صورة الرسول صلعم في خطاب أبي مسلم البهلاني الشعري في ضوء بنية قصيدة المديح النبوي

صورة الرسول (صلعم)

في خطاب أبي مسلم البهلاني الشعري

في ضوء بنية قصيدة المديح النبوي *

 

د. إحسان بن صادق اللواتي

مساعد عميد كلية التربية بالرستاق ـ سلطنة عُمان

 


استأثر الشعر الديني بما يزيد على نصف مجموع شعر أبي مسلم([1]) الموجود في ديوانه المطبوع، ففي هذا المجموع الذي يزيد على تسعة آلاف بيت نجد الشعر الديني “يجاوز نصيبه خمسة آلاف ومائتين وثمانين بيتاً ببضعة أبيات”([2]). وقد كان للمديح النبوي موقعه في هذا الشعر الديني، ولصورة النبي صلعم مكانها الخاص فيه، وهذا ما تود هذه الدراسة أن تعرض له بشيء من التفصيل

إنَّه مِمَّا لا مراء فيه أنَّ نظرة أبي مسلم إلى النبي صلعم منطلقة من منطلق الإعجاب والانبهار بشخصيته العظيمة وبمقامه السامق، ويتجلى إعجابه هذا في الصفات الكثيرة التي أطلقها عليه ، وأهمها أنه:

أ- نور الله عز وجل، وهذه الصفة تتردد في غير موقع من ديوان الشاعر، كقوله مثلاً([3]):

بجاه نور الله مولانا  الشفيع           من لم يزاحم في مقامه الرفيع

محمد خير مطاع  ومطيع                من استمـد النور  من هداه

بحق لا إله إلا الله

ب- الظاهر المنتصر بالسيف والحجة، كما في قوله([4]):

هو القاهر الغلاب سيفاً وحجةً           هو المجتبى المختار  للأكرمية

هو الباهـر البرهان نوراً  وكلمة           هو البيّـن الآيات روح الشريعةِ

هو القائـم الساطي بعزم مؤيد           هو الفاتح المنصور في كل وجهة

وهذا القرن هنا بين السيف والحجة فيه ـ على الرغم من وجازته ـ دلالة ظاهرة على وعي الشاعر بنهج الإسلام السوي الذي يلجأ إلى الإقناع وإلى القوة، ولكّل مقامه وداعيه. ولئن كانت الصياغة الشعرية قد ألجأت الشاعر إلى تقديم السيف على الحجة في البداية، فقد عاد وقدّم الحجة على السيف في البيتين اللاحقين؛ لئلا يظن ظان أو يتوهم متوهم أنه يرى اللجوء إلى السيف مقدّماً على اللجوء إلى الحجة والبرهنة.

جـ- أصل الكائنات البديعة، وهذا يتجلى في قوله([5]):

وآثرته من بين خلقك كلهم           بأن كان أصل الكائنات البديعة

د- الرحمة العظمى، وفي هذا قال([6]):

إلهي بجاه السيد الأكـرم الذي           هو الرحمـة العظمى لكل الخليقةِ

محمد البر الرحيم الذي أتى              حريصاً علينا بين بر ورأفةِ

وقال أيضاً([7]):

يا رحمة الله يا مبعوث رأفته           يا مظهر اللطف في الأرواح والصورِ

هـ- الأول بعد الله تعالى والآخر، وهذا في قوله([8]):

يا أول الكل بعد الله مبتدعاً             وأول الكل عند الله في الخطر

يا آخر الرسـل لا تأخير مرتبة           وإنما السر مطوي عن الفـكر

وقوله([9]):

هو الأول المكنون في أبحر الخفا           هو الآخر المقصود في كلّ رتبةِ
و- غوث الوجود وسرّه، وهاتان صفتان من مجموعة صفات متقاربة تشترك في كونها مضافة إلى “الوجود” وهي: غوث الوجود، وسر الوجود، ونور الوجود، وروح الوجود، وأنس الوجود، وأمن الوجود، وعين الوجود، وعز الوجود. وقد ذكرها جميعاً في بداية قصيدته “في مدح الرسول صلعم “([10]):

غوث الوجود أغثني ضاق مصطبري            سرّ الوجود استلمني من يد الخطرِ

نور الوجود تداركني فقد عميت                  بصيرتي في ظلام العين والأثر

روح الوجود حياتي إنها ذهبت                    من جهلها بين سمع الكون والبصر

روح الوجود دهى الكرب العظيم وفي           أنفاس روحك روح المخرج  الحصر

أنس الوجود قد استوحشت من زللي         وأنت أنسي في وردي وفي صدري
أمن الوجود أجرني من مخاوف ما               أحرزت نفسي منها في حمى الحذر
عين الوجود ترى بؤسي ونازلتي                وفي محالك إنقاذي من الضرر
عز الوجود بعز الله أنت لها                         فواقر درست أعيانها أثري
ز- الوسيلة والشفيع، كقوله مثلاً([11]):

وآثرته من بين خلقك كلهم           بأن كان عند الله خير  وسيلة

وقوله أيضاً([12]):

توسلت ملتاذاً بسلطان  قربه           إليك وحسبي أن يكون وسيلتي

ومن يتوسل بالرسول  محمد           يلاقِ المنى من عين كل رغيبة
وقوله كذلك([13]):

وشفعه يا ذا الجود فينا شفاعة         نال بها الغفران عن كل زلة

وشفعه فينا وارضَ عنا بجاهه           رضا يتلقاني بفوز  ورحمة
ح- خير الرسل والأنبياء، وفي هذا المعنى قال([14]):

فكل مزايا الرسل والأنبياء  في           بحار مزايا شأنه حكم  نقطة
وما طمع الأملاك والرسل مطلقاً         بأن يبلغوا مقداره مع  نسبةِ

لقد توقف بعض الدارسين المعاصرين لدى بعض هذه الصفات ومثيلاتها فرآها مِمَّا لا يضفى إلا على الله U، وأنها مستمدة من التصوف الفلسفي ذي النظريات الغريبة عن الإسلام وبساطته ووضوحه، وأنها لا تُفهم إلا بعرضها على ما جاء عن محيي الدين بن عربي([15]). والواقع أنَّ أبا مسلم لم يكن خالياً من التأثر بالتصوف (السلوك) ذي النزعة الفلسفية، فقد كان ينتمي إلى المدرسة الجاعدية أو البونبهانية التي تقوم على أسس منها التعمق في علم الكلام والفلسفة والمنطق([16])، غير أنَّ هذا الواقع ينبغي ألاّ يقودنا إلى إغفال الملاحظات الآتية:

1- ورود جملة من هذه الصفات في الأحاديث والأخبار المروية عن الرسول صلعم نفسه، وهذه نماذج منها:

–   «رأت أمي كأنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام»([17]).

–   «إن الله تعالى بعثني رحمة مهداة، وبعثني برفع قوم وخفض آخرين»([18]).

–   «كنت أول الناس في الخلق وآخرهم في البعث»([19]).

–  «كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد»([20]).

–  «أتاني جبريل فقال: يا محمد، لولاك ما خُلقت الجنة، ولولاك ما خُلقت النار»([21]).

–   «شفاعتي يوم القيامة حق، فمن لم يؤمن بها لم يكن من أهلها»([22]).

–   «أنا سيد النبيين ولا فخر»([23]).

إنَّ ورود تلك الصفات في هذه الأخبار لقمين بجعلنا نتردد ـ في أقل تقدير ـ في الإقدام على الجزم بارتباط الصفات بنظريات غريبة عن الإسلام، فمن المحتمل جداً أن يكون اطّلاع أبي مسلم على السنة النبوية مصدراً من المصادر التي صدر عنها في حديثه عن صفات النبي صلعم، إن لم يكن هو المصدر الأول.

2- وجود مثل هذه الصفات في تراثنا من قصائد المديح النبوي، فقد قال كعب بن زهير في قصيدته المعروفة (بانت سعاد)([24]):

إنَّ الرسول لنور  يستضاء به           وصارم من سيوف الله مسلول
وقد تكرر وصفه صلعم بأنه نور في مواضع مختلفة من ديوان حسان بن ثابت، كما في قوله([25]).

بها حجرات كان ينزل وسطها           من الله نور يستضاء به ويوقدُ
وقوله([26]):

نوراً أضاء على البرية كلها              من يُهدَ للنور المبارك يهتدِ
وقوله([27]):

كان الضياء وكان النور نتبعه           بعد الإله وكان السمع  والبصرا
أما البوصيري فقد عدَّد في بردته صفات كثيرة للنبي e، منها قوله([28]):

وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من           لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
محمد سيد الكونين والثقلـ                  ين والفريقين من عرب ومن عجم

وقوله أيضاً([29]):

فاق النبيين في خلق وفي خلق           ولم يدانوه في علم  ولا كرم

وكلهم من رسول الله ملتمس              غرفاً من البحر أو رشفاً  من الديم

وبلغ به الأمر أن قال([30]):

دع ما ادعته النصارى في نبيهم                 واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف           وانسب إلى قدره ما شئت من عظم
فإنَّ فضل رسول الله ليس له                     حدّ فيعرب عنه ناطق بفم

إنَّ وجود هذا النسق من الخطاب الشعري الممتد قروناً من الزمن قبل أبي مسلم([31])، ليجعل من المستساغ أن يُدعى إلى وضع أشعاره في سياقها الفني العام وعدم قراءتها بمعزل عن كل هذا التراث الشعري الذي تقدمها، ففي هذا التراث ما يصلح لأن يعلل ورود كل ما ورد في خطاب أبي مسلم الشعري من صفات للرسول صلعم، لا سيما إذا لاحظنا الدعوة المطلقة المغرية التي تقدم نقلها عن البوصيري:

“وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف”.

3- يجدر بنا ونحن نتعامل مع شعر أبي مسلم البهلاني ألاّ ننسى نوع الرؤية التي يصدر الشاعر في شعره عنها، فهي رؤية دينية إسلامية ترى أنَّ الكون كله بما فيه من كائنات ومخلوقات ما وجد إلا لعبادة الله ـ جلَّ وعز ـ، وأنَّ القيمة الحقيقة لهذا الوجود بأكمله إِنَّمَا تتمثل في مدى القرب من الباري سبحانه، ومدى اتباع هديه ورسالاته. ولَمَّا كان النبي مُحمَّد صلعم قائد البرية في سيرها في الخط الإلهي المقدس، كان بدهياً وصفه بأنه سرّ الوجود وروحه وعزه ونوره… إلى غير ذلك من صفات، فهي كلها صفات تستقي دلالتها ـ أو جانباً عظيماً من هذه الدلالة ـ من هذه الرؤية الدينية التي تجعل الوجود كله متمحوراً حول خاتم الأنبياء ـ صلى الله عليهم وسلم ـ من منطلق موقعه الرسالي في هداية الإنسانية إلى سر وجودها والغرض من خلقها، لا من منطلق نظرية وحدة الوجود أو غيرها من نظريات التصوف الفلسفي التي كثيراً ما توصف بالبعد عن الإسلام وروحه الواضحة السهلة، على ما في هذا الوصف من مجال كبير للاختلاف والنقاش مِمَّا لا سبيل إلى الخوض فيه هنا.

وخلاصة القول: إنَّ تأثّر أبي مسلم ببعض الاتجاهات السلوكية لا يدعونا بالضرورة إلى تفسير الصفات التي أطلقها على النبي صلعم في ضوء نظريات التصوف الفلسفي، فثمة مجال لفهم هاتيك الصفات بنجوة من هذه النظريات، لاسيما إذا تذكرنا أننا نتعامل هنا مع خطاب شعري، والشعر أساساً يقوم على الإيحاء ولغة الرمز والمجاز وليس على الدلالة القريبة المباشرة.

بنية قصيدة المديح النبوي لدى أبي مسلم:

أول ما يمكن أن يلحظه المرء وهو يقرأ شعر أبي مسلم في المديح النبوي هو اشتراك هذا الشعر مع الشعر الذي تقدمه عند الشعراء السابقين في الميدان نفسه في كثير من المعاني والتعبيرات والصور، وفي الأمثلة المتقدمة غنى عن السعي إلى تقصي أمثلة جديدة. وليست في القضية غرابة؛ فشعراء المديح النبوي المتأخرون ما برحوا يدورون في فلك ما سنَّه لهم متقدّموهم ـ لاسيما البوصيري في بردته ـ يكررونه ويعيدون صياغته وإخراجه في أثواب قد تختلف في قليل أو كثير عن الأثواب السابقة لكنها لا تُباينها تماماً.

بيد أنَّ هذا لا يعني أنَّ مديح أبي مسلم كان نسخة طبق الأصل مكررة من مدائح سابقيه، ففي هذا المديح ملامح تتبدى فيها شخصية الشاعر الواضحة الخاصة به التي تجعل لمديحه قيمته الحقيقية وطابعه المميز. ومن هذه الملامح:

1- لا يستهل أبو مسلم مديحه بالنسيب، ولا يشتمل هذا المديح على لوحات أو شرائح متميزة المعالم، وهذا مخالف لما كان معهوداً في مدائح سالفيه من الشعراء، فقد كانوا يفتتحون قصائدهم المديحية بالنسيب، وكانت قصائدهم مقسمة إلى شرائح متنوعة، حتى لقد ذهب بعض الدارسين المعاصرين([32])إلى أنَّ بردة البوصيري مكونة من عشر شرائح مختلفة.

وهنا ينبغي أن نلحظ أمرين قد يكونان مفيدين في تفسير هذا الملمح في مديح أبي مسلم:

الأول: هو أن معظم مديحه جاء خاتمة لذكر الله سبحانه وتعالى، وكأنَّ هذا الذكر لا يتم في نظر شاعرنا إِلاَّ عندما يُختتم بمدح النبي e حتى إنه حين لحظ خلو قصيدة: “سموط الثناء” لشيخه العلامة سعيد بن خلفان الخليلي من التذييل بالصلاة على النبيِّ صلعم قال: “تجاسرت تجاسر العبد على مولاه بأن نظمت لها صيغة صلاة وفاءً بالواجب عليَّ، لا تلافياً لتقصير أعتدّه على ذلك القطب”([33]).

ومن الجلي أنَّ الذكر الإلهي ينأى بالمديح تماماً عن النسيب وعن أية شرائح شعرية أخرى قد لا تتواءم ولا تنسجم مع الجو الروحي الخاص الذي يتطلبه الذكر ويستدعيه.

والأمر الآخر: أنَّ شاعرنا يهتم كثيراً في مدائحه ـ كما سيأتي قريباً ـ بعلاقة الحب التي تربطه بالنبي صلعم. وواضح أنَّ الحب الصادق يدعو المحب إلى ألاّ يرى لغير محبوبه وجوداً، فلا معنى عندئذ لأن يقبل على النسيب بغيره أو على الحديث عن شرائح أو لوحات متنوعة قد تبعده عن التوجه القلبي التام إليه.

2- لا يعتدّ أبو مسلم في مديحه بالأوصاف البدنية الخارجية للنبي صلعم، لا بل هو يتجنب ذكر هذه الأوصاف تماماً. وهذا ملمح آخر يخالف ما كان معهوداً في مدائح سابقيه، فحسان بن ثابت مثلا اشتهر قوله([34]):

وأحسن منك لم تَرَ قط عيني           وأجمل منك لم تلد النساء

خلقت مبرأً من كل عيب                 كأنك قد خلقت كما تشاء

والبوصيري كان قد قال([35]):

أكرِم بِخلق نبي زانه خُلُق                بالحسن مشتمل بالبشر متسم

كأنما اللؤلؤ المكنون في صدف          من معدني منطق منه ومبتسم

هنا أيضاً قد يكون الأمران المذكوران في الملمح السابق مفيدين؛ فارتباط المديح بالذكر الإلهي داعٍ إلى أن يقتصر الشاعر على ذكر تلكم الصفات التي لها مزيد صلة ووثيق ارتباط بالتقرب إلى الله سبحانه والتزلف إليه، كما أنَّ ارتباط المديح بالحب يستدعي إبراز هاتيك الصفات التي كانت سبباً لهذا الحب ودافعة نحوه، وهي الصفات المتعلقة بمزاياه e الروحية والخلقية والإيمانية في المقام الأول.

3- العاطفة الغالبة في علاقة الشاعر بالنبي صلعم هي المحبة، فكل الصفات العظيمة التي يتصف بها الرسول الأكرم تتكاثف وتتجمع في بؤرة مركزية واحدة هي كونه «الحبيب»، وهذه الصفة هي منطلق التذرع به، كما في قول الشاعر([36]):

ووجهت وجهي نحو وجهك ضارعاً           واسمك ذكري والحبيب ذريعتي

والملاحظ أنَّ هذه العاطفة ليست الوحيدة البارزة في قصيدة الشاعر “في مدح الرسول صلعم”، فقبلها تبرز عاطفة الخوف من العاقبة نتيجة ما قارفته النفس من ذنوب واجترحته من آثام([37]):

أنس الوجود قد استوحشت من زللي           وأنت أنسي في وردي وفي صدري

أمن الوجود أجرني من مخاوف ما                 أحرزت نفسي منها في حمى الحذر

هذا الخوف يجد الشاعر منه مهرباً، ويعثر على كهف حصين يقيه منه حين يلاحظ المحبة الوثيقة المستولية على قلبه([38]):

أنوار حبك في قلبي قد انطبعت           جبلة كانطباع الشمس في القمر

ما زال حبك في روحي يخامرها           حتى تجردت عن عيني وعن أثري

والمحبة هنا بلغت قوتها حداً جعل الشاعر يذهل عن كل شيء، وجعل روحه تحلق في عالم مثالي من الصفاء البعيد عن كدورات العالم المادي، وذلك بعد أن اكتوت هذه الروح بنار الحب([39]):

ذهلت عن كل شيء مذ علقت به         فلا أفرق بين الصفو والكدر
لا أحسب الروح إلا أنها خلقت               من الهوى فاختفت عن عالم الصور
فلا علاج لها من أصل  فطرتها               إذا أصيبت بسهم الحب عن قدر
وجدت روحي صريعاً في مصارعه           يا حب لا تبق من روحي ولا تذر
نار المحبة نار لا يقام لها                     لواحة قسماً بالحب للبشر

إنه ذلك الحب الذي لا يكون سوى الموت دليلاً على صدقه([40]):

لا يصدق الحب إلا من يموت به             ما للهوى دون حسو الموت من قدر

لكن المشكلة الحقيقية هنا هي أنَّ الشاعر ليس على ثقة تامه من ثباته على حبه، فنفسه تجتمع فيها دواعي الهوى التي قد تصرفه عن حبه الصادق. وهنا تدخل عاطفتا الحب والخوف في سجال مرير، حين يغزو الخوف الحب في عقر داره ويتهدده من أساسه، فلا يبقى لدى الشاعر أي منجى يلوذ به إذ ذاك. بيد أنه يعتمد على محبوبه لإنقاذه مِمَّا يخاف ويحذر، فهو المعين المؤمل قبل حلول الخطر([41]):

ولست في الحب من نفسي على ثقة           من نصبها للهوى طوراً على وطر
إن كان حبي معلولاً   فأنت لها                       أدرك عليلك قبل الأخذ في الخطر

4- كثيراً ما يعتمد الشاعر في صوره الفنية على التشبيه القائم على ملاحظة وجوه الاشتراك المألوفة في خطاب المديح النبوي، كما في قوله([42]):

وصل وسلم مثل عد شؤونها              وأكوان تأثيراتها المطلقية

وصل وسلم مثل سيب فيوضها           وقوة إدراكاتها الأزلية

وصل وسلم مثل بحر مدادها              وتنزيل إمداداتها كل قوَّة

ويظهر في البيت الأخير تأثره بقوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾([43]).

وتكون صوره أقوى إيحاءً وأشد صلةً بالإبداع الشعري الحقيقي عندما ينحو بها نحو الاستعارة التي تهدف إلى التشخيص والتجسيد، كما في قوله([44]):

فلا علاج لها من أصل فطرتها               إذا أصيبت بسهم الحب  عن قدر
وجدت روحي صريعاً في مصارعه          يا حب لا تبق من روحي ولا تذر

نار المحبة نار لا يقام لها                    لواحة قسماً بالحب  للبشر

لكن هذه الصور ـ على كثرتها وتنوعها ـ تشترك في كونها ظاهرة مفهومة، لا تقوم على الإدهاش والمفاجأة، ولا ترمي إلى الإغراب أو التعقيد، وهذا كله متوقع بعد كل ما تقدم عن صلة المديح النبوي لدى أبي مسلم بالذكر الإلهي الذي يقصد به التقرب قبل أن يهدف به إلى أي شيء ذي صبغة مختلفة. وما قيل هنا عن الصور يمكن أن يقال مثله عن الألفاظ المستعملة والأوزان والقوافي كذلك.


[1]) هو الشاعر العماني أبو مسلم ناصر بن سالم بن عدّيم بن صالح بن سالم بن محمد بن عبدالله البهلاني الرواحي، ولد في قرية محرم إحدى قرى وادي محرم التي تبعد عن العاصمة مسقط حوالي مائة وخمسين كيلومتراً، وذلك سنة 1273 هـ أو سنة 1277 هـ. كان من أسرة معروفة بالعلم والفضل، فأبوه كان قاضياً على نزوى في عهد الإمام عزان بن قيس وكذلك كان أحد أجداده (عبدالله بن محمد) قاضياً في وادي محرم في عهد اليعاربة. انتقل شاعرنا إلى الإقامة في زنجبار في شرقي أفريقيا، حيث نال حظوة كبيرة في نفوس سلاطينها فتقلد منصب القضاء ثم منصب رئاسة القضاء، وهناك تفتقت قريحته الشعرية فصار يطلق عليه «شاعر العرب» و «شاعر العصر». توفي في اليوم الثاني من شهر صفر 1339هـ (=1920م)، ودفن في زنجبار. طبع ديوان الشاعر طبعات عدة، بعضها محقق وبعضها ليس كذلك. للمزيد حول الشاعر، انظر:

– أحمد بن سعود السيابي: أبو مسلم البهلاني الرواحي، في: محمد علي الصليبي (محرر):

– قراءات في فكر البهلاني الرواحي، المنتدى الأدبي، مسقط 1998م، ص41- 52.

– محمد صالح ناصر: أبو مسلم الرواحي حسان عمان، مكتبة مسقط، مسقط 1995م، ص8-13.

– أحمد درويش: مدخل إلى دراسة الأدب في عمان، دار الأسرة، مسقط 1992، ص152- 167.

– محمد بن راشد الخصيبي: شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان، ط3. وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط 1994م، ج2، ص346 – 357.

– سعيد بن محمد الصقلاوي: شعراء عمانيون، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1996م، ص325- 335.

[2]) صلاح رزق: ديوان أبي مسلم البهلاني (عرض ودراسة)، الموسوعة الميسرة للتراث العماني، وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط 1995م، ص17.

[3]) أبو مسلم الرواحي: ديوانه، وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط 1987م، ص196.

[4]) المصدر نفسه، ص113.

[5]) المصدر نفسه، ص113.

[6]) المصدر نفسه، ص114.

[7]) المصدر نفسه، ص260.

[8]) المصدر نفسه، ص260.

[9]) المصدر نفسه، ص113.

[10]) المصدر نفسه، ص259.

[11]) المصدر نفسه، ص113.

[12]) المصدر نفسه، ص114.

[13]) المصدر نفسه، ص114.

[14]) المصدر نفسه، ص113.

[15]) محمد صالح ناصر: أبو مسلم الرواحي، حسان عمان، ص80 – 84.

[16]) أحمد بن سعود السيابي: أبو مسلم البهلاني الرواحي في: محمد علي الصليبي (محرر): قراءات في فكر البهلاني الرواحي، ص49 – 50.

[17]) علاء الدين علي المتقي الهندي: كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، تحقيق: محمود عمر الدمياطي، دار الكتب العلمية، بيروت 1998م، مج6، ج11، ص173، الحديث 31829.

[18]) المرجع نفسه، مج6، ج11، ص190، الحديث 31982.

[19]) المرجع نفسه، مج6، ج11، ص184، الحديث 31913.

[20]) المرجع نفسه، مج6، ج11، ص184، الحديث 31914.

[21]) المرجع نفسه مج6، ج11، ص194، الحديث 32022.

[22]) المرجع نفسه، مج7، ج 14، ص171، الحديث 39053.

[23]) المرجع نفسه، مج6، ج11، ص195، الحديث 32036.

[24]) هذه رواية، والرواية الأخرى: ” لسيف يستضاء به “. انظر: ديوان كعب بن زهير، صنعة أبي سعيد العسكري، تقديم: حنا نصر الحتي، ط2، دار الكتاب العربي، بيروت 1996م، ص40.

[25]) حسان بن ثابت: ديوانه، شرح أ. مهنّا، ط2، دار الكتب العلمية، بيروت 1994م، ص60.

[26]) المرجع نفسه، ص65.

[27]) المرجع نفسه، ص102.

[28]) البوصيري: الكواكب الدرية في مدح خير البرية المعروفة ببردة المديح المباركة، شرحها وعلَّق عليها محمد عارف عطية، دار غريب، القاهرة 2002م، ص24 – 26.

[29]) المرجع نفسه، ص26 – 28.

[30]) المرجع نفسه، ص28- 30.

[31]) لمزيد من التفصيلات حول الصفات التي تضمنتها قصائد المديح النبوي في تاريخها الممتد، انظر: زكي مبارك: المدائح النبوية في الأدب العربي، شركة مكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، القاهرة 1935م.

[32]) عمر موسى باشا: تاريخ الأدب العربي (العصر المملوكي)، دار الفكر، دمشق، 1999، ص650.

[33]) أبو مسلم البهلاني: ديوانه، تحقيق: علي النجدي ناصف، وزارة التراث القومي والثقافة، مطابع إلهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1980م، القسم الأول ص154. والشواهد اللاحقة ستكون من الطبعة المذكورة سابقاً.

[34]) حسان بن ثابت: ديوانه، ص21.

[35]) البوصيري: الكواكب الدرية، ص32- 34.

[36]) أبو مسلم: ديوانه، ص114.

[37]) المصدر نفسه، ص259.

[38]) المصدر نفسه، ص260.

[39]) المصدر نفسه، ص260.

[40]) المصدر نفسه، ص260.

[41]) المصدر نفسه، ص260.

[42]) المصدر نفسه، ص112.

[43]) سورة الكهف، الآية 109.

[44]) أبو مسلم: ديوانه، ص260.

 

* ندوة الخطاب الديني في شعر أبي مسلم البهلاني الرواحي

المنعقدة خلال الفترة من 3 ذي القعـــدة 1423هـ/ 6 يناير 2003م حتى 5 ذي القعــدة 1423هـ/ 8 يناير 2003م

سلطنة عمان – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك