الفقه القضائي عند الإمام محَمَّد بن محبوب

الفقه القضائي عند الإمام محَمَّد بن محبوب *

للباحث:
خلفان بن محمَّد بن عبد الله الحارثي

قاض بمحكمة الاستئناف بمسقط

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه أجمعين.

يطيب لي تقديم بحث بعنوان: «الفقه القضائي عند الإمام محَمَّد بن محبوب».

وجعلت هذا البحث في مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة, وكان المبحث الأَوَّل تعريفا, حيث بينت فيه الفقه القضائي وحاجة الناس إلى القضاء واهتمام الإسلام بهذه الوظيفة الأساسية لضبط المجتمع وتحقيق العدالة, وذكرت نسب أبي عبد الله محَمَّد بن محبوب، ومكانته بين العلماء، وما يتمتع به من شخصية سياسية وعلمية؛ حَتَّى كان مرجع علماء عصره, كما تحدثت عن ولاية صحار ومكانتها؛ لأن هذه الولاية هي موطن العلامة محَمَّد بن محبوب، وقد تولى القضاء عليها وهي عاصمة عمان القديمة.

وقد جعلت المبحث الثاني في الأحكام المُتَعَلِّقة بمجلس القضاء, من ذلك: هل يحكم القاضي بعلمه إذا ما تيقن من معرفة حقيقة النزاع واطلع على ما يكشف له ظلم أحد المتخاصمين؟ أم أَنـَّهُ يتوقف حكمه على ما يدلي به الطرفان من بيانات ومستندات ولو كانت تخالف حقيقة علمه؟ ووضحت في هذه المسألة رأي الإمام ابن محبوب وغيره من العلماء. كما ناقشت قضية الحاكم: هل له أن يلقن أحد المتخاصمين حجته أثناء المرافعة ويفتح له؟ وكذلك بينت قضية اليمين على خصمه أو كان نكوله دون طلب لرد اليمين.

والمبحث الثالث جعلته في نماذج من أحكام أبي عبد الله في الأحوال الشخصية؛ فذكرت أحكام الولي فيما لو كان أولياؤها حاضرين, والمرأة تزوِّج المرأة, وكذلك أحكام الشهادة في النكاح. وأشرت إلى أثر الزنا على النكاح وما يتفرع على ذلك من تحريم الزوجة بمس فرج البنت, ونكاح الزاني بمزنيته, ونكاح الزانية بالشريف وعكسه. وفي أحكام الطلاق ذكرت الطلاق بتكرار اللفظ, وكذلك طلاق السكران وجعل الطلاق بيد المرأة.

ثُمَّ جاءت الخاتمة في ذكر بعض النتائج المستخلصة.

والله من وراء القصد، وهو أعلم وأحكم.

المبحث الأَوَّل: في التعريف بالفقيه القاضي محَمَّد بن محبوب

الأمر الأَوَّل: القضاء (وحاجة المجتمع إليه):

المجتمع البشري محتاج إلى القضاء حاجة ملحَّة, فمنذ أقدم العصور وقد عرف الناس هذه الحاجة إلى القضاء, فالإنسان معروف بطبعه أَنـَّهُ ميَّال إلى الظلم ما وجد إلى ذلك سبيلاً؛ فهو قد يظلم نفسه ويضيِّع حق خالقه ورازقه فكيف به مع بني جنسه. وقد حكى الله تعالى أول ظلم وقع من الإنسان على هذه الأرض وهو قتل قابيل لأخيه هابيل في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ…﴾([1]). كما أفصحت الملائكة عن طبيعة الإنسان عندما تساءلت كما جاء في كتاب الله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُّفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾([2]).

فالشعور بالرغبة في العدل قائم بالنفس البشرية منذ أقدم العصور؛ لأَنـَّهُ داعية الأمان على النفس وعلى المال وعلى العِرض، فالإنسان القلق على وجود ذاته وعلى حريته وعلى عرضه وعلى ماله لا يرجى منه ذرة خير لمجتمعه بسبب فقدان الثقة، وقد تضطره الحاجة إلى الانتقام والقصاص من ظالمه والمتعدي عليه فيكون آكلا مأكولا.

إن الشرائع السماوية أكدت على مبدأ القضاء وكان من أهم وظائف الإنسان وقد كلف الله بها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، يقول الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾([3]). ويقول الله تعالى لرسوله محَمَّد e: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا﴾([4]). ويقول تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَـتَّـبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَّفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾([5]).

ومن هنا فالشريعة الإسلامية اهتمت بمبدإ القضاء، وقررت قواعده، فقد قام الرسول e بمهمة القضاء بنفسه، وأرسل قضاته إلى البلدان النائية, فممَّن أرسله معاذ بن جبل t، حيث أوصاه وسأله فقال له: «يا معاذ، بِمَ تقضي؟ قال: أقضي بما في كتاب الله, قال: فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله؟ قال: أقضي بما قضى به نبي الله e، قال: فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه؟ قال: أقضي بما قضى به الصالحون»([6]).

وقد عمل الصحابة رضوان الله عليهم بهدي رسولهم عليه الصلاة والسلام، فهذا عمر بن الخطاب t يحكم بين الناس بنفسه، ويولِّي غيره على القضاء في الأمصار. ومما سجله التاريخ لهذا الخليفة الجليل مِمَّا يعتبر من أصول القضاء رسالته التي بعث بها إلى واليه على الكوفة أبي موسى الأشعري, وقد استهلها بقوله: «إن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة…»؛ فهي رسالة تستحق أن تسجَّل بماء الذهب.

وهكذا استمر الحال في الدول الإسلامية التي نهجت نهج الخلافة الراشدة، فَإِنَّهُ عندما تولى الإمامةَ على عمان الإمامُ الصلت بن مالك الخروصي ـ رحمه الله ـ في سنة 237هـ، كان قاضيه على صحار هو العلامة الرضي أبو عبد الله محَمَّد بن محبوب الرحيلي، الذي نحن بصدد الحديث عن فقهه القضائي.

ولم يكن الفقه القضائي في تلك الآونة مقنَّنا كما هو الحال في العصور المتأخرة، بل كان القاضي يستقي الأحكام الشرعية من منابعها الأصلية الكتاب والسنة, فكان يجتهد في الحادثة فيستخرج الحكم لكلِّ قضية تعرض عليه؛ ولذلك كانت أحكام أولئك الأوائل وأقوالهم في تلك القضايا قواعد ظلَّت راسخة يرويها كلُّ جيل لمن يليه. ولا غرو في ذلك أن يكون العلامة أبو عبد الله من ذلك النمط فَإِنَّهُ كان ـ رحمه الله ـ مضرب المثل في العلم والفطنة والتقوى، انتهت إليه رئاسة العلم في عصره، فكان مرجعا لأهل زمانه ومن بعدهم.

وتطور الفقه القضائي في زمان ابن محبوب ـ رحمه الله ـ فصار أقرانه من العلماء وتلاميذه يتناقلون أحكامه واجتهاداته، نظرا لمكانته العلمية؛ ولأن ولاية صحار التي تولى القضاء بها كثيرة المستجدات لاختلاف ثقافات الناس هناك وطبقاتهم، ولكونها منطقة تجارية ساحلية ولكثرة سكانها, فأنت لا تكاد تطلع على كتب ألفت بعد عصره إِلاَّ وتجد أقواله مصدَّرة هناك، ومحترمة عند الجميع.

الأمر الثاني: محمَّد بن محبوب ومكانته:

هو محَمَّد بن محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة المخزومي القرشي. وأصول أسرة هذا الشيخ من مكة المكرمة، وَإِنَّمَا انتقل والده العلامة محبوب بن الرحيل إلى البصرة فتلقى العلم هناك في المدرسة الإِبَاضِيَّة، وكان من حملة العلم إلى عمان، حيث انتقل هو والشيخ الربيع بن حبيب إلى عمان بعد ذلك. يقول المؤرخ سالم بن حمود السيابي: «انتقل إلى عمان آخر زمانه ـ يعني محبوب بن الرحيل ـ حاملا علما جما وهدى واسعا, جاء هو والربيع بن حبيب وعمان إذ ذاك في غاية الابتهاج بهم، ونزل محبوب صحار, ولا تسل عن صحار ذلك العهد شرفا وعزًّا وعلاً ومجدًا؛ فكانت إذ ذاك تزخر بالعلم وتفخر بالهدى»([7]).

وقد قيل: إن ولادة أبي عبد الله كانت في صحار، وقيل عنه: إِنَّهُ ولد في البصرة، وانتقل مع والده إلى عمان، والذي يؤيد هذا الرأي الأخير أَنـَّهُ عندما وقع الخلاف الأخير بين أهل عمان في مسألة خلق القرآن في زمان الإمام المهنَّا بن جيفر؛ وقد اجتمع الأشياخ في منطقة دما ليقولوا رأيهم في تلك الفتنة. قال الشيخ محَمَّد بن محبوب: «أنا أقول: إن القرآن مخلوق», فغضب محَمَّد بن هاشم، وقال: «أنا أخرج من عمان ولا أقيم بها», فظن محَمَّد بن محبوب أَنـَّهُ يعرِّض به، فقال: «بل أنا أولى بالخروج من عمان؛ لأني غريب»([8]). والشاهد أن ابن محبوب هنا يصرح أَنـَّهُ ليس من عمان في الأصل، فَكَأَنـَّهُ غير مولود في عمان.

ويكنَّى بابنه عبد الله، الذي هو والد الإمام الرضي سعيد بن عبد الله بن محَمَّد. وعندما يرد في الأثر المشرقي أبو عبد الله مطلقا فالمقصود هو محَمَّد بن محبوب. وقد وقع لبس عند المغاربة فأحيانا يكنُّون ابن بركة بأبي عبد الله، وهو في الحقيقة أبو محَمَّد. وكان أبو عبد الله في مقدمة الذين عقدوا الإمامة على الصلت بن مالك الخروصي سنة 237هـ. والذي يظهر أَنـَّهُ كان من جملة الحاضرين على عقد الإمامة للمهنَّا بن جيفر سنة 226هـ، ولكنَّ المقدَّم يوم ذاك في العلم والفضل هو الشيخ الكبير موسى بن علي ـ رحمه الله ـ([9]).

وبعد أن استقامت الأمور للإمام الصلت بن مالك انتقل ابن محبوب إلى صحار، فعيَّنه الإمام قاضيا عليها، وكان ذلك سنة 249هـ، وهي الولاية التي اختارها أن تكون وطنه عندما قدم هو وأبوه من البصرة، وظل قاطنا في تلك الولاية إلى أن توفاه الله، وكان ذلك يوم الجمعة الثالث من المحرم سنة 260هـ.

والشيخ أبو عبد الله كان شديدا في الله، لا تأخذه لومة لائم وكان حازما مهابا يحترمه الجميع، ومن حزمه وشدته في ضبط الأمور ما يرويه أبو المؤثر ـ وهو أحد العلماء والمتتلمذين على يد أبي عبد الله، والناقلين لعلمه ـ يقول: «كنا في المشورة، لَمَّا مات المهنا، فوقع في ثوبي دم، قال: فذهبت أغسله، فرجعت وقد بايعوا الصلت، أو قال: قد انقطعت الأمور، فسأل أو قال لي ـ يعني أبا عبد الله ـ: أين كنت؟ أو ما أخرجك من الناس؟! فقلت: وقع في ثوبي دم فذهبت أغسله، فاستتابني»([10]).

والشيخ أبو عبد الله راسخ العلم, كثير الاطلاع. وكثيرا ما يرجع العلماء إلى رأيه في المسائل التي تحدث ويقع الخلاف فيها, ومن ذلك ما ورد في الأثر: أن الأشياخ اجتمعوا بدما في مسألة وقعت: أن رجلا قال لامرأته: لو أني يا فلانة طلقتك ثلاثا، فقال الأشياخ: تطلَّق… وقال محَمَّد بن محبوب: إِنَّهَا لا تطلق، فرجع الأشياخ إلى رأيه([11]). ومن ذلك ما ذكرنا آنفا أن الأشياخ اجتمعوا في دما في مسألة خلق القرآن، فكان لأبي عبد الله رأي صرح به وقد خالفه المجتمعون؛ مِمَّا جعله يرجع عن التصريح برأيه لأجل قطع دابر الخلاف، واتَّفَق معهم على القول: إن الله خالق كل شيء، وما سوى الله مخلوق، وأن القرآن كلام الله ووحيه وكتابه وتنزيله على محَمَّد e([12]). ومع كون هذه العبارة اتَّفَق عليها الجميع، لَكِنَّهَا تتَّفق لا محالة مع رأي أبي عبد الله؛ لأن قولهم: «وما سواه مخلوق» يستلزم أن القرآن مخلوق. ثُمَّ إن المتأخرين من الإِبَاضِيَّة ما لبثوا أن صرحوا برأي أبي عبد الله وأطبقت عليه كلمتهم.

ومما يبرهن على إجلال علماء عصره له وتقديرهم لمكانته ما ورد في الأثر: أن مسألة وقعت بنزوى، حيث إن رجلا زوَّج ابنة أخيه، ودخل بها الزوج والأب غائب، فَلَمَّا قدم من غيبته قال: لم أوكِّله في تزويجها، غير أني أجزت النكاح. قال ابن محبوب: فأَتَوْنِي فَسَأَلوني فقلت لهم: اذهبوا إلى أبي جعفر سعيد بن محرز، فذهبوا إليه، فأتاني أبو جعفر، فتناظرنا في ذلك، فقال أبو جعفر: «أَمَّا أنا فلا أقدم على إفساده»، قال أبو عبد الله: «وجبنت أنا أيضا، فتابعت أبا جعفر»، فقال أبو جعفر: «إذا وافقتني على شيء فلا أبالي بمن خالفني»([13]).

وكان الإمام الصلت يرجع إلى أبي عبد الله في مهمات الأمور ولا يقطعها دونه، فيكاتبه وهو في صحار. وقد جاء أن رجلا من أهل بسيا قتل رجلا، وادَّعى أَنـَّهُ قصد غيره، فأخطأ فيه، فدخل الحبس، وطال حبسه, فشاور الإمامُ مَن حَضَرَه من علماء المسلمين، ثُمَّ كتب إلى أبي عبد الله، ومن جواب أبي عبد الله في هذه القضية ما قاله: «وذكرت رحمك الله أنك كتبت إلى القاضي تشاوره، فكتب إليك أن مثل هذا يستودع الحبس عمره، وأنك جمعت من كان بحضرتك وأبرزته إليهم، فأقرَّ معهم بهذا الإقرار، فرأى من رأى عليه القود، وذكرت أنك قد حبست هذا الرجل كثيرا، وأحببت أن أعرِّفك رأيي في ذلك…». ثُمَّ قال بعد كلام طويل: «والذي نأخذ به أن لا قود على هذا الرجل، وَإِنَّمَا تلزمه الدية في نفسه ولا تلزم عاقلته منها شيء, وإن أراد أولياء الدم يمينه فعليه لهم يمين بالله إِنَّهُ ما قصد إلى قتل صاحبهم هذا، ولا تعمد ذلك»([14]).

الأمر الثالث: منطقة صحار ومكانتها:

صحار: منطقة من مناطق عمان الساحلية, تقع على خليج عمان، ولها شهرة كبيرة؛ لأَنـَّهَا قصبة عمان، وهي عاصمة عمان القديمة, وقد كانت قبل الإسلام سوقا من أسواق العرب السنوية في الجاهلية, تجتمع فيها العرب أول يوم من رجب لمدة خمسة أيام. ونظرا لكونها تقع على ساحل البحر فقد كانت ترسو بها المراكب التجارية القادمة من أقصى بلدان العالم, واشتهر ازدهارها, ووجدت فيها الصناعات المختلفة، منها: صناعة الملابس والنسيج، حَتَّى إنَّ رسول الله e كفِّن في ثوبين صحاريَّـين، كما جاء في بعض الأخبار.

ومما يَدُلُّ على مكانة صحار أن عمرو بن العاص ـ وهو مرسل من قِبل رسول الله e إلى أهل عمان، وكانت عمان يوم ذاك مترامية الأطراف ـ فجاء عمرو إلى صحار. يقول نور الدين السالمي نقلا عن الواقدي: «فقد جاء عمرو بن العاص بكتاب النبي e إلى عبد وجيفر ابني الجلندى بعمان, فكان أول موضوع دخله من صحار في مهادنتهم لبني الجلندى, فنزل بها وقت الظهر، وبعث إلى الجلندى وهم بادية عمان…»([15]).

كما أن صحار من الأمصار الثمانية التي مصَّرها عمر بن الخطاب، وأمر أن تقام بها الجمعة, والأمصار هي: مكة, والمدينة, والبصرة, والكوفة, والشام, واليمن, والبحرين, وعمان. وقيل: هي سبعة أمصار، كما هو رأي أبي عبد الله محَمَّد بن محبوب فيما نقله عنه نور الدين السالمي، باعتبار البحرين وعمان مصرا واحدا, قال نور الدين: «وقد تواترت آثار أصحابنا وأخبارهم أن المحل الذي عين لها في عمان هو قصبة صحار, فأوجبوها هناك ومنعوها في غيره…»([16]).

واحتفظت صحار بمكانتها مع أول إمامة قامت بعمان في العهد الإسلامي، وذلك في سنة 132هـ، عندما نُصِّب الإمام الجلندى بن مسعود الذي هو أول إمام بعمان, وكانت عاصمته صحار. وبعد القضاء على هذه الإمامة، وبعد مضي وقت من الزمن، أخذت صحار تفقد مكانتها كعاصمة سياسية مع الإمامة الثانية سنة179هـ، عندما نصب الإمام الوارث بن كعب الخروصي، ولم تزل ذلك الوقت محتفظة بمكانتها التجارية.

ولأجل مكانتها الراسخة في قلوب العمانيين، ولأجل ما هي عليه من استراتيجية وأهمية تجارية واجتماعية، فَإِنَّهُ عندما تولى الإمام الصلت بن مالك الخروصي كان لا بد أن ينتدب لصحار من يتناسب معها ومع مستجداتها وقضاياها، فأرسل إليها أكبر علماء عصره، وهو العلامة محَمَّد بن محبوب الرحيلي وولاه القضاء عليها.

ومع مرور الزمن اختلفت مكانة صحار، وضعفت تجارتها، وخرَّبتها الصراعات والحروب التي وقعت بين العمانيين والفرس، فكادت أن تُنسى, لولا أن السلطان قابوس بن سعيد ـ سلطان عمان الحالي ـ التفت إلى صحار التفاتة، كريمة فأعاد لها بهجتها، وأعطاها حقها من المكانة والتطور، ولا يزال جادا في محاولته لإعادة مكانتها الصناعية وأسواقها البحرية.

المبحث الثاني: الأحكام المُتَعَلِّقة بمجلس القضاء

تمهيد في بيان طرفي النزاع:

طرفا النزاع: المدعي والمدعى عليه, وهما ركنا القضاء والركن الثالث هو الدعوى, وإن تمييز القاضي بين المدَّعِي والمدَّعَى عليه من أهم الأمور؛ لأن الحكم يبنى على معرفة هذا التمييز, وبه يعرف القاضي من يطالبه بالبينة أو اليمين, وذلك كالطبيب إذا عرف علَّة المريض سهل عليه معرفة الدواء الموافق لذلك المريض. وإذا جهل تشخيص العلَّة كان الخطر عظيما إن وصف له دواء لا يَتَّفِقُ مع علَّته. وينقل عن سعيد بن المسيب قوله: «مَن عَرَفَ المدَّعِي والمدَّعَى عليه عَرَف وجه القضاء»؛ ولهذا كانت صفة الفطنة في القاضي أهم من صفة العلم، وقالوا: «القاضي إلى نظره أحوج منه إلى أثره».

والأصل أن الشريعة الإسلامية قرَّرت على المدَّعِي إحضار البيِّنة التي تثبت له صحَّة ما ادَّعاه، وعلى المدَّعَى عليه اليمين لتأكيد إنكاره للدعوى.

ومن هنا اختلف الفقهاء في تعريف طرفي الدعوى على أقوال كثيرة، منها: أن المدَّعِي: من تُخَالِف دعواه الظاهرَ، والمدَّعى عليه بخلافه. والتعريف الثاني: المدَّعِي من إذا سكت ترك وسكوته، والمدَّعَى عليه من لا يخلى إذا سكت.

وعقَّب الشوكاني على هذين التعريفين أن الأَوَّل أشهر والثاني أسلم([17]). وأورد على التعريف الأَوَّل بأن الودع إذا ادَّعى الرَّدَّ أو التلف فإنَّ دعواه تخالف الظاهر، ومع ذلك فالقول قوله, لكن يمكن أن يجاب بأنَّ الثقة في هذا المودع من قبل من استودعه تجعل دعواه لا تخالف الظاهر.

ومن الظلم أن تنعكس الأمور، فيطالَب المدَّعَى عليه بالبيِّنة على ما في يده وتحت حوزته, كأن يدَّعي إنسان على إنسان آخر بيته الذي بناه وسكنه، فيقال لمن في يده البيت: هات حجة على أن البيت بيتك.

وَلَمَّا كان مجلس القضاء من أولوياته تحديد طرفي النزاع والتعامل معهما بِكُلِّ نزاهة وعدل، وحتى لا يشعر أحد المتخاصمين بشيء من الحيف، قرَّر الفقهاء عدَّة آداب يلتزم بها القاضي في مجلس الحكم، وحددوا ما يجوز له وما يؤمر به وما يحرم عليه, ونحن في هذا البحث الموجز سنحاول أن نتعرض لبعض الأمور، لنتعرف على رأي الإمام محَمَّد بن محبوب فيها.

الأمر الأَوَّل: هل يحكم القاضي بعلمه؟

يختلف الفقهاء في علم القاضي بحقيقة الدعوى أو بأحقية أحد الخصمين بكسب الدعوى في اعتبار هذا العلم دليلا من أَدِلَّة الإثبات، وطريقا لثبوت الدعوى، ونذكر هنا أربعة أقوال في هذه المسألة:

القول الأَوَّل: ليس للقاضي أن يحكم بعلمه مطلقا:

ومستند هذا القول أن الشارع جعل أسباب الحكم البينة أو اليمين ونحوهما، فهي أمور تعبُّدية لا يسوغ لنا الحكم إِلاَّ بها، وإن حصل لنا ما هو أقوى منها بيقين؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «شاهداك أو يمينه». وقال عليه الصلاة والسلام للكندي: «ألك بينة؟». ويقول في بعض الأحاديث: «فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذه، إِنَّمَا أقطع له قطعة من نار». وهذا قول مالك وأكثر أصحابه([18]).

القول الثاني: للقاضي أن يحكم بعلمه مطلقا:

وأهل هذا القول نظروا إلى أن الأمور التي وضعها الشرع سببا للحكم، كالبينة واليمين، إِنَّمَا هي أسباب يُتوصَّل بها إلى معرفة المحقِّ من المبطل، والمصيب من المخطئ، وهي غير مقصودة لذاتها، بل لأمر آخر، وهو حصول ما يحصل للحاكم من علم أو ظنٍّ. وإنَّ الحكم بعلم القاضي بلا شكٍّ أقوى مرتبة مِمَّا يحصل بالشاهدين أو اليمين؛ لأَنـَّهُ بعلمه يستند إلى العلم اليقيني. وعزا الشوكاني هذا القول إلى الشافعي في أحد قوليه([19]).

القول الثالث: أَنـَّهُ يحكم بعلمه في غير الحدود:

وذلك لِمَا روي عن رسول الله e قوله: «لو كنت راجما أحدا من غير بيِّنة لرجمتها»([20])، وظاهره أَنـَّهُ عليه الصلاة والسلام قد علم بوقوع الزنا منها ولم يحكم بعلمه, وتأييد هذا قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾([21]).

القول الرابع: يحكم بما علم به في مجلس قضائه:

وهذا هو قول أبي عبد الله محَمَّد بن محبوب، وعزاه ابن رشد إلى الجمهور([22])؛ وذلك لأن ما يعلم به في مجلس القضاء لا يمكن للقاضي أن يتجاهله، وإلا لألزمناه أن يقيم البيِّنة على ما يقرُّ به أمامه وعلى ما يشهد به أمامه في مجلس الحكم. يقول أبو عبد الله: «إِنَّمَا يقضي بما علم في مجلس قضائه، وَأَمَّا في غير مجلس القضاء فلا يحكم به، وَإِنَّمَا يكون شاهدا»([23]). ويتبيَّن مِمَّا جنح إليه أبو عبد الله أَنـَّهُ يميل إلى عدم قضاء القاضي بعلمه، وَأَنـَّهُ لا يعدو أن يكون شاهدا كغيره فيما رآه أو سمعه.

وفي هذا الاتجاه قطع الذرائع؛ لئلا يجد حكام السوء السبيل إلى أن يَدَعُوا العلم لمن أحبُّوا له الحكم بشيء. وأيضا فيه أن التهمة تلحق القاضي إذا قضى بما علم، بخلاف ما لو كان قضاؤه مستندا على الدلائل الظاهرة. وعلمه بشي من حقيقة الدعوى في غير ذلك المجلس لا تعدو أن تكون شهادة له أن يترك الحكم في تلك الدعوى إلى قاض آخر، ويخبره بأن علما عنده فيها. وقد جاء في بيان الشرع جواب من العلامة أبي عبد الله إلى موسى بن موسى بن علي: «وعن الإمام إذا اطَّلع على قتل رجل أو كان قد علم بذلك مِن قَبْلِ أن يَلِيَ الأمر ـ أي قبل أن يكون إماما ـ ولم يُطلب إليه شهادة، ثُمَّ ادعى أولياء المقتول على رجل بريء، سألت: كيف يصنع الإمام بعلمه إن قامت البينة على الرجل البريء؟ فقولنا في ذلك أن الإمام لا يحكم في هذا، ويردُّه إلى القاضي، فيكون القاضي هو الذي يحكم فيه بما يثبت عنده بالشهود العدول، ويقول الإمام: إن لي في هذا علما ولا يسعني أن أحكم فيه»([24]).

ومما يَدُلُّ على أن القاضي يحكم بالدلائل الظاهرة قول الرسول e: «إِنَّمَا أنا بشر مثلكم تختصمون إليَّ، فأحكم بينكم، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع له، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ، فَإِنَّمَا أقطع له قطعة من النار»([25]). وجه الاستدلال أن قوله: «لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض» دليل على أنَّ الحكم متوقف على ما يسمع من المترافع، وما يدلي به من حجة، وما يقدمه من بيانات؛ ويؤيده قوله فيما بعد: «على نحو ما أسمع…».

كما أن الشريعة الإسلامية بينت وفصلت في الشهادة على الدعوى فاشترطت الشاهدين، يقول الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُم﴾([26])، وجعلت في إثبات الزنا أربعة شهود ليس فيهم امرأة، فإن نقصوا عن العدد حكم عليهم بالقذف ولو كانوا في منتهى العدالة والنزاهة والثقة. وبينت الشريعة شهادة المرأة أن تكون امرأتان في مقام رجل واحد، ولا بد من رجل معهما حَتَّى يثبت الحق بشهادتهم, ولو كان الأمر متوقفا على اطمئنان القاضي فقد يطمئن بشهادة امرأتين بما يتصفان به من الصلاح ما لا يطمئن به من شهادة رجلين لا يصلان إلى مرتبة ما اتصفت به المرأتان.

وقد جرى المذهب الإباضي على هذا القول في عدم الحكم بعلم القاضي([27]).

هذا وقد استثنى العلامة أبو عبد الله ما يجري أمام الحاكم في مجلس الحكم؛ لأن ما يجري أمامه في مجلس الحكم فيطلع عليه فهو كالإقرار والاعتراف، فلا يمكن أن يغفل ما يتحصل عليه من علم في أثناء المرافعة؛ لأن في ذلك إخفاء لحقائق العدالة والقسط الذي ينشده القضاء.

الأمر الثاني: هل يلقِّن القاضي أحد المتخاصمين حجته؟

يختلف رأي الفقهاء في جواز تلقين أحد الخصمين حجته إذا ظهر للقاضي ضعف صاحب الحجة، أو غفلته عن الإدلاء بحجته، وفي المسألة أقوال نعرضها كما يلي:

القول الأَوَّل: لا يجوز مطلقا:

وذلك نظرا لأن في الفتح للخصم أو تلقينه الحجة حيفا ظاهرا، وتحيزا إلى طرف، يتنافى مع ما يؤمر به القاضي من الحياد والمساواة بين الخصمين في المجلس والنظر وغير ذلك، ولا يكون القاضي خصمًا وحكمًا في آن واحد، بل عليه أن يحكم بموجب ما يستمع إليه؛ ويقول الرسول e: «ولعل أحدكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع…»، وفي الحديث تصريح على أن لا يتدخل لتعديل أو تصحيح أو تلقين الحجة، وعلى هذا القول الشافعية والحنابلة.

القول الثاني: يكره أن يلقن القاضي أحد الخصمين الحجة:

وهذا رأي الأحناف، وعبارتهم كما جاء في تحفة الفقهاء: «لا ينبغي أن يلقِّن أحدَ الخصمين الحجة». وفي المبسوط: «ولا ينبغي أن يشد على أحدهما ولا يلقنه حجة». وهذه الكراهة تأتي بالنظر إلى كون القاضي ثقة، جلس لإحقاق الحق، فقد تبين له الظلم على أحد الخصمين من خلال المرافعة، فإن تلقينه غير محرَّم، وَإِنَّمَا يُخشى عليه من جر التهمة والميل إليه.

القول الثالث: على القاضي أن يلقن المظلوم حجته:

وذلك إذا تحقق عنده ظلمه وبان له الحق، وعلى هذا الرأي الإمام أبو عبد الله. ورد في بيان الشرع: قال أبو سعيد: «اختلف أهل العلم في الحاكم أيلقِّن الخصمَ حجته أم لا؟ فقال من قال: إن على الحاكم أن يقيم للخصم حجته، ويفتح له حجة يتقوى بها على الدفع عن نفسه بالحق إذا بان ذلك للحاكم، حَتَّى يفهم الخصم حجته. ويوجد هذا القول عن محَمَّد بن محبوب ـ رحمه الله ـ تعالى. وقال من قال: إن له ذلك وليس عليه»([28]). ويوافق المالكيةَ أبو عبد الله في الرأي، كما جاء في تحفة الأحكام:

«وخصم اِنْ يعجز عن إلقاء الحجج    لموجبٍ لقّنها ولا حرج».

والموجب الذي يذكرونه في النظم كما فسره المالكية أنفسهم كدهشة أو خوف أو عمى، صرح بذلك في التاج والإكليل.

وهذا القول ينطلق من مبدأ أن القاضي في مجلس الحكم مقصده إيصال الحق إلى صاحبه، فإذا تبين له الظلم على أحدهما وعلم ذلك ولكن غفل المظلوم من إبراز دليله أو إظهار مستنده فليس للقاضي أن يُغفِل ذلك الأمر، ولا يقال: إِنَّهُ يجر التهمة على نفسه؛ لأَنـَّهُ يحكم بالدليل الواضح وليس بعلمه, كما أن قوله عليه الصلاة والسلام: «فأقضي له على ما أسمع» أي فيما لم يَبِنْ للقاضي غير ذلك في مجلس الحكم, والحق أحق أن يتبع, من أجل هذا رأى الفقهاء أن القاضي ليس له أن يحلِّف من يرى أَنـَّهُ ظالم، بل يخوِّفه بالله ويترك تحليفه إلى غيره.

ومما يستدل به على هذا أن الرسول e قد لقَّن السارق الذي جاء إليه فقال: «ما أخالك سرقت». وكذلك عمر بن الخطاب t يقول لزياد وقد جاء يدلي بشهادته: «أرجو أن لا يفضح الله على يديك رجلا من أصحاب رسول الله e». وإن قيل: إن هذا التلقين في أمر الحدود، ولا خصم للمقر والمشهود له، فليس في تلقينه حيف على أحد, فهو إيراد قويٌّ, لَكِنَّهُ يمكن أن يقال في الرد عليه: إِنَّهُ تلقين وقع في مجلس الحكم من رسول الله e في أمر الحدود، ولم يَرِد النهي عن التلقين في غير الحدود. على أن هذا التلقين فيما لم يعلم فيه القاضي الحقيقة، ومسألتنا فيما علم وأدرك القاضي ظلم المظلوم، والله يقول: ﴿اِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾([29]). وليس من العدل أن يُترك الخائفُ والضعيفُ يُسطَى عليهم، وتُـنتزع منهم أموالهم.

والحاكم العدل يتساوى معه الخصمان، حَتَّى إذا تبين له الظالم من المظلوم صار ذلك الضعيف المظلوم قويًّا حَتَّى يؤخذ له الحقُّ، وإن البينات التي يطلبها الحاكم من المدَّعِي ما هي إِلاَّ من أجل إظهار الحقيقة, فقد تأتي من خلال المرافعة بيِّنة واضحة من الظالم في نوع إقرار أو ما شابه ذلك لصالح خصمه ولم ينتبه لها الخصم، فيجب على القاضي ـ كما هو رأي أبي عبد الله ـ أن يحكم عليه بإقرار، وهو تلقين لا محيد عنه.

لكن من الضرورة أن نقرر هنا أن مذهب الإمام ابن محبوب في وجوب تلقين أحد الخصمين الحجة مشروط بشرطين:

أولهما: أن يكون ذلك خلال المرافعة وبعد الاستماع إلى الطرفين، أَمَّا في غير مجلس الحكم وقبل الاستماع إلى الخصم فقد صرح الإمام ابن محبوب بالنهي عن ذلك فقال: «ولا ينبغي لأهل القرى أن يعلِّموا الأعراب دقائق حجج الخصوم، مخافة أي يقطعوا بذلك حقا من الحقوق».

ثانيهما: أن يكون التلقين لإظهار الحجة التي هي في الأصل موجودة على الدعوى. أَمَّا إذا خرج التلقين عن توضيح الحجة، وكان لتصويب الدعوى أو للفتح له بمطالبة أخرى، فإن ذلك ما لا يراه الإمام ابن محبوب, فقد ورد في الأثر كما جاء في المصنَّف: «وعن محَمَّد بن محبوب: أن رجلين اختصما لديه، فادعى أحدهما على الآخر كذا وكذا نخلة وشُرْبَهَا، فأَحضَرَ على ذلك بينة، فَحَكَمَ له محَمَّد بن محبوب بالنخل ولم يحكم له بالشرب, فقيل له: لم؟ فقال: لم يقل: شربها من الماء, فقيل له: الشرب لا يكون إِلاَّ من الماء, فقال: ليس للحاكم ولا للفقيه أن يزيدا شيئا من عندهما».

الأمر الثالث: هل للمدعي يمين يحلفها:

اتَّفَق أهل العلم أن على المدَّعِي البينة, وأن على المنكر اليمين إذا انعدمت البينة عند المدعي، أخذا من أحكامه صلوات الله وسلامه عليه ومن قوله: «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر»؛ ولأن المدعي ضعيف لكون ما يقوله خلاف الظاهر، فكُلِّف بالحجة القوية، وهي البينة، فهي لا تجلب لنفسها نفعا، ولا تدفع ضرا، فيقوى بها ضعف المدعي. وَأَمَّا جانب المدَّعَى عليه فهو قويٌّ؛ لأن الأصل فراغ ذمته، فاكتفى فيه باليمين، وهي حجة ضعيفة؛ لأن الحالف يجلب لنفسه النفع ويدفع عنها الضر.

هذا هو الأصل. واختلفوا فيما إذا عجز المدَّعِي عن إقامة البينة وامتنع المنكر عن الحلف، فهل تتوجب يمين على المدعي إن طلبها المنكر أو لم يطلبها؟. ويتضح خلافهم في الأقوال التالية:

القول الأَوَّل: لا يمين على المدَّعِي أصلا:

وذلك لأنَّ على المدَّعِي البينة, فإن أحضرها وقبلها الحاكم حكم بها، وإلا وجبت على المدَّعَى عليه اليمين، ولا تنتقل اليمين من المدعى عليه إلى المدعي؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر»، فقد جعل جنس اليمين في جانب المدعى عليه، كما جعل جنس البينة في جانب المدعي, وهذا هو رأي الحنفية، فعندهم النكول إِمَّا أن يعتبر بذلا، وهو رأي الإمام أبي حنيفة، أو إقرارًا وذلك رأي صاحبيه، وعلى كِلاَ الوجهين يُحكم للمدعي بالحق بنكول المدعى عليه.

وفي قول نسبه صاحب سبل السلام إلى المؤيد أَنَّهُ لا يحكم بالحق بمجرد النكول، ولا يقبل رد اليمين، ولكن يحبس المدعى عليه حَتَّى يحلف أو يقر([30]).

ونسب ابن قدامة هذا القول لأبي ليلى حيث يقول: «لا أدعه حَتَّى يقر أو يحلف»([31]).

القول الثاني: إن اليمين على المدعي واجبة:

وهذا إذا لم تكن بينة مع المدعى عليه فإن نكول المدعى عليه لا يثبت الحق مباشرة للمدعي حَتَّى يحلف يمينا بالله على حقه, وهذا القول ولو لم يطلب الناكل رد اليمين, وهو قول الشافعي ومن قال بقوله، محتجين بحديث القسامة، وهو أن رسول الله e قال: «تحلفون وتستحقون دم صاحبكم، قالوا: لا. قال: فتحلف يهود». كما أن حديث ابن عمر عند الدارقطني دليل لهم، وفيه أن رسول الله e رد اليمين على طالب الحق.

ووجهة هذا النظر مبنية على أَنـَّهُ إذا نكل المنكِر ظهر صدق المدعي وقوي جانبه، فتشرع اليمين في حقه كالمدعى عليه قبل نكوله، وكالمدعي إذا شهد له شاهد واحد ـ بناء على من يقول بالشاهد واليمين ـ؛ ولأن النكول قد يكون بجهل بالحال، أو لتورعه عن الحلف على ما لا يتحققه، أو للخوف من عاقبة اليمين، أو ترفعا عنها مع علمه بصدقه في إنكاره؛ وعليه لا يتعين بنكوله صدق المدعي، فلا يجوز الحكم له بغير دليل، فإذا حلف كانت يمينه دليلا عند عدم ما هو أقوى منها([32]).

القول الثالث: يحلف المدعي إذا طلب المنكر ردها إليه:

لأن النكول إقرار يثبت به الحق ويحكم القاضي على المدعى عليه الذي نكل عن اليمين بتسليم الحق للمدعي، إِلاَّ إذا رد المدعى عليه اليمين، وطلب من القاضي أن يحلف المدعي، ففي هذا تجب اليمين على المدعي، وتثبت له الحقوق بحلفه، دون القصاص والحدود.

وهذا هو رأي العلامة أبي عبد الله، يقول ـ كما ورد في كتاب المصنَّف ـ: «في المدعى عليه الجراحة إذا رد اليمين على المدعي، فحلف، فلا أرى على المدعى عليه قصاصا, وَإِنَّمَا يلزمه الأرش، ولا أرى عليه تعزيرا ما لم تقم عليه بذلك الجرح بينة عدل، أو يقر له أَنـَّهُ جرحه»([33]).

وقد اتَّفَق أصحابنا على هذا القول برد اليمين إذا طلب المدعى عليه ذلك، محتجين بحديث القسامة الذي احتجت به الشافعية، وأيضا بما أورده صاحب كتاب المصنَّف أن الرسول e حين دخلوا عليه وهو مريض قال: «من يدعي عليَّ مظلمة أو حقا؟»، فقال رجل: إنك اقترضت مني ثلاثة دراهم، فقال: «أما إنِّي أصدِّقك ولا أحلِّفك»، فقال للفضل بن عباس: «ادفع إليه». فهذا يَدُلُّ على أن المدعى عليه يَستحلف المدَّعِيَ إذا لم يصدِّقه([34]).

كما يستدل له بما أورده الكاساني أن سيدنا عثمان بن عفان ادعى على المقداد مالا بين يدي سيدنا عمر بن الخطاب، فأنكر المقداد، وتوجهت عليه اليمين، فرد اليمين على سيدنا عثمان، وسيدنا عمر جوَّز ذلك([35]).

كما يستدل أيضا له بما رواه الدار قطني عن ابن عمر أن الرسول e رد اليمين على طالب الحق.

ويستثني العلامة محَمَّد بن محبوب إذا حلف المدعي ـ في دعوى الجراحة ـ عند رد اليمين عليه أن يحكم بالمال فقط، أَمَّا القصاص والحدود فلا يحكم بمجرد يمين يحلفها المدعي؛ لأَنـَّهُ دليل ضعيف والشبهة قائمة في ذلك الدليل.


([1]) سورة المائدة: 27.

([2]) سورة البقرة: 30.

([3]) سورة ص: 26.

([4]) سورة النساء: 105.

([5]) سورة المائدة: 49.

([6]) أخرجه أحمد بن حنبل، 5/230. ورواه النسائي، 8/230.

([7]) إزالة الوعثاء عن أبي الشعثاء، ص47.

([8]) السالمي: تحفة الأعيان، 1/105.

([9]) انظر: تحفة الأعيان، 1/ 101 – 108.

([10]) تحفة الأعيان، 1/108.

([11]) الرستاقي: منهج الطالبين، 16/133، القسم الأَوَّل.

([12]) تحفة الأعيان، 1/ 105. الخليلي: الحق الدامغ، 107.

([13]) منهج الطالبين، 15/ 262.

([14]) تحفة الأعيان، 1/ 132.

([15]) تحفة الأعيان، 1/39 -40.

([16]) الحجج المقنعة، 2/88 -90.

([17]) نيل الأوطار، 8/350.

([18]) بداية المجتهد، 2/ 47.

([19]) نيل الأوطار، 8/ 333.

([20]) أخرجه مسلم وغيره في قصة الملاعنة.

([21]) سورة النور: 13.

([22]) بداية المجتهد، 2/ 471.

([23]) بيان الشرع، 30/ 52.

([24]) بيان الشرع، 30/ 52. المنهج، 9/ 74.

([25]) متفق عليه.

([26]) سورة البقرة: 282.

([27]) انظر: المنهج، هامش 9/ 37.

([28]) بيان الشرع، 30/33. منهج الطالبين، 9/72.

([29]) سورة النساء: 58.

([30]) سبل السلام، 4/191.

([31]) المغنى، 10/ 300.

([32]) انظر: المغني، 10/ 300.

([33]) المصنَّف، 16/ 130.

([34]) المصنَّف، 16/ 14.

([35]) بدائع الصنائع، 5/345.

 

* بحث مقدم لندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الثالث الهجري

الإمام محَمَّد بن محبوب الرحيلي نموذجا

المنعقدة خلال الفترة
الاثنين 30 شوال 1422هـ/ 14 يناير 2002م.
حتى 2 ذي القعـدة 1422هـ/ 16 يناير 2002م.

وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – سلطنة عُمان

 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك