماليّة والفنيّة، وتساعد على ترجمة الأفكار والمشاعر والكشف عن العواطف..”فالجرس اللّفظي الذي يمنحه الشّاعر لكلماته باختيار الألفاظ التي تنسجم فيها الحروف: مخارج وصفات، والإيقاع الذي يحدثه في عمله بواسطة المقاطع بتكرار كلمات خاصّة أو حروف معيّنة ذات مخارج متّحدة أو متقاربة أو متباعدة ـ حسب الحاجة إلى ذلك ـ أو ذات صفة جرسيّة واحدة، واختيار البحر المناسب للتّجربة الشّعوريّة من حيث القصر والطّول، والتّوفيق في اختيار القافيّة والرّويّ المناسب؛ بما ينسجم مع سياق العمل والأبيات، والرّبط بين بدايات الكلام وخواتمه، مع ملاءمة كلّ ذلك للموضوع والحالة النّفسيّة… يجعل الكلمة بحقّ صوت النّفس الصّادق التي تحتاج إلى شكل ينسجم معها، يمنحها القوّة والصّدق الفنّي والسّيلان والجريان في نفس المتلقّي والقارئ. وبذلك يعدّه نفسيّا لولوج عالم القصيدة…”، من هنا كانت الموسيقى أساسية في العمل الشّعري؛ بقصد نقل التّجربة الشّعوريّة والتّأثير على المتلقّي واستمالته وإقناعه بما يريد الشّاعر قوله أو البوح به.

هذه الخصائص التي تتميّز بها موسيقى الشّعر نجدها متوفّرة في شعر أبي مسلم بكثافة وبوعي كامل، وبشكل فنّي جيّد في أغلب ما نظمه شعرا. فهو يهتمّ بالموسيقى أداة فعّالة اهتماما كبيرا. عني بالجرس اللّفظي والإيقاع والوزن. هو كما يقول محمد بن ناصر المحروقي: “وقد جرى أبو مسلم في موسيقاه الشّعريّة على سنن المرحلة الزّمنيّة التي عاشها، والمواكبة للبعث الشّعري في العالم العربي، من هنا يبرز اهتمامه بالعروض الخليلي وعدم مجاوزته…”([135]).

حاول الباحث أن يقدّم إحصاء عن البحور التي استعملها الشّاعر في شعره، وقد خرج ببعض النّتائج، منها أنّ الشّاعر التزم بالعروض الخليلي التزاما كاملا، ثمَّ قال: “نظر أبو مسلم البهلاني في ديوان الشّعر العربي، فانطبع على خاطره تكرار بعض بحور معيّنة كالطّويل والبسيط والكامل، وارتسمت في مخيّلته أوزانها، وصارت قريبة التّناول منه كلّما أراد النّظم عن تجربة ما”([136]).

مهما يكن التّعليق على هذا الحكم أو على طريقة الاستنتاج وطريقة إجراء عمليّة الاستقرار أو الإحصاء فإنّا نتّفق أنّ الشّاعر التزم بالعروض الخليلي التزاما كاملا، وهو ما عرف عمّن يتّصل إليه بسبب من شعراء مدرسة الإحياء.

المتصفّح لديوان أبي مسلم لا تخطئ عينه ملاحظة سير الشّاعر على طريقة القدامى في توفير الموسيقى لشعره، والتزام سننهم في وسائل هذه الموسيقى، وهو النّهج نفسه الذي سار فيه أو عليه شعراء مدرسة الإحياء.

اهتمّ الشّاعر بالتّصريع، وهو التّشاكل بين الحرفين الأخيرين في شطري البيت الأوّل من القصيدة. والتّشاكل أيضا في نسبة الإيقاع إلى الوزن. فمعظم قصائده يتوفّر على ذلك، فلا حاجة إلى الإتيان بأمثلة لهذه الظّاهرة.

وممّا يحدث إيقاعا خاصّا في الأبيات، ويوجد موسيقى داخليّة في القصيدة ظاهرة التّرصيع أو التّقسيم، وهو “إحداث نوع من النّغم الموسيقى، ناتج عن تقسيم شطري البيت الشّعري إلى وحدات متساوية، ويسمّيه القدامى (التّرصيع) وهو يقابل السّجع في العبارات النّثريّة”([137])، أي إنّ الشّاعر يعمد إلى تقسيم البيت إلى مقاطع متساوية في الوزن، متّحدة في الحرف الأخير في كلّ مقطع؛ مِمَّا ينتج عنه إيقاع خاصّ ونغم متّحد، يحدث انسجاما في الأصوات، وهو ما يعين الشّاعر على أداء ما يريد الإدلاء به.

الأمثلة على ذلك في شعر أبي مسلم كثيرة، نذكر منها هذه النّماذج:

للّه ما جمعوا للّه ما تركـوا للّه إن قربوا للّه إن بانـوا([138])

صعب شكائمهم سحب مكارمهم إن حاربوا صعبوا أو أكرموا هانوا([139])

شمّ إذا حزموا، نار إذا عزمـوا شهب إذا رجموا، للفـضل هتّان([140])

الشّاعر يلجأ إلى إحداث ألوان من الإيقاع بالتّفنّن في طرق التّرصيع؛ محاولا توفير الموسيقى الدّاخليّة بتكرير صيغ معيّنة وتراكيب عينها، وغير ذلك مِمَّا يساعد على إيجاد تكافؤ وتوازن وتوازٍ بين الجمل والتّراكيب المكوّنة للأبيات، كما هو في اللّوحة الآتيّة التي رثى بها الشّيخ نور الدّين السّالمي:

أسرعت في الأغواث والأقطـاب والأعلام والأبدال والأخيـار

مهلا فما ألفيت ثمّ بقيّـة نزح القطين وجفّ روض الـدّار

أفقدتني شهب الفضائل كلّهـم ويلاه من شهبي ومن أقمـاري

ويلاه أين سماؤها ونجومـها وشموسها، ذهبوا كأمس الجـاري

أنضاهم التّسبيح والتّرتيـل والتّهجيد بين جوانح الأسحـار

خبت إذا جنّ الظّلام رأيتهـم طاروا إلى الملكوت بالأسـرار

غرّ إذا سجد الظّلام على الفضـا سجدوا على الثّفنات كالأحجـار([141])

يعلّق الدَكتور أحمد درويش على هذه اللّوحة قائلا: “والأبيات كما هو واضح مليئة بألوان التّرصيع في بناء الصّيغة أو التّركيب. فالأغواث والأقطاب والأعلام والأبدال ينتمون إلى صيغة واحدة، يحدث تواليها أثرا عميقا على النّفس. وكذلك النّجوم والشّموس، والتّسبيح والترتيل والتّهجّد. وأحيانا يأتي التّوازي والتّرصيع بين تركيين متواليين، كما هو الشّأن في البيتين الأخيرين، حيث يتشابه النّسق التّركيبي، من خبر محذوف المبتدأ وأداة الشّرط تأتي عقب الخبر، ويتلوها فعل الشّرط في الشّطر الأوّل، ثمَّ يتّصدّر جواب الشّرط الشّطر الثّاني، فيتوحّد النّسقان التّركيبيان في البيتين معا، مِمَّا يعطي البناء الدّاخلي قوّة ومتانة وإحكاما([142]).

من ألوان الموسيقى التي كان يحدثها الشّاعر في شعره اللّون الذي ينتج من تكرير حروف بعينها، وقد يعمد فيها الشّاعر إلى الزّخرفة اللّفظيّة، فيتولّد منها إيقاع خاصّ. Kcolh:

صيد صناديد أقيال عباهـلة أسد كواسر في الهيجاء حـردان([143])

لقد تكرّر حرف الدّال في البيت السّابق خمس مرّات، وحرف الصّاد مرّتين، وحرف السّين مرّتين، وحرف اللاّم مرّتين وكلّ من الحروف الثّلاثة المذكورة كرّر في كلمتين متجاورتين. يدلّ هذا على قصد الشّاعر إلى إيجاد موسيقى داخليّة في البيت، تساعده على أداء المعنى المقصود. Said:

مجرّس مضرّس ممـارس بمترس الخطب إذا الخطب شجـا([144])

كلّ من الباء والسّين والميم تكرّرت أربع مرّات, زيادة على أنّ الكلمات التي بدئت بالميم واشتملت على هذه الحروف جاءت على وزن واحد هو(متفعلن). إنّ ذلك يدلّ على عمد الشّاعر إلى إيجاد هذا الإيقاع الرّتيب المتكرّر.

كما برزت ظاهرة تكرار الحروف وتكرير المقاطع المتساوية والمتوازية في طولها والنّبرات في البيت الآتي بشكل واعٍ:

إلى متى نهطع في طاعنهـم ونتّقي وليتها تجـدي التّقى

إلى متى نهرع في أذنابـهم لا ملتجى لا منتهى لا مـنتحى([145])

اشتمل البيتان على مجموعة من الظّواهر طبعتاهما بالجماليّة والفنيّة:

1- تكرار الحروف التي ولّدت الموسيقى، حرف التّاء تكرّر عشر مرّات، الألف المقصورة تكرّرت ستّ مرّات، حرف الهاء تكرّر خمس مرّات، حرف العين تكرّر ثلاث مرّات.

2- تكرير كلمات بعينها (إلى، متى، في، لا).

3- تكرير مقطع (إلى متى).

4- تكرير مقاطع بوزن واحد، انتهت بحرف واحد، تكوّن كلّ مقطع من سبعة حروف لا يختلف الواحد عن الآخر سوى في حرف واحد. مِمَّا أضفى عليها صفة التّرصيع: (لا ملتجى لا منتهى لا منتحى) والوزن هو (مستفعلن) وهو إحدى تفعيلات بحر الرّجز: بحر القصيدة.

5 ـ اشتمل كلّ بيت على كلمة تتكوّن من الكلمات نفسها، والحركات ذاتها، والتّرتيب عينه، والتّشكيل نفسه، التي يتكوّن منها كلّ لفظ من اللّفظين ما عدا حرف واحد (نهطع، نهرع)، وهذا يدخل ضمن الجناس النّاقص.

6 ـ هاتان الكلمتان (نهطع ونهرع) ترتدّ بالمتلقّي إلى القرآن الكريم، وتربطانه بالمضمون الذي وردتا فيه، والدّلالة التي تدلاّن عليه، وتمنحانه فرصة معرفة ما يجيش داخل نفس الشّاعر، وذلك بواسطة التّصوير الإيحائي.

كلّ هذه الظّواهر ولّدها الجانب الموسيقي الذي عمد إليه الشّاعر بفطريّة، من دون تكلّف، وانسيابيّة لا تعرف الحدود. وهو ما وصف الشّاعر أبو مسلم بالمبدع”؛ فالإبداع في الشّعر والتّأثير في الغير ـ باستغلال عنصر الموسيقى ـ يحصل حين يحسّ الشّاعر بانسياب الموسيقى في شعره وسريانها في تجربته الشّعريّة عن فطرة وسجيّة؛ وذلك حين يكون الصّدق الفنّي متوفّرا، والاستعداد للنّظم موجودا، والمعاناة والانفعال النّفسيين عاليين”([146]).

ينظر مثلا الأبيات الآتية ويلاحظ ما فيها من تكرير الحروف والمقاطع والكلمات وإحداث التّوازن بين المقاطع عن طريق التّرصيع؛ وقد حرص الشّاعر على إيجاد الموسيقى الدّاخليّة فيها، ويتأمّل أثرها الإيجابي أو السّلبي في العمليّة الشّعريّة:

هم وسعوا الكون حلومـا وهدى وصائلا ونائلا ومجـتدى

هم أمجدوا وأنجدوا وأوجـدوا وأفقدوا وطوّلوا الباع الـورى

هم جرّدوا وشرّدوا وطـرّدوا وأوعدوا وأوردوا بحر الـجدى([147])

والنموذج الآتي حرص الشّاعر فيه أن يوجد الموسيقى بواسطة تكرير صيغة واحدة، هي وزن “مفعل”, Without the affectation appears, which tends this Almenza “In pursuit of the objectives of fine art in the construction of his poem”([148]):

Pointedly mosque UNU Institute of OSS approach of systematically Vmenendy

فلم أجد منشودتي في موضـع ثمّ حدست أنّها رهن الثّـرى([149])

يميل الشّاعر أحيانا إلى توليد المعاني واشتقاقها من كلمات تأتي متجاورة في السّياق، أو متساوقة في إبراز المعنى. كقوله وهو ينعى على النّاس خمولهم وخمودهم وتقاعسهم عن القيام بالواجب نحو الوطن والأمّة والكرامة…:

بئس السّيوف إذا حلّت عواتقكم وما بها لعتيق المجد أحـزان([150])

قابل الشّاعر هنا بين العواتق التي تحمل السّيوف، وتبقيها معطّلة عن العمل، فلا توظّفها في أماكنها، ولا تستعملها في أغراضها الحقيقيّة. وبين عتيق المجد الذي يذكّر هذه العواتق بما كان لهذه السّيوف من صولات وجولات ومبادرات. فَـ (العواتق) التي عبّرت عن التّقاعس استدعت أو ولّدت (عتيق) التي تدعو إلى النّهوض والتّحرّك؛ بدليل قول الشّاعر بعد هذا البيت:

لا تَحجبوها إناثا في مغامـدها فإنّ تلك اليمانيّات ذكـران([151])

قد يزري التّوليد المتكلّف بالعمليّة الشّعريّة؛ وذلك حين يكون هدف الشّاعر الاستجابة لنزعته في التّلاعب بالألفاظ وتكرير الأصوات لغرض موسيقي محض، فلا تكون للجانب المعنوي والدّلالي أيّة قيمة، كما نقرأ في المثال الآتي، الذي برز فيه التّكلّف جليّا:

ضنيت ضنى لمّا ضريت بحبّهـم وضنّوا بوصل واقتتلت بعضّـة

طبيبي ومطلوبي وطبّي وطـيبتي ومعتمدي في الأمر ساكن طيبـة([152])

10- القافية المتأثّرة بالفاصلة القرآنيّة:

تمثّل القافية جزءا مهمّا متمّما للإبداع، فهي ترتبط بالمضمون الذي يكون في البيت، إلى جانب ما تبعثه من جوّ موسيقي مطرب؛ ناتج عن الإيقاع المنتظم الرّتيب الذي يتكرّر في فترات زمنيّة متناسبة. As well as “فالفاصلة القرآنيّة حين ترد تأتي لتنشر جوّا من الموسيقى، محمّلا بالمعنى الذي يكمّل مضمون الآية التي ختمت بها، وتبقى جزءا أصيلا فيها، وإن كانت عنصرا متميّزا يلحظه المتأمّل في الآية”([153]).

شعر أبي مسلم لم يخلُ من هذا الجانب. فعلى القافيّة المنتهية بحرف الدّال المسبوقة بحرفَي المدّ الياء والواو كتب الشّاعر يرثي الحاج مُحَمَّد اطفيش. وقد بدأ في القصيدة متأثّرا أو مستوحيا الفاصلة القرآنيّة التي انتهت بها بعض آيات سورة “S”.

إنّ هذه السّورة تناولت موضوعات تنذر النّاس بيوم المصير، بما في ذلك الموت والحساب والثّواب، وأشارت إلى أهوال يوم القيامة، وذكّرت بنعم الله على عباده، وسجّلت عقوق النّاس لربّهم؛ رغم تفضّله عليهم بنعم كثيرةوبذلك حقّ وعيد الله على النّاس، إلى غير ذلك من الموضوعات التي تتّصل بوصف حياة النّاس في الدّنيا، وعلاقتهم بالمنعم عليهم، وعدم تصديقهم بما ينتظرهم بعد موتهم.

إنّ الشّاعر لم يبعد عن هذا الجوّ وهو يرثي عالما كبيرا وعاملا عظيما في الحقل الإسلامي والمجال الدّيني، وميدان النّصح والإرشاد والتّوجيه وتصحيح العقيدة وتقويم الانحراف…

لقد كانت وفاة المرثيّ فرصة لتنبيه النّاس إلى عدم الاهتمام بحطام الدّنيا، وزخرف الحياة على حساب الآخرة، وما يتّصل بهذه الأفكار والمعاني بصلة. وقد وردت في القصيدة كلمات لها علاقة بالسّياق الذي جاءت في سورة “S”: (وعيد، شهيد، عتيد، مزيد، حديد، شديد، جديد، حصيد، بعيد، تحيد، محيد…) بل إنّ الشّاعر اقتبس عبارات كاملة من السّورة، مثال ذلك ما جاء في البيت الآتي:

أليس لأنّ الحشر والنّشر آزف ولم يبق إلاّ سائق وشهيـد([154])

He says: )And it came all the same with the driver and a witness(([155]), But the whole house breathes in the atmosphere of the Koran. In addition to the previous statement there are words (Hashr, publishing, rush) كلّ واحدة منها ترتدّ بنا إلى آية قرآنيّة أو أكثر.

يقول الشّاعر أيضا:

وما هو إلاّ سكرة الموت بغتـة وذلك أمر كنت منه تحيـد([156])

He says: ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾([157]) لا يخفى الاستيحاء الكامل للآية المذكورة: معنى وألفاظا.

قال الشّاعر:

أما في صروف الحادثات مواقف لفكر لملقي السّمع وهو شهيد([158])

He says: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾([159]).

وعلى الفاصلة التي تنتهي براء ساكنة كتب الشّاعر قصيدة استوحى فيها سورة القمر التي تناولت موضوعات تتعلّق بيوم القيامة وأهواله، وما يتّصل به من حساب وعقاب. كما ذكرت ما لحق الأمم الغابرة المتجبّرة الطّاغية من محق وتدمير وإهلاك…

قال الشّاعر وهو يتغزّل:

ساحر الطّرف سقيم جفنـه قمريّ الوجه ليليّ الشّعـر

ناحل الخصر ثقيل ردفـه مائس القدّ ردينيّ الخطـر

نافر عنّي وقلبي سكنـه صفوة الودّ إذا قال غـدر

هل يراعي ذمّة من ودّنـا لا وهيهات الوفا مِمَّن غـدر

طولَ ليلي وصلَه منتظـرٌ ليلةٌ من وصله ألفُ شهـر

يا غضيض الطّرف هب لي نظـرة إنّ إعراضك أدهى وأمـر

عجبا في خدّك النّـار وفي مهجتي منها لهيب وشـرر

فاتني بعض رشادي في الهـوى إنّ عذّالي لقد قالوا كفـر

صدقوا غاب رشادي في الهـوى وعلاقات الهوى إحدى الكبـر

وإذا ذكرته عهد الصّبـا قال لي تلك ألاعيب الصّغـر

وإذا استعطفه القلب علـى فعل عينيه تعاطى فعقـر

يا إمام الحسن هل من منتظَـر لم تزل عندي الإمام المنتظـر

وإذا أشكو له قرح الهـوى قال لي: “صلّ على خير البشـر”([160])

I've received in this piece consisting of three beta ten words and phrases borrowed and inspired by Al-moon (Worse and order, abuse Fqr…) إلى جانب استلهام آيات قرآنيّة أخرى من سورتي المدّثّر والقدر، مِمَّا يؤكّد على قصد الشّاعر إلى المنح من القرآن الكريم([161]).

هذه الفاصلة القرآنيّة التي استلهمها الشّاعر، تتميّز بهذه الموسيقى العذبة السّلسة والقويّة المنبعثة المتولّدة من الرّويّ (الرّاء) “المجهورة والمتوسّطة بين الشّدّة والرّخاوة, And coupled Bzlaqh make it sound light and adjacent to the stillness that makes fast-moving, Vtjtma in this beautiful rhythm intensity… The laxity that helps to send audio…”([162])، وبذلك يتناسب هذا الرّويّ مع غرض الغزل، الذي يطلب لغة رقيقة.

من جهة أخرى يبدو أنّ الشّاعر قصد إلى هذه الفاصلة قصدا. ربّما لتذكّره بما قد ينسى أو يغفل عن مغبّة الاسترسال والاستجابة لهوى النّفس، ولتمنعه من الوقوع فيما يشقيه؛ بسبب التّغزّل والتّشبيب. إذ أنّ هذا لا يليق بشخصيته المؤمنة الورعة الوقورة, ولا ينسجم مع ما عرف عنه من تبتّل وزهد ومحاسبة نفسه في تصرّفاتها. فهو يستجيب لدافع نفسه في التّغزّل؛ بصفته شاعرا له أحاسيس ومشاعر وعواطف لابدّ أن يفصح عنها، في الوقت نفسه لا يريد أن يستجيب لها من دون ضابط ورادع.

إنّ هذه الفاصلة تربطه بالمعاني التي وردت في لآيات التي ارتبطت بها، وهي التّذكير بالآخرة وما يتّصل بها؛ بدليل قوله في هذه المقطوعة:

فاتني بعض رشادي في الهـوى إنّ عذّالي لقد قالوا كفـر

صدقوا غاب رشادي في الهـوى وعلاقات الهوى إحدى الكبـر

وإذا أشكو له قرح الهـوى قال لي: “صلّ على خير البشر”

فتكريره لفظة الهوى أربع مرّات في مقام النّعي واللّوم يدلّ على عدم رضاه على سلوكه هذا، فكانت هذه القافية المستلهمة من الفاصلة القرآنيّة المذكورة، ملهمة له كي يعبّر عن المعنى الذي أشرنا إليه، وهو محاولة ردع نفسه عن الاسترسال في هذا المسار.

Poet also other Ghazlah poem consists of nine lines, inspired by the Al-Muzzammil. Among them these verses:

What passion in black only madness and passion in my whiteness Qila

ليس من ضلّ بالنّهار كمن ضـلّ بليل، فذاك أهدى سبـيلا

من عذيري مِمَّا جنته العـذارى أخذتني في الحبّ أخذا وبـيلا([163])

11- Conclusion:

1- إنّ أبا مسلم شاعر لم يخرج عن دائرة الخطاب الدّيني في كلّ ما كتب. كانت له رسالة واحدة أو قضيّة واحدة هي النّهوض بالأمّة الإسلاميّة: دينيا واجتماعيّا وثقافيّا، ومعالجة أسباب التّخلّف فيها، ودواعي الذّلّ والمهانة والخذلان في سلوكها وحياتها. وهو شاعر لم يخرج أيضا في أسلوب كتابته عن خطّ مدرسة الإحياء: لغة وتصويرا وصياغة، إلاّ ما انفرد به من ملامح، كانت نتيجة خصائص تميّزت به شخصيته التي كانت تصدر عن الدّين، وترتبط بالمبادئ الصّلبة الثّابتة. من هنا كان لا يصدر منه إلاّ خطاب دين، بينما غيره أو بعض من شعراء مدرسة الإحياء كان يخلط في نظمه بين الدّيني وغير الدّيني.

2- إنّ أبا مسلم شاعر ملتزم، بمعنى أنّه كان ملتصقا بالبيئة التي كان قد درج فيها، أو شدّته إليها أواصر القربى والانتماء وطبيعة المسير ووحدة المصير. فكانت لغته وصوره وأخيلته مستمدّة ومستوحاة من هذه البيئة.

3- لغة الشّاعر قويّة جزلة، معبّرة أصدق تعبير عن شخصيّته: أفكارا ومشاعر, ومصوّرة أدقّ تصوير الموضوعات التي تناولها في شعره. من هنا كان معجمه الشّعري واضحا متميّزا متعدّدا، منه: الفقهي والصّوفي والوطني والعقدي والحضاري… تجمعه وتحوطه وتنتظمه الصّبغة الدّينيّة، لذا فإننا نعدّ كثيرا من الكلمات التي استعملها في شعره مفاتيح لشخصيّته. فهي تستقي وتتغذّى من الثّقافة الإسلاميّة: قرآنا وحديثا وأدبا عربيّا أصيلا وأمثالا…

مجمل القول: إنّ الشّاعر أبا مسلم رائد كبير من روّاد بعث الشّعر العربي في العصر الحديث. وهو أحد أقطاب مدرسة الإحياء. وهو على رأس من نهض بالشّعر العربي في عمان والخليج العربي؛ فقد تمكّن من الرقيّ بالقصيدة العربيّة مضمونا ولغة وتصويرا، وقد كان قدوة ومثلا ونموذجا لمن جاء بعده من الشّعراء العمانيّين بخاصّة.

نريد التّنبيه هنا إلى أمور في شعر أبي مسلم، قد تساعد على مزيد الكشف عن شخصيّته وطبيعة خطابه الدّيني:

1- في قصيدة: “الفتح والرّضوان” تتجلّى رسالة الشّاعر الحقيقيّة، الرّسالة التي يدفع إليها الإحساس الدّيني بضرورة العمل في سبيل الإصلاح والتّغيير والتّوجيه والنّهوض، فتكون مناسبة تسجيل حدث تنصيب الشّيخ سالم بن راشد إماما على عمان فرصة للتحدّث عن الأمجاد والمآثر والمكاسب والقيم ودعوة الجميع إلى العمل للتّمكين لدين الله في الأرض…

دراستها بعمق وتأنّ وبخطّة محكمة هادفة تضيف جديدا إلى المتلقّي والنّاشئة، ما يفيدهم في طريقة العمل ومنهجيّة التحرّك، وتثير فيهم الشّعور بالمسؤوليّة والأمانة نحو بيئتهم ومجتمعهم ووطنهم وأمّتهم: دينيّا واجتماعيّا.

2- تظهر في رائيّة الشّاعر في رثاء الشّيخ نور الدّين السّالمي سماتُ القصيدة الإحيائيّة بشكل بارز ولافت للنّظر: من التّكرار والخطابيّة والتّقريريّة والتّداخل وكثرة الموضوعات… دراستها دراسة خاصّة أو مستقلّة يعين على إبراز شخصيّة الشّاعر. كذلك يمكن التّعامل مع قصيدته في رثاء الشّيخ سالم الرّيامي بالخطّة نفسها، للوصول إلى الهدف ذاته.

3- في المقصورة تتّضح الصّياغة القويّة وتبرز الأساليب القويمة في النّظم والتّصوير، وخصوصيّة المعجم الشّعري، وكثرة التّشبيهات والتّكرار والتّقريريّة.

4- لماذا لم ينظم الشّاعر في الفخر كما فعل شعراء مدرسة الإحياء، مع تفاوت فيما بينهم؟

5-يمكن عقد مقارنات بين أبي مسلم وغيره من الشّعراء، لمزيد من الكشف والبيان عن أمور كثيرة في شعر الشّاعر، مثلا:

بين أبي مسلم وابن الرّومي في الحديث عن الدّهر.

بين رائيّة أبي مسلم في رثاء الشّيخ السّالمي ورائية أبي الحسن التّهامي في رثاء ابنه.

بين لامية أبي مسلم في رثاء الشّيخ السّالمي ولامية ابن الوردي في جانب الحكمة فيهما.

بين نونيّة أبي مسلم ونونيّة أبي البقاء الرّندي ونونيّة أحمد شوقي وقصيدته كبار الحوادث في وادي النّيل، وغير ذلك من المقارنات التي تكشف عن حقيقة شاعريّة أبي مسلم.


[1]) Dr. Mohammad Saleh Nasser, Abu Muslim Rawahi Hassan Oman, i 1, presses the Renaissance, the Sultanate of Oman, 1416/1996, p. 22.

(1)

[2]) M. Q, p. 15.

[3]) M. Q, p. 143. Is also seen: P.67.

[4]) M. Q, p. 16.

[5]) Seen: ديوان أبي مسلم، عني بطبعه ونشره صالح بن عيسى الحارثي، حقّقه ودقّقه عبد الرّحمن الخزندار، مطبعة دار المختار (دون ذكر مكان الطّبع) 1406هـ/ 1986م، ص327 وما بعدها.

[6]) Mohammed bin Nasser bin Rashid Al Mahrouqi, Oman Modern Poetry (Abu Muslim Albahlana pioneer) 1860-1920M, i 1, the Arab Cultural Center, Casablanca (Morocco), Beirut (Lebanon), 1999-2000, p. 82.

[7]) M. X, Y 89.

[8]) Diwan Abu Muslim, p. 10.

[9]) Abu Muslim Rawahi Hassan Oman, S45-46.

[10]) Abu Muslim Rawahi Hassan Oman, p. 125.

[11]) ديوان الشّيخ العلاّمة أبي مسلم البهلاني، تحقيق: عليّ النّجدي ناصف، ط2، نشر وزارة الثّقافة والتّراث القومي، سلطنة عمان، 1412هـ/ 1992م.

[12]) Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي)، ص5.

[13]) الشّعر العماني الحديث، ص197.

[14])

[15]) M. س، ص32.

[16]) M. س، ص23-24..

[17]) الدّكتور محمد ناصر بوحجام: الرّؤية الإسلاميّة في كتاب: أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان، المطبعة العربيّة، غرداية (Algeria)، نشر جمعيّة التّراث، القرارة (Algeria)، ربيع الأوّل 1418هـ/ جويليّة 1997م، ص19.

[18]) D. محمد أحمد موسى: الاتّجاهات الفنيّة في الشّعر العماني (Lecture)، ص22. ندوة الأدب العماني الأولى، جامعة السّلطان قابوس، مسقط (Oman)، فبراير 2000م.

[19]) الدكتور إبراهيم السّعّافين: مدرسة الإحياء والتّراث، ط1، دار الأندلس للطّباعة والنّشر والتّوزيع، 1401هـ/ 1981م، ص241.

[20]) م.س، ص188.

[21]) M. س، ص357.

[22]) M. س، ص212، 213.

[23]) M. س، ص210.

[24]) الدكتور عمر الدّسوقي، في الأدب الحديث، ج2، دار الفكر العربي، القاهرة، (D. T.)، ص339.

[25]) مدرسة الإحياء والتّراث، ص297.

[26]) مدرسة الإحياء والتّراث، ص210.

[27]) م، ن.

[28]) أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان، ص145. Quoting: حنّا الفاخوري: الحكم والأمثال، دار المعارف، (D. T.)، ص8.

[29]) Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي)، ص367 وما بعدها.

[30]) أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان، ص146.

[31]) Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي)، ص385.

[32]) Seen: Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي)، ص392، 393.

[33]) M. س، ص392.

[34]) M. س، ص392، 393.

[35]) أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان، ص145.

[36]) Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي)، ص399.

[37]) سورة التّوبة، الآية: 109.

[38]) Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي)، ص399.

[39]) م، ن.

[40]) م، ن.

[41]) M. س، ص407.

[42]) Hud, verses: 42-43.

[43]) Seen: Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي)، ص374 وما بعدها.

[44]) M. س، ص413، 414.

[45]) M. س، ص418.

[46]) M. س، ص417.

[47]) م، ن.

[48]) سورة المدّثر، الآيتان: 46-47.

[49]) ديوان أبي مسلم الرّواحي (نشر الحارثي)، ص415.

[50]) M. س، ص417-418.

[51]) M. س، ص423-424.

[52]) M. س، ص423.

[53]) M. س، ص417.

[54]) M. س، ص386.

[55]) M. س، ص423.

[56]) M. س، ص413.

[57]) M. س، ص25.

[58]) M. س، ص423.

[59]) M. س، ص407.

[60]) يقارن مثلا بين قصيدته “في المواعظ”، وقصيدته في رثاء القطب، الدّيوان، ص367… و 385… ففيهما معاني كثيرة متشابهة ومكرّرة عن الموت.

[61]) أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان، ص147.

[62]) Seen: Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي) وقصيدته ” في الحكم “، ص363 وما بعدها، و قصيدته “في المواعظ”، ص367 وما بعدها، والمقصورة (Glory does not have all inherit), P. 336 et seq., And other.

[63]) Abu Muslim Rawahi Hassan Oman, p. 155. Seen, for example, a poem poet ” في المواعظ “، ص367…

[64]) Seen: Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي), P. 390 et seq., And Y: 406 And Beyond.

[65]) We have mentioned examples of this approach in the Investigation: Valhyah world valmvt valhkmh.

[66]) الدّكتور أحمد درويش: تطوّر الأدب في عمان: المصادر المناهج المراحل النّماذج، نشر دار غريب للطّباعة والنّشر والتّوزيع، القاهرة، 1998 م، ص189، 190.

[67]) Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي), P 387.

[68]) M. س، ص403.

[69]) M. س، ص411.

[70]) M. س، ص421.

[71]) M. س، ص391.

[72]) أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان، ص173.

[73]) الشّعر العماني الحديث أبو مسلم البهلاني رائدا، ص162.

[74]) D. سمير هيكل، ” بين أبي مسلم البهلاني الرّواحي وأبي البقاء الرّندي، جواتب أدبيّة وفنيّة مقارنة “، قراءات في فكر البهلاني الرّواحي ط1، المنتدى الأدبي، وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، 1418 هـ/ 1998م، ص59. يتأمّل ما كتبه الدكتور سمير هيكل تعليقا على مقدّمة ” نونيّة أبي مسلم ” In ibid., Also .anzer Dr. Hussein Atwan, Introduction Arab poem in the pre-Islamic era, p. 180.

[75]) Readings in the thought Albahlana Rawahi, p. 69.

[76]) Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي), P. 336 in the House Alao's received word: “Ruins” في المخطوط “Prejudice”. يبدو في البيت الحادي عشر كسر، أي أَنَّ الشّطر الثّاني غير موزون. يبدو في البيت الأخير خطأ نحوي. كان عليه أن يقول “دعني أبك”. Instead of “دعني أبكِي”.

[77]) Seen: Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي)، ص445.

[78]) أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان، ص127، 128.

[79]) Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي)، ص299 – 315. Place on record here that there is a difference between the Court manuscript compiled by Salim bin Suleiman bin Salim Albahlana Court and published by Saleh bin Isa Al Harthy in a few words.

[80]) The development of literature in Amman, p. 170. ينظر أيضا تعليق الدّكتور محمد ناصر على هذا الأسلوب كتابه، أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان، ص159.

[81]) عن الاختلاف بين المقدّمة عند أبي مسلم والمقدّمة عند الشّعراء القدامى، ينظر الدّكتور محمد ناصر، أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان، ص178.

[82]) M. س، ص185.

[83]) Abu Muslim Bureau (تشر الحارثي)، ص306-307.

[84]) الشّعر العماني الحديث: Abu Muslim Albahlana pioneer, p. 187.

[85]) M. Q, S223-224.

[86]) Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي), P. 25.

[87]) The development of literature in Amman, p. 174.

[88]) Dr. Mahmoud bin Mubarak bin Habib Salimi: The impact of thought toes in the Omani hair keratin in the thirteenth and fourteenth centuries AD, (Manuscript) رسالة دكتوراه، قسم اللّغة العربيّة، كليّة الدّراسات العليان الجامعة الأردنيّة، ص286-287.

[89]) Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي)، ص379.

[90]) تطوّر الأدب في عمان، ص177.

[91]) M. س، ص193.

[92]) أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان، ص183.

[93]) Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي)، ص369.

[94]) M. س، ص371.

[95]) M. س، ص418.

[96]) M. س، ص421.

[97]) ينظر تعليق الدّكتور محمد ناصر على هذه الظّاهرة كتابه: أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان، ص153. والدّكتور محمود السّليمي وكتابه: أثر الفكر الإباضي في الشّعر العماني، ص274 وما بعدها. و قد عدّ التّكرار ظاهرة بارزة عند شعراء الفكر الإباضي.

[98]) ينظر قراءات في فكر البهلاني الرّواحي، المنتدى الأدبي (Oman) إصدار سنة 1418 هـم 1998م، ص80.

[99]) عمر الدّسوقي: في الأدب الحديث، دار الفكر العربي، القاهر، (D. T.)، ج2، ص339.

[100]) الشّعر العماني الحديث أبو مسلم البهلاني رائدا، ص239. Quoting: محمد الهادي الطّرابلسي: خصائص الأسلوب في الشّوقيات، منشورات الجامعة التّونسيّة، 1981، ص143.

[101]) Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي)، ص359.

[102]) ينظر المصدر السّابق، ص357 وما بعدها، وص: 367 وما بعدها، فقد وردت فيها تشبيهات بهذه الكلمات.

[103]) M. س، ص367.

[104]) M. س، ص463. ينظر مثلا الصفحات الآتية: 461، 462، 469، 487…

[105]) M. س، ص448.

[106]) M. س، ص421.

[107]) M. س، ص403.

[108]) م.س، ص449.

[109]) M. س، ص420.

[110]) M. س، ص402.

[111]) M. س، ص406.

[112]) M. س، ص427.

[113]) M. س، ص401.

[114]) M. س، ص299.

[115]) M. س، ص299.

[116]) قراءات في فكر البهلاني الرّواحي، المنتدى الأدبي (Oman)، إصدار سنة 1418هـ/1998م، ص80. ينظر، ص68، فيها تعليق على اللّوحة الكاملة التي رسمها الشّاعر في مقدّمة القصيدة للبرق، بما تركه في نفس الشّاعر من حركة واهتزاز واضطراب وخفقان، ممّا أضفى على صورته حركة نابضة.

[117]) Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي)، ص299.

[118]) M. س، ص301.

[119]) M. س، ص421.

[120]) M. س، ص413. Is also seen: ص330، 395.

[121]) M. س، ص327.

[122]) M. س، ص300.

[123]) M. س، ص376.

[124]) M. س، ص352.

[125]) M. س، ص300.

[126]) M. س، ص303.

[127]) M. س، ص421.

[128]) M. س، ص393.

[129]) قراءات في فكر البهلاني الرّواحي، المنتدى الأدبي (Oman)، إصدار سنة 1418هـ/1998م، ص80.

[130]) أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان، ص165.

[131]) في النّونيّة نلاحظ تأثّر الشّاعر بمجموعة من الشّعراء. ينظر قراءات في فكرالبهلاني الرّواحي، المنتدى الأدبي (Oman) إصدار سنة 1418هـ/ 1998م، ص53 وما بعدها.

[132]) ينظر المرجع السّابق، ص67.

[133]) ينظر كتاب أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان، ص132، 133.

[134]) الدكتور محمد ناصر بوحجام: أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث (1925 – 1976م)، ط1، المطبعة العربيّة، غرداية (Algeria)، ج2، ص343.

[135]) الشّعر العماني الحديث أبو مسلم البهلاني رائدا، ص223.

[136]) M. س، ص225.

[137]) M. س، ص232-233.

[138]) Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي)، ص303.

[139]) M. س، ص311.

[140]) M. س، ص309.

[141]) M. س، ص400-401.

[142]) نطوّر الأدب في عمان، ص194.

[143]) Abu Muslim Bureau (Harthy)، ص310.

[144]) M. س، ص344.

[145]) M. س، ص345.

[146]) The impact of the Koran in the modern Algerian hair, c 2, p. 344. Consider other plate where these specifications that we have mentioned earlier verses of the Court of Abu Muslim (نشر الحارثي), P. 342.

[147]) Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي), P. 348.

[148]) The development of literature in Amman, p. 193.

[149]) Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي), P. 350.

[150]) M, o, p. 307.

[151]) م، ن.

[152]) M. Q, p. 287.

[153]) أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج2، ص348.

[154]) Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي)، ص397.

[155]) سورة ق، الآية: 21.

[156]) Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي)، ص397.

[157]) سورة ق، الآية: 19.

[158]) Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي)، ص398.

[159]) سورة ق، الآية: 37.

[160]) Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي)، ص491.

[161]) استلهام الشّاعر القرآن الكريم، في معجمه الشّعري وصوره ورموزه كان مكثّفا، لم تتعرّض له في البحث خوف الإطالة، وقد اكتفينا هنا بالإشارة إليها.

[162]) أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج2، ص365، 366.

[163]) Abu Muslim Bureau (نشر الحارثي)، ص493.

 

* ندوة الخطاب الديني في شعر أبي مسلم البهلاني الرواحي

Held during the period from 3 A November 1423 e / 6 يناير 2003م حتى 5 A November 1423 e / 8 January 2003

Oman – The Ministry of Awqaf and Religious Affairs

 

 

 

This article contains No comment

Write your comment here

Please put article below
Name
Email
Site
Your comment