القول بربا الفضل عند الإمام محَمَّد بن محبوب

القول بربا الفضل عند الإمام محَمَّد بن محبوب *

للباحث:
د. محَمَّد بن ناصر الحجري

مدرس بجامعة السلطان قابوس

 

ذَكَرَ رَأيَ الإمام في ربا الفضل العلامةُ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني في كتابه: «الدليل والبرهان»، وذلك في معرض ذكره للمسائل العلمية التي انفرد بها عشرة من الأَئِمَّة الإِبَاضِيَّة. كما أن العلامة أبا يعقوب يوافق الإمام ابن محبوب في هذا الرأي. وربا الفضل يعرَّف بِأَنـَّهُ: «فضل مال خال من عوض في مبادلة مال بمال من جنسه».

وجاء عرض المسألة على النحو التالي:

«الإمام التاسع: محَمَّد بن محبوب.

قوله في الربا على الأصل الذي اجتمعت عليه الأمة بخلاف قول عبد الله بن عباس؛ وذلك أن ابن عباس عوَّل في الربا على النسيئة، وأبطله فيما وراء ذلك. ولم يَرَ في الدينار بالدينارين يدًا بيد بأسًا»([1]).

ثُمَّ أورد الأحاديث الدالة على تحريم ربا الفضل وهي:

1- الحديث الذي رواه عبادة بن الصامت ونصه: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح ربًا، إِلاَّ هاء وهاء، يدًا بيد، سواء بسواء، مثلاً بمثل». ثُمَّ أضاف الزيادة في الروايات الأخرى: «فمن زاد أو استزاد فقد أربى».

2- أحاديث النهي عن المزابنة والمحاقلة وبيع الطعام بالطعام.

3- حديث العامل على خيبر، حين أتى الرسول e بتمر جنيب، فسأله الرسول e عن ذلك، وقال: «بع الصاعين من الجمع، واشتر الصاع من هذا».

4- قول عمر بن الخطاب t: «إن آخر ما أنزل لآية الربا، ومات رسول الله e ولم يبينها لنا، فاحذروا الربا والريبة».

وبعد سرده لهذه الأحاديث قال: واعلم أن هذه الآثار وردت عن رسول الله e من الطرق الصحاح، وعولت عليها الأمة والأئمة والفقهاء، وجلُّ الصحابة عليها، فخالف ابن عباس الحديث الذي رويناه عنه: «إِنَّمَا الربا في النسيئة».

وأضاف في مكان آخر: إِنَّهُ قد قيل عن ابن عباس أَنـَّهُ رجع عنها في أيام مرضه في الطائف. ثُمَّ قال: «وقد قال أبو بكر الصديق: ما من عالم إلاَّ وفي علمه مأخوذ ومتروك، ما خلا صاحب هذا القبر»، وأشار إلى قبر رسول الله e. وأضاف: «وليس مذهبه في الربا بفرض يضيق على الناس مخالفته». ثُمَّ قال: «وقد فطن لمذهبه محَمَّد بن محبوب فآثر السنة والجماعة والرأي وهو النهاية في زمانه…»([2]).

وسوف تتطرق هذه الورقة إلى المواضيع التالية:

أولا: بيان تفسير العلماء للأحاديث الدالة على جوازه، وهل انفرد الإمام محَمَّد بن محبوب بهذا الرأي أم قال به غيره بعده؟.

ثانيًا: الخلاف بين العلماء في علَّة حكم ربا الفضل (المانعين والمجوزين) وملاحظاتنا على ذلك.

ثالثًا: الأهمية العلمية أو التطبيقية لهذا الموضوع في الوقت الحاضر.

أولاً: بيان تفسير العلماء للأحاديث الواردة في الموضوع:

1 ـ تفسيرهم للأحاديث الدالة على منع ربا الفضل:

أ- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله e: «لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الفضة بالفضة، ولا البر بالبر، إِلاَّ مثل بمثل، ولا تبيعوا بعضها ببعض على التأخير»([3]).

وجاء في رواية عبادة بن الصامت: قال e: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثل بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد». وقد رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه وأبو داود([4]).

قال نور الدين السالمي في شرح الحديث: «إِلاَّ مثلاً بمثل»: أي إِلاَّ موزونًا بموزون. وظاهره يمنع الزيادة في بيع الجنس بجنسه وإن كان يدًا بيد، وكذلك قوله في حديث عبادة: «إِلاَّ مثلا بمثل، ويدا بيد، سواء بسواء، عينا بعين»، وذلك قوله للعامل المشتري للتمر الجنيب الصاع بالصاعين والصاع بالثلاثة: «لا تفعل بع الجمع بالدراهم وابتع بالدراهم جنيبًا». فهذا كله يَدُلُّ على منع المفاضلة في الجنس الواحد…»([5]). ثُمَّ قال: «وذهب أصحابنا إلى أن الربا إِنَّمَا يختص بالنسيئة، وَأَنـَّهُ لا باس بالزيادة في الجنس الواحد إذا كان يدًا بيد، وهو قول ابن عبَّاس وابن عمر وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم وابن الزبير وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير. وحجتهم في ذلك حديث أسامة عند الشيخين وغيرهما بلفظ: «إِنَّمَا الربا في النسيئة»، وزاد مسلم في رواية عن ابن عباس: «لا ربا فيما كان يدا بيد»([6]).

وقال ابن حجر في فتح الباري: واتَّفَق العلماء على صحة حديث أسامة: «إِنَّمَا الربا في النسيئة»، واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد، فقيل: إن حديث أسامة منسوخ، لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقيل: المعنى في قوله: «لا ربا»: الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد… وأن القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل، وأيضًا فنفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إِنَّمَا هو بالمفهوم، فيقدَّم عليه حديث أبي سعيد؛ لأن دلالته بالمنطوق، فيحمل حديث أسامة على ما تقدَّم»([7]) [أي: الربا الأكبر].

ويردُّ الشيخ السالمي على ذلك بقوله: وللقائلين بجواز التفاصيل نحو ذلك في ترجيح قولهم، فمنهم من ادعى نسخ وجوب المماثلة والمساواة، كما ادعى مخالفهم نسخ حديث أسامة، ولكن النسخ لا يثبت بالاحتمال، ومنهم من ذهب إلى الترجيح كالشيخ عامر في إيضاحه([8]).

ويستشهد الشيخ السالمي على حديث: «لا ربا إِلاَّ في النسيئة» بقوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوالِكُمْ…﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِن كَان ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾([9]) حيث يقول: «فَإِنَّهُ يَدُلُّ أن الربا الذي جاءت الآية بتحريمه إِنَّمَا هو في النسيئة، إذ لولا ذلك لما كان لذكر رؤوس الأموال معنى، وكذلك النَّظِرة إلى الميسرة، فعلمنا من كتاب الله مصداق ما روى أسامة…»([10]).

ب- الربيع عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا في غزوة، وعلينا معاوية، فأصبنا ذهبًا وفضة، فأمر معاوية رجلاً يبيعها للناس في أعطياتهم، فسارع الناس فيها، فقام عبادة فنهاهم، فردُّوها، فأتى الرجل معاوية فشكا إليه. فقام معاوية خطيبًا فقال: ما بال رجال يحدِّثون عن رسول الله e أحاديث يكذبون فيها على رسول الله e لم نسمعها منه، فقام عبادة فقال: والله لأحدِّثنَّ بما سمعت من رسول الله e ولو كره معاوية، فقال: قال رسول الله e: «لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الفضة بالفضة، ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، ولا الملح بالملح، إِلاَّ مثلا بمثل، يدا بيد، سواء بسواء، عينًا بعين»([11]).

قال نور الدين السالمي: «وهو يَدُلُّ على تحريم ربا الفضل يدًا بيد عند اتحاد الجنس»([12]). ثُمَّ نقل كلام قطب الأَئِمَّة العلامة امحَمَّد بن يوسف اطْفِيَّشْ حول الموضوع: ولولا حديث عبادة لقيدنا قوله: «فمن زاد أو استزاد فقد أربى» بالنسيئة لحديث: «إِنَّمَا الربا في النسيئة» كما قيل. وأضاف القطب: لعل الدليل قام عند أصحابنا على أن حديث عبادة متقدم منسوخ بابتياعه e بعيرا ببعيرين، وإجازته بيع عبد بعبدين، ولو أن احتجاج عبادة به على معاوية ظاهر في عدم نسخه. وقد روي عن ابن عباس أَنـَّهُ استدل بحديث: «إِنَّمَا الربا في النسيئة» على أَنـَّهُ لا ربا في النقد، وأكثر الأمة على أن في الفضل يدا بيد ربا كما في الفضل في النسيئة([13]).

ثُمَّ نقل قول العلامة أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني إجماع الأمة عليه، إِلاَّ ابن عباس الذي حصر الربا في النسيئة، ثُمَّ رجع عن هذا الحصر إلى إثبات الربا في الفضل يدا بيد وفي النسيئة أيام مرض موته بالطائف([14]) وأضاف: والتحقيق أن مثلاً بمثل، التأخير ربا، إِلاَّ القرض فَإِنَّهُ غير ربا.. فباب القرض هو صورة ربا أباحها الله لنا بفضله واستثناها من الربا المحرم، حيث ذكره الربيع ثوبًا بثوب نسيئة، فترى الربيع أجازه مثلاً بمثل نسيئة ولو غير قرض، وأن التأخير بالمساواة لا يكون ربًا إذا كان قرضًا فقط([15]).

ويرد نور الدين السالمي على الإجماع الذي حكاه أبو يعقوب ورجوع ابن عباس عن موقفه بقوله: «والإجماع الذي ادعاه أبو يعقوب غير مسلَّم بل الخلاف في المسألة باق مستمر من الصحابة ومن بعدهم، ورجوع ابن عباس لم يصح»، ويرد على رأي القطب بأن احتجاج عبادة بالحديث ينفي نسخه بقوله: «إن احتجاج عبادة بالحديث على معاوية لا ينافي النسخ لو صح؛ لأَنـَّهُ إِنَّمَا احتج به على منع بيعهم الفاسد، وهو بيع الذهب والفضة في أعطياتهم، وهو مجمع على تحريمه؛ لأَنـَّهُ بيع بعضها ببعض على التأخير، وهو بيع غائب بناجز»([16]).

إِلاَّ أن القطب يذهب إلى أبعد من ذلك عند كلامه على الاختلاف في علة الربا والأجناس المتفقة والمختلفة حيث يفسر قول الرسول e: «مثلا بمثل، سواء بسواء، عينا بعين» على النحو التالي:

«فمعنى “مثلا بمثل”: المماثلة في الصفة، كالجودة والرداءة، فإن تخالفا لم يجز ولو استويا في الكَمِّـيَّة. ومعنى “سواء بسواء”: المساواة في الكَمِّـيَّة. ومعنى “عينا بعين”: حاضرا تراه العين بحاضر تراه العين، وهذا أولى من أن تجعل “سواء بسواء”، و”مثلا بمثل” في معنى واحد…».

وقد قال قبل ذلك: «حَتَّى الماء بالماء فَإِنَّهُ يتخالف قلة وكثرة، أو عذوبة وملوحة مع التأخير. فإن عذوبة الماء زيادة على كميته من المالح، وهذا هو التحقيق، بل قد حقَّقت لك أيضا أن التأخير إرباء ولو بلا زيادة»([17]).

فإذا كان كلامه الأخير هذا في ربا النسيئة، فإنَّ كلامه الأَوَّل من الواضح أَنـَّهُ في ربا الفضل. ومن هنا قال نور الدين السالمي: وكلام أبي يعقوب يميل إلى تحريم المفاضلة يدًا بيد، وكذلك القطب، وإن كان ميله أخفى([18]).

ولكنَّ للقطب كلامًا أوضح من ذلك عند شرحه لحديث: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة»، حيث قال: «إِلاَّ أنَّ الدليل قام من خارج أن الذهب بالفضة والعكس، والبر بالشعير والعكس، ربًا، وَأَنـَّهُ لا ربا في ذلك كله إِلاَّ بنسيئة»([19]).

وهذا مخالف لقول أصحابه في أَنـَّهُ لا ربا مع اختلاف الجنس والزيادة حَتـَّى مع وجود الأجل. فبُرٌّ بكمية أكبر من شعير إلى شهر جائز. وذلك لتخلُّف الشرط الثالث وهو اتحاد الجنس. أَمَّا ذهب بوزن أكبر من فضة إلى شهر فبالطبع لا يجوز؛ لأَنـَّهُ صرف، وقد قام عليه دليل آخر.

وَأَمَّا العلامة عامر بن علي الشماخي في كتابه الإيضاح فبعد أن ذكر روايات عبادة بن الصامت قال: فقيَّده e بالتساوي واليد باليد. فهذه الأحاديث تتضمَّن منع التفاضل في الصنف الواحد، سواء أكان يدًا بيد أم نسيئة. ثُمَّ ذكر عدم أخذ أصحابه بحرمة ربا الفضل. وذكر احتجاجهم بحديث عبد الله بن عباس: «إِنَّمَا الربا في النسيئة»، وحديث أبي بكر وأسامة بن زيد: «لا ربا إِلاَّ في النسيئة». ثُمَّ قدَّم تفسيرًا للربا قال به الشيخ عبد العزيز الثميني في كتاب النيل فقال: «وعلى مذهبهم رحمهم الله أن الربا إِنَّمَا يكون إذا اجتمعت شروط ثلاثة: الزيادة والأجل والجنس؛ لأن الزيادة والجنس بلا أجل جائز لِمَا قدَّمنا من الأحاديث. والأجلُ والجنس من غير زيادة سلف. والزيادة والأجل من غير جنسٍ بيعٌ؛ لقوله e: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم»([20]).

ج- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله e استعمل على خيبر رجلاً فجاء بتمر جنيب، فقال الرسول e: «أكلُّ تمر خيبر هكذا»؟ فقال: لا والله، إننا لنأخذ الصاع من هذا بصاعين، والصاع بثلاثة، فقال رسول الله e: «لا تفعل! بع الجمع بالدراهم وابتع بالدراهم جنيبًا»([21]).

قال نور الدين السالمي في شرح الحديث: «قوله: “لا تفعل”، أي لِمَا في ذلك من التفاضل، فإن كان الواقع من العامل بيعًا نسيئة فظاهر من الكل؛ لأَنـَّهُ المحرم إجماعًا، وإن كان يدًا بيد كما هو الظاهر من سياق الحديث فهو حجة لمن يمنع المفاضلة في الجنس الواحد ولو كان بيعًا يدا بيد، ويكون الكلام فيه على نحو ما تقدم في حديث أبي سعيد وعبادة»([22]).

ومضمون تحريم ربا الفضل هو:

2 ـ تفسير الأحاديث الدالة على جواز ربا الفضل:

إضافة إلى حديث ابن عباس: «إِنَّمَا الربا في النسيئة»، وحديث أسامة بن زيد: «لا ربا إِلاَّ في النسيئة»، وهي الأساس في عدم الأخذ بمنع ربا الفضل عند جمهور الإِبَاضِيَّة، فإنَّهم يحتجُّون بأحاديث أخرى منها:

1- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي e أَنـَّهُ ابتاع بعيرًا ببعيرين، وأجاز بيع عبد بعبدين، إِلاَّ أن هذا يدًا بيد([23]).

وقال الشيخ السالمي في شرحه: «وَإِنَّمَا ذكر المرتِّب هذا الحديث بعد حديث عبادة للإشارة إلى نسخ وجوب التماثل…». وأضاف: «وهو عندهم [أي المانعين] مخالف لحكم الربويات، فلا يرونه معارضًا للأحاديث الموجبة للتماثل والتساوي في الأجناس الربوية، ونحن نرى أَنـَّهُ معارض فنرجو الأخذ به…»([24]).

«إِلاَّ أن هذا يدا بيد» هذا من كلام ابن عباس رضي الله عنهما، وذكره ليبين أن التفاضل في الجنس الواحد إذا كان يدًا بيد جائز([25]).

وروى الخمسة وصحَّحه الترمذي عن الحسن عن سمرة قال: نهى النبي e عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. وروى عبد الله بن أحمد مثله من رواية جابر بن سمرة. وهذا يؤيد ما قاله ابن عباس في تقييد ذلك، وهو يَدُلُّ على أن الحيوان كغيره من الأجناس، فما جاز فيه جاز في غيره، وما امتنع امتنع، فلا يجوز عندنا بيع شيء من ذلك بجنسه نسيئة، ويجوز يدًا بيد، وبذلك قال أحمد بن حنبل وأبو حنيفة وغيره من الكوفيين.

وقال الشيخ السالمي في مكان آخر: «لا يشترط اختلاف الجنسين، (أي لجواز التفاضل) إِلاَّ في النسيئة، فَأَمَّا يدًا بيد فلا بأس، وإن كان أحد الشيئين أكثر من الآخر. وذلك يَدُلُّ على جواز بيع الفضل في الأجناس المتحدة، فَإِنَّهُ وإن كان البعير المشترى مثلاً يقاوم البعيرين في ثمنه، لكن الفضل في الكثرة من نفس الجنس هي التي يمنعها قومنا ويسمونها بربا الفضل»([26]).

2- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي e قال: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم، إِلاَّ ما نهيتكم عنه»([27]).

«كيف شئتم»: هذا الإطلاق مقيد بما في حديث ابن عباس وغيرهما من الأحاديث في باب الربا، فَإِنَّهَا فيها اشتراط التقابض، فلا بد في بيع بعض الربويات ببعض من التقابض، ولا سيما في الصرف.

وظاهر هذا الإطلاق والتفويض إلى المشيئة أَنـَّهُ يجوز بيع الذهب والفضة والعكس، وكذلك سائر الأجناس الربوية إذا بيع بعضها ببعض من غير تقييد بصفة من الصفات غير صفة القبض…»([28]).

3- روي أن أسامة بن زيد وزيد بن أرقم كانا يأتيان وادي القرى، أي لبيع التفاضل في الجنس الواحد يدًا بيد، وأن صحابة عابوهما، وأن أسامة بن زيد سأل رسول الله e فقال e: «يدًا بيد»؟ فقال: نعم، ولم ير به بأسًا([29]).

ويبدو التعارض واضحًا بين هذه الأحاديث، ولا يقال: هو تعارض لفظي؛ لأن معنى «إِنَّمَا الربا في النسيئة» هو نفي الربا الأغلظ، أي نفي الأكمل لا نفي الأصل؛ لأن هناك رواية أخرى لابن عباس عند مسلم بلفظ: «لا ربا فيما كان يدًا بيد». كما أن الجدل حول رجوع ابن عباس عن رأيه ظلَّ مستمرًّا، فلو كان مقصوده نفي الربا الأكمل فقط لما كان هناك داع لهذا الجدل.

وهذا التعارض هو الذي أوجد الخلاف بين علماء المذاهب، كما أوجد الخلاف بين علماء المذهب الواحد، وكما رأينا فإن ابن محبوب لم يبق وحده في القول بمنع ربا الفضل، بل تابعه أبو يعقوب الوارجلاني، وامحمد بن يوسف اطْفِيَّشْ إلى حدٍّ ما، وغيرهم ممن جاء بعدهم.

وقبل الانتقال إلى الجزئية الثانية من البحث، نريد أن نلخص مضمون منع ربا الفضل ومضمون جوازه في التعامل بالأجناس الواردة في الأحاديث وما يمكن أن يقاس عليها:

1- الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة أو البر بالبر يجب فيه التساوي في الجنس والجودة (مثلا بمثل) والكمية (سواء بسواء) والزمن (يدا بيد). بمعنى أَنـَّهُ لا تجوز الزيادة لا عاجلا ولا آجلاً، ولا يجوز التأجيل ولو بدون زيادة.

2- الذهب بالفضة أو البر بالشعير يجب فيه التساوي بالزمن (يدًا بيد) ولكن يجوز فيه عدم التساوي في الكمية، بمعنى أَنـَّهُ تجوز الزيادة عاجلاً ولا تجوز آجلاً. وقد جاز فيه التفاضل بسبب اختلاف الجنسين، ولم يجز فيه النَّسَاء لشبهة القرض الربوي. فإذا أعطيت دنانير ذهبية واسترجعت دراهم فضية فأنت تحصل على فضل في المقدار نظرًا لاختلاف الجنسين، وتحصل على فضل نظرًا لاختلاف الزمنين. ونفس الشَّيْء يقال في بر بشعير مثلا.

3- جواز بيع الربوي بربوي لا يشاركه في العلة متفاضلا أو مؤجلاً. كبيع الذهب بالحنطة، أو بيع الفضة بالشعير، كما سوف يأتي.

أَمَّا مضمون جواز ربا الفضل أو قصر الربا على النسيئة فهو:

1- البر بالبر، أو الشعير بالشعير، أو التمر بالتمر، يجوز فيه التفاضل في الكمية إذا كان يدًا بيد، ولا يجوز مع الأجل.

2- البر بالشعير، أو التمر بالبر، يجوز فيه التفاضل يدًا بيد ونسيئة، أَمَّا الذهب بالفضة أو العكس فيجوز فيه التفاضل يدًا بيد فقط؛ لأَنـَّهُ صرف، وقد جاءت فيه أحاديث أخرى.

3- الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر يجوز فيه الأجل بدون زيادة؛ لأَنـَّهُ قرض.

فالمعاملة التي تتضمن الربا هي: بُرٌّ بِبُرٍّ لأَجَل مع زيادة، أو شعير بشعير لأجل مع زيادة، وهكذا…

وننتقل الآن إلى بيان علَّة الحكم بجواز أو عدم جواز هذه الصورة من المعاملات.

ثانيا: الخلاف بين علماء المذاهب في علة الربا:

1-العلة عند القائلين بعدم جواز ربا الفضل:

يختلف القائلون بعدم جواز ربا الفضل في علة الربا على النحو التالي:

أ- الحنفية:

وعلة الربا عندهم الكيل أو الميزان. واستدلوا بأن التساوي أو المماثلة في العوضين شرط في صحة البيع، وحرمة الربا لوجود فضل خال عن عوض، وهذا يوجد في غير المنصوص عليه في الحديث. والتساوي أو المماثلة بين الشيئين يكون باعتبار الصورة والمعنى، والقدر المتفق (وهو الكيل أو الوزن) يحقق المماثلة صورةً، والجنس يحقق المماثلة معنًى؛ لأن المجانسة في الأموال عبارة عن تقارب المالية([30]).

ب- المالكية:

علة تحريم الزيادة في الذهب والفضة هي النقدية (أي الثَّمَينة). أَمَّا في الطعام فإن العلة عندهم تختلف بين ربا النسيئة وربا الفضل. فالعلة في تحريم ربا النسيئة هي مجرد المطعومية. وَأَمَّا العلة في تحريم ربا الفضل ففيه أمران: الاقتيات والادخار.

ودليلهم على أن هذه هي علة تحريم الربا هو أَنـَّهُ لما كان حكم التحريم معقول المعنى في الربا، وهو ألا يغبن بعض الناس بعضًا، وأن تحفظ أموالهم، فواجب أن يكون ذلك في أصول المعايش، وهي الأقوات، كالحنطة والشعير والأرز والذُّرَة([31]).

العلة في الذهب والفضة هي النقدية أو الثمنية، أي كونهما أثمانًا للأشياء، سواء أكانا مضروبين أم غير مضروبين (مسكوكين). ولا أثر لقيمة الصنعة في الذهب والفضة.

وَأَمَّا العلة في الأصناف الأربعة الباقية فهي الطُّعمية ـ بضم الطاء ـ أي كونها مطعومة. والمطعوم يشمل أمورًا ثلاثة:

– أحدها: ما قصد للطعم والقوت كالبُرِّ والشعير.

– ثانيها: أن يقصد به التفكُّه، وقد نص الحديث على التمر.

– ثالثها: أن يقصد به إصلاح الطعام والبدن، وقد نص الحديث على الملح.

أَمَّا ما ليس بطعم كالجبس أو الحديد فَإِنَّهُ يصح بيعه بجنسه متفاضلاً.

ودليلهم أن الحكم إذا علِّق باسم مشتق دل على أن المعنى الذي اشتق منه الاسم هو علة الحكم، مثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾([32]). ولأن الطعام مشتق من الطُّعم؛ فهو يعم المطعومات، وهذا وصفٌ مناسب لأَنـَّهُ ينبئ عن زيادة الخطر (أي الأهمية) في الأشياء الأربعة التي نصَّ عليها الحديث… وكذلك الثَّمنية معنى مناسب؛ لأَنـَّهُ ينبئ عن زيادة خطر وهي شدة الحاجة إلى النقدين أو ما يقوم مقامهما من النقود الورقية([33]).

وعلى هذا إذا بيع الطعام أو النقد حالة اتحاد الجنس كحنطة بحنطة وفضة بفضة، اشترط في صحة البيع ثلاثة أمور: الحلول والمماثلة والتقابض. فإذا اختلف الجنس كحنطة وشعير جاز التفاضل، ويشترط الحلول والتقابض. وإذا بيع الطعام بغيره كنقد أو ثوب، أو غير الطعام بغير الطعام وليسا نقدين، كحيوان، لم يشترط شيء من الشروط الثلاثة السابقة، أي فلا ربا فيه. والسبب في أَنـَّهُ لا ربا في الحيوان مطلقًا هو أَنـَّهُ لا يعد على هيئته، وقد اشترى ابن عمر رضي الله عنهما بعيرًا ببعيرين بأمره e([34]).

د الحنابلة:

في هذا المذهب ثلاث روايات بالنسبة لعلة الربا، أشهرها مثل مذهب الحنفية، وهي الكيل أو الوزن مع اتحاد الجنس. والرواية الثانية كمذهب الشافعية. والرواية الثالثة: العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعومًا إذا كان مكيلاً أو موزونًا، فلا يجري في مطعوم ولا يكال ولا يوزن. كالتفاح والخوخ والرمان والبطيخ… ولا فيما ليس بمطعوم كالزعفران والحديد والرصاص ونحوه([35]).

الربا غير معلَّل، وهو مخصَّص بالمنصوص عليه فقط، وذلك لأنهم ينكرون القياس، ويقولون: إن الشارع بيَّن أنَّ الربا يجري في الأصناف الستة، فيبقى ما عداها على الأصل، وهو الإباحة.

2- العلة عند القائلين بجواز الفضل:

رأينا أن القائلين بجواز الفضل يشترطون ثلاثة شروط لتحقق الربا وهي: اتحاد الجنس، والزيادة، والأجل. فإذا لم تتحقق هذه الشروط جميعها فلا يوجد ربا. فما هي علة الربا عندهم؟

قال نور الدين السالمي عند شرحه لحديث: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم»: «وحديث الباب يَدُلُّ أن علة الربا اتحاد الجنس، إِلاَّ أَنـَّهُم اختلفوا في هذا الاتحاد على أقوال كثيرة، قال أبو إسحاق ـ رحمه الله ـ تعالى: ولعل أصحابنا مختلفون في علل الربا كاختلاف قومنا».

يقول مؤلف كتاب النيل الشيخ عبد العزيز الثميني: «يتحقق الربا عندنا بجنس وأجل وزيادة، لقوله e: “إِنَّمَا الربا في النسيئة”، ولأنه ابتاع بعيرًا ببعيرين، وأجاز بيع عبد بعبدين يدًا بيد، ولقوله: “إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم”»([36]).

وقال في مكان آخر: «وفي علة الربا، فهي عند أكثرنا المالية، وما ذكر أوَّلاً من الثلاثة شروطه…»([37]).

وقال الشارح: «أراد بالثلاثة: الجنس، والأجل، والزيادة، وهي شروط لتحقق الربا»([38]). بمعنى أن علة الربا المالية المتمثلة في اتحاد الجنس مع الأجل مع الزيادة.

ويقول الشيخ الشماخي في هذا الصدد: «كل ما اتَّفَق مِمَّا كان من جنس واحد فلا يجوز بيع بعضه ببعض نسيئة، ويجوز بالنقد، وكل ما اختلف فهو جائز نقدًا ونسيئة»([39]). قال رسول الله e: «البر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح»؛ لأن ذكره e هذه الأصناف دليل على أن كل واحد غير الآخر، وَأَنـَّهَا مختلفة، فيكون ذكره هذه الأصناف تنبيها على غيرها من الأصناف أَنـَّهُ لا يجوز كل صنف بصنفه نسيئة.

ويعضد هذا القول إجماع أن كل صنف من هذه الأصناف لا يجوز بصنفه نسيئة… وأيضًا لو كان ذكره e هذه الأصناف يقتضي معنى لا يجوز بيع بعضه ببعض لبيَّنه e كما بيَّنه في الذهب والفضة، فلو كان البر مع الشعير كالذهب مع الفضة لبيَّنه e كما بيَّنه في الذهب والفضة، وهذه الحجَّة فيما يوجبه النظر أقوى الحجج…»([40]).

وواضح أن كلام الشيخ الشماخي يتطابق مع كلام الشيخ عبد العزيز الثميني تمامًا في أن علة الربا اجتماع الشروط الثلاثة، ولا يتحقق الربا إذا اختل شرط من تلك الشروط.

أَمَّا الشيخ اطْفِيَّشْ فَإِنَّهُ في شرحه لمفهوم المالية يتخذ موقفًا مخالفًا. فهو يقول: «فهي في كل مال حَتَّى الماء بالماء يتخالف قلة وكثرة أو عذوبة وملوحة مع تأخير، فإن عذوبة الماء زيادة على كميته من المالح، هذا هو التحقيق، بل قد حقَّقت لك أيضًا أن التأخير إرباء ولو بلا زيادة… وقيل: لا اعتبار بالتفاوت المعنوي، بل لا يتحقق الربا إِلاَّ بزيادة الكم. وما ذكرته أولى، وبه فسرت: “مثلا بمثل” في قوله e: “إِلاَّ مثل بمثل سواء بسواء، عينًا بعين”. فمعنى “مثلا بمثل” المماثلة في الصفة كالجودة والرداءة، فإن تخالفا لم يجز ولو استويا في الكمية، ومعنى “سواء بسواء” المساواة في الكمية، ومعنى “عينًا بعين” حاضر تراه العين بحاضر تراه العين، وهذا أولى من أن تجعل “سواء بسواء” و”مثلا بمثل” بمعنى واحد…»([41]). ويفهم من كلامه ما يلي:

1-يتحقق الربا في حالة اتحاد الجنس مع الأجل، ولو بلى زيادة «حتى الماء يتخالف قلة وكثرة أو عذوبة وملوحة مع تأخير، فإن عذوبة الماء زيادة على كميته من المالح».

2- يميل إلى القول بتحقق الربا في حالة اتحاد الجنس مع زيادة ولو بلا أجل، «فمعنى “سواء بسواء” المماثلة في الصفة كالجودة والرداءة، فإن تخالفا لم يجز ولو استويا في الكميَّة، ومعنى “سواء بسواء” المساواة في الكمية عينًا بعين، حاضرًا تراه العين بحاضر تراه العين»، أي يميل إلى القول بربا الفضل ولم يصرح.

3- ملاحظات حول تعليل الربا:

1- علة تحريم ربا الفضل عند القائلين به وصفان: أحدهما اتحاد الجنس، والآخر مختلف فيه (الكيل أو الوزن) عند الحنفية، أو الاقتيات والادخار عند المالكية، أو الطعمية عند الشافعية. أَمَّا علة تحريم ربا النسيئة فهي إحدى وصفي علة ربا الفضل: إِمَّا اتحاد الجنس أو الوصف الآخر حسب الذهب.

2- اختلفوا في جريان الربا فيما عدا تلك الأصناف التي عدها الحديث. فقد قصرها قوم عليها ولم تكن علة القصر قاصرة على عدم القول بالقياس كما يقول أهل الظاهر، بل منعه بعض القائلين بالقياس بحجة أن علل القياسيين فيها ضعيفة، وإذا لم تظهر علة امتنع القياس([42]).

وعدَّاه آخرون إلى غير هذه الأنواع بطريق القياس من غير أن يَتَّفِقُوا على علة التعدية، فحكم كل إمام علته التي استنبطها في التحريم، فحرم بها أشياء يوافقه عليها غيره، وقد يخالفه… فالربا فيما عدا الأنواع الستة غير متفق على تحريمه بين أَئِمَّة الاجتهاد([43]).

فبقي الربا في غير هذه الأصناف من غير بيان صريح موكولاً إلى اجتهاد المجتهدين، فكان الاشتباه والإشكال، الأمر الذي جعل عمر بن الخطاب يقول: «ثلاث وددت أن رسول الله e عهد إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه: الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا»([44]).

3- استثنى الشارع بعض أفراد الربا لحاجة الناس كالقرض والعرايا. فبيع العرايا مستثنًى من النهي من بيع المزابنة، ومن بيع التمر بالتمر متفاضلاً الوارد في حديث العامل على خيبر. ولكن الرخصة إِنَّمَا وقعت فيما دون خمسة أوسق؛ لأجل الحاجة والضرورة. وما فوق قدر النصاب لا يكون غالبًا إِلاَّ للتجارة([45]).

ربا النسيئة محرم لذاته قصدًا، وربا الفضل محرم لكونه وسيلة إلى الأَوَّل، حيث يوصل إليه في غالب الصور، فتحريمه من باب سد الذرائع. يَدُلُّ لذلك ما رواه أبو سعيد الخدري عن رسول الله e أَنـَّهُ قال: «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، فإني أخاف عليكم الرماء»، الرماء هو الربا.

ومن هنا فرَّق ابن القيم بينهما في التسمية، فسمى الأَوَّل الربا الجلي والثاني الخفي، ثُمَّ رتَّب على ذلك الاختلاف في بعض الأحكام، فقال: إنَّ ما حرِّم لذاته لا يباح شرعًا إِلاَّ لضرورة.. وما حرم لسد الذريعة يباح للحاجة والمصلحة. وبيَّن على هذا جواز بيع الحِلْيَة من الذهب والفضة بنقود منهما تزيد على وزنهما في مقابلة ما فيها من الصنعة، واستشهد على جواز ربا الفضل للمصلحة الراجحة بإباحة النبي e بيع العرايا([46]).

5- أجمع العلماء على جواز بيع الربوي بربوي لا يشاركه في العلة متفاضلاً أو مؤجلاً، كبيع الذهب بالحنطة، وبيع الفضة بالشعير. وَأَمَّا إذا كان الربوي يشارك مقابله في العلة في العلة فهنا حالتان:

– الأولى: الذهب بالفضة، فيمنع التأجيل ويشترط التقابض إجماعًا.

– الثانية: غير ذلك من الأجناس مثل البر بالشعير، فيمنع التأجيل، ولكن اختلف في اشتراط التقابض([47]).

6- لم تطَّرد العلة في بعض الأفراد، حيث أجاز أبو حنيفة الذهب والفضة بحديد أو رصاص أو صفر ولو نسيئة بأضعاف، مع أن علته الكيل أو الوزن. ولم يحظر مالك الربا فيما يقتات، بل يقول أيضًا بالربا في غير ذلك باتحاد الجنس، ويجيز حيث اختلف، مثل: الحديد ونحوه بالذهب والفضة، وهو هنا يَتَّفِقُ مع القائلين بجواز ربا الفضل([48]).

ومن هذه الملاحظات نجد أن العلة في ربا الفضل غير واضحة تمامًا، فالعلماء مختلفون حولها اختلافًا بيِّنا، وَأَنـَّهَا غير مطردة أحيانًا. ومن خصائص العلة الصحيحة التي يُبنى عليها الحكم أَنـَّهَا وصف ظاهر منضبط في جميع أفرادها؛ لأن هذا هو المعوَّل عليه في بناء الحكم عليها. وإلا فإن باعث الحكم هو المقصد الشرعي، وهو الحكمة منه، وهو جلب المصلحة، (وتتمثل في المنفعة أو الخير أو العدل أو السعة أو السعادة…الخ) أو دفع المضرة (وتتمثل في الحرج أو الضيق أو الشر أو الظلم أو الاستغلال…). ولكن بما أن هذه الأوصاف تقديرية وغير منضبطة فقد رأى علماء أصول الفقه إسناد الحكم إلى وصف ظاهر منضبط، وعلى أن يكون هذا الوصف مظنَّةً لتحقيق المقصد الشرعي، أو حكمة الحكم أو غايته.

وعليه، فإذا كنا ننظر إلى علة منضبطة، فالقول بأن علة الربا هي المالية وَإِنـَّهَا لا تتحقق إِلاَّ بثلاثة شروط هي: الجنس، والأجل، والزيادة، هو أرجح الأقوال، وبذلك فلا ربا في الفضل.

وَأَمَّا إذا كنا نعوِّل على المقصد الشرعيِّ أو الباعث على الحكم، وهو هنا دفع الظلم أو الاستغلال، فيتعيَّن تقليل الشروط الثلاثة السابقة، وذلك بإلغاء شرط اتحاد الجنس في حالة الأجل والزيادة، فيكون بُرٌّ بشعير أكثر منه ربا مع التأجيل؛ لأن باعث الزيادة هنا مصدران: اختلاف الجنس والأجل، فيكون ذلك مظنة للاستغلال، ويكون اختلاف الجنسين تستُّرًا للزيادة بسبب الإمهال. أَمَّا اتحاد الجنس مع الأجل بدون زيادة، كَبُرٍّ بِبُرٍّ مثلِهِ، فَإِنَّهُ قرض، وَإِنَّهُ استثناء من الربا كما يرى البعض، أو إِنَّهُ جاز في حالة القرض ولم يجز في حالة البيع؛ لأن القرض إحسان والبيع مماكسة، كما يفسره البعض الآخر.

وَأَمَّا اتحاد الجنس مع زيادة، حاضر بحاضر، فإن باعث الزيادة هنا مصدر واحد، وهو اختلاف الجودة، فتكون مظنة الاستغلال أخفَّ، وبعض المعاملات لا تخلو من بعض الغرر. ومع ذلك أجازها الشارع، كالمضاربة والمزارعة والمساقاة. كما أن تقييد المعاملة هنا بالتماثل التام يجعلها مستحيلة إذ لا يقبل على ذلك علاقات؛ وبذلك نعرف أن المقصد من هذا التقييد هو الاحتياط من الاستغلال. ولعل هذا هو تفسير حديث: «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، فإنِّي أخاف عليكم الرماء».

هذا هو المخرج، وإلا فإن المسألة تُحلُّ عن طريق إزالة التعارض بين الأحاديث بالنسخ أو بالترجيح، وهو من اختصاص أهل العلم بذلك.

ثالثا: الأهمية العلمية أو التطبيقية لهذا الموضوع:

تحريم ربا الفضل في الأجناس المنصوص عليها وفي غيرها إِنَّمَا كانت له أهمية عندما كانت العملة السائدة هي النقدان: الذهب والفضة، أي الدينار والدرهم، وكذا عندما كان التعامل بالمقايضة شائعًا بسبب غلبة الإنتاج الزراعي، وبسبب قلة النقد من جهة، وبسبب أن التعامل بالدينار والدرهم يتم بالوزن، وهو عملة صعبة.

أَمَّا اليوم فلا تستخدم نقود الذهب والفضة، كما لا يتم التعامل بالمقايضة حيث النقود الورقية متوفرة. ولكن لا نقول باختفاء المقايضة تمامًا، حيث يمكن أن يتم التعامل بها على نطاق محدود في بعض البلدان في القطاع الزراعي.

الأهمية العلمية الواضحة الآن في هذا الموضوع هي التعامل بالذهب في مجال تجارة الحلي. حيث تبيع النساء الحلي القديمة وتشتري الحلي الجديدة. فهنا يجب أن يطبَّق الحديث: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة…» بعدم جواز التفاضل. ولكنَّ الذي يحصل أَنـَّهُ يتم بيع الحلي القديمة بالعملة المستعملة، ثُمَّ شراء الحلي الجديدة بالعملة. وإذا كانت الصفقتان تحصلان عند نفس الصائغ نرى العلماء يحرصون على أن تكون كل واحدة من الصفقتين مستقلة عن الأخرى. بمعنى أَنـَّهُ يجب استلام النقود من الصائغ عند بيع الحلي القديمة، ثُمَّ شراء الحلي الجديدة منه ودفع النقود إليه مرة أخرى.

وفيما عدا ذلك تبقى لهذا الموضوع أهمية تشريعية فقط. والله أعلم.

المصادر والمراجع:

1- أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت، الجزء الرابع.

2- امحَمَّد بن يوسف اطْفِيَّشْ: شرح كتاب النيل وشفاء العليل، مكتبة الإرشاد، جدة، الجزء الثامن.

3- رفيق يونس المصري: بيع التقسيط، دار القلم، دمشق.

4- سالم بن محَمَّد الرواحي وآخرون: أشعة من الفقه الإسلامي، ط1، 1414هـ/1994م.

5- عامر بن علي الشماخي: كتاب الإيضاح، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان،، ط2، 1420هـ/1999م، الجزء الثالث.

6- نور الدين عبد الله بن حميد السالمي: شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، الجزء الثالث.

7- وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، دار الفكر، دمشق، ط3، 1409هـ/1989م، الجزء الرابع.

8- يوسف بن إبراهيم الوارجلاني: الدليل والبرهان، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1403هـ/1983م، المجلد الأَوَّل.


([1]) أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني: الدليل والبرهان، ج1، ص100.

([2]) نفس المرجع، ص103.

([3]) نور الدين السالمي: شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع، ج3، ص203.

([4]) نفس المرجع.

([5]) نفس المرجع: ج3، ص204.

([6]) نفس المرجع ج3، ص204، وانظر هامش ص205.

([7]) ابن حجر العسقلاني: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج4، ص382.

([8]) شرح الجامع الصحيح، ج3، ص205.

([9]) سورة البقرة: 279-280.

([10]) نفس المرجع ص206.

([11]) نفس المرجع، ص210-211.

([12]) نفس المرجع، ص214.

([13]) امحَمَّد بن يوسف اطْفِيَّشْ: شرح النيل، ج8، ص39.

([14]) نفس المرجع.

([15]) نفس المرجع، ص39-40.

([16]) نور الدين السالمي: شرح الجامع الصحيح، ج3، ص215.

([17]) امحَمَّد بن يوسف اطْفِيَّشْ: شرح النيل، ج8، ص40.

([18]) نور الدين السالمي: شرح الجامع الصحيح، ج3، ص335.

([19]) امحَمَّد بن يوسف اطْفِيَّشْ: شرح النيل، ج8، ص430.

([20]) عامر بن علي الشماخي: الإيضاح، ج3، ص23- 24.

([21]) نور الدين السالمي: شرح الجامع الصحيح، ج3، ص217.

([22]) نفس المرجع، ص219.

([23]) نور الدين السالمي: شرح الجامع الصحيح، ج3، ص215. وانظر هامش ص216.

([24]) نفس المرجع، ص215.

([25]) نفس المرجع، ص216.

([26]) نفس المرجع، ص194.

([27]) نفس المرجع، ص192.

([28]) نفس المرجع، ص194.

([29]) نفس المرجع. وشرح النيل، ج8، ص38. والإيضاح، ج3، ص23.

([30]) د. وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، ج4، ص683-684.

([31]) نفس المرجع، ص684-685.

([32]) سورة المائدة: 38.

([33]) نفس المرجع، ص686-687.

([34]) نفس المرجع، ص688.

([35]) نفس المرجع، ص688.

([36]) امحَمَّد بن يوسف اطْفِيَّشْ: شرح النيل، ج8، ص37-38.

([37]) نفس المرجع، ص40-41.

([38]) نفس المرجع، ص41.

([39]) عامر بن علي الشماخي: الإيضاح، ج3، ص24.

([40]) نفس المرجع، ص30-32.

([41]) امحَمَّد بن يوسف اطْفِيَّشْ: شرح النيل، ج8، ص40.

([42]) انظر: محَمَّد مصطفى شلبي: الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية، ص226.

([43]) نفس المرجع، ص236-237.

([44]) نفس المرجع، ص225.

([45]) انظر: نور الدين السالمي: شرح الجامع الصحيح، ج3، ص223-221

([46]) محَمَّد مصطفى شلبي: الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية، هامش ص225.

([47]) نور الدين السالمي: شرح الجامع الصحيح، ج3، ص193.

([48]) انظر: شرح النيل، ج8، ص46. الإيضاح، ج،3 ص38.

 

* بحث مقدم لندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الثالث الهجري

الإمام محَمَّد بن محبوب الرحيلي نموذجا

المنعقدة خلال الفترة
الاثنين 30 شوال 1422هـ/ 14 يناير 2002م.
حتى 2 ذي القعـدة 1422هـ/ 16 يناير 2002م.

وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – سلطنة عُمان

 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك