آداب السلوك الصوفي في خطاب أبي مسلم الشعري

آداب السلوك الصوفي

في

خطاب أبي مسلم الشعري *

 

أ. د. عاطف جودة جاد نصر

الأستاذ المتفرغ بقسم اللغة العربية وآدابها ـ كلية الآداب

جامعة عين شمس/ مصر

 

للصوفية آداب سلوكية تمثل في مجموعها قواعد يتبعونها ويقفون عند حدودها، وهي آداب وشروط ومراسم تحقق النموذج الأخلاقي في مستواه التأسيسي، وفي مظاهره العلمية وما تنطوي عليه من إلزام. وليست هذه الآداب بمعزل عن الشرع، ذلك لأنهم يرددونها للاقتداء والتأسي بما روي عن الرسول صلعم في أخلاقه وأفعاله وأحواله. أما آداب السلوك فما نجده في مظان التصوف ومصادره التراثية من نحو اللمع لأبي نصر السراج، والرسالة للقشيري، وقوت القلوب لأبي طالب المكي، والتعرف للكلاباذي، فضلا عن كتب ابن عربي ورسائله المتنوعة.

فمن ذلك آداب سلوك يترسمونها في العبادات المفروضة، وآداب يلتزمون بها في المعاملات، وآداب أخرى في الصحبة، وعند مجاراة العلم، وفي أوقات الطعام والاجتماعات والضيافات، وفي أوقات السماع والوجد، وفي اللباس والأسفار، وفي بذل الجاه والسؤال والحركة من أجل الأصحاب، وفي غير ذلك من الأحوال والمقامات تطالعنا لهم آداب في الأخذ والعطاء، وإدخال الرفق على الفقراء، وفي الذكر والجلوس للعلم، وفي الرفق بالأصحاب والعطف عليهم، وآداب تتعلق بالمريدين والمبتدئين، وبالخلوة والصداقة والمودة.

وتمثل هذه الآداب السلوكية منهجا عمليا في التربية الروحية التي تقوم عندهم على ما يطلقون عليه التخلي والتحلي بقصد تطهير النفس من الرذائل، وتصفيتها من الشوائب المعطلة للكمال الروحي وتحليتها بفضائل الإيثار والصدق والإخلاص والتوكّل والرضا والصبر والمراقبة، حتى ترسخ قدمها في هذه المقامات فتصير لها كالطبع والعادة.

ويكشف هذا الجانب التربوي الأخلاقي عن حب عميق للإنسانية كلها، ورغبة صادقة في تحقيق ضرب من الفتوة الروحية في تواضعها وشفقتها وإيثارها وعدم زهوها بما تحقق من أخلاق؛ لأنَّ هذا الزهو داعٍ لإحباط الأعمال.

وقد يظن بهذه الأخلاق والآداب السلوكية أنها تعبر عن مزاج متشائم يرفض الدنيوي، وينبذ المتع المتاحة في حدود الشرع، وهو ظن مبعثه ألوهم، ذلك أن الصوفية يقدمون أخلاقا إيجابية تشيد بالفضائل في سياق القدوة الرامية إلى التكميل، وليس هؤلاء كالذين تصلحهم أخلاق المعاوضة والحوافز والدوافع الراغبة في تحقيق المصالح الشخصية، إذ يقدم الصوفية آداب السلوك والأخلاق في سياق الحب والتجرد من المكاسب والأهواء.

ولا يخطئ من يتأمل هذا الجانب من التصوف الإسلامي على ما بين المعرفة والأخلاق عند الصوفية من وشائج قوية. فهذا العقل العملي في تجليات مسالكه المبرأة من الأنانية والكبر والإعجاب والمنافع العاجلة والآجلة، وهذه النفس المطمئنة الراضية إذ تقطع الطريق وتقتحم عقبات النفس الأمارة واللوامة محترقة بنار المجاهدة والرياضة، كل ذلك حري بأن يفضي إلى معرفة ما لا طاقة للعقل النظري بمعرفته.

إن آداب السلوك وفضائله الأخلاقية في التصوف الإسلامي وما تقدمه من شروط وقواعد، إِنَّمَا تزكو في حضن الدين، وتحكمها موازين الشرع، وهي تفسر لنا تحذيرات الصوفية الأوائل من الذين لا يقيمون موازين الشريعة، وهم طوائف كانت تصدر عنهم أعمال مضادة، لفطرة الدين والأخلاق، كمصاحبة الغلمان، وأخذ الأرفاق، وتعاطي المفتّرات بحجة الأخوة في الطريق، أو بمغالطات التقابل بين عصيان الشريعة في الظاهر، وطاعة الحقيقة في الباطن؛ لأنَّ الحقيقة إِنَّمَا هي ثمرة الإخلاص في إقامة الشريعة.

إنّ قواعد السلوك والأخلاق تقوم في التصوف على مبادئ التربية والقدوة، وتمحيص الفضائل من آفات الرياء، والانخراط في المجاهدة المتذرعة بالتفويض والتسليم لله، وهي أخلاق تزكي الواجب الديني والاجتماعي بمنأى عن المنافع الشخصية، وتحيي الضمير بالمراقبة والمحاسبة، وهي بإصرارها على تحقيق منتهى العبودية لله، تحقق منتهى التحرر من أسر ما عداه، وهي بالمجاهدة والتربية الروحية والسلوكية تنمي الإرادة القادرة بألطاف الله، وقهر الرذائل وتجاوز العقبات التي تعرض في طريق السلوك الذي يلتمس قدوته في الأشياخ المربين؛ لأنهم أقدر من المريد على معرفة الرعونات والتأتي للأداء.

وقد يكون للأخلاق في التصوف جانب سلبي يتصل بمذهب الصوفية، ذلك أن مذهبهم في الأخلاق يتصور الشر مجرد مظهر من مظاهر ألوهم، فالجمال والكمال والخير أمور إيجابية متصفة بالوجود، أما القبح والنقصان فترجع إلى النفي والسلب والعدم. وربما ينجم عن هذا الموقف نوع من التفويض والقعود عن مكافحة النقائص الفردية والاجتماعية بدعوى أنها أمور عدمية، أو أنها مرادة لله، مِمَّا يمكن أن يحبط حركات الإصلاح. وقد آن للاتجاهات الصوفية المعاصرة أن تنخرط في مشكلات الفرد، وأزماته الاجتماعية والأخلاقية، وأن ينأى بعضها عن الانعزال والانطواء، وأن يتجه إلى الاتصال والتقويم، مستعينا على تحقيق الغايات بتقوية الإرادة، وتنبيه الإمكانات الغافية، وتنقية العاطفة، وتوسيع الذات، وإثراء الشخصية، ليتأتى للتصوف الإسلامي أن يوجه دعوته المخلصة إلى العالم المتدابر، معلنا شعار الأخوة في الله.

إنّ خطاب أبي مسلم الشعري ليس بمعزل عن الدعوة إلى السلوك الصوفي موضوعا في الإطار إلَى تحقيق كثير من غايات العرفان والأخلاق. ويمثل الخطاب الشعري عنده نوعا أدبيا نعرفه في الشعر وفي النثر، وهو ما يعرف بأدب الضراعة والابتهال والمناجاة والدعاء. ولهذا النوع الأدبي ميراث في معاذلات الغزالي، وفي مواقف النفري ومخاطباته، وفي ابتهالات السهروردي الإشراقي للنور في هياكله، وفي العارف لابن سبعين، وفي إشارات أبي حيان الإلهية، وفي مناجاة ابن عطاء الله السكندري، وفي التائيات الشعرية لابن الفارض، وفي غير ذلك من نصوص التراث الصوفي.

ولأبي مسلم في فن التائيات باع لا يطاول، ونفس لا يبارى، فقد ساق تائيته في الذكر وفي الأسماء الإلهية في خمسمائة وسبعة وتسعين بيتا بعد الألف. ولا نعرف في فن التائيات الصوفية نصا بلغ هذا العدد، فلابن الفارض تائيتان تعرف إحداهما بالكبرى، وتعرف الأخرى بالصغرى، وهما في مجموع أبياتهما دون تائية أبي مسلم بكثير. وفي هذه التائية لشاعر عمان الكبير خصائص ومقومات فنية وأسلوبية من حيث المفردات والتراكيب والتناص والمصطلح الجدلي الكلامي والمصطلح الصوفي، مِمَّا يفرد له سياق يعنى بالدراسة الفنية.

وتطلعنا الدراسة الصوفية على ما وضع البهلاني في شعره من شروط للذكر بوصفه عمدة الطريق عنده وعند الصوفية. وقد بين هذه الشروط الستة المتمثلة في: طهارة القلب، والتفرد في الخلاء، والوضوء، والإخلاص، واستقبال البيت، وصوم يوم الخميس، وذلك في لاميته من الطويل والعروض والضرب المقبوضين، وهي من الذكر الثالث الموسوم بعنوان: المعرج الأسني، ومن ذلك قوله:

على المعرج الأسني من الذكر عولا فإشراق شمس السر فيه                       تهللا

وما هو إِلاَّ ذكر          أسـماء ربنا           تعالى ولكن كن على الشرط     أولا

فأوله التطهير للقلب        من أذى           المعاصي وثانيه التفرد في         الخلا

وثالثه الإخلاص            لله وحده           وهذا ملاك الأمر فالزمه        مقبلا

ورابعه استقبالك البيت      في الدعا           وخامسه كون الوضوء         مكملا

وسادسه صوم الخميس         محبب           وفي سحر الزهراء للذكر      فاعملا

وقد احتج الصوفية للذكر وآدابه بنقول من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وعدوه ركنا من أركان السلوك في الطريق، وهو عندهم كما بين القشيري في الرسالة على ضربين: ذكر اللسان، وذكر القلب؛ وبذكر اللسان يصل العبد إلى ذكر القلب إذ التأثير له، والذاكر بلسانه وقلبه هو الكامل في وصفه في حال سلوكه.

ومن خصائصه: أَنَّه غير مؤقت، إذ الإنسان مأمور بذكر الله، لذلك يبدو الذكر القلبي مستداما في عموم الحالات. وقد أشار الامام الغزالي في “منهاج العارفين” إلى آداب الذكر الماثلة في استشعار حياء العبودية وهيبة الربوبية، وإزالة حجاب الغفلة. فقد ذكرنا الله مع غنائه عنا، ونحن نذكره مفتقرين إليه. وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾([1]) وتتنزل السكينة على الذاكر، وإليها الإشارة في قوله تعالى: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أما الخوف الناشئ عن الذكر فغالب على العُبّاد لشعورهم بالتقصير، وهو للمبتدئين في الطريق وإليهم الإشارة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾([2]).

ويضيف الصوفية إلى أحوال الذكر ودرجاته ما يومئ إلى درجة منه تفنى بموجبها الهمة عن الذكر، ويقوم مذهب البهلاني على الذكر بالأسماء الحسنى على حد ما بين ذلك في تائيته التي سبق أن أشرنا إليها، وفي قصيدته اللامية من الخفيف والعروض والضرب الصحيحين الموسومة “بالناموس الأسني في أسماء الله الحسنى” وتدور على البسملة، وثماني حضرات متسلسلة في النص، تضم الحضرة الأحدية، والعرفانية، والقدسية، والرحموتية، والفتوحية، والجبروتية، والقاصمة، والثامنة: الحضرة القريبة، وأنهاها البهلاني بأبيات مائة جعلها خاتمة السعادة.

وديوان البهلاني كله موقوف على الذكر بمعناه الصوفي، وقد نظم الذكر بالأسماء إلهية، وكشف عما ينقدح للذاكر من مواجيد وأذواق وعلوم وأسرار وأحوال ومقامات في قصائده وسموطه، وضم إلى ذلك قصائد في المناجاة والابتهال والضراعة والدعاء.

ويحار المرء في التمثيل بأبيات من تائيته المطولة، لتنوع معانيها وكثرة لطائفها، ودقة مبانيها، وعمق أغوارها الصوفية، غير أن هذه الحيرة لا تحول دون التمثيل بمتفرقات من تائيته توخينا فيها آيتي سورة الحشر من قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ، هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾([3]). فمن ذلك اسمه تعالى “الملك”، أداره البهلاني على أحد عشر بيتا (155 ـ 165) ترسم فيها تكرار تركيب مؤلف من وصف المجرور بالحرف من نحو، إلى الملك الأعلى، إلى الملك الغلاب، إلى الملك القهار. وفي الأبيات إشارتان من إشارات الصوفية، إشارة إلى ما تعارفوا على تسميته: “بعالم الميثاق أو عالم الذر” وإشارة إلى مقام تمحيص المحبة. وذلك قوله:

إلى الملك الأعلى الذي     أنا مؤمن           بتوحيده في عالمية                ذرتي

إلى الملك الأعلى الذي    أنا مخلص           له الدين حبا لا لنار            وجنة

فأما عالم الميثاق والذر فمشتق عند الصوفية من الآية السابعة من سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾([4])، ويقصدون بذلك نشأة مثالية توجه إليها خطاب الربوبية فأقرت بتوحيدها له في هذه النشأة. وأما تخليص المحبة وتمحيصها فالغاية منه أن يكون مذهبا في الحب الإلهي أرست قواعده السيدة رابعة العدوية، وأفاض الصوفية في بيان مدارجه وآفاقه، وهو حب يتجاوز الخوف والرجاء ولا غاية له من وراء المحبوب الأقدس.

والذكر باسم الله (القدوس) مداره عند البهلاني وعند الصوفية على التنزيه عن شوائب النقص في حق الذات الإلهيَّة، وذلك لاستيفائها الكمال المطلق، فهو تقديس عن العلة والمعلولية، وهو تقديس لا تحصره النسب، وتنزيه عن أن يحيط العقل بواهبه ومفيضه، وعن الأمثال، والأضداد، والشركاء، والانفصال، والاتصال، والاتحاد، من غير قول بالتعطيل، ويختم البهلاني تقديساته بأن يكون لحقيقته وهمته ومقاماته ومشاهده ويقينه وصفاته نصيب من هذا الاسم الإلهي، إذ مدار الأمر على التخلق بالأسماء الإلهيَّة، ومن ضراعاته ودعائه الذي يلتمس فيه التخلق بهذا الاسم قوله:

بسر اسمك القدّوس قدّس    حقيقتي           وحقق بتقديسات وجهك        هِمّتي

وقدس مقاماتي وقدس      مشاهدي           وقدَس يقيني فيك من كل      شبهة

وقدّس صفاتي كي        تليق نزاهتي           بتسبيح تقديسات نور        الألوهة

ومآل اسمه تعالى السلام إلى عدة معان ذكرها أبو مسلم منها معنى التقديس والتنزيه من العيوب والسلامة من عوارض النقص وآفاته، وتسليمه الخليقة موجوديتها، وتسليمه إياها من الشر المطلق غير شر تضمن خيرا خفيا. أما اسمه تعالى المؤمن فتشع دلالته بالامان من المكر والاستدراج والإملاء، ومن غوايات النفس ووساوس الشيطان، وعلى هذا الحذو من النظم يذكر ويدعو بالمهيمن، والعزيز، والجبار، والمتكبر، وبسائر الأسماء الحسنى.

هذا مذهب البهلاني في أذكاره، وهو مذهب يرجع إلى ما يعرف بالذكر المقيد بالاسم المذكور به، وثم مذهب آخر يجنح الصوفية فيه إلى ما يعرف بالذكر المطلق، ومدار هذا النوع منه على لفظ الجلالة (الله) لكونه اسما جامعا لسائر الأسماء، وقد ألح ابن عربي في الفتوحات على تزكية الذكر المطلق وبيان مزيته وفضيلته، إذ المسمَّى بهذا الاسم لا تقيِّده الأكوان، ومن له الوجود التام، أمَّا الذكر المقيد فلا ينتج إِلاَّ ما تقيد به. والذكر من العبد استحضار، وفي سياق الاستحضار يتنوع الذكر بتنوع طبقات الذاكرين وفق القوى، فمنهم من يستحضره في القوه الذاكره، ومنهم من يستحضره في القوه المتخيله، ومنهم من يعول على القوتين، والقوة الذاكرة للعلماء، والمتخيلة للعامة، والجامعون بينهما هم أهل الكشف والشريعة.

وشبه مذهب البهلاني في الذكر ـ على حد ما أورده منظوما في خطابه الشعري ـ أن يكون مذهبا جامعا بين الذكر المقيد والمطلق، وذلك لسريان مفهوم الاسم (الله) في جميع الأسماء، إذ يستحضر الذاكر باسم مقيد كالعزيز أو المتكبر أو اللطيف، الألوهية ويستشعر إطلاقها في الاسم المقيد، بما يستحضر تقيدها في استحضاره الاسم الشامل لجميع الأسماء، وعلى هذا الحدّ يفوز بثمرات الذاكرين؛ لأنَّه يمر بحضرات الأسماء الحسنى وما تنطوي عليه من معان وأسرار. وفي الذكر باسمه الخالق يسوق أبو مسلم أفكارا مأخوذة عن علماء الجدل والكلام، وكذلك في نظمه سائر الأسماء، تراه يثير مسائل من هذا العلم تجري على سنن الاعتدال ومجانبة المذاهب الغالية، مِمَّا يدل على علمه بدقائق الجدل، أمَّا التصوف فله فيه نفس وطريقة مأخوذ بها قائمة على ما تقوم وتستند إليه الطرق الصوفية من ذكر وطهارة وسلوك وتربية للمريدين. وفي الذكر باسمه تعالى (النور) يقول أبو مسلم:

ويا نور وصفا منك بالذات منك لائقا          تقدست عن جسم وعن      عرضية

ويا نور من حيث الظهور   الذي بدا           بمنفعل التأثير                والفاعلية

ويا نور من حيث الظهور       لغيره           بإخراجه من عالم             العدمية

ويا نور ملقى النور في        كل نير           ومشرق أضواء القلوب        المضيئة

بنورك نورني وهب لي          مراتـب           اليقين ومزق حجب طبي     وظلمتي

بنورك أوقفني على غيب        باطني           فمعرفتي إياك عراف             رتبتي

ولا يخطئ القارئ في هذه الأبيات التعرف على المصطلح الكلامي في الجسم والعرض، والمصطلح الصوفي العرفاني في الفاعلية والانفعالية، ولا يخطئ في البيت الأخير الوقوف على القاعدة المأخوذ بها عند الصوفية، والمتمثلة في أن معرفة الإنسان نفسه تهديه إلى معرفة الربوبية. ولا نقرأ هذه الأبيات في ذكر الله باسمه النور إِلاَّ تداعت آية النور من السورة القرآنية المسماة بهذا الاسم، والتي تدور على ضرب المثل للنور بالمشكاة، والمصباح والزجاجة، والشجرة الزيتونة، والزيت، ولا نتأمل هذه الأبيات إِلاَّ باستحضار مذاهب النور والإشراق في تراث الفكر الإسلامي ممثلا في مشكاة الغزالي، وحكمة الإشراق للسهر وردي الحلبي. ومآل ذلك في التصوف إلى أن الكون كله ظلمه، وانما اناره ظهور الله فيه. ويشبه تمييز الصوفية بين ما هو نور بذاته، وما هو نور بغيره، تمييز علماء الجدل في السياق الأنطولوجي بين ماهو واجد الوجود بذاته، وما هو واجد الوجود بغيره. وفي الذكر بهذا الاسم تنزيه للنور عن الخير والجسم والعرضية.

إن الذكر بالأسماء الحسنى عند أبي مسلم يفضي بنا إلى مسألتين تتعلقان بالتصوف، الأولى: تمييز الصوفية في الأسماء الإلهيَّة بين أسماء الجلال وأسماء الجمال، والثانية معرفة مراتب الأسماء الحسنى من العالم. ويقرر الصوفية فيما يتعلق بالمسألتين أن من عرف حقائق الأسماء فقد أعطي مفاتيح العلوم. ومذهبهم في الأسماء الإلهيَّة أن أسماء الجمال كالرحمن والرحيم والسلام والباسط والغفور تنتج الأنس، وأن أسماء الجلال كالجبار والمنتقم والمتكبر والمذل تنتج الهيبة، وحقيقة الأمر أن الجلال والجمال وصفان لله، أما الانس والهيبة فوصفان للإنسان، فالجلال للقهر، والجمال للرحمة. هذا هو المذهب العام عند الصوفية المسلمين، وقد نبه إليه ابن عربي في كتاب الجلال والجمال من مجموع رسائله، ونقل هذا المذهب منبها إلى أن الجلال لله معنى يرجع منه إليه، والجمال معنى يرجع منه إلينا، ولهذا الجمال عند الصوفي المحقق أمران هما: الهيبة والأنس، كما أن له علوا يسمى جلال الجمال، وهو الذي يقارنه منّا الانس، وله دنو تقارنه منا الهيبة، لنكون على الاعتدال، والجمال مباسطة الحق لنا، والجمال عزته عنا، فنقابل بسطه في جماله بالهيبة، وذلك لتجنب الوقوع في سوء الأدب عند المباسطة. وأما معرفة مراتب الأسماء الحسنى فتئول إلى أنها هي المفاتح. ولابن عربي في هذا السياق طرح لم يسبق إليه إداره على ربوبية الأسماء وما تحت حكمها من الحقائق، وعلى مانعته بأمَّهات الأسماء وبناتها، أما أمَّهات الأسماء فهي الحي، والعالم، والمريد، والقادر، والقائل، والجواد، والمقسط، وهي بنات اسمين هما المدبر، والمفصل.

فالحي رب الأرباب والمربوبين، وهو الإمام، ويليه في الرتبه العالم، ويلي العالم المريد، ويلي المربد القائل، ويلي القائل القادر، ويلي القادر الجواد، وآخرهم المقسط فإنه رب المراتب وهي آخر منازل الوجود. ويضيف العرفان الصوفي إلى ما سبق بيانه أمرين، الأَوَّل: أن الأسماء الإلهيَّة تطلب متعلقاتها ليكون لهذه الأسماء تأثيراتها، والثاني: أن كل اسم إلهي يتضمن الأسماء كلها، ويحتوي عليها مع وجود اللطيفه التي يقع بها التمييز.

ويصور ابن عربي هذه الحضرات الاسمائية في عرض بديع في نهاية الباب الرابع من المجلد الأوّل من الفتوحات بقوله: “فلما لجأت الأسماء كلها إلى هؤلاء الأئمة ولجأت الأئمَّة إلى اسم الله، لجأ باسم الله إلى الذات من حيث غناها عن الأسماء… فأنعم المحسان الجواد، وقال: قل للأئمة يتعلقون بإبراز العالم على حسب ما تعطيه حقائقهم، فخرج إليهم الاسم الله وأخبرهم الخبر فانقلبوا مسرعين فرحين مبتهجين”.

إن في إنتاج أبي مسلم البهلاني متمثلا في أذكاره التي صاغها في قوالب الشعر، ما يدل من قريب على تضلعه في علوم الشريعة والحقيقة، وامتداد نفسه في التصوف، وإلمامه العميق بعلم الكلام ومشكلاته، وتمثله للتراث الصوفي شعره ونثره، ووقوفه على مايدور بين الصوفية من علوم وأسرار ومصطلح ومواجيد وأذواق. وليس أدلّ على ذلك مِمَّا وقع في شعره من تناص مع التراث الصوفي لاسيما شعر ابن الفارض. غير أن البهلاني آثر لغة التصوف السني على لغة التصوف الفلسفي؛ لأنَّه أكثر ملاءمة للمريدين إذ كان أغلبهم من العامة. ولم يحل هذا الإيثار بينه وبين أن ترد في شعره نصوص احتذى فيها الأساليب الرمزية المتداوله بين الصوفية في خطابهم الشعري. وهذه النصوص هي المجال الذي يكشف عن التناص في شعره. ومن أبلغ الدلالات في تمثله للتراث الصوفي، العناوين التي اختارها لأذكاره ومنها: “النفس الرحماني”، إذ يدل هذا العنوان على أَنَّه قرأ ابن عربي ووقف على هذا المصطلح الصوفي عنده، وباشر مغزاه الروحي.

وقد ذكر الجرجاني في التعريفات أنّ “النفس الرحماني” هو الوجود العام المنبسط على الأعيان عينا، وعن الهيولى الحاملة لصور الموجودات، والأوّل مرتب على الثاني، سمي به تشبيها لنفس الإنسان المختلف بصور الحروف مع كونه هواءا ساذجا في نفسه، وعبر عنه بالطبيعة عند الحكماء. وسميت الأعيان كلمات، تشبيها بالكلمات اللفظية الواقعة على النفس الإنساني بحكم المخارج”.

ومدار هذا التعريف على مزيج من الفلسفة والتصوف اتخذ التشبيه والمجاز وسيلة للتعبير، ولا يبعد هذا التعريف عما أورده ابن عربي في “فصوص الحكم” مع فضل اتساع وتفنن أعانه عليهما لغته المرموزة، وتجاربه الروحية الخصبة واستبطاناته العجيبة. وأغلب الظن أن أبا مسلم كان على علم ودراية وتجربة وفهم لهذا المصطلح الصوفي، وإلا فلم اختار النفس الرحماني ليكون عنوانا لمجموع أذكاره؟.

هذا النفس الرحماني يحتوي صور جميع الموجودات بالقوة، كما يحتوي نفس الإنسان بالقوة جميع مايصدر عنه من حروف وكلمات. وقد نسب النفس إلى الرحمن؛ لأنه رحم به ما طلبته النسب الإلهيَّة من إيجاد صور العالم الذي تطلبه الربوبية بحقيقتها وجميع الأسماء الإلهيَّة، وقد قبل النفس الإلهي صور العالم، فهو لها كالجوهر الهيولاني، لذلك تهدي معرفة العالم إلى معرفة هذا النفس الرحماني.

وفي خطاب أبي مسلم الشعري أبيات قليلة تدور على ما يعرف عند الدارسين بالخمريات الصوفية التي تتميز بالأساليب الرمزية، وذلك في مقدمة الأذكار من النفس الرحماني، لاسيما في النص الذي يستهله بقوله:

فيالرجال الحب والكأس        مفعم           هلمَ اشريوا هذا المغني            ترنَما

عصرت لكم من خمرة الله     صفوها           فموتوا بها سكرا فما السكر     مأثما

لقد هام أهل الاستقامة         قبلنا           بها فانتشوا بين الخليقة          هيما

تراهم سكارى ينشر   الجمع فهمهم           ويطويه نور الفرق في أبحر     العمى

ملأت لكم دنَي          شرابا مروَقا           وحركت أوتاري فأنطقت     أعجما

ومن قبيل هذا الرمز الخمري قوله:

من كمثلي وذا         الشراب شرابي           والنبيون كلهم                 ندماني

هام قبلي به الخليل           وموسى           ثم عيسى وصاحب            القرآن

هذه حالتي وهذا               مقامي           فاعرفوني أو انكروا             عرفاني

ولا نقرأ هذه الأبيات إِلاَّ تداعت لنا خمرية ابن الفارض التي مطلعها:

شربنا على ذكر الحبيب        مدامة           سكرنا بها من قبل أن يخلق     الكرم

ولا يخفى تناص أبي مسلم في قوله: “فموتوا بها سكرا فما السكر مأثما” مع قول ابن الفارض في ميميته الخمرية:

وقالوا شربت الإثم          كلا وَإِنَّمَا           شربت التي في تركها عندي      الإثم

فلا عيش في الدنيا لمن عاش صاحيا           ومن لم يمت سكرا بها فاته      الحزم

أَمَّا تناص الخطاب الشعري عند أبي مسلم مع واقعة التجلي الموسوي في الوادي المقدس، فمما يمثل ميراثا عرفانيا لديه ولدى ابن الفارض ولدى الشعراء الصوفية. فقول أبي مسلم في البيتين اللذين جعلهما تمهيدا من الديوان الموسوم بالنفس الرحماني:

هذه النار وذا الوادي         المقدس           فاخلع النعلين والذلة          فالبس

واجد أنت هوى أو             قبسا           لا تجاوز إن هنا الليل        عسعس

يثيران في الذاكرة قول ابن الفارض:

آنست في الحي        نارا           ليلا فبشرت       أهلي

قلت امكثوا         فلعلي           أجد هداي        لعلي

دنوت منها       فكانت           نار المكلم          قبلي

ناديت منها        كفاحا           ردوا ليلي         وصلي

أما أبيات البهلاني التي أشربت دلالة الرمز المشتق من الخمريات، فإنها تعبر عن وجدان معرفي، يصل الصوفي بحقائق عميقة في شكل ومضات وإلهامات تكشف عما يشبه أن يكون تعطيلا للإرادة الشخصية بحيث يشعر الصوفي بقوة خارجية عليا تقهره وتغمره وتطغى عليه.

ويعبر الرمز الخمري عند البهلاني وعند غيره من الصوفية في الخطاب الشعري عن حالة الوجد، وهي من أكثر الأحوال الصوفية امتلاءا بالتوتر والحركة والشعور الغامر بالنشوة والانفراج العاطفي.

وقد دارت عند أبي مسلم كما دارت عند غيره دلالات مأخوذة من تراث الشعر الخمري، كالصرافة، والمزج، والشعشعانية، والتعتيق، والشفافية، ومجالس المنادمة على الشراب، وما يدور فيها من سماع وطرب، غير أن هذه الدلالات التي تكون معجم الشعر الخمري، طرأ عليها عدول حاد بها عن مستواها الأول إلى مستوى ثان أعمق يؤسس رمزية هذه الأساليب في الشعر الصوفي. وفي عرفانيات التصوف الإسلامي تحليل نفسي مستفيض لظاهرة السكر الصوفي يدور على الجمال، والحيرة في الشهود، والدهشة. هذا الوجد المعبر عنه رمزيا في الخطاب الصوفي بالخمر والسكر يئول إلى شعور باطن بغبطة وفرح عميقين، تفضيان إلى وضع تهتز فيه النفس وتنشط قواها نشاطا غير مألوف، بحيث يتعذر عليها أن تكبت ما تجيش به من حركة متوترة.

ولدينا في هذا السياق تحليل أوفى على الغاية أورده الكاشاني في مقدمة شرحه لتائية ابن الفارض الكبرى، فالسكر عنده “دهش يلحق سر المحب في مشاهدة جمال المحبوب فجأة؛ لأنَّ روحانية الإنسان التي هي جوهر العقل لما انجذبت إلى جمال المحبوب، بعد شعاع العقل عن النفس، وذهل الحس عن المحسوس، وألم بالباطن فرح ونشاط، وهزة وانبساط، لتباعده عن عالم التفرقة والتمييز، وأصاب السر دهش ووله وهيمان لتحير نظره في شهود الجمال. وتسمى هذه الحالة سكرا، لمشاركتها السكر الظاهري في الأوصاف المذكورة، إِلاَّ أن السبب في استتار نور العقل في السكر المعنوي غلبة نور الشهود، وفي السكر الظاهري غشيان ظلمة الطبيعة”.

وتطالعنا في خطاب أبي مسلم ضراعات ودعوات منثورة توخى فيها ما نعته بدعاء الحروف، وهو دعاء رتبه على أبجدية المعجم العربي في تسلسلها وترتيبها، وذلك أنه يذكر الحرف ثم يربطه بالحرف الأول من اسم أو صفة إلهيَّة، وعلى هذا الحذو جرى في أدعيته، بألف الألوهية والآلاء، وباء البر والبركات، وتاء التوبة والتوفيق، وثاء المثوبة، وجيم الجود والجلال، وحاء الحلم والحول والحمد والحياة، وخاء الخبير والخير، ودال الدوام، وذال الذات، واستوفى على هذا النحو الحروف، حتى انتهى في خاتمة دعائه بالصلاة على النبي صلعم، منوعا في صيغ هذه الصلوات، ومعانيها، إذ يعد ذلك عند الصوفية في مجالس الذكر من آدابهم المرعية، ولا يتم الذكر ولا يحسن ولا يقبل إِلاَّ بهذه الصلوات، فالنبي صلعم ـ على حد ما ورد في دعاء الحروف ـ لمعة النور، وبارقة الإيمان، وشمس الحضرة، وقطب الدائرة، ومنبع الفيض، وحامل اللواء.

فأما وقد شارف هذا البحث نهايته فنحب أن نختمه بالكلام عن مذهب للصوفية في الحروف، منوهين من بعده بالصلاة على النبي من حيث هي تتمة للذكر الفردي والجماعي.

ويرجع دعاء الحروف عند البهلاني إلى تركيب عرفاني صوفي مرموز عند الصوفية نجده في بعض مؤلفات ابن عربي ومنها، الفتوحات المكية، ورسالة في الفتح الفاسي تحت عنوان: (المبادئ والغايات بما تتضمنه حروف المعجم من العجائب والآيات). ويذهب الصوفية إلى أن علم الحروف موروث عن الإمام جعفر الصادق. وممن أحاطوا بأسرار هذا الفن، جابر بن حيان، وابن ميسرة والحكيم الترمذي. والعلم بالحروف عند الصوفية مقدم على العلم بالأسماء تقدم المفرد على المركب، وأن ما ينتج عن المركب لايعرف إِلاَّ بعد معرفة نتيجة المفردات التي تركبت عنه، وهي مسألة من مسائل الخلاف الظاهري.

وفي بث طرف من أسرار هذا العلم يقيم الصوفية علاقات بين علم الحرف وعلم الأعداد الحسابية، فالألف عندهم قيوم الحروف لسريانها في مخارج هذه الحروف سريان الواحد في مراتب الأعداد، وللألف من هذه الوجهة التنزيه بالقبلية والاتصال بالبعدية، لذلك أشبهت الألف الواحد لتعلق أعيان الإعدادية ولا يتعلق الواحد بها.

وعلم الحرف عند الصوفية هو الذي تظهر به أعيان الممكنات والكائنات، وهو كما وصفه الحكيم الترمذي: علم الأولياء. ومآل مذهبهم في أن الحرف أصل الإيجاد أن الحروف إِنَّمَا تظهر أعيانها اذا انقطع الهواء في طريق خروجه، فلما تألفت أعيان الحروف ظهرت الحياة الحسية في المعاني، وكذلك لما أراد الله وجود الأعيان قال لها: “كن” فكان الكلام الإلهي أول شيء أدركته الأعيان ولا يبعد أن تكون هذه الكلمة الإلهيَّة مجازا ورمزا وتمثيلا للإرادة الإلهيَّة التي تخصص القدرة.

وفي عرفانيات التصوف الإسلامي جداول ولوحات أساسها التقابل بين الحروف وبين الطبائع الأربع، وفيها ميل إلى تصور اللغة على نحو كوني. ونجد فيما قدَموه عرضا لمعرفة مراتب الحروف والحركات من العالم، وما لها من الأسماء الإلهيَّة الحسنى، وحديثا عن أفلاك الحروف وطبائعها وبسائطها وحظوظ الحضرات منها.

وقد اتسع هذا العالم اللغوي في عرفانيات التصوف الإسلامي بحيث أفضى إلى اعتقاد أن لكل عالم من عوالم الحروف رسولا من جنسهم، وشريعة تعبدوا بها، وأن فيهم عامة وخاصة وازداد هذا العالم العجائبي اتساعا حتى أفضى بهم إلى تصور الحروف على نحو ما تصوروا مملكة العالم الباطن فذهبوا إلى أن في عالم الحروف قطبا وإمامين وأربعة أوتاد وسبعة أبدال.

لذلك لم يكن غريبا أن تشرب حروف الأبجدية العربية رموزا وإشارات؛ فالألف رمز الذات الإلهيَّة في نزاهتها وعلوها وأزليتها وأبديتها، والهاء للهوية، والحاء للحواميم، والباء رمز الاستخلاف ونيابة الإنسان، وإشارة إلى القيومية التي تعينت بها الأشياء، وقديما تحدث الشبلي عن نفسه فقال: “أنا النقطة التي تحت الباء”، إذ بها ظهور الوجود، وتميز العابد من المعبود، وبعد هذه العبارة المأثورة التي ترددت أصداؤها العرفانية في القرن الرابع الهجري، تحدث أبو مدين التلمساني في القرن السادس الهجري، عن هذا الحرف فقال: “ما رأيت شيئا إِلاَّ ورأيت الباء عليه مكتوبة”. وعلى هذا النمط الصوفي العرفاني وصل إلينا مذهب أبي مسلم البهلاني في الحروف، وفي ارتباطاتها بمذهبه في الأسماء والصفات الإلهيَّة مِمَّا من شأنه أن يضفي قداسة على هذه اللغة العربية التي بها نزل القرآن الكريم.

وهذه أبيات له تحرى في مطلع كل بيت منها أن يبدأ بحرف الباء، ومن ذلك قوله من الوافر:

باسمك سيدي تجلى         الكروب           وذكرك تطمئن به             القلوب

بحمدك سبحت نفسي        وروحي           وقلبي فيك منكسر            قطيب

بثثت إليك أحزاني             وكربي           وحالي عنك ربي             لا تغيب

برحمتك استغثت ولي            يقين           بأن من استغاثك             لا يقين

بلطفك سيدي فرج          وبشرى           وإن عقدت شدائدها       الخطوب

بقدرتك استجرت من       الأعادي           فأنت القاهر الحكم         الحسيب

بنور محمد نوّر                  يقيني           وصل عليه ما نارت            قلوب

فأمَّا الصلاة على النبي صلعم فإنها من آداب السلوك الصوفي وشرط من شروط الذكر. وللصوفية في هذا الباب صلوات مأثورة، امتثالا منهم للأمر الواجب في قوله تعالى في الآية السادسة والخمسين من سورة الأحزاب ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. ولهذه الصلوات صيغ متعددة وأساليب تفنن الصوفية فيها ومزجوها بمدائح نبوية، تمتد جذورها في تراث الشعر العربي ممثلا في مدائح حسان بن ثابت، وكعب بن زهير، وعبدالله بن رواحة، والنابغة الجعدي، والكميت بن زيد، والسيد الحميري، ودعبل، والشريف الرضي، ومهيار الديلمي، والبوصيري. وامتدت هذه المدائح إلى العصر الحديث الذي ينتسب إليه أبو مسلم ممثلا إلى جانب البارودي، وأحمد شوقي، شعراء الخليج عامة، والشعر العماني على جهة التخصيص.

وتطالعنا في الأدب الصوفي هذه الصلوات في شكلها النثري. ولدينا منها صلوات مأثورة عن أستاذة الطرق الصوفية وشيوخها، ويؤسس غير قليل منها وظائف وأورادا يؤدونها بلذة ووجد وحضور في مجالس الأذكار، وتعرف كل طريقة من طرقهم بصلواتها ومدائحها. ومن أشهرها ما ينسب لأبي حسن الشاذلي، وعبد السلام بن مشيش، وأبي العباس المرسي، ولغيرهم من أساتذة الطرق البكرية، والأحمدية، والمحيوية، والمولوية.

أما المدائح والصلوات في شكلها الشعري فمن غررها وفرائدها في الأدب الصوفي العماني قول أبي مسلم البهلاني من الطويل:

وصل وسلم ما تحقق          مخلص           بها فانتشى من بحر عين      الحقيقة

على المصطفى الهادي    إليك محمد           رسولك ختم الرسل خير        البرية

هو الجامع الأسماء          جمع تحقق           ومشكاة مصباح الصفات     الجليلة

هو الأول المكنون       في أبحر الخفا           هو الآخر المقصود في كل        رتبة

هو الظاهر المعلوم         قبل ظهوره           هو الباطن الخافي بكل         حقيقة

توليته واخترته                 وملأته           بنورك واستخلصته            للمحبة

فكل مزايا الرسل          والأنبياء في           بحار مزايا شأنه حكم           نقطة

وآثرته من بين خلقك          كلهم           بأن كان عند الله خير         وسيلة

وآثرته بالنعت من قبل           بعثه           على الصحف الأولى بكل       نبوة

فصل وسلم بالذي        أنت أهله           عليه وبارك وارض في كل       لحظة

توسلت ملتاذا بسلطان          قربه           إليك وحسبي أن يكون       وسيلتي

ومن يتوسل بالرسول            محمد           يلاقي المنى من عين كل        رغيبة

وتدور هذه الأبيات على معان صوفية وأسرار عرفانية في مدح النبيّ والصلاة عليه، منها أنه خاتم الأنبياء إذ به كملت الشرائع واتضحت المعالم، وأنه الأنموذج الجامع لحقائق الأسماء الحسنى، والمحبوب الممتلئ من الله نورا، المستخلص من البشر هديا وراعيا، ووسيلة المؤمنين، وصاحب الشفاعة والمقام المحمود. ويؤذن وصف الشاعر له بأنه ظاهر معلوم قبل ظهوره، لاحق غير أنه نبي سابق على الأنبياء، بإشارة إلى الحديث الذي رواه عرباض بن سارية إذ قال: سمعت رسول الله صلعم يقول: «إني عبدالله وخاتم النبيين وأبي منجدل في طينته، وسأخبركم عن ذلك، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي آمنة التي رأت، وكذلك أمَّهات النبيين يرين». قال الحافظ أبو عبدالله الحاكم النيسابوري أنه حديث صحيح الإسناد ولم يخرجه الشيخان في صحيحيهما. وقال الحافظ الذهبي في التلخيص وهو بذيل المستدرك أنه صحيح، وسلسلة رواته: عبدالله بن صالح، معاوية بن صالح، سعيد بن سويد، عبد الأعلى بن هلال، عرباض بن سارية.

في هذه الصيغة يروي أبو هريرة أن النبيّ حين سئل متى جاءته النبوة قال: «وآدم بين الروح والجسد». وسواءا قبلنا رواية «وآدم بين الماء والطين» أو رواية «وأن آدم لمنجدل في طينته»، فإن الروايتين تنتهيان إلى تصور لكينونة نبوته قبل خلق الأب الأول للنوع الإنساني من المادة. وينطوي الحديث على مفارقة اللاحق السابق، والوجود البعدي الذي هو في الوقت ذاته قبلي. وهي مفارقة ما لها في عرفانيات التصوف الإسلامي إِلاَّ توازن مفترض بين الحسي والمثالي، بين الشهادي والغيبي، إذ عالم الشهادة مرقاة لعالم الغيب، وما من شيء في الشهادة إِلاَّ وهو رمز أو مثال لشيء في عالم الملكوت. وقد تداول الصوفية هذا المعنى، ومن ذلك قول ابن الفارض في التائية:

وإني وإن كنت ابن         آدم صورة           فلي فيه معنى شاهد             بأبوة

وعلى هذا النحو تؤول نبوته صلعم إلى مفهومين، الأَوَّل: واقعي تاريخي في الزمان، مرتبط بوقائع وأحداث وإرهاصات. والثاني: مثالي منتقش في علم الله، مِمَّا يعني أنه أدرك ذاته ونبوته في شكل عين ثابتة في الغيب، وماهية خالصة في عالم الصور المثالية.

وهكذا نَمت الصلوات والمدائح النبوية في الأدب الصوفي القديم والحديث، وانتهت في هذا الأدب كما هو الحال في نصوص البهلاني الشعرية إلى أفكار ومعان تجاوزت المدائح التقليدية المعهودة إلى سياق متصل بالحقيقة المحمدية، والروح الأعظم، والقبضة النورانية، فهو صلعم وصلة بين الألوهية والمألوهية، ورابطة بين الربوبية والمربوبية، وبرزخ بين الوجوب والإمكان.

ذلكم هو أبو مسلم البهلاني، صوت شعري متميز ترددت أصداؤه في الأدب العماني وفي الأدب العربي الحديث، وتأسس خطابه على قاعدة صوفية عرفانية تستمد أصولها من أخلاق الفتوة الصوفية، وتدعو الإنسانية في عصر التدابر والشقاق إلى الحب والتوادد والكمال الإنساني المنشود.

 

بعض المصادر والمراجع

1-    النفس الرحماني في أذكار أبي مسلم البهلاني، مكتبة مسقط، عمان، ط 2002م.

2-    ابن عربي: الفتوحات المكية، ط دار صادر، بيروت، د. ت.

3-    ابن عربي: فصوص الحكم، تعليق د أبو العلا عفيفي، بيروت، دار الكتاب العربي، 1980م.

4-    ابن عربي: مجموع الرسائل، دار إحياء التراث العربي، د. ت.

5-    الغزالي: مشكاة الأنوار، تحقيق وتقديم: د. أبو العلا عفيفي، الدار القومية للطباعة والنشر، 1964م.

6-    الغزالي: مجموع الرسائل، بيروت، دار الكتب العلمية، 1994م.

7-    أبو نصر السراج: اللمع، تحقيق: الدكتور عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي، دار الكتب الحديثة بمصر ومكتبة المثنى ببغداد 1960م.

8-     أبو القاسم القشيري: الرسالة القشيرية تحقيق د عبد الحليم محمود ومحمود بن الشريف، دار الكتب الحديثة، 1966م.

9-     د. عاطف جودة نصر: الرمز الشعري عند الصوفية، ط دار الأندلس، بيروت 1978م.

10-   د. عاطف جودة نصر: شرح مشكلات الفتوحات المكية للجيلي، ط دار الشباب، القاهرة، 1989م.

11-   د. عاطف جودت نصر: شعر ابن الفارض، دراسة في فن الشعر الصوفي، ط دار الأندلس بيروت، 1979م.


[1]) سورة العنكبوت، آية 45.

[2]) الأنفال، آية 2.

[3]) سورة الحشر، آية 23 و 24.

[4]) سورة الأعراف، آية 172.


* ندوة الخطاب الديني في شعر أبي مسلم البهلاني الرواحي

المنعقدة خلال الفترة من 3 ذي القعـــدة 1423هـ/ 6 يناير 2003م حتى 5 ذي القعــدة 1423هـ/ 8 يناير 2003م

سلطنة عمان – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك