الخطاب الدّيني ونسق المرجعيات في شعر أبي مسلم البهلاني

الخطاب الدّيني ونسق المرجعيات

في شعر أبي مسلم البهلاني *

 

د. محسن بن حمود الكندي

جامعة السلطان قابوس ـ سلطنة عُمان

 

“أنا فقيه من فقهاء المسلمين أجدد لهم

دينهم وأرعى مصالح الناس..([1])

– مـدخل:

نقصد بنسق المرجعيات توالي المؤثرات الواقعية وغير الواقعية في تجربة أبي مسلم الشعرية، انطلاقا من ترتيب فكري تصاعدي، يركز على جملة الأفكار المتوالية التي تشكـل بناء الجوهر الشعري في خطابه الديني بعيدا عن أشكال النصوص التي تفصح قراءتها عن مواقف آنية أو مؤقتة. كما أن هذه المؤثرات تضع بصمتها على الحواف المتصلة بها لتصل إلى نتيجة معينة يبينها المخطط التالي:

القوة القاعدية ———– المثال ———– النتيجة

(الجوهر)……………….. (أنساق الواقع)………… (الإصلاح والتنوير)

العقيدة الإباضية ——- السياسة/ الثقافة —— الشخصية الجماهيرية

أما دراستنا لهذه الأنساق فتنضوي تحت لواء التأويل والتفسير وإيجاد الرديف المطابق في الخطاب الديني (الأذكار والإلهيات والمدائح والسلوك) لدى الشاعر أبي مسـلم البهلاني (1860- 1920) معتمدة على أربعة عوامل أساسية:

الأول: ينطلق من أن المرجعيات ليست مجرد انعكاس فني للموضوعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وإنما هي انعكاس موضوعي لها. وعلى ذلك فمفهومنا للمرجعيات يتحدد بكونها “علاقة بين (سائر العلاقات) وما تشير إليه، وأنها تحيل إلى موضوعات خارجة عن اللغة…”([2]). من هنا فهذا العامل يهدف إلى الربط بين عناصر الخطاب الديني المكـّون لنسق المرجعيات في شعر أبي مسلم وبين سلسلة القضايا المتصلة بالواقع التاريخي في سياق يلتهب بالحقيقة الجوهرية، لتكون المحصلة ليست أنساقا جامدة، أو قوانين ثابتة، وإنما نظرة كلية للوعي الجمعي على حد رؤية “لوسيان جولدمان”.

الثاني: يبحث في نمطية المرجعيات وأشكال المفاهيم المتعلقة بحركة التغير البنائي للمجتمع العماني إبان ظهور الشاعر, في محاولة للاهتداء إلى كيفية تولدها وتطورها على نحو يجعل لتجربته الشعرية عمقا سوسيولوجيا لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون خارجة عنه، وذلك انطلاقا من مقولة: “الشاعر ابن بيئته, ونتاج طبائعها، وهي بذلك تلعب دور المفتاح السحري لأقفاله المستعصية.

الثالث: يظهر حالة الارتباط الوثيق بين مكونات الخطاب الديني ونقد الواقع “فعلى الرغم من أن قصائد هذا الخطاب تتكون من أذكار وابتهالات ومدائح نبوية إلا أنها ليست ـ بحال من الأحوال ـ من ذلك النوع الهروبي من الواقع، والاتصال المنفرد بالقوة الغيبية المسيرة للعالم، ألا وهي قوة الله سبحانه وتعالى, إنها وإن لبست أقنعة ذاتية فهي معنية بنقد الواقع…….”([3]).

الرابع: يؤكد على أن تجربة أبي مسلم وتركيزه على الخطاب الديني لم يأت من فراغ، وإنما هو نتاج تأثر بتجارب فقهاء الإباضية قبله (سعيد بن خلفان الخليلي، قطب الأئمة محمد بن إسحاق اطفيش، جاعد بن خميس الخروصي، نور الدين السالمي، الإمام سالم بن راشد الخروصي، أحمد بن سعيد الخليلي…) وخاصة فيما أثارته من جدل معرفي، وحراك علمي/ ديني كان له أثره في الوسط الثقافي/ الاجتماعي العماني، ولا سيما في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين.

لقد وجدت هذه العوامل الأرضية الخصبة في الخطاب الديني الثري عند شاعر يعدّ ـ في نظرنا ـ من أكثر الشعراء حضورا في الخطاب الشعري العماني المعاصر, فكانت دراستنا له منصبة على ردود الفعل القائمة بين تجربته الشعرية المتعلقة بالخطاب الديني وبين الأسس التاريخية/ المذهبية القائمة عليها، فكانت حصيلة للقيم الاجتماعية والفقهية التي تخمرت في المجتمع الذي عاشه في عمان أو زنجبار على حد سواء.

إن دراستنا هذه تجد في نهجها الذي يبحث في العلائق الحميمة بين المبادئ المذهبية، وبين الوسائل الفنية المعتمدة أساسا على الظواهر والمؤثرات الفكرية, وذلك انطلاقا من نظرة تتحدد بأن “لكل جهد تبذله شخصية من الشخصيات الأدبية معنى تجاه الموقف العام في العمل الفني”([4]).

لقد أنتجت قريحة أبي مسلم الشعرية كما كبيرا من القصائد([5])بلغ عددها أكثر من اثنتين وعشرين قصيدة طويلة تشكـّل نسبة قدرها 86% من مجموع شعره المنشور والمخطوط معا، وكان لهذا الإنتاج حضورا كبيرا في المجتمع العماني([6]), فهو معروف ومؤثر ومتواصل بحكم صلته بحركة الهجرة العمانية إلى الجناح الأفريقي، وبوصف وفائه الدائم للخطاب الديني/ الاستنهاضي وإخلاصه الشديد له، ورغم ذلك لم يلق النقد العربي عليه نظرته، فلم يحظ بالدرس الكافي، ويعود السبب في ذلك بالإضافة إلى العزلة، هيمنة المراكز على الأطراف، وهي هيمنة قديمة تضرب بجذورها إلى الجاحظ وابن قتيبه وأبي سلام الجمحي([7]). وعلى الصعيد المحلّي فرغم تأثيرها البّين على مجمل الحياة الاجتماعية والثقافية العمانية, انحصرت في دائرة التأثير الذوقي، ولم تعتمد النظرة النقدية إليها موقفا، وإنما تذرعت بثقافة أحادية هي نتاج تأثيرات المثقف المحافظ الذي كشف عن خطاب عنيف يوازي عنف التجربة ذاتها، أو قل إنه أزاح القناع عن دائرة المسكوت عنه أو غير المصرح به أعني بذلك تحديدا شعر الاستنهاض.

من هذا المنطلق تطرق هذه الدراسة أبواب هذه المرجعيات مبيـنة نسق الخطاب الديني في هذه التجربة الثرية مفترضة أن القيمة الأساسية في نقدها إنما تكمن في قدرتها على التحديد الذي انفردت به عن بقية التجارب الشعرية العمانية الحديثة، وهو تحديد يلقي بضلاله على سلسلة القراءات السابقة والمنحصرة في جوانب توثيقية/ تحليلية يحمد لها إرساء القواعد الأولى للنظرة النقدية([8]).

إن دراستنا سوف تعتمد الافتراض الذي ينظر إلى نسق التغير السياسي/ الاجتماعي في موطن الشاعر(عمان ـ زنجبار) لما لذلك من التخصيص والإثبات؛ تخصيص للحقائق الجوهرية في حركة تتسم بالشمول والحتمية، ولا مراء في ذلك فالبحث الافتراضي يقود إلى الخوض في طبيعة البذور الأولى المشـكـّلة لظاهرة المرجعيات، والتي تحددها دراستنا في أنواع الأنساق التي يقوم عليها الخطاب الديني بأكمله، وذلك على النحو التالي:

1-     التوحد بالذات الإلهية.

2-     المبتغى الوحدوي للمسلمين كافة.

3-     بث الكراهية للظالمين والدعاء عليهم.

4-     إثارة الحمية القبلية، وبيان معطيات الواقع الاجتماعي والسياسي.

5-     اللوم والتقريع.

6-     الابتهال والتوسل.

7-     التوبة والاستغفار.

أما بالنسبة لتحديد مقومات هذه الأنساق فهي لا تخرج عن كونها سياسية في المقام الأول، وقد أفرزها الواقع العماني بكل ما طرأ عليه من تبدل، يتضح هذا إذا ما عرفنا أن أبا مسلم عاش في أواخر القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين، أي أنه عاش في مجتمع يعج بأشكال الصراعات السياسية والاجتماعية والفكرية، وكان التكوين الاجتماعي والسياسي والثقافي فيه يعاني من مشاكل خطيرة بعضها يتصل بتوتر الواقع المحلي وانفصاله بين نظامين سياسيين (إمامة ـ سلطنـة) وبعضها يتصل بتوتر العلاقة مع الآخر (المستعمر)، لكن الواقع الثقافي لم يكن قادرا على استبطان مثل هذه المعوقات التي تذكيها معوقات أكثر شراسة من مثل أصناف التخلف المهيمنة على المجتمع، جراء استشراء السلطات([9])المنتشرة بلا حدود (سلطة الحكم– سلطة القبيلة ـ سلطة العادات الرثة والتقاليد المقيتة…..).

لقد لعبت هذه التأثيرات جميعا دورا في تشكيل نسق المرجعيات في شخصية أبي مسلم الثقافية، والتي وجدنا أولى مظاهرها في المرجعية العقدية الإباضية بحكم أنها من أكثر المرجعيات اتصالا بالفكر السياسي, ومن ثم بلورة شخصيته الفكرية وفق سلسلة من الشخصيات تؤدي كل منها دور الآخر وتبرز شخصيته وكأنها جملة من الشخصيات المركبة والمتولدة عنها: شخصية الفقيه الزاهد، وشخصية الثائر المستنهض، وشخصية المثقف المستنير. ولعلنا نلمح ذلك في عدد غير قليل من قصائده التي تتناول كبرى القضايا الفقهية والسياسية بنظرة المفكر المستنير، ووفق فكرة الأنساق الجوهرية التي تبرز تجلياتها في المرجعيات التالية:

أولا: المرجعية الدينية، ونسق العقيدة الإباضية.

ثانيا: المرجعية السياسية ونسق الواقع الإسلامي/ العماني/ العربي.

ثالثا: المرجعية الاجتماعية ونسق الذات القبلية.

إن مثل هذه الأنساق تقودنا إلى أسئلة جوهرية من بينها: إلى أي مدى عكس شعر أبي مسلم هذه الأنساق الثلاثة؟. وهل وجدت فيه بكمية كبيرة من شأنها أن تكـّون ظاهرة فكرية لها تأثيرها الواضح في تجربته؟ ومن هم الرموز الأكثر تأثرا بهم؟ وهل انعكست أفكاره المذهبية على تلاميذه من الأجيال الشعرية اللاحقة له؟

وأخيرا: ما أبرز المرجعيات المهيمنة في خطابه الديني بوصفها تحديات لقوى غير مهيمنة وغير نسقية؟ وكيف وفق بين ما ينبغي أن يكون عليه مجتمعه الإسلامي عامة, وبين ما بات عليه الواقع؟

والإجابة على هذه الأسئلة يمكن تفصيلها في عدد من التطبيقات يمكنها أن تحيل في نهاية الأمر إلى أسئلة جريئة تتصل بالشبكة المعقدة التي تتكون منها مرجعية الخطاب الديني في الشعر العماني عامة. غير أن هذه الأسئلة من جانب آخر قد تتولد عنها صياغات ربما تكون مجمل النتائج التي توصلنا إليها في قراءتنا لخطاب المرجعيات، والتي نوضـّحها في التفصيل التالي:

أولا: المرجعية الدينية، ونسق العقيدة الإباضية([10]):

تعكس شخصية أبي مسلم تجليات المرجعية العقدية الإباضية التي تظهر مفرداتها في المواقف التالية:

أ- الموقف من الجذور العقدية؛ حيث الصورة الموازية، والنموذج المجسّد لشعر الشراة، وكذلك استقلالية المذهب ونفي تبعيته للخوارج.

ب- الموقف من قضية التحكيم التاريخية.

ج– الموقف من قضايا التوحيد، كنفي الرؤية، والولاية والبراءة، وخلق القرآن، والشفاعة، والكبائر والصراط والميزان.

د ـ الموقف من قضايا العبادة واعتبار التصوف سلوكا جريا على سنن أسلافه.

فبالنسبة للموقف الأول ـ الموقف من الجذور العقدية ـ فتبرز فيه الصورة الموازية والنموذج المجسّـد لشعر الشراة، وهي صورة تأخذ أحيانا مجرى الاحتفاء بمنجزات الشراة التاريخية، وقد أظهر شعر أبي مسلم ملامح مهمة من هذه الصورة؛ فشعره الديني كما يصفه الدكتور محمد صالح: “يصب في بحر الشراة ـ ولا يحيد عنهم، فقد عبّر عن عقيدتهم بصدق وصفاء ووضوح””([11])، ولعل قصـائده المسـمّاة بـ”النهروانية “، و”أفيقوا بني القرآن “، و”أشعة أنوار الْحَقّ” تثبت ذلك؛ فهو يقول في الأولى: (الطويل)

جزى الله أهل النهروان    وضاءة          وما فوق مرضاة الإله       أجور

كما جاهدوا في الله حق جهاده          وقاموا بما يرضى وفيه        أبيروا

وماتوا كراما قانتين         وكلـّهم          على الموت صّبار هناك   شكور

شراة سراة لا يخط        غبارهم          وإن أبلجت فوق الأمور    أمور

إذا انتهكت من دين الإسلام حرمة        فليس لهم عيش هناك       قرير

ندين لوجه الله طوعا       بحبهم          وما شنآن الملحدين        مضير

نفوسهم حيث ابتلوا وجه    ربهم          قرابين منهم قدّمت     ونذور([12])

في هذا المقطع يذكر الشاعر “أهل النهروان”([13]) ويمدحهم بما ناضلوا فيه من حق وإيمان حتى قضي عليهم، فهو يستمد معجمه من النصوص والأصـول الدينية
(جزى الله ـ مرضاة الإله ـ أجور ـ جهاد ـ قانتين ـ ابتغوا وجه ربهم ـ الملـحدين) فالمعجم كله ديني وقد وظفه الشاعر لإبراز أن أهل النهروان شروا الموت بالحياة جهادا في سبيل ما رأوه الحق، ولم يراعوا في ذلك لومة لائم، إذ أخلصوا وجوههم لله، والشاعر من أجل ذلك يدين بحبهم ليس من أجلهم، وإنما من أجل الله تعالى. فنحن نرى أن المدح الديني ليس فقط إحياء لذكرى “أهل النهروان” وإنما لأن ذكرهم الذكر الحسن يمثـل ـ من وجهة نظره ـ عبادة؛ فالشاعر في هذه الأبيات يقدّم صورة تقريرية واضحة يفتخر من خلالها بعقيدته التي تربطه بأسلافه أهل “النهروان”، فهم في نظره مجاهدون صابرون عابدون مضحّـون زهـاد، وهذه الصفات تعّمق إحساسه بالانتماء لهم والإخلاص لفكرهم, ومن ثم الغوص في تاريخهم بغية استنطاق حوادثه الكبرى، ولعل قصائده “العينية” و”الرائية” و”النونية” توّضح ذلك.

أمّـا استقلالية المذهب ونفي تبعيته للخوارج، فقد نافح أبو مسلم من أجلها شأنه في ذلك شأن أقرانه من الشعراء العمانيين الذين نافحوا عن مذهبهم معدين إياه مذهبا مستقلا له شخصيته الخاصة, كما أنه عندهم “مذهب أهل الاستقامة”. فتاريخه ينبثق من مرجعية تاريخية متأصلة الجذور، فهو ـ في نظرهم ـ ليس مذهبا خارجيا، ومن تتبع مصطلح “الخوارج” يجد أنه قصد به اللمز والذم نكاية بالذين خرجوا عن الدين”([14]) إضافة إلى المدح والثناء للإباضية نظير خروجهم جهادا في سبيل الله، وثباتا على الحق، ورفضا للتحكيم الذي دار بين عليّ ومعاوية، وبذلك يكون خروجهم خروجا سياسيا لا علاقة له بمبدأ ديني مغاير لأحكام الإسلام([15]): يقول أبو مسلم واصفا ذلك: (الطويل)

تحزّبت الأحزاب بعد        مُحمَّد          فكلّ إلى نهج رآه           يصير

وقرت على الحق المبين    عصابة          قليل وقل الأكرمين         كثير

هم الوارثون المصطفى    خير أمة          لمدحهم آي الكتاب        تشير

أولئك قوم لا يزال       ظهورهم          على الحق ما دام السماء   تدور

على هضبات الاستقامة   خيّموا          إذا اعوج أقوام وضل         نفير

تنافر عنهم رفـّض         وخوارج          وحشوية حشو البلاد         تمور

رأوا طرقا غير الهدى       فتنافروا          إليها وبئست ضلة         ونفور

لهم نصب من بدعة    وزخارف          بها عكفوا ما للعقول   شعور([16])

ويستند الشاعر في نفيه إلى مرجعية تاريخية تنطلق من حادثة التحكيم الذي دار بين الإمام علي ومعاوية بن أبي سفيان بوساطة عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري والتي يتأكد من خلالها استقلال الإباضية عن الخوارج رؤية ومفهوما، وبالتالي نفي التهمة المنسوبة إليهم بأنهم خوارج([17])، وهو في هذه القصيدة يصف أصحابه بأنهم أصحاب حق، كما أنه ينطلق متضامنا مع جيوش الشراة وهي تغادر “صفين” قاصدة النهر، وقد حملت موقف الرفض والإنكار يقول أبو مسلم واصفا ذلك: (الطويل)

تدثرن خيل الله حتى         بلغنه          وواحدها في العالمين         دثور

وردن مياه النهر غرشى    صوادئا          وليس لها حتى اللقاء      صدور

غسلن به أحكام سهم    وأشعر          ودرن مع القرآن حيث      يدور

……………………    ….          …………………..     ….

قتلتم جنودا حكّموا الله لا سوى          وقالوا عليّ لا سواه          أمير

فيا لدماء في حروراء      غودرت          تمور وأطباق السماء         تمور

مخردلة الأشلاء للطير في     الفلا          وهنّ بجنات النعيم          طيور

يعجّون بالتحكيم لله       وحده          وهامهم تحت العجاج   تطير([18])

فالشاعر في هذه الأبيات يعود بالسامع إلى صفين ليجلي جانبا آخر من الموقف، ولكنه قبل أن يغادر يؤكد رفضه لنتيجة التحكيم عن طريق تصويرها تصويرا ماديا التصق بأجسادهم فاغتسلوا منه في النهر “غسلن به أحكام سهم وأشعر” وفي ذلك إشارة إلى دور عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري، كما أكد أن موقف الشراة نابع من أحكام القرآن ومستند إلى قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾([19])، والشاعر يذهب إلى معنى هذه الآية موضّحا ما آل إليه الشراة من مصير محزن يظهره قوله: “قتلتم جنودا حكـّموا الله….”.

وفيما يتصل بالموقف من التحكيم فأبو مسلم يسير على شاكلة أسلافه؛ فالإباضية ينكرون هذا التحكيم، ولسنا هنا بصدد سرد ما دار فيه؛ فقد بسطته كتب التاريخ الإسلامي بسطا وافيا، ويكفي أن نقدم وجهة نظر الإباضية الذين يشعرون بالخذلان نتيجة خسارة علي، وكانوا يتمنون أنه لم يقبل به منذ البداية؛ لأنه محفوف بالخيانة منذ أن ارتبط بشخصية عمرو بن العاص من طرف، ومن طرف آخر يرون في علي أنه صاحب حق، ويجب عليه إظهار حقه بحد السيف لا بالمهادنة وقبول التحكيم. وقد اتضحت هذه النظرة عند أبي مسلم الذي خصص لها قصائد كثيرة من بينها “النهروانية”، و”الرائية” التي يقول فيها: (البسيط)

ليت الحكومة ما قامت   قيامتها          وليتها من أبي السبطين   لم تصر

ملعونة جعلتها الشام       جّنتها          من ذي الفقار وقد أشفت على الخطر

عجبت بتحكيم عمرو بعدما حكمت       همدان فيها بحكم البيض والسمر

تبا لها رفعت كيدا     مصاحفها          ومقتضاهنّ منبوذ على      العفر

مهلا أبا حسن إن التي   عرضت          زوراء في الدين كن منها على حذر       غرر([20])

ويحذر الشاعر عليا من هذا التحكيم، ومغبة الموافقة عليه، في نبرة خطابية، مضيفا هالة من التقدير والإجلال لشخص الإمام, ومبيّنا أهم الملاحظات التي يأخذها الإباضية عليه، وإن كان صحابيا جليلا لكنه بشر، يصيب ويخطئ، وهذه مسألة مهمة في التفكير الإباضي، ولذا نرى الشاعر يكرر النداء للإمام في ثمانية أبيات متتالية يذكـّره فيها بمواقفه السابقة، وكأن الشاعر حاضر معه وشاهد عليه، يقول: (الطويل)

أبا حسن ذرها حكومة   فاسق          ويسمع فيها أشعث        وجرير

أبا حسن أقدم فأنت على هدى        وأنت بغايات الغوي       بصير

أبا حسن لا تنس أحدا   وخندقا          وما جر عير قبلها          ونفير

أبا حسن أين السوابق    غودرت          وأنت أخوه والغدير         غدير

أبا حسن إن تعطها اليوم لم تزل          يحل عراها فاجر            ومبير

أتحبس خيل الله عن خيل خصمه         وسبعون ألفا فوقهن       هصور

أثرها رعالا تنسف الشام   نسفة          بثارات عمـّار لهن        زفير([21])

فالشاعر في هذه الأبيات يعاتب عليا عتابا مريرا، موجّها له أقصى حالات اللوم لقبوله التحكيم؛ لأنه في رأيه الأدرى بمعاوية والأعرف به، لذا لم يدّخر جهدا في تدعيم موقفه وتقوية حججه، فبعد أن كرر أسلوب النداء ” أبا حسن ” نراه يلجأ إلى التاريخ ليعيد قراءته؛ لأن حضور البرهان التاريخي له تأثيره في الإقناع والتدليل.

*******

د-: الموقف من قضايا التوحيد:

يتأكد موقف أبي مسلم من قضايا التوحيد من خلال المنطق العقلي الذي أبداه تجاه الجدل المعرفي والنقاش العميق في قضايا المذهب التعبدية التي تأتي في مقدمتها: نفي الرؤية وخلق القرآن والولاية والبراءة، والخلود الأبدي ثوابا وعقابا، والشفاعة، والكبائر، والصراط، والميزان. ولكن لسنا بصدد تناول هذه القضايا ونكتفي بالإشارة إلى أن العقيدة الإباضية التي آمن أبو مسلم بمبادئها تقوم على ركنين أساسيين هما: الاعتقاد الصحيح، والعمل بمقتضى ذلك الاعتقاد، وقد أطلق علماء الإباضية عليهما مصطلح “جملة التوحيد” وهو مصطلح ربما لا يوجد عند غيرهم([22]). ولهذا تجد مسائل هذا المصطلح ونظيراته تشغل تفكير أغلب فقهاء المذهب وشعرائه فهي تفسّر لديهم تفسيرين، الأول: اعتقادي تدخل فيه مستلزمات أركان الإيمان الخمسة, أمّا الثاني: فتفسير عملي، يتلخص في مطابقة القول العمل، فلا يكفي الإنسان للدلالة على حقيقة إيمانه وصدق إسلامه أن يأتي بكلمات لا طائل من ورائها، وإنما يجب التدليل عليها بصدق العمل. لهذا نجد قصائد أبي مسلم تظهر هذه الخصلة، ومن بينها قصيدة: “برهان الاستقامة” و”أشعة الحق ” و”طمس الأبصار عن رؤية ذات الجبار”. والقصيدة الرائية، فهذه القصائد وغيرها تؤكد على رؤية الإباضية تجاه قضايا التوحيد التي ذكرناها، وتصفها بأنها اجتهادات مستقاة من جـذور العقيدة الإسلامية، فهي تؤول إلى الاعتقاد الراسخ، واعتبار الأقوال مطابقة للأعمال، فليس فيها ما يثير التشكيك، أو الجدل، لهذا يدعو الشاعر إلى التمسك بها، تلبية لما رسخته العقيدة الإسلامية من الإيمان بحقيقة المبادئ لا المضللة الباطلة.

فأبو مسلم في هذه الرؤى العقدية نراه يثبت ما يتناسب ورؤية المذهب الإباضي، فهو في مسألة الرؤية يرى أن الله بصير بذاته لا بحلول صفات زائدة عليه مشيرا إلى من يثبت حلول الصفات بالذات لا يحتاج إلى صفة زائدة عليه، فهم يقولون بأن الصفات هي عين الذات.

فالرؤى ـ كما نلاحظها ـ دينية، لذلك جاءت صيغتها الشعرية دينية، والفضاء الذي تصوّره لا يزيد على نظم أفكار دينية مثبتة في المتون نظما وشعرا، ولعل الكثير منها تتويجا لقصائد بعض فقهاء الإباضية من أقرانه، على نحو ما نجد لدى سعيد بن خلفان الخليلي، ونور الدين السالمي.

وعلى كل حال فأبو مسلم عندما ينظم في قضايا التوحيد، فهو لا ينشغل بها انشغالا مبالغا فيه، بل يدعو إلى عدم إعطائها أولوية في التفكير؛ لأنها ليست سوى فكرة ثانوية، والاستغراق فيها مدعاة للغواية، وهذا في حد ذاته ملمح مستنير في شخصيته الفكرية.

د- الموقف من قضايا العبادة واعتبار السلوك تعبدا:

حول الموقف من قضايا العبادات والفرائض, ينصب شعر أبي مسلم في بوتقة المذهب الإباضي, وقد تجلـّت فيه شروط الصلاة والإمام والوضوء ورؤية هلال رمضان وغيرها من الفروع التي أقرها الاجتهاد. ولسنا هنا بصدد تتبع كل ما قدمه في هذه القضايا لسببين:

– الأول: أن أغلب ما كتب فيها ينتمي إلى النظم.

– الثاني: أن الكثرة الهائلة من هذه القصائد تختلط فيها الآراء، ويكثر فيها الجدل، ويطول فيها النقاش الذي لا يمت بصلة لبحثنا.

ومع ذلك لا تمنعنا الإشارة إلى ما قدّمه أبو مسلم من تفسير لتلك القضايا؛ فقد خصص جزءا كاملا من ديوانه لها، وقد سّماه: “أذكار أبي مسلم البهلاني، وبلغت قصائده حوالي اثنتين وعشرين قصيدة تتميز بطول النفس حتى أن أكثر القصائد طولا وصلت أبياتها حوالي ستة وثمانين بيتا وفيها يلزم إمام الصلاة بمراعاة طرق أدائها بدءا من مواقيتها وشروط إمامها, وتسوية الصفوف فيها، والاجتهاد في دعائها، وعدم الإطالة فيها.

* وفيما يتعلق بشعر السلوك والتعبد: فهو يشكـّل أكثر من ربع الخطاب الديني في شعر أبي مسلم، إذ تبلغ عدد قصائده المفردة حوالي ثلاثين قصيدة، تمثـل نسبة قدرها 59 % من مجموع شعره، وتتلخص أفكاره في المحاور التالية

–       الشكوى.

–       التوبة.

–       النقمة على الأعداء والدعاء عليهم.

ويستلزم تحقيق هذه المواضيع شروطا معينة؛ لأن قصيدة التعبد تدور حول قضية أساسية هي التبتل لله وحده؛ لذا فهي تستوجب شروطا نفسية وعملية أهمها:

–        النية الصادقة.

–        تطهير القلب.

–        التفرد في الخلاء.

–        الطهارة والوضوء.

–        صوم يوم الخميس والاثنين.

وقد ترجم أبو مسلم هذه الشروط شعرا فقال: (الطويل)

على المعرج الأسنى من الذكر عولا         فإشراق شمس السر فيه      تهللا

وما هو إلا ذكر أسماء ربنا تعالى          ولكن كن على الشرط       أولا

فأوله التطهير للقلب من أذى المعاصي     وثانيه التفرد في              الخلا

وثالثه الإخلاص لله        وحده          وهذا ملاك الأمر فالزمه    مقبلا

ورابعه استقبالك البيت في الدعا          وخامسه كون الوضوء     مكمّلا

وسادسه صوم الخميس     محبب          وفي سهر الزهراء للذكر   فاعملا

وفيه على حب التصاريف أصلت         شروط وذا حسب التبرك أصلا([23])

توضّح هذه الأبيات الشروط التي يجب اتباعها في شعر التعبد، وأبو مسلم لم يبتدع لها جديدا، وإنما جرى فيها مجرى شيخه وإمامه الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي الذي قدمّ الشروط نفسها في قصيدته “النواميس الرحمانية”.

والواقع أن هذه الشروط التي وضعها الخليلي ومن جاء بعده من الشعراء لا تنفصل بأي حال من الأحوال عن آداب الدعاء قبل أن تكون طقوسا؛ لأنها لا تخرج عن إطار الإعداد الروحي للسمو بالنفس البشرية من دنيا المادة، وهي بذلك تجسّد بعدا صوفيا وإن اختير لها مسمىّ ” السلوك ” فالمقصد واحد والطريقة واحدة، على أننا لا يمكن أن ننفي الصلة بين ابتهالات أبي مسلم وشعر التصوف؛ لأنَّنا لاحظنا في هذه القصائد استمدادا واضحا من عالم التصوف لغة وتعبيرا، وتوظيفا لمصطلحات لها دلالات خاصة.

ويندرج في قضايا العبادة شعر الابتهال: الذي نقصد به “التضرع والاجتهاد والدعاء والإخلاص لله وحده”([24])، وهذا المعنى مستنبط من المعنى الدلالي لعدد من الآيات القرآنية التي جاءت محققه لمعنى العبادة.

لقد اتخذ أبو مسلم شعر الابتهال وسيلة من وسائل التقرب إلى الله، وقد خصص له جانبا من ديوان “النفس الرحماني في أذكار أبي مسلم البهلاني”([25]) وفيه استبدل مصطلح ” المقاصد ” بمصطلح ” الذكر ” على نحو ما فعل في قصيدته ” تخميس سموط الثناء ” التي قدّمها في ثمانية أذكار هي:

الذكر الأول، وعنوانه: الوحي المقدّس. وفيه مقدمة في شروط الذكر، ثم فاتحة الدعوة المباركة لأسماء الله الحسنى. وعدد أبياته 1597 بيتا.

الذكر الثاني، وعنـوانه: الناموس الأسنى في أسماء الله الحسنى. وعدد أبياته 262 بيتا.

الذكر الثالث: وعنوانه: المعراج الأسنى في أسمـاء الله الحسنى. وعدد أبياته 114 بيتا

الذكر الرابع: وعنوانه: النفحة الفاتحة في التوسل بأسماء الفاتحة, وعدد أبياته 202 بيتا.

الذكر الخامس: وعنوانه: درك المنى في تخميس سموط الثناء، وعـدد أبياته 85 بيتا.

الذكر السادس: وعنوانه: مقدّس النفوس، وعدد أبياته 795 بيتا.

الذكر السابع: وعنوانه: الكلم الطيب، وعدد أبياته 855 بيتا.

الذكر الثامن: وعنوانه: الباقيات الصالحات، وعدد أبياته

وفي هذه الأذكار لا يختلف الابتهال عنده عن سائر الشعراء العمانيين وإن تباينت مسمياته وتقسيماته؛ فإذا كان قد قلـد شيخه سعيد بن خلفان الخليلي، فإن سعيد بن خلفان نفسه نبعت فكرة الابتهال لديه من جاعد بن خميس الخروصي ” شيخ شعراء السلوك” كما يسميه العمانيون، والحال نفسها تنطبق على عبدالرحمن الريامي الذي جاء بعدهم وسار على نهجهم، وبذلك يمكن القول: إن شعر الابتهال لديه ما هو إلا اقتفاء السابق للاحق، ولعل شعره يترجم هذه الحالة: (الطويل)

بأسمائك الحسنى    تقرّبت سيدي          إليك مجدا في هتافي        وقربتي

جعلت سمير الذكر ترتيل   ذكرها          لوجهك ربي خلوة بعد     خلوة

بحقك أمطرني سحائب     سرّها          وهب لي بها من كل خير ونعمتي([26])

إن إحساس الشاعر في هذه الأبيات ـ وهو يدعو ربه ويرفع أكف الضراعة إلى السماء، هو الذي أضفى على هذه الأبيات الصدق والتجلي الروحي، والقارئ عندما يردد بتمعن يخيل إليه أن الشاعر لا ينشد شعرا عاديا، وإنما هو يدعو خاشعا في محراب الشعر، وهو موقف طالما طالعتنا به قصائد عديدة من مثل قصيدة: “النافع جل جلاله”: (الطويل)

ويا نافع انفعني بحبك     خالصا          بحبك لي يا من أحب      محبتي

ويا نافع انفعني بتحقيق      توبتي          وتثبيتها يا رب عن كل      كربة

ويا نافع انفعني        بنورك أنني          إذا لم تنورني هلكت      بظلمتي

ويا نافع انفعني بتقديس    باطني          وتزكيتي من آفة        البشرية([27])

نلاحظ في هذه الأبيات التضرعية أن الشاعر يبدأها جميعا بأسلوب ندائي
(يا نافع، يا نافع،….) يتكرر في الأبيات كلها، وهو نداء ترد فيه أداة النداء
(الياء) بكثرة لغرض التكثيف والإلحاح في الطلب، كما نجد الشاعر يكثر من الأفعال الطلبية (انفعني، قربني، أنر قلبي، جنبني، أزل ضعفي…..) فهو يسأل خالقه كل ما من شأنه أن يرفع درجته عنده، فينفعه, ويحيطه برحمته، فيذهب بعجزه وجهله وفاقته، وهي خصال يشعر بها الفقيه المؤمن أمام خالقه، فهو ملاذه ومعاذه، وهو الخالق الذي كل آماله معلقة بمرضاته. لقد استحوذ هذا الخطاب الديني الدعائي المتضرع على كل أبيات القصيدة حتى أننا لا نكاد نجد صورا بلاغية، تخرجه من طابع التقرير والمباشرة، وهذا من سمات شعر الفقيه المتبتل في مثل هذا المقام.

ومن جانب آخر فهذا النموذج يظهر أن قصيدة الابتهال في شعر أبي مسلم وكأنها رغبة نفسية ملحّة واستجابة ضرورية لمطلب روحي يشعر به عندما تدلهم به الحوادث، وتطبق عليه الأزمات، فلا يجد سلاحا لردعها غير التضرع إلى الله.

* ـ نسق التكرار في خطاب الابتهال والتعبد:

يعد التكرار نسقا من أنساق خطاب التعبد في شعر أبي مسلم، وهو في حد ذاته تقنية من تقنيات قصيدة الابتهال عند جميع الشعراء؛ لأنه ـ كما يقول الدكتور أحمد درويش([28])ـ الأنسب إلى شعر السماع، والأجدر بالترديد والتغني منه إلى شعر القراءة الصامتة، وهذا في حد ذاته يتناسب مع حلقات الذكر؛ حيث تحتفظ هذه النغمة الثابتة بمرجع موسيقي يعود إليه الذاكر أو الداعي ويستريح عنده الإنشاد أو ينطلق منه، ولأن أبا مسلم ـ من جانب آخر- لم يكن يتخيل أن قصائده ستصل إلى القارئ في صحيفة يومية، أو في ديوان شعر تدر به المطابع، وإنما كان يتخيلها مسموعة بلسان قارئ حاذق؛ لذا جنح إلى نسق التكرار الذي يصل أحيانا إلى تكرار الشطر الأول بكامله أو بمعظم كلماته على امتداد القصيدة كلها تكرارا، يصل إلى سبعين مرة كالذي نجده في قصيدته “هو الله جل جلاله”: (الطويل)

هو الله بسم الله تسبيح     فطرتي          هو الله إخلاص وفي الله    نزعتي

هو الله بسم الله ذاتي      تجردت          وهامت بمجلي النور عين حقيقتي

هو الله بسم الله أضاءت فأشرقت         بأنوار نور الله نفس    هديتي([29])

ويستمر نسق التكرار بهذه اللازمة نحو ستة وستين بيتا، ينفصل بعدها المقطع لمقطع آخر يكرر في بدايته عبارة: “تعلقت بالله” نحو سبع وأربعين مرة:

تعلقت بالله الذي لا       إله لي          سواه ولا ضاعت لديه    عبودتي

تعلقت بالله العليم        بموقفي          وما أنا فيه من ضروب      البلية

تعلقت بالله العظيم الذي جرت          مقاديره دون اختيار     البرية([30])

إن قصيدة الابتهال بهذه التركيبة الفنية تشعر القارئ بأنها نابعة من قلب مخلص يتوق إلى رضاء الله، ويسبح في ملكوته، فهي إذن بمثابة المعزز له؛ يكسب من ورائها الرضى والطمأنينة واليقين، ولذا لم يتوان أبو مسلم في وصف حاجة نفسه إلى مثل هذا النوع من الشعر تلبية لمشاعر صادقة مع نفسه([31]). يقول:

إلهي أكرمني بقرب        إجابتي          فإني مضطر عظيم          البلية

وعدت بقرب واستجابة     دعوة          إذا عرجت عن ذلة   وضرورة([32])

إن أهم ما يمكن استجلاؤه في هذا الجانب النسقي للتكرار في قصيدة التعبد والابتهال هو انقسامها إلى محاور ترتبط ارتباطا مباشرا بخيط نفسي رفيع يبدأ من الجزئي لينتهي بالكلي أو عكس ذلك لتكون محصلته حالة وجدانية عميقة ترتبط بالخشوع.

ولأن هذه القصائد في حقيقة أمرها أدعية تصعد من أعماق قلب الشاعر، فقد اتسمت في الغالب الأعم بالتكرار اللفظي؛ لأنها ترجمة عفوية لحاجات الشاعر النفسية، يطلب من الله أن يستجيب لها ـ على النحو الذي أوضحناه، لذا جاءت محاورها على كثرتها متشابهة وعناصرها متماثلة، فلا نكاد نجد فرقا بينها من ناحية الأفكار والأنساق التعبيرية، وليس المهم أن تتسم بالتكرار ما دامت استجابة صادقة لأحاسيس الشاعر، وأدعية خالصة لهمومه، ولئن لوحظ تشابه موضوعاتها بما عرف في الشعر الصوفي من اهتمام بالسلوك والأخلاق والحب الإلهي، والتأمل، فإن الشاعر المبتهل عرض محاورها مرتبة ترتيبا يبدأ من الخصوصية لينتقل إلى العمومية (بمعنى أنه عرض محاورها بطريقة منهجية تنطلق من الهموم والانشغالات الخاصة لتصل إلى القضايا والمواقف العامة أي قضايا الأمة والوطن، وهذه الرؤية في حّد ذاتها تكسب قصيدة الابتهال خصوصية وتعطيها تفرّدا محببا لنفس القارئ.

ونسق التكرار في خطاب أبي مسلم الشعري يسير على هذه الوتيرة في الأغلب الأعم، فهو لا يخرج في تكوينه عن الأنماط التالية:

1- نسق التكرار في خطاب التنزيه:

يعـّد هذا النسق من الموضوعات المتكررة في الخطاب الديني عموما، وفي قصيدة الابتهال خصوصا، وهذا أمر طبيعي؛ لأن قصائد الابتهال عبارة عن أدعية تعكس شدة خشوع الشاعر، وإذعانه لعظمة الله، ويمكن تقديم ذلك من خلال قصيدة أبي مسلم “المعراج الأسنى” التي يقول فيها: (الخفيف)

هو أنت الله الذي كنت        والأزا          ل كانت بكن وبعد        كفيل

هو أنت الله المكون             للكيـ          ـف وللكم والمتى           والمحل

هو أنت الله الإله القديم           الـ          أحد الفرد الباطن         المتجلي

هو أنت الله الرفيع الجمال       الصـ          ـمد الدائم بجلال          الأجل

هو أنت الله الذي لم يلد        كلا          ولم يولد وينسب           لأصل

هو أنت الله المقدس عن        كف          ء وضد وعن شريك        ومثل

هو أنت الله المنزه عن          إدراك          حسّ وعن توهم        عقل([33])

إن نسق التكرار يظهر من خلال التركيب المتوالي اثنتين وعشرين مرة (هو أنت الله) للتركيز على التنزيه المقصود، وليكون ممهدا لذكر أسماء الله الحسنى وهي: المقدس، المنزه، القديم، الأحد، الباطن، الظاهر، الرفيع، الدائم، الجلال، الأجل، لم يلد،…. والشاعر يقتبس هذه الفكرة من قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾([34])، وقوله أيضا في سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾([35]).

2- نسق التكرار في خطاب الشكوى:

يستغل الشاعر المبتهل نسق التكرار لإبراز حالة تضرعه إلى الله شاكيا إليه عوزه وفاقته وما يرتبط بهما من مشكلات يتوسل ربه أن يمنحه حلا لها، ولعل ذلك راجع إلى طبيعة الحياة الصعبة التي تحيط به، فلا يستطيع كشفها لأحد؛ ويمثل أبو مسلم في مراحل حياته الأخيرة صورة حية لهذه الظاهرة. يقول في قصيدته التوسلية” (الرجز):

أدقعني الفقر وأنت       الشاهد          وأنت ذو الطول الغني     الواجد

بيدك الفضل ومنك        الوارد          وكل موجود سواك           نافد

وكل موجود بيديك        يستدر([36])

يشكل هذان البيتان غاية الشاعر في طلبه، ويبدو أنه وفق في تشخيص حالته عن طريق استخدام الكناية في قوله: “أدقعني الفقر”، فكلمة المدقع تحمل دلالة المعاناة الشديدة، وهي في معناها اللغوي تشير إلى هذه الصفة، فالمدقع الفقير الذي لصق بالتراب، فالفقر أتى على كل ما عنده، ولم يبق له شيئا([37]). وهذا المعنى يستوي على حالته التي طالما لهج بها في شعره التعبدي، فهو يطلب من ربه تعجيل المنة، وفي ذلك يقول: (الخفيف)

ساورتني البأساء      والفقر يا منـّ          نان عجـّل بمنك         المستهل

يا منيل الجود يا       مفضل الر          زاق يا راحم المعيل          المقل

يا مقيت المبر يا        واجد المو          جد رزقي بارك عليه   وزد لي([38])

يلعب تكرار أداة النداء “يا” في هذه الأبيات دور المشخّص لحالة الشاعر المستغيث، الذي يستجدي ربه مستعينا بأسمائه الحسنى التي تأتي في مقدمتها: المنان، المفضل، الرحيم، الرازق، المعيل، المبر، وهذه الأسماء تتناسب ومقام الجود والكرم التي يتصف بها جل وعلا، كما أنها تتناسب مع حالة العوز والفقر والبؤس التي يشكو منها الشاعر([39]).

وبذلك يكون نسق التكرار مكونا مهما من مكونات الاعتراف والشكوى من النفس في خطاب قصيدة الابتهال لدى أبي مسلم، وفيه يشكو الشاعر المبتهل راجيا من ربه النصرة والغفران على نحو ما نجد في خطاب التوبة.

3- نسق التكرار في خطاب التوبة:

تكتسب التوبة أهمية خاصة في قصائد أبي مسلم، انطلاقا من مكانتها الدينية والاجتماعية، وتكون على نمطين:

الأول: تكون فيه القصيدة مستقلة لها عناصرها الخاصة.

الثاني: تكون فيه القصيدة متداخلة مع قصيدة الابتهال.

ونتيجة لذلك بلغت هذه القصائد حدا من الشهرة والذيوع في المجتمع العماني ما جعلها محفوظة لدى القضاة والفقهاء، حيث تستخدم في استتابة المذنبين والعصاة، وبذلك تحققت لها المكانة الاجتماعية التي تضاهي مكانتها الأدبية المتميزة.

أمّا نسق التكرار في هذه القصائد فيأتي متداخلا مع الابتهال، ليشكـّل في النهاية ضربا من ضروب مناجاة النفس في خلوتها، لذا يكثر في شعر أبي مسلم البهلاني، وقد يصل أحيانا في بعض القصائد إلى اثني عشر موضعا، تطول فيها الأبيات لتصل إلى التسعين بيتا مِمَّا يجعل من نسق التكرار ظاهرة لا يمكن فصلها عن حالة الشاعر المتوحدة بالذات الإلهية والمستشرفة آفاق التوبة. وأهم النماذج التي يرد فيها هذا النمط قوله: (الرجز)

تبت إليك توب من لا     يرجع          عن كل ما يسخط ربي     مقلع

ولست لإلا في       رضاك أنزع          إذ ليس لي إلا رضاك       ينفع

والويل إن لم ترض ويل        مستمر

تبت إليك من ذنوب          السر          تبت إليك من ذنوب       الجهر

ومن ذنوب قاصمات         العمر          ومن ذنوب موجبات        الفقر

ومن ذنوب غيها مس           سقر

تبت إليك من خواطر          اللمم          وكل محظور جرى به        القلم

وكل ما عدت له بعد        ندم          وما انتهكت فيك من   أي الحرم

ومن صغير وكبير          مستطر([40])

فالشاعر يفتتح توبته بتخميس يبدأ فيه نسق التكرار بالفعل الماضي (تبت) معلنا عودته إلى الله([41]), ثم يعدد الذنوب التي تاب عنها، فيذكر منها ذنوب السرّ، وذنوب الجهر، وخواطر اللمم، وهذا الاستقصاء في حد ذاته يعطي دلالة التأكيد على مغزى نسق التكرار المتضمن معاني الصدق والإحساس بالندم من كل ذنب ارتكبه.

وفي موضع آخر يتوسع أبو مسلم في هذا الاستقصاء فيقول: (الرجز)

أستغفر الله لذنبي          مطلقا          فعلا وتركا نية            ومنطقا

أستغفر الله لذنب          سبقا          نسيته وأنت لا             تنساه

بحق لا إله إلا                 الله([42])

فأبو مسلم يفتتح توبته هذه المرة بنسق تركيبي هو (استغفر الله) ويكرره أكثر من تسعين مرة ويقفل تخميسه بعبارة نسقية هي: (بحق لا إله إلا الله) وكأنه يوحي بيقين الاستجابة والرجاء، وهذا يدل على ترابط موضوعي تظهره (الشكوى من النفس الأمارة بالسوء والاعتراف بالذنب والتوبة منه، وبذلك يتحقق في موضوع التوبة بفعل نسق التكرار (استغفر الله) خواص: التشخيص والعلاج، والإقلاع، والوقاية, وحفظ السلوك.

4 ـ نسق التكرار في خطاب الدعاء بالنقمة:

لعل ظاهرة الدعوة على الأعداء من أهم الظواهر التي تكثر في قصائد الابتهال والتعبد، فهي تثير قضية أساسية يتمركز حولها الخطاب الديني الإباضي، الذي يعتبر من أكثر الخطابات اتصالا بالفكر السياسي. وتكثر هذه الظاهرة لدى الشعراء الثوار المستنهضين الذين سخروا قصائدهم خدمة لنظام الإمامة، ومن هؤلاء الشعراء شاعرنا: أبو مسلم البهلاني؛ ويعود سبب تكونها إلى إحساسه بالهزائم المتكررة التي منيت بها مشاريعه السياسية، ولقناعته بفاعلية الدعاء في مثل هذه المواقف. كما أن فقدانه السيطرة على المجتمع، وعدم قدرته على قبول أوضاعه جعلته يدعو الله بالنصرة، يقول في هذا الصدد: (الطويل)

ويا قاهر اقهر دولة السوء وامحها           وشرد بهم واشدد عليهم   معجلا

ويا باعث ابعث راية الحق حولها جنودك تبلو في رضاك               وتبتلى

ويا قابض اقبض بسطة    الخصم          وانتقم كفعلك في عاد ومدين أولا

واشدد عليهم يا شديدا    عقابه          ولا تبق منهم يا وكيل      مبدلا

وعجل عليهم يا مقيت بوطأة وذرهم          حصيدا خامدين كمن   خلا([43])

في هذه الأبيات يبدو الشاعر الفقيه ناقما على زمانه ومكانه، سائلا ربه أن يعجّل بفناء القوم الظالمين واستبدالهم بدولة الحق، جاء ذلك على هيئة تراكيب ندائية استهل بها الأبيات الثلاثة الأولى، فقد جاء المنادى فيها صفة من صفات الله تعالى
(قاهر، قابض، باعث…). أمّا في البيتين الأخيرين، فإن أداة النداء والمنادى جاءا داخل البيت (…… يا مغيث…… يا شديد…. وأن الشاعر يستمد الفعل الطلبي من صفة الخالق على النحو التالي:

يا قاهر ——————- اقهر

يا باعث —————— ابعث

يا قابض —————— اقبض

ولئن كان الشاعر مستجيبا لرؤيته الدينية في توظيف أسماء الله، فإنه يسأله بما هو الأقدر عليه، فالقاهر هو الأقدر على القهر، والباعث هو الأقدر على البعث، والقابض هو الأقدر على القبض، وليس في وسع أي أحد ـ من وجهة نظر الشاعر ـ أن يحقق متطلباته هذه، إلا من كان قادرا على ذلك، وهو بالتأكيد الله سبحانه وتعالى، فالأسماء دينية، والصفات قرآنية، والسؤال متفق معهما.

إن أبا مسلم بمثل هذه التراكيب الأسلوبية/ الدينية يقدّم صرخة قوية في وجه قومه، الذين فرقهم الأعداء, وحالوا بينه وبينهم، حتى أنهم من جراء هذه الحالة جبلوا على الخنوع والخضوع: (الطويل)

إلهي تعدّى خصمك الحد واعتدى        على حرمات الله        بالأغلبية

فأرسل عليهم يا مذل قواصف الـ          نكير وسربله بسربال         لعنة

وصّب عليه الذّل قلبا      وقالبا          وفي جاهه والمال          والتبعية

مصائب ذل تحتطبن        حياته          ويحطمنه حطم الدريس المفتت([44])

إن أهم ما يمكن ملاحظته في هذه الأدعية بجانب نسق التكرار الفاعل فيها بقوة اللغة القوية الجزلة المتلائمة مع حالة القنوط التي يشعر بها الشاعر جراء فعلة الأعداء، فهو يستخدم لغة معجمية تحيلنا إلى الشعر الجاهلي، فكلمة “تحطبن” وعبارة “الدريس المفتت” تناسب طابع القوة والجبروت، فالأولى تعني إفساد الحياة بالشـّر والأذى، والثانية “الدريس” يقصد به كل ما يدرس ويحطـّم تحطيما حتى يصبح باليا, والفعل من درس يدرس([45]). وكلتا العبارتين تؤكدان الدعاء بالشر على الأعداء. والذي يمكن ملاحظته في هذه الأدعية أنها تتصل اتصالا مباشرا بتقليد السابق؛ فسعيد بن خلفان الخليلي كان حاضرا في هذه الأدعية عن طريق الذكر الخامس من قصيدته ” درك المنى في تخميس سموط الثناء”.

كما أن أبا مسلم لم يجد حرجا في اقتفاء آثار شيخه، فصوته يتناغم معه ليصعد إلى عنان السماء وقد انتابته دعوات ملتهبة تنقض على الأعداء، وتكر عليهم.

وإذا كانت تلك الأنساق تندرج وفق مبدأ تهيئة النفس وحثها على التعبد والابتهال, فإن هناك أنساقا أخرى تدخل في إطار التوحد مع الذات. وأهمها السلوك، والمديح الديني وسنتناولهما تفصيلا على النحو التالي:

5 ـ نسق التكرار في خطاب السلوك:

قبل أن نتناول نسق التكرار في خطاب السلوك يجدر بنا القول إن مصطلح السلوك عند الإباضية لا يختلف كثيرا عن مصطلح التصوف، فهم أطلقوا عليه “سلوكا” ويعنون به: “العكوف على العبادة والانقطاع عن الدنيا، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة والعبادة “([46])، كما أنه “انتقال من منزل العبادة بالمعنى إلى منزل العبادة بالصورة، أي الانتقال من عمل مشروع عن طريق القربى من الله إلى عمل مشروع بطريق القربة إلى الله بفعله وتركه… فالسالك إذن هو “العبد الذي تاب عن هوى نفسه ونبذ شهواتها، واستقام في طريق الحق بالمجاهدة والطاعة والإخلاص”([47]).

والسلوك ـ وفقا لما تقدم ـ يعني: “بتربية الإنسان روحيا وذهنيا, وتعليمه على المناهج العلمية بكل ما للتدريس من مبادئ ومناهج ثابتة”([48]).

إن هذه التعريفات تبين العلاقة الوثقى بين علمي التصوف والسلوك, فلا خلاف ظاهر بينهما، ورغم ذلك يبدو لي أن هناك أسبابا حدت بالفكر الإباضي إلى العدول عن مصطلح التصوف واتخاذ السلوك مصطلحا آخر تتعامل معه: منها محاولة الخروج من شطحات الصوفية، وتنقية الدين من طقوسهم، إضافة إلى الاعتزاز بالشخصية والرغبة في التميز؛ فجميع الفرق الإسلامية ـ إلا في حالات نادرة تتخذ من هذا المصطلح شعارا لها فآثر المذهب الإباضي مصطلحا هو من داخل التصوف نفسه. وهناك سبب ثالث، والذي أكاد أشاطر الباحثين فيه ـ ويتمثل في كون السلوك يدل في مفهومه العميق على النقاء والالتحام بالشريعة وإحكام سيطرته على الإنسان في اتخاذ طريق معين لأداء عبادة الله، ويتمثل في الخلوة، وتلاوة القرآن، والأوراد والزهد، وهذه كلها مناهل صافية ورد منها الفكر الإباضي فكوّنت شخصيته المستقلة بعيدا عن أشكال الجدل والنقاش المؤدي إلى شطحات لم تكن مقبولة في فكر المؤمن ومعتقده، على نحو ما يفعل كبار المتصوفة الذين وصلوا إلى أعلى درجات التوحد بالله([49]).

ويلعب نسق التكرار في قصائد أبي مسلم دورا مهما في بلورة خطاب السلوك لديه على النحو الذي نجده في قصيدة: “المعراج الأسنى في أسماء الله الحسنى ” والتي اقتفى أثرها لاحقا كل من سيف بن سالم المسكري، وعبدالرحمن الريامي، وخلفان بن جميّل السيابي.

إننا حينما نقرأ هذه القصيدة لا نجد مجالا للشك في تأثر الشاعر بمقامات المتصوفة، وإن هي جاءت تحت مسمى مصطلح السلوك؛ فهي لا تختلف عن عناصر مقامات المتصوفة التي تأخذ مسميات: مقام الصبر، ومقام الرجاء، ومقام الرضى، ومقام الرفعة، ومقام الفقر، ومقام الورع، وتكتنف المتعبد في كل مقام من هذه المقامات حالة معينة حددت شروطها كتب التصوف.

ولا يقتصر نسق التكرار في خطاب السلوك لديه على قصائد الحب الإلهي، وإنما تعدّاه إلى قصائد المدح المحمدي، فكثير من قصائده تحيل إلى رموز صوفية ومصطلحات لها مكانتها في هذا الجانب، ومن ذلك قوله مادحا الرسول صلعم: (البسيط)

يا مصطفى الله يا مختار     نظرته          يا أصل ما أظهر الإبداع من قطر

يا رحمة الله يا مبعوث       رأفته          يا مظهر اللطف في الأرواح والصور

يا آخر الرسل لا تأخير      مرتبة          وإنما السرّ مطوي على     الفكر

يا ظاهرا بكلمات   الظهور على          كل الظواهر في سلطان    مقتهر

يا باطنا لم تفته     الباطنات ولم          يدرك مقاماته علم من     الفطر

أنوار حبك في قلبي   قد انطبعت          جبلة كانطباع الشمس في القمر([50])

لقد تتبع الشاعر في هذه الأبيات صفات الرسول، محيلا إلى أنساق ورموز سلوكية واضحة الدلالات من مثل (الأول والآخر والظاهر والباطن، وآخر الرسل) وكل هذا التتابع تفرضه طبيعة الموقف المتجانس مع حالة الشاعر المتوحدة بذات الرسول، والتائقة إلى مرضاته، فهو بمثابة الوسيط المقرب من الله.

ويأتي تتبع الشاعر لأسماء الله في إطار التسبيح باستعراض أسمائه وتوكيدها ونظمها شعرا دون أن نجد صورة بلاغية طريفة تقوض هذا السرد، وتخلصنا منه عدا صورة بدت باهتة جامدة، نلقاها في قوله: “مشكاة مصباح” وقد جاءت متوافقة مع طبيعة اقتباسه للأسماء والصفات من القرآن الكريم.

إننا ـ بعد ما تقدّم ـ نستطيع القول: إن أبا مسلم سار على نهج أسلافه في التمسك بمصطلح السلوك، والابتعاد عن مصطلح التصوف الذي لم يرق له مسّماه. وإن راقت له عناصره: (الطويل)

نصبت لهم من نيرّ الذكر معلما          وبوّأتهم من أنفع الذخر    مغنما

وصّيرت نفسي خادما     لطريقة          بها هام أهل الله في الأرض والسما

فيا لرجال الحب   والكأس مفعم          هلم اشربوا هذا المغني        ترنما

عصرت لكم من خمرة الله صفوها         فموتوا بها سكرا فما السكر مأثما

تمتع أهل الاستقامة          قبلنا          بها فانتشوا بين الخليقة      هيما

تراهم سكارى ينشر الجمع فهمهم        ويطويه نور الفرق في أبحر العمى

ملأت لكم دنّي      شرابا مروقا          وحركت أوتاري فأنطقت أعجما

وغنيت في شربهم    الرسل كلهم          “تقدم على باب المليك مقدما”([51])

نلاحظ في هذه المقطوعة أن الشاعر اعتمد الألفاظ الصوفية من مثل: المعلم، والمغنم، والخادم، والحب، والكأس، والمغني، والشراب، وحضرة الله، والسكر، والنشر، والطي، والنور، والأوتار, وغير ذلك مِمَّا يشيع في قصائد المتصوفة، حتى غدا علامة لهم، وسمة تطبع شعرهم، ولغة تحمل أبعادا وأخيلة ودلالات معنوية رامزة. وقد استوحى هذه العوالم الصوفية ليبني من لغتها صورة كاملة الأطراف، تعتمد المجاز على المستوى الفني، فقد صيّر نفسه خادما لأهل الذكر، يدور عليهم بكأسه التي ملأها بحب الله، وقد عصر لهم خمرة الله، فلا ضير أن يهيموا بها سكرا، فقد سكر بها قبلهم السلف الصالح من أهل الاستقامة نقاء، وصفاء، وزهدا، وإخلاصا لله وحده.

إن الأجواء التصويرية في هذه المقطوعة تذكرنا بقصائد كبار المتصوفة من مثل: ابن الفارض، وأبي منصور الحلاج، ورابعة العدوية؛ لذا فلا ضير أن تكون مشابهة لأشعارهم، كما لا يضير أبا مسلم في بعض نماذجه أن يكون واحدا منهم، فالمقصد واحد هو التعبد والابتهال، ولن يكون هناك أدنى خلاف إذا ما اختار أبو مسلم لنفسه مسمى جديدا يقع تحت دائرة مصطلح التصوف مع مراعاة أنه انطلق في سلوكه وتصوفه من منطلقات إباضية وصفها الدكتور محمد صالح ناصر بأنها إيجابية، ولها علاقة بعقيدته ونظرته إلى الحياة([52]).

**********

6- نسق التكرار في خطاب المديح النبوي:

من المحاور البارزة في الشعر الديني في عمان عامة، وشعر أبي مسلم خاصة المديح النبوي، وهو عنصر مهم في التعبد؛ لأنه في تصّور المتعبد ركن أساسي لا يتم الذكر إلا به، كما أنه لون من الألوان التي أذاعها الفكر الإسلامي باعتباره تعبيرا عن العواطف الدينية، وبابا للأدب الرفيع؛ لأن أفكاره لا تصدر إلا من قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص “([53]).

ولما كان شعر المديح النبوي كما يقول الدكتور أحمد درويش ” ينتمي من الناحية التصنيفية إلى شريحة ” المديح ” فإنه ينتمي في معظم حالاته إلى شعر” الرثاء ” من ناحية التصنيف الموضوعي؛ حيث يعني المديح في التصنيف التقليدي ” ذكر محاسن الأحياء، في حين يختلف عنه الرثاء كما يقول قدامة بن جعفر بأنه ” ذكر محاسن الأموات ” ومن ثم فإن الصيغة الغالبة على قصيدة المديح هي صيغة المضارع ” بكل ما تستدعيه من صيغ ” المزامنة ” نداء، ودعاء، ورجاء، ومواجهة، فى حين أن الصيغة الغالبة على قصيدة الرثاء هي صيغة ” الماضي ” بكل ما تستدعيه من صيغ الاسترجاع تذكرا وتمثلا وإشادة واعتبارا. من هنا تكمن المفارقة الواضحة في التسمية التي شاعت في قصائد ” رثاء الرسول ” واعتبارها مديحا له، فالرسول بصفاته العلية حاضر وماثل في القلوب ومسيطر عليها يهيمن على مناخ “المضارعة” ولا يسهل إدراجه في تصنيف “الماضي” فهو ممدوح وليس مرثيا([54]). وعلى هذا الأساس فقد جرى الشعراء العمانيون مجرى أقرانهم العرب؛ على اعتبار قصائد المديح النبوي مديحا وليست رثاء، وأنشأ أبو مسلم فيه ” مولدا نبويا ” حمل طابع الابتهال نفسه، من حيث إكثاره من المناجاة والتبتل لحضرة الرسول محمد، وأحيانا التوله والعشق الصوفي لشخصه الكريم. يقول أبو مسلم: (الطويل)

طبيبي ومطلوبي وطبي      وطيبتي          ومعتمد في الأمر ساكن     طيبة

ظمئت إلى ما بين   أطلال يثرب          فيا ليتها كانت مدى الدهر ظلتي

عليل وما بي علة غير        أنني          سلوكي حب المصطفى صار علتي

لقد ذاب أبو مسلم في حب الرسول على طريقة أهل السلوك، وبدت عباراته تكشف عن ذلك من خلال استرسال نسق الألفاظ وتواليها بين جناس تام وآخـر ناقص (طبيبي ـ مطلوبي ـ طبي ـ طيبتي ـ طيبة)، وبين عبارات يكسوها التوله والنبرة الدفينة التي تختمر بما يختمر به أهل العشق عادة من الشكوى والظمأ والإلحاح في طلب المحبوب (عليل ـ ظمئت). ومن جانب آخر يظهر تولهه وعشقه في شيء من الخضوع والاستكانة والتوله على نحو ما نقرأ في قوله: (البسيط)

نور الوجود تداركني فقد   عميت          بصيرتي في ظلام العين     والأثر

غوث الوجود أغثني ضاق مصطبري       سر الوجود استلمني من يد الخطر

أنس الوجود قد استوحشت من زللي      وأنت أنسي في وردي وفي صدري

وجهت نحو رسول الله      نازلتي          وقلت يا نفس حم النصر فانتظري([55])

يتضح في هذا البيت وسائر أبيات القصيدة شدة شغف الشاعر بحب الرسول صلعم، والسعي إليه بصفته مخلـّصا وشفيعا، فقد تقضى شبابه بين لهو وغفلة، كما امتلأت كفة ميزانه بالسيئات، وبقي رغم ذلك رجاؤه وحيدا بالله ورسوله. ومن اللافت للنظر أن الشاعر يستثمر المناسبات الدينية لإظهار نسق المديح؛ فالمولد النبوي والإسراء والمعراج وعيدي الفطر والأضحى مناسبات لاعادة النظر في قضايا الذات والحياة، ولهذا لا عجب أن تستأثر بعدد كبير من قصائده، فالشاعر يسوق في قصيدته الطويلة هذه الصفات التي يتحلى بها الرسول مكررا الخطاب المباشر بالضمير الغائب “أنت” للدلالة على قوة الرباط الذي يعمر قلبه حبا ووجدا بشخص الرسول صلعم. وهذا في حد ذاته ملمح إيجابي تتسم به أغلب المدائح الدينية في كل مناسبة إسلامية.

وعلى كل حال لم يكن أبو مسلم وحيد عصره في هذا الضرب من الشعر, فكثير من الشعراء القضاة والفقهاء مِمَّن ينتمون إلى الجيل الأول أكثروا من هذا الصنف يحدوهم في ذلك صدق العواطف الدينية التي تحلوا بها، ونبل الأهداف التي سعوا إليها، ولعل مقدمات قصائدهم تفصح عن ذلك.

من الأمثلة السابقة يتضح لنا أن نسق التكرار في شعر التعبد سار لدى أبي مسلم على منهجين: الأول: شعر الحب الإلهي المليء بالذكر والدعاء والتوسل مع إشارات رامزة إلى التصوف. والثاني: شعر الحب المحمدي المليء بالذكر والدعاء بعيدا عن موضوعات المتصوفة وأفكارهم. وهذان المنهجان يؤكدان على أن المرجعية الدينية لم تنفك عن نسق العقيدة الإباضية.

*****************

ثانيا: المرجعية السياسية ونسق الواقع:

تؤكد هذه المرجعية على نظرة أبي مسلم السياسية، وحاجته إلى التعبير، وربط هذا التعبير بمبادئ الإسلام وقيمه، وذلك بإثبات أن هذا التعبير الحاصل ليس مِمَّا يجيزه الإسلام فحسب، وإنما هو من مستلزماته الضرورية إذا ما فهم على حقيقته خاصة انه ينطلق من حدود فهمه للإصلاح، وهي حدود مقيدة بفهمه للتجديد الديني المحدد بمواجهة القديم بما يعنيه من ترسب البدع والانحرافات والأوهام المتزمتة، ويتحدد من جهة أخرى بالأخذ بالجديد بما يعنيه من العودة إلى المصادر الأولى في الدين والأخلاق([56]). ولعل هذه النتيجة أفضت بالمفارقة الأولى في سؤال المرجعيات؛ أعني مفارقة التأصيل الذي وجدناه في المرجعية المذهبية، وبين اقتفاء النموذج السياسي الذي نحن بصدد التركيز عليه، فاختار أبو مسلم الأولى، إذ رأى أن العودة إلى الأصول الإسلامية أهم متطلبات الفكر التنويري، ولهذا لم يجد ضيرا في الدفاع عن المذهب الذي آمن به، بل امتد هذا الدفاع حتى إلى الوطن، فشعره يعج بأشكال الأدلة العقلية التي تبرهن مصداقية آرائه, حتى أننا يمكن أن نطلق عليه مسمى “الفقيه المستهض من الخارج” انطلاقا من عدم مشاركته المادية داخليا ولاسيما أنه كان يرسل قصائده ورسائله من زنجبار. ويرد على من عاب على وطنه تخلفه: (الوافر)

تفضل بالزيارة في          عمان          تجد أفعال أحرار          الرجال

تجد ما شئت            من مجد          وفضل وأحساب عزيزات   المنال

تجد من هيبة       الإسلام شأنا          عليه الكفر مبيض         القذال

تجد همم الرجال       مصممات          بثأر الدين ترخص كل   غال([57])

في هذه القطعة الوطنية الملتهبة ـ مثلا- يدعو الشاعر مخاطبه إلى زيارة عمان، فبعد فعل الأمر: (تفضل) تأتي بقية الجمل استتباعا لهذا الطلب مستـهلة بفـعل (تجد) وهو فعل يتكرر في بقية الجمل التي تتركب منها المقطوعة، كما جاءت المفاعيل في جميع هذه الجمل قائمة على جملة من الخصائص الأخلاقية والاجتماعية والدينية، فالأولى جسّدتها أفعال أحرار الرجال والمجد والفضل، والثانية وضحّتها خصال من مثل أحساب عزيزات المنال. أمّا الأخيرة فقد بيّنتها خصال (هيبة الإسلام ـ والكفر مبيض القذال) وهي خصال ـ كما نرى ـ تدل على الشجـاعة (همم الرجـال) والفداء (بثأر الدين ترخص كل غال). ورغم هذا التوارد في التراكيب الأسلوبية (الأفعال ـ المفاعيل)، فإننا لا نجد طرافة في الصور يمكن أن نعدّ بها المقطوعة من خصال الشعر المحتوي على صور ناصعة، ففي قوله مثلا: “عليه الكفر مبيّض القذال” صورة تقليدية لا جديد فيها, فهي استعارة مستهلكة.

إن مثل هذا الإحساس الفياّض بالوطن كوّن البذور الأولى للشعر السياسي الوطني، فظهر اسم الوطن فيه شامخا (تفضل بالزيارة في عمان), فالشاعر يدعو مخاطبه إلى زيارة عمان التي سيجد فيها الأمثلة المشرفة لمواقف الرجال؛ حيث الشجاعة والتضحية والفداء ونصرة الدين, وكلها عناصر تدخل في نطاق النفس المحّملة بوهج الفخر، الذي يتسع بعد ذلك ليشمل مشاعر التنويه والتحذير والدعوة إلى اليقظة ونبذ الخلافات, وهو شعور يتلاءم مع فكرة البذور الأولى للوطنية أو المرجعية السياسية؛لأن التصريح باسم الوطن بدا ظاهرا من البيت الأول.

هذا النموذج يعطي انطباعا معبرا عن مدى إحساس الشاعر الفقيه بوطنه، وهو بذلك يعد رائدا في هذا المجال، فلم تقع في أيدينا نماذج مشابهة لها إلا في شعر من جاء بعده.

بمثل هذا الإحساس الوطني يمكن اعتبار جهود أبي مسلم امتدادا طبيعيا للجهود الإصلاحية الأولى وتوجهات النهضة العربية، إذ هو توطيد للإصلاح الديني ليس على مستوى مخاطر العصر (الاستعمار ـ التخلف الاجتماعي ـ القهر السياسي) فحسب، وإنما على مستوى إعادة بناء الفكر السياسي/ الإصلاحي ذاته، إذ هو توجه لإعادة مشروع المصلحين السلفيين قبله والرامي إلى إعادة بعث الإمامة وإحيائها, وقد تحقق بفكر صاغه نور الدين السالمي، ونجم عن تنصيب الإمام سالم بن راشد الخروصي الذي رأينا أبا مسلم يرسل إليه الرسالة تلو الأخرى([58]).

تنم المرجعية السياسية للواقع في خطاب أبي مسلم الاستنهاضي (الذي لا ينفصل بحال من الأحوال عن الخطاب الديني عامة) عن حرص شديد على بعث المشروع الإصلاحي النهضوي من كبوته على اعتبار أن جهود أبي مسلم ما هي إلا امتداد لجهود رواد النهضة العربية ” الأفغاني ـ محمد عبده ـ رشيد رضا –السالمي ـ قطب الأئمة)، وقد استفاد من وطأة الهم العربي/ الإسلامي، وهو في كل ذلك يتجاوز رواسب التمزق التي عصفت به في مراحل حياته، ولأجل ذلك دشن حركته تجاه فكر سياسي أحادي قواه التعاطف مع مشروع بعث الإمامة وإحيائها. كذلك تأسيس وسائل تقوم على الحرية والعدالة والديمقراطية، كما تبلورت دعوته إلى الأخذ بوسائل الحضارة المعاصرة التي أخذت بواكيرها تطفو على السطح في موطنه “زنجبار”.

إن شخصية أبي مسلم وإن اختارت المنهج الديني/ الإباضي في الإصلاح السياسي بدل الممارسة النضالية، وآلت إلى التصالح مع السلطات التي أشرنا إليها، وعدم الاصطدام بها، فإنها تبقى مثار تساؤلات جريئة تتصل بحسم انتمائها إلى نمطية المصلح السلفي أو المثقف المستنير، ونحن نذهب إلى ترجيح النمطية الوسطية؛ لأن أبا مسلم لا يكشف في أنساق مرجعياته الثلاث سوى جوانب مضيئة تتصل بفهم الدين ومعالجة بعض الأصول والفروع، بل ويذهب أكثر من ذلك نحو تكريس الصورة القبلية التي ران عليها المجتمع لأزمان طويلة؛ إنه يعقد صلحا دائما مع كل المؤثرات الواقعية فلا يختلف اختلافا واضحا مع سائر السلطات التي عرضنا لها، وإنما يتحالف معها، لهذا تصبح رؤيته في المجمل الأعم رؤية تحول دون الانفتاح الكامل.

********************

ثالثا: المرجعية الاجتماعية ونسق الذات القبلية:

أهم ما تحيل إليه هذه المرجعية هو حياة أبي مسلم التي تحددها مراحل ثلاث هي:

1 ـ مرحلة البواكير. 2 ـ مرحلة التمرس. 3 ـ مرحلة الانكسار.

* فالمرحلة الأولى ” تتموضع في عمان، حيث ينتقل فيها من عهد التلمذة ومعاينة الأحداث ومعطيات الشيوخ إلى عهد تتشكل فيه رؤية إصلاحية وطنية تأخذ كثيرا من مكاسب الربع الأول من القرن العشرين، وخاصة من خلال منجزات الحركة الإصلاحية السلفية في عمان وربما في زنجبار، لكنها لا تكتفي بذلك، وإنما تنطلق بوثبة أكثر عنفوانا؛ تدفعها في ذلك معطيات السنين الأولى في حياة أبي مسلم، فهي ـ إذن ـ مرحلة تدين بمؤثرات تكوين المشايخ الذين تتلمذ عليهم في قرية “السيح” بوادي محرم أو في سمائل فيما بعد، وبالأخص الشيخ محمد بن سليم الرواحي. كما تدين للواقع ومستجداته بما تحفزت به النفس من آمال نحو التغيير, نلمس ذلك في صلات البهلاني برفيق صباه (الشيخ أحمد بن سعيد الخليلي) وحنينه الدائم إليه مقرونا بحنينه إلى وطنه: (البسيط)

عهدي بها ونضير العيش يصحبها         والدهر في غفلة والشهب إخوان

نشأت فيها     وروضاتي ومرتبعي          روح الفضيلة لا رند       وريحان

أرتاح فيها إلى خل        فيبهرني          صدق وقصد ومعروف وإحسان([59])

كما نلمس حساسيته الجديدة من صلاته الوطنية بالإمام سـالم بن راشد الخروصي الذي حرص على مناصرته: (البسيط)

يا سالم الدين والدنيا ابن راشد خذ        أمانة الله والأقدار          أعوان

أنت الضليع بها حملا      وتأدية          إذ كل أمرك تدبير     وإتقان([60])

فضلا عن صلته الروحية بنور الدين السالمي قبلهما وقد بدا ذلك في استنهاضه للقبائل بغية نصرته: (البسيط)

يا للقبائل يا أهل    الحفاظ ومن          أمجادهم في جبين الدهر    عنوان

شدوا فديتكم أنتم       بواسلها          أم فيكم لمصاب الدين سلوان([61])

* أما المرحلة الثانية (التمرس): فتتمركز في زنجبار مهجر الشاعر، وفيها ينتقل من معايشة الأحداث الوطنية، والالتحام المباشر بمصالح البلاد، إلى مرحلة الانخراط في العمل السياسي والثقافي بإصدار صحيفة النجاح عام 1911، والتراضي مع السلطات في زنجبار بالمشاركة في رحلات السيد حمود بن مُحمَّد، ووصفه له في قصيدته “اللوامع البرقية” بصفات تنم عن إعجاب متناه: (الطويل)

تراه غضيض الطرف وهو مراقب           ويرجف منه الدهر وهو سكون

له بصر في ملبس      الأمر نافذ          فيدرك كنه الأمر وهو     مصون

توخى له الحق المبين        أصالة          من الرأي فيما لا يكاد      يبين

يوافيه قبل الفكر حكم   وحكمة          إذا شاجرته في الشؤون     شؤون

يظاهر بين الحزم    والرأي جيشه          يشن له الغارات وهو   فطين([62])

فالممدوح في هذه المقطوعة له من صفات الحنكة والسداد والحزم والشجاعة ما تبوأه مكانة جليلة لدى رائيه، والشاعر حينما يسدي مثل هذه الصفات عليه فهو ينبئ بأنه قد خبره وعرف سريرته.

وفي هذه المرحلة اختفت شخصيات مؤثرة في تجربته الحياتية، إما بالانتقال إلى جوار ربها، أو بالسجن والعزلة، ولا نستطيع وصف تأثير نهاياتها المحبطة والمريرة في نفس أبي مسلم([63]). لقد سقطت آمال كبيرة بفقد شخصياته، تجرع من ورائها الخيبة والهزيمة لكنه يعود بعدها ليتفاعل مع الواقع الجديد في نهاية العقد الأول من القرن العشرين بعقل أكثر انفتاحا, وبمرونة جعلته يتقبل أوضاعا ما كان يتقبلها من ذي قبل. أعني تصالحه مع السلطة نتيجة الوعود التي كان يحظى بها. ولا سيما تلك المتصلة بأحلام الديمقراطية الإسلامية ومبادئ الإخاء والسلم والعدالة.

* وأخيرا: المرحلة الثالثة، وهي لا تطول بحال من الأحوال، ذلك أنها مرحلة هزيمة ويأس ومرارة، وهي من الإحباط والخيبة بحيث إنها قضت عليه عام 1920 أي بعد عام من مقتل الإمام الخروصي. وبعد أعوام قليلة من وفاة السالمي، ولو قدر لأبي مسلم أن يعيش أكثر لرأيناه كغيره من رواد التنوير حطاما منتهيا، فالموت والحياة بعد تبدد الآمال متساويان، وهذا سرّ تكشفه دهشتنا لقصيدته التي يخاطب فيها نفسه: (البسيط)

ماذا تريد من الدنيا        تعانيها          أما ترى كيف تفنيها     عواديها

غدارة ما وفت عهدا وإن وعدت         خانت وإن سالمت فالحرب توريها

ما خالصتك وإن لانت ملامسها         و لا اطمأن إلى صدق مصافيها

سحر ومكر وأحزان      نضارتها          فاحذر إذا خالست مكرا وتمويها

كذابة في دعاويها         منافقة          والشاهدات على قولي    معانيها

تريك حسنا وتحت الحسن مهلكة         يا عاشقيها أما بانت مساويها([64])

*********

يصبح ـ إذن ـ من الطبيعي، وفي ضوء المراحل الثلاث لمسيرة أبي مسلم الشعرية، أن يقترن الخطاب الديني بأنساق المرجعيات، وتصبح شخصيته الجماهيرية أكثر زخما وانفتاحا على سلسلة المفاهيم الحديثة في الفقه والأدب والسياسة، مِمَّا يجعل منها بعيدة عن أشكال التزمت الذي هيمن على خطاب المثقف العماني لسنين طويلة؛ ولهذا فشخصيته وفق نسق المرجعيات باقية في المجتمع العماني وتحظى بقبول منقطع النظير.


قائمة المصادر والمراجع([65])

أولا: المصادر: ـ

1.   ديوان أبي مسلم البهلاني، مخطوط، رقم 24/ 9، الناسخ سالم بن سليمان البهلاني، مكتبة نور الدين السالمي، ولاية بدية، سلطنة عمان.

2.  ديوان أبي مسلم البهلاني، القسم الأول، تحقيق على النجدي ناصف، ط1، إصدار وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1984.

3.  ديوان أبي مسلم، تحقيق عبدالرحمن الخزندار، ط دار المختار، القاهرة، 1986.

4.   ديوان أبي مسلم، ط1، إصدار وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1987.

ثانيا: المراجع:

1. أعوشت، بكير بن سعيد: دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، ط3، المطابع العالمية، سلطنة عمان، د. ت.

2. الثميني، عبد العزيز بن إبراهيم: معالم الدين، ط1، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1986، 2/ 191.

3.  الجعبيري، فرحات: البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ط1، سلطنة عمان، 1986.

4. خالص، وليد (الدكتور): نص في السلوك العماني للشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (دراسة وتحقيق)، نزوى، ع24، أكتوبر، 2000.

5. الخليلي، أحمد بن حمد: الحق الدامغ، ط1، د. م، سلطنة عمان، 1989.

6. درويش، أحمد (دكتور): مدخل لدراسة الأدب في عمان، ط1، دار الأسرة، سلطنة عمان، 19. تطور الأدب في عمان، ط1، دار غريب، القاهرة، 1998.

7.  رزق، صلاح (دكتور): ديوان أبي مسلم. عرض ودراسة، ط1، المطابع العالمية، سلطنة عمان، 1995.

8. الزركلي، خير الدين: الأعلام، ط دار العلم للملايين، بيروت، 1998.

9. السليمي، محمود: أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، أطروحة دكتوراه، مرقونة، الجامعة الأردنية، 2001.

10. شحاته، فتحي عطية: الشاعر العماني الشيخ أبو مسلم البهلاني حياته وشعره، أطروحة ماجستير، مرقونة، جامعة الأزهر، 1994.

11. شيبة، محمد مسعود: الفكر السياسي عند الإباضية، أطروحة ماجستير، مرقونة، جامعة ألمانيا، 1996.

12. العلوش، سعيد (الدكتور): معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، ط1، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1985.

13. غلوم، إبراهيم (الدكتور): المرجعية والانزياح، مؤسسة الأيام للصحافة والنشر، البحرين، 1996. عبدالله الزائد وتأسيس الخطاب الأدبي الحديث، ط1، دار المسيرة، البحرين 1996.

14. الثقافة العربية وهيمنة نسق الاستبداد، (مقال) مجلة ثقافات، ع1، 2002، ص9.

15. الغيلاني، سبيت بن سعيد: الشعر العربي العماني في المهجر الأفريقي، أطروحة ماجستير، جامعة اليرموك، الأردن، 1996.

16. الكندي، أحمد بن سليمان: قصائد السلوك في الشعر العماني، بحث مرقون، توجد صورة منه في مكتبة الباحث، سلطنة عمان.

17. الكندي، محسن بن حمود: الصحافة العمانية المهاجرة، ط1، شركة رياض الريس للطباعة والكتب، بيروت، 2001. الشعر والشعراء في عمان في القرن العشرين، أطروحة دكتوراه، مرقونة، الجامعة التونسية، 2002.

18.  مجموعة باحثين: قراءات في فكرالبهلاني الرواحي، ط1، المطابع العالمية، 1998.

19. المحروقي، محمد بن ناصر: الشعر العماني الحديث: أبو مسلم البهلاني رائدا، ط1، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2000.

20. ناصر، محمد صالح (دكتور): أبو مسلم حسان عمان، ط1، مطابع النهضة، سلطنة عمان، 1996.

21. هلال، غنيمي: المواقف الأدبية، ط1، دار النهضة، مصر، 1973، ص101.

22.  اليحيائي، سالم بن على: أبو مسلم البهلاني ومنهجه الفقهي في كتابه نثار الجوهر، أطروحة ماجستير، مرقونة، جامعة أهل البيت، الأردن، 1998.

************

 

 


[1]) حنفي، حسن: من العقيدة إلى الثورة، ط1، م1، دار التنوير، بيروت، 1988، ص40.

[2]) العلوش، سعيد: معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، ط1، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1985، ص97.

[3]) المحروقي، محمد: الشعر العماني الحديث: أبو مسلم البهلاني رائدا، ط1 المركز الثقافي العربي، بيروت، 2000، ص82.

[4]) هلال، غنيمي: المواقف الأدبية، ط1، دار النهضة، مصر، 1973، ص101.

[5]) أحصينا مجمل قصائد الخطاب الديني في طبعات ديوانه الأربع إضافة إلى بعض المصادر المخطوطة.

[6]) حظي هذا الحضور بأهمية كبيرة عند بعض الباحثين في تجربة الشاعر إلى حد تم اعتباره من قبل أحمد درويش بأنه “شاعر شعبي بالمعنى اللغوي للكلمة لا بالمصطلح الفني المتعارف عليه، غير أن صلاح رزق استبدل هذه التسمية بمصطلح آخر اعتبره فيه بأنه “شاعر جماهيري”. وينطلق الباحثان في هاتين التسميتين من تلك الحفاوة التي يستقبل بها جمهور الشعر في عمان شعر أبي مسلم, والتي كانت بعض مظاهرها تسجيل قصائده في وسائل التسجيل السمعية الحديثة. انظر: أحمد درويش: مدخل إلى دراسة الأدب في عمان، ص154، وصلاح رزق في ديوان أبي مسلم البهلاني: تقديم: ودراسة، ص11.

[7]) حول تفصيل هذه الهيمنة أحيل إلى كتاب الدكتور أحمد درويش: مدخل إلى دراسـة الأدب في عمان، ط1، دار الأسرة، سلطنة عمان، ص18 وما بعدها.

[8]) وجدت بعض هذه القراءات على هيئة أطروحات علمية لنيل شهادات أكاديمية عليا في مجال النقد الأدبي الحديث، ومنها:

– الشاعر العماني الشيخ أبو مسلم البهلاني حياته وشعره، فتحي شحاته عطية، أطروحة ماجستير، جامعة الأزهر، 1994.

– الشعر العماني الحديث: أبو مسلم البهلاني رائدا، محمد ناصر المحروقي، أطروحة ماجستير، جامعة السلطان قابوس، 1995.

– أبو مسلم البهلاني ومنهجه الفقهي في كتابه نثار الجوهر، سالم بن علي اليحيائي، أطروحة ماجستير، جامعة آل البيت، 1998.

[9]) نعني بالسلطات هنا المعنى المطلق الذي لا يحصرها في شكل النظام السياسي فقط، وإنما يطلقها على كل شكل يفرض هيمنته بواسطة مجموعة من القوانين والمعايير التي تمثل ضوابط لسلوك الإنسان وطرق تفكيره، وبالتالي تشدد الرقابة على النشاط اللاواعي لديه فضلا عن نشاط الوعي العادي “.

[10]) نشير هنا إلى أننا تناولنا هذه المرجعية بالتفصيل في بحثنا “الشعر العماني في القرن العشرين (الشعر الديني) ونستثمر هنا ما قدمناه لكون أبي مسلم أكثر حضورا في هذه المرجعية، وبالتالي ما سوف يرد في هذه المرجعية وغيرها إنما هو مختصر بالتصرف عما أوردناه في بحثنا السابق.

[11]) ناصر، محمد صالح (دكتور): أبو مسلم حسان عمان ؛ط1، مطابع النهضة، سلطنة عمان، 1996، ص24.

[12]) القصيدة: “النهروانية”: ديوان أبي مسلم، ص32.

[13]) المقصود بأهل ” النهروان ” المشاركون من الإباضية في موقعة النهروان المعروفة في التاريخ الإسلامي ؛ وتقع النهروان بين واسط وبغداد ودارت بها معركة حربية بين الإمام علي بن أبي طالب وأتباع عبدالله بن وهب الراسبي, وفيها قتل الراسبي وكثير من أتباعه ؛ وسبب الموقعة أن جماعة من المسلمين رأوا صحة خلافة علي فقاتلوا معه إلى أن قبل التحكيم، ثم اعتزلوه واجتمعوا في النهروان، وقدموا لأنفسهم بديلا عنه هو عبدالله بن وهب الراسبي ؛ وذلك في العاشر من شوال سنة 37 هـ، وكان من أفضل قومه يومئذ، ولما بايعوه بعثوا إلى أصحابهم ومنهم الإمام على لكي يدخلوا في البيعة، لكن عليا رفض ذلك فحاربهم قبل أن يقوى أمرهم. (حول تفاصيل الموقعة وملابسات الموقف العسكري والسياسي فيها أحيل إلى المراجع التالية:

* – الفكر السياسي عند الإباضية: محمد مسعود شيبه، أطروحة ماجستير، جامعة المنيا، 1996، ص36.

*- الإباضية بين الفرق الإسلامية: علي يحيى معمر، ط1، مكتبة وهبة، القاهرة، 1976.

*- تحفة الأعيان: نور الدين السالمي، ط, مطبعة الإمام، القاهرة، ب، ت، ص291.

* – الأعلام: خير الدين الزركلي، ط1، دار العلم للملايين، بيروت، 1998، 4/ 143.

[14]) كثر استخدام هذا المفهوم بعد “استشراء أمر الأزارقة الذين روّجوا له بكثرة. حول هذه القضية انظر: معمر، علي يحيى: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ط1، مكتبة وهبه، القاهرة، 1976، ص382. دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، لبكير أعوشت، ص39 وما بعدها.

[15]) الشماخي: السير، 2/ 342. وانظر: السابعي، ناصر: الخوارج والحقيقة الغائبة، ص148.

[16]) قصيدة: “النهروانية”: ديوان أبي مسلم، ص27.

[17]) هذه التهمة ليست سبة في أصلها، ولكنها آلت بفعل الإعلام الأموي وبشكل مباشر إلى عوامل فكرية تعد أكثر تطرفا وخروجا من دائرة الدين المتعارف عليها لدى المذاهب الأربعة كلها.

[18]) قصيدة: “النهروانية”: ديوان أبي مسلم، ص28 وما بعدها.

[19]) سورة الحجرات، الآية 9، وانظر: سبيت، عوض: الشعر العماني في المهجر الإفريقي، ص59.

[20]) قصيدة: “غير معنونة”: ديوان أبي مسلم، ص14.

[21]) القصيدة: “النهروانية”: ديوان أبي مسلم، ص29.

[22]) أعوشت، بكير: دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، ص48. وانظر: كذلك الخليلي، أحمد: الحق الدامغ، مكتبة الاستقامة، د. م، 1989، ص4.

[23]) الذكر الثالث “المعرج الأسنى في أسماء الله الحسنى ” ديوان أبي مسلم ” القسم الأول، المصدر السابق، ص137 وما بعدها.

[24]) محمد صالح ناصر (دكتور): قصيدة الابتهال. تعريفها، أبعادها، سلسلة قراءات في فكر البهلاني، ط1، وزارة التراث القومي والثقافة، 1998، ص90.

[25]) صدر هذا الديوان بمسمى: القسم الأول، ط1، وزارة التراث القومي والثقافة، 1984.

[26]) قصيدة: “سموط الثناء في أسماء الله الحسنى ” ديوان أبي مسلم، ص127.

[27]) ديوان أبي مسلم، ص93.

[28]) درويش، أحمد (الدكتور): مدخل إلى دراسة الأدب في عمان، ط1، دار الأسرة، سلطنة عمان، 1992، ص162 وما بعدها.

[29]) قصيدة: “هو الله جلّ جلاله ” ديوان أبي مسلم، ط، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1987، ص42

[30]) القصيدة نفسها، ص45 وما بعدها.

[31]) الكندي، أحمد بن سليمان: قصائد السلوك في الشعر العماني، بحث مرقون، مكتبة الباحث، ص20. علما بأن التكرار في هذه القصيدة وغيرها يشكل ظاهرة فنية لعل من أهم مقومات وجودها اتصالها بالقراءة العمانية، وحالة التهجد التي يتطلبها الابتهال نفسه.

[32]) القصيدة نفسها. ديوان أبي مسلم: القسم الأول، المصدر السابق، ص106.

[33]) القصيدة نفسها، ص126. واستفدنا من نظرة المحروقي، محمد بن ناصر: الشعر العماني الحديث: أبو مسلم البهلاني رائدا، ط1، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2000، ص84. وكذلك من كتاب الدلالة في معرفة لفظ الجلالة لإبراهيم الصقري، ط1، مكتبة الجيل الواعد، سلطنة عمان، 2003.

[34]) سورة الحشر، الآية 24.

[35]) سورة الإخلاص، الآية 1.

[36]) قصيدة: “مقدس النفوس ” ديوان أبي مسلم: القسم الأول، ص198.

[37]) المعجم الوسيط، مجموعة باحثين، ط2، د.م، القاهرة، 1972، 1/ 290.

[38]) قصيدة: “الحضرة الفتوحية ” ديوان أبي مسلم القسم الأول، ص127.

[39]) المحروقي، محمد بن ناصر الشعر العماني الحديث: أبو مسلم البهلاني رائدا، المرجع السابق، ص89.

[40]) قصيدة: “مقدس النفوس ” ديوان أبي مسلم، ص173.

[41]) المحروقي، محمد بن ناصر الشعر العماني الحديث: أبو مسلم البهلاني رائدا، المرجع السابق، ص87.

[42]) القصيدة نفسها، ص23.

[43]) قصيدة: “اللطيفة السادسة في كسر شوكة ذوي الفساد وحسم صائلة العناد ” ديوان أبي مسلم، القسم الأول، وزارة التراث القومي والثقافة، 1984، ص143. وقد ورد المقطع الأول ” يا قاهر اقصم دولة السوء وامحها……

[44]) قصيدة: “غير معنونة ” ديوان أبي مسلم، ورقة 11.

[45]) المعجم الوسيط، 1/ 379.

[46]) ليس بوسعنا تقديم: تعريف محدد للتصوف للكثرة الهائلة من التعريفات التي تناولته، وقد جمعها نكلسون في كتاب احتوى على ثمانية وسبعين تعريفا. غير أننا هنا نكتفي بالمعنى العام لمصطلح الشعر الصوفي. وقد قصدنا به: ذلك الشعر الذي قيل تعبيرا عن المقامات والأحوال والأذواق الصوفية، وهو يتضمن: مقامات السالكين وأحوالهم وأذواقهم. فالأحوال: تعني: المراقبة، والمحبة، والخوف، والرجاء، والشوق، والأنس والطمأنينة، والأذواق: التصوف، والتقوى، والحضور، والحال، والذكر، والسخاء، والوجد، والشراب، والعبودية، والسرور. وانظر تفصيل هذه المقامات في كتاب: أبي نصر السراج: اللمع، ص7. وفي بحث عطية شحاته: الشاعر العماني الشيخ ناصر بن سالم بن عديم الرواحي حياته وشعره، ص266 وما بعدها.

[47]) انظر: الكندي، أحمد بن سليمان: قصائد السلوك في الشعر العماني، بحث مخطوط، ص202، وأيضا الشرقاوي، حسن (دكتور): معجم ألفاظ الصوفية، ص232.

[48]) الحكيم، سعاد: المعجم الصوفي، ص721

[49]) خالص، وليد (دكتور): نص في السلوك العماني للشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (دراسة وتحقيق)، نزوى، ع 24، أكتوبر، 2000، ص103.

[50]) قصيدة في مدح الرسول ” ديوان أبي مسلم، ص260.

[51]) قصيدة: “خمرة الله ” ديوان أبي مسلم، ص274.

[52]) انظر: محمد صالح ناصر (الدكتور): أبو مسلم الرواحي حسـّان عمان، ص30.

[53]) مبارك، زكي: المدائح النبوية في الأدب العربي، ط1، منشورات المكتبة العصرية، بيروت، د.ت، ص17.وكذلك محمد صالح ناصر (الدكتور)، المرجع نفسه، ص76

[54]) درويش، أحمد (دكتور): تطور الأدب في عمان، ط1، دار غريب، القاهرة، 1998، ص199.

[55]) قصيدة في مدح الرسول، ديوان لأبي مسلم، ص259.

[56]) غلوم، إبراهيم (دكتور): عبدالله الزائد وتأسيس الخطاب الأدبي الحديث، ص11، وما بعدها.

[57]) ديوان أبي مسلم، ص30.

[58]) انظر: نموذج هذه الرسائل في كتاب الدكتور، محمد صالح ناصر، ” أبو مسلم: حسان عمان، ص198.

[59]) الفتح والرضوان بالسيف والإيمان. ديوان أبي مسلم، القاهرة، 1986، ص300.

[60]) القصيدة نفسها، ص306.

[61]) القصيدة نفسها، ص308.

[62]) قصيدة اللامع البرقية في رحلة السلطان المعظم حمود بن محمد إلى الديار الغربية، ط1، وزارة التراث القومي والثقافة، 1983، ص10.

[63]) يتضح ذلك من خلال مراثيه لقطب الأئمة ونور الدين السالمي، سالم الريامي. انظر: الديوان، ص314، 328، 341، 346.

[64]) ديوان أبي مسلم، ص306.

[65]) نورد في هذه القائمة كل ما اعتمدنا عليه اعتمادا مباشرا، أمّـا ما كان مساعدا ورديفا فقد أوردناه في هوامش الصفحات ” كما أننا نشير إلى أن دراستنا هذه استفادت كثيرا من الأطروحات الثلاث التي قدّمت في شعر أبي مسلم وفكره ؛ فقد كانت معينا لنا في نطاق الفكرة والمصطلح والعبارة والحال نفسها بالنسبة إلى الدراسات الموازية وبخاصة دراسات الدكتور إبراهيم غلوم الواردة في ثبت المراجع.


* ندوة الخطاب الديني في شعر أبي مسلم البهلاني الرواحي

المنعقدة خلال الفترة من 3 ذي القعـــدة 1423هـ/ 6 يناير 2003م حتى 5 ذي القعــدة 1423هـ/ 8 يناير 2003م

سلطنة عمان – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك