تطور التشريع الفقهي في عمان حتَّى القرن الثالث الهجري

تطور التشريع الفقهي في عمان حتَّى القرن الثالث الهجري *

للباحث:
بدر بن سعود الدغيشي

وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

 

درست هذه الورقة النقاط التالية:

– لمحة عن نشأة الفقه وتطوره وازدهاره.

– مدرسة الصحابة الفقهية بعمان.

– عمان وامتداداتها التشريعية والفقهية والفكرية للبصرة.

– دور حملة العلم في التطورات الفقهية بعمان.

– أعلام الفقه العماني ودورهم في التطورات الفقهية بعمان.

– المدرسة الرحيلية عقود من العطاء.

الفقه لغة:

الفهم مطلقا سواء ما ظهر أو ما خفي، قال سبحانه حكاية عن قوم شعيب: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ﴾([1])، وقال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾([2])، فالآيتان تدلان على نفي الفهم مطلقًا.

الفقه: هو إدراك الشَّيْء الدقيق، يقال: فقهت كلامك، أي: ما يرمي إليه من أغراض وأسرار، ولا يقال: فقهت السماء والأرض. ويدرك الناظر لآيات القرآن الكريم أن لفظ الفقه لا يأتي إِلاَّ للدلالة على إدراك الشَّيْء الدقيق، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآَيَاتِ لِقَومٍ يَفْقَهُونَ﴾([3])، وَأَمَّا الآيتان السابقتان فليس المنفيَّ فيهما مطلقُ الفهم، وَإِنَّمَا المنفيُّ في قول قوم شعيب إدراك أسرار دعوته، وإلا فهم فاهمون لظاهر قوله، والمنفيُّ في آية الإسراء إدراك أسرار تسبيح كل شيء لله تعالى، وإلا فإن أبسط العقول تدرك أن كلَّ شيء يسبِّح بحمد الله طوعًا أو كرهًا؛ لأَنـَّهَا مسخرة له.

الفقه اصطلاحا:

أَمَّا الفقه عند الفقهاء فيطلق على أحد المعنيين:

1 ـ حفظ طائفة من الأحكام الشرعية العلمية والواردة في الكتاب أو السنة أو وقع الإجماع عليها، أو استنبطت بطريق القياس المعتبر شرعًا، أو بأي دليل آخر يرجع إلى هذه الأدلة، سواء أحفظت هذه الأحكام بأدلتها أم بدونها. فالفقيه عندهم لا يجب أن يكون مجتهدًا، كما هو رأي الأصوليين.

2 ـ إن الفقه يطلق على مجموعة الأحكام والمسائل الشرعية العلمية، وهذا الإطلاق من قبيل إطلاق المصدر وإرادة الحاصل به، كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾([4])، أي: مخلوقه.

أَمَّا الفقه في القانون فهو: مجموعة الآراء القانونية الصادرة من المشتغلين بعلم القانون (الفقهاء)، أو جماعة الفقهاء الذين يشتغلون بشرح القانون في شكل مؤلفات أو فتاوى أو تعليقات على الأحكام، أو بالتدريس في الجامعات.

الشريعة في اللغة:

هي العتبة ومورد الشاربة، وتطلق عند علماء الإسلام على ما يطلق عليه اسم الشرع، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾([5])، وقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾([6]).

وفي العصر الحديث شاع إطلاق لفظ الشريعة على ما شرعه الله من أحكام عملية؛ فهي بهذا الإطلاق تكون مرادفة للفظ «فقه» بالاعتبار الذي عليه المتأخرون.

والتشريع في اللغة: مصدر «شَرَّعَ»، أي: وضع قانونا وسنَّ قواعد، وهو مشتق من الشريعة.

وفي الاصطلاح: هو خطاب الله تعالى المُتَعَلِّق بالعباد طلبا أو تخييرا أو وضعا.

ويطلق الآن أيضا على وضع القوانين؛ فيراد به وضع القواعد القانونية بواسطة السلطة المختصة في الدولة.

لمحة عن نشأة الفقه وتطوره وازدهاره:

لم يظهر الفقه بالمعنى المعروف في عهد النبي e ولا عصر كبار الصحابة، فكان العمل بكتاب الله U وسنة المصطفى e واستعمال الاجتهاد والرأي فيما ليس فيه نص من المصدرين السابقين، إِلاَّ أن الفقه شرع في الاتساع والنمو في عصر الصحابة ومن جاء بعدهم؛ وذلك لأسباب منها:

1- نزول الوقائع والحوادث غير المعهودة في حياة الرسول e.

2- الحروب وما تمخضت عنه من قضايا وعلاقات بين المسلمين وغيرهم أثناء الحرب وبعدها.

3- امتداد سلطان الإسلام بفتوحاته لكثير من البلدان؛ ولا شكَّ أنَّ لِكُلِّ بلد تقاليده وعاداته وأعرافه ونُظُمه.

أدت هذه الأسباب وغيرها إلى كثرة المسائل الفقهية لمعرفة حكم الله فيها، واجتهد الصحابة واتَّفَقُوا، فكان الإجماع، كما أَنـَّهُم اجتهدوا واختلفوا وانفرد كلٌّ برأيه، ومقولة أبي بكر شاهدة على ذلك حينما قال: «هذا رأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان».

والمتتبع لتطور الفقه وتشريعاته يجد أَنـَّهُ لم يبلغ أعلى مراتبه دفعة واحدة، وَإِنَّمَا أخذ في السير متدرجا إلى مراتب الكمال، حَتَّى أوشك أن يبلغ ذروته ومنتهاه بعد القرن الثاني الهجري، وقد جعل بعض الباحثين التطور الفقهي في أربعة أدوار حسب الزمن، ويعتبر عصر النبي e منذ تلقيه الوحي إلى وفاته أهم العصور الفقهية على الإطلاق.

ولم يَدَع النبي e فقها مدوَّنا، بل تلك القواعد والأحكام والأسس الموجودة في الكتاب والسنة. كما لم يدوَّن شيء من الفقه في عصر الخلافة الراشدة، وهو من باب أولى؛ لأن السنة لم تدوَّن، حَتَّى تبلور الفقه وتطور وتميز في نهاية القرن الأَوَّل، على أيدي كبار التابعين وصغارهم وتابعي التابعين الذين أسسوا الفقه النظري بجانب الفقه العملي.

ولم يكد القرن الثاني يشرع في الاستهلال إِلاَّ والفقه قد نما وازدهر، ونهض نهضة ملحوظة على أيدي التابعين. ومع بداية القرن الثاني ضُبطت قواعد الفقه، وظهرت بعض اصطلاحاته، وشغل حيزا لا بأس به بين المدونات، فكان عصرا ذهبيا للفقه، وازداد تطوره أكثر فأكثر بنشوء المدارس والحركات الفقهية. وليس من مقتضيات هذه الورقة التعرض لتلك الحركات، بل إن الإشكالية الأساسية هي عمان، فهل تطور التشريع الفقهي بها؟ وكيف؟ وما هي مراحله ومنابعه؟.

لم يحدِّثنا المؤرخون الإسلاميون الأَوَّل ولم تسعفنا المصادر عن تأسيس بعض الصحابة وكبار التابعين لمدارس علمية وفقهية بعمان على غرار تلك التي أقاموها بمكة والمدينة والبصرة والكوفة وغيرها، ولا يعني هذا إطلاقا أن عمان كانت مقفرة من جهود أولئك الصحابة والتابعين، إذ المتتبع للتاريخ وما بث في مظان الكتب التراثية يجد أن عمان لم تكن بمنأى عن تلك التيارات العلمية والفكرية إن لم يكن لها قصب السبق في ذلك، فَإِنَّهَا وإن لم تُحظَ بالتدوين فإن الشواهد والبراهين على ذلك كثيرة.

مرَّ التشريع الفقهي بعمان على مراحل تاريخية مختلفة، وكل مرحلة تقودنا إلى مرحلة لاحقة لها، فما هي الأسباب التي أدت وساهمت في تنمية هذا التشريع؟ وما هي التطورات الناتجة عن كل مرحلة؟.

في ورقة العمل السريعة هذه لن نطيل الحديث عن الأسباب التي ساهمت في تطورات التشريع وما حملته من نتائج، وَإِنَّمَا أكتفي بإيضاح بعض الخطوط الأُفُقية لبيان صورة تطور التشريع بعمان، وبعدها أنتقل إلى أس هذه الندوة مدرسة آل الرحيل ودورها في تطورات التشريع الفقهي بعمان.

مدرسة الصحابة الفقهية بعمان:

عمرو بن العاص: النواة الأولى للتشريع:

تميزت عمان عن بقية المناطق العربية وغيرها بالقبول الطوعي للإسلام، وقد أَرسل الرسولُ e عمرو بن العاص، على خلاف في السنة السادسة أو الثامنة.

وأيَّا كان التاريخ فإن عمرو بن العاص وصل عمان بعد أن اقتربت الأحكام العامة وغيرها الصادرة عن الشارع من الكمال، والكتب التراثية ـ سواء أكانت تاريخية أم غيرها ـ لم تذكر لعمرو دورا إِلاَّ دعوة حاكمي عمان إلى الإسلام، وجباية الصدقات ونحوها، ولم تفصل في ذلك. ومن غير المعقول أن يرسل المصطفى e رسولا إلى دولة مترامية الأطراف ولا يكون همه إِلاَّ ذلك، وعلى افتراض أن الرسول جعل هذه المهمة من صلاحيات عمرو فمن غير المعقول كذلك أن يرسله إلى دولة نائية عن مقر الدعوة بمفرده، لذلك أثبتت إحدى الروايات أن بصحبة عمرو بعض الفقهاء من أمثال أبي زيد الأنصاري التي تمثلت مهمته في تعليم العمانيين أصول دينهم وفقههم ومعاملاتهم. وعليه وإن كانت المصادر تصمت عن دور هؤلاء الصحابة في تلك المرحلة إِلاَّ أننا نعد أن وجود عمرو بن العاص ومن معه أول مدرسة تشريعية فقهية بعمان كان لها أثرها في ترسيخ كثير من القواعد والأصول، وتكوين نخبة من الفقهاء والعلماء داخل رحم المجتمع العماني، ولا سيما وأهل عمان بسبب رسوخهم في الفقه والعلم كان لهم صدى واسع في منطقة الخلافة، كأمثال كعب بن سوار الأسلمي (ت: 36هـ) الذي أسند إليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مهمة قضاء البصرة بعد تمصيرها؛ ولا يخفى سمة من يضعهم عمر على ركائز الدولة من العلم والنزاهة والورع. وأمثال: صحار بن العباس العبدي، الذي قال عنه ابن النديم في كتابه الفهرست:«أحد النسَّابين والخطباء في أيام معاوية بن أبي سفيان، وروى عن النبي e حديثين أو ثلاثة. وله كتاب الأمثال، وكذلك أمثال كعب بن برشة العماني وغيرهم كثير».

عمان وامتداداتها التشريعية والفقهية والفكرية للبصرة:

المدرسة الفقهية الجابرية:

ليس من السهل على أي باحث أن يتجاهل العامل الأساسي وأثره في التشريع، وما حدث بين المسلمين من تفرق ونزاع بانتقال الخلافة إلى الأمويين فقد ولد آثارا، لها من الخطورة والأهمية في جميع مجالات الحياة التشريعية والسياسية والعلمية والفكرية والاعتقادية مِمَّا تركت بصماتها الواضحة على العلماء والفقهاء، وكانت العوامل السياسية ذات أثر كبير في حياة المسلمين التشريعية وسير الفقه الإسلامي.

كانت البصرة آنذاك حاضرة الثقافة الإسلامية وأهم المراكز العلمية، فارتبط أهل عمان بها ورحل العلماء إليها، وممن رحل جابر بن زيد الأزدي وغيره من العلماء، وتأثرت التطورات التشريعية الفقهية بعمان تأثرا كبيرا بالفقهاء الموجودين في البصرة؛ فكانت عمان امتدادا تشريعيا وفقهيا وفكريا للبصرة، وكان فقهاء عمان على صلة وثقى بالبصرة، وتمثل الامتداد في أن جابرا كان يبعث الدعاة لمختلف المناطق، وكان هذا إرهاصا لما تم في عهد أبي عبيدة من تدريب الدعاة الذين عُرفوا فيما بعد باسم حملة العلم إلى الأمصار.

وما نريد ذكره في هذه العجالة أن نفي الحَجَّاج لجابر بن زيد إلى موطنه الأصلي عمان مع هبيرة جد أبي سفيان محبوب بن الرحيل من باب المثل: «رب ضارة نافعة»، إذ لا يراودنا شك في أن جابرا ـ وهو من هو ـ لا يفوِّت مثل هذه الفرصة السانحة لكي يقيم ركائز دعوته في عما،ن وتفقيه أهلها مِمَّا حفظه عن صحابة رسول الله، بل لعل الذين رحلوا إلى البصرة فيما بعد لتلقي العلم من أبي عبيدة هم من تكوين جابر وفضله، ولا يخفى أن جابرا أول من ألف كتابا أسماه: «الديوان»، يقع في عشرة أجزاء، ويقال إِنَّهُ ضخم يعجز عن حمله البعير، ولعله ألف شيئا من هذا الديوان في عمان أثناء فترة منفاه، ويقال: إن هذا الديوان يحمل بين طياته أحاديث النبي e وجميع ما علمه من السنة القولية والفعلية والتقريرية، وما اشتملت عليه من تفسير وفقه وتاريخ، كما حوى الكثير من فتاوى الصحابة وأقضيتهم.

وتعتبر مدرسة جابر منذ بدايتها أساس تطور التشريع الفقهي بعمان، إِلاَّ أن الروايات لا تشير إلى المدة التي قضاها جابر في منفاه، أو التاريخ الذي نفي فيه، وإن أجمعت على أَنـَّهُ عاد إلى البصرة ومات فيها.

دور حملة العلم في التطورات الفقهية بعمان:

اتخذ أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة شكلا دقيقا من التنظيم المبني على أسس مدروسة تمثلت في الحملات السلمية كما عبر عنها البعض، ولم يرد مصطلح حملة العلم في كتب السير والأخبار إِلاَّ بعد أن تولى أبو عبيدة زعامة الإِبَاضِيَّة، وقد اختلف المؤرخون في عدد حملة العلم فالعوتبي يشير إلى أسماء أربعة هم: (محَمَّد بن المعلا الفشحي، الربيع بن حبيب، المنير بن النير الريامي، بشير بن المنذر النزوي) ويشير اطْفِيَّشْ أن حملة العلم إلى عمان هم: (محبوب بن الرحيل، موسى بن أبي جابر الأزكوي، المنير بن النير، هاشم بن غيلان)، ومن الصعوبة الفصل بين حملة العلم الذين تلقوا العلم عن أبي عبيدة، وأولئك الذين تلقوا العلم عن الربيع بن حبيب رحمهما الله تعالى.

وما أريد الإشارة إليه أن حملة العلم كان لهم دور في إثراء التطورات الفقهية بعمان، وإرساء كثير من القواعد التي تنطلق من الفكر الصحيح، فلم يمض نصف قرن من إرسالهم إلى عمان إِلاَّ ومرجع الأمر إليهم، فلا يعين إمام إِلاَّ باختيارهم، وربما أصبح بعضهم ولاة، كما حدث لمحمد بن المعلا الكندي، وبعبارة موجزة: أَنـَّهُم كانوا رجال فكر ودولة في آن واحد.

أعلام الفقه العماني ودورهم في التطورات الفقهية بعمان:

وما أود ذكره سريعا في هذا المقطع أن الإمام الجلندى بن مسعود وضع عددا من التشريعات الفقهية والسياسية، منها على سبيل المثال: «أَنـَّهُ رد على الناس ما اغتصبه منهم الجبابرة من الأموال، وأن يسترجعوا ما باعوه لهم أيضا؛ لأَنـَّهُ رأى أن بيعه غير جائز، إذ هو في معنى الغصب، فيردوا ما باعوه ويرجعوا الثمن وغيرها من الاصطلاحات، كأمور البيوع في الأسواق وأمور الزراعة والسقي».

كما لا يخفى إنجاز العمانيين لمؤلف كبير سمي بديوان الأشياخ يقع في عدة مجلدات ضاع معظمه وبقي مبثوثا في الكتب الفقهية الإِبَاضِيَّة، وهو على غرار الموسوعات التي تؤلف في العصر الحديث، وفكرة التأليف الجماعي قد سبقوا إليها غيرهم، وقد ألف هذا الديوان في دما (السيب حاليا), أثناء وجود العلماء العمانيين في رباط لصد غزوات البحر في عهد الإمام غسان بن عبد الله 194-207هـ.

المدرسة الرحيلية عقود من العطاء:

جاء في كتاب المعتبر للشيخ الكدمي([7]) عبارة تقول: «الأمة في كل شيء من الأشياء المنفرد به دون غيره، الثابت له حكمه من قليل أو كثير، ولو كان واحدا فهو أمة في ذلك الشَّيْء القائم له المنفرد فيه، ولو كانوا كثيرا فهم أمة، وليس معنى الأمة الكثيرة، إِنَّمَا المعنى في الأمة الخلوص بالشَّيْء، فمن ذلك قوله تعالى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّـلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾([8])، فكان وحده أمة في قومه، والأمة اجتماع الإمام والمأموم.

ومن أشهر من تتلمذ على يدي الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي ربيبه العلامة محبوب بن الرحيل، ومع عودة الإمام الربيع إلى موطنه الأصلي عمان جاء معه محبوب، واتخذ من صحار موطنا له، فكان هو وذريته من أشهر علماء عمان، بل كان اسم آل الرحيل مرادفا للعلم على مدى عقود من الزمن، وكانوا سلسلة مباركة، تخرَّج في مدرستها عدد من العلماء.

أَمَّا محبوب بن الرحيل فكما قال عنه سماحة الشيخ في إحدى محاضراته: «إِنَّهُ واسطة العقد بين علماء أهل المشرق وعلماء أهل المغرب»، إذ كان له الفضل الكبير في حفظ تراجم أَئِمَّة المذهب الإباضي مشارقة ومغاربة، وقال عنه الدرجيني: «أحد الأخيار، وممن سبق إلى تخليد سير السلف الأخيار، مِمَّا يحصل عنده عنهم من الآثار، وجمع ذلك في سلك واحد بين غرائب الفقه وعجائب الأخبار». وقال عنه صاحب السير: «المقيد غرائب الفقه وعجائب الأخبار، وساد الفضلاء علما وحفظ الآثار». إِلاَّ أن ما أشار إليه الدرجيني قد فُقِد، ولم يبق إِلاَّ آثاره في كتب المذهب الإباضي، وكان قد حوى في هذا الكتاب العقائد والفقه والسير، وكان موجودا بالمغرب أيام الدولة الرستمية، وهو مقدَّم على غيره من الكتب وَلَكِنَّهُ احترق عندما أحرقت المكتبة الرستمية.

ومن المآثر الجليلة العظيمة التي أسهمت إسهاما كبيرا في ازدهار حركة العلوم بعمان سيرتاه اللتان نُشرتا من ضمن كتاب السير والجوابات:

الأولى: إلى أهل عمان، والثانية: إلى أهل حضرموت، وقد أبان فيهما عن موقفه من المسائل التي أثارها هارون بن اليمان أحد العلماء في عصره، إذ اتهم هارون محبوب بن الرحيل بِأَنـَّهُ خالف السلف في بعض القضايا خاصة العقدية منها، فكان رد ابن الرحيل ـ رحمه الله ـ داحضا آراء هارون بالأَدِلَّة القاطعة من الكتاب والسنة ومواقف العلماء والمجتهدين.

من نسل هذا العالم موضوع هذه الندوة: محَمَّد بن محبوب، الحلقة الثانية في مدرسة آل الرحيل، الذي يعرف في الأثر الإباضي بكنيته: «أبو عبد الله»، ويعد في عهد الإمام المهنا بن جيفر (226-236هـ/ 841-852م) من العلماء المقدمين والبارزين.

ومما يَدُلُّ على معرفته بأصول المذهب وغزارة علمه وتمكنه من الفقه ومشاركته في تطوير العلوم في عمان موقفه من القول في مسألة خلق القرآن الكريم من أول وهلة، واعتماد المذهب الإباضي عليه فيما بعد. كما أَنـَّهُ قام بالبيعة للإمام الصلت بن مالك سنة (237هـ/ 852م)، ووُصف بِأَنـَّهُ كان رئيسهم وإمامهم في العلم والدين.

اشتهر محَمَّد بن محبوب بعلمه الواسع، وفقهه الفياض، وهمته العالية، ونظرته المستنيرة، فتولى منصب القضاء في صحار سنة (249هـ/ 864م) في عهد الإمام الصلت، ونظرا لتلك الشهرة يمم كثير من أبناء عمان وجوههم شطر صحار لينهلوا من علمه. ورغم ما اشتهرت به الدولة الرستمية من وجود العلماء فيها فقد كانت شهرة هذا العالم العلمية في بلاد المغرب لا تقل عنها في عمان؛ فلهذا رجع إليه المغاربة في كثير من المسائل التي تعن لهم.

ومن إضافات هذا العالم في التشريعات الفقهية بعمان جامعه المشهور الذي عرف باسمه: «جامع محَمَّد بن محبوب» قيل: إِنَّهُ في سبعين جزءا، وهذا السفر الجامع الكبير لم يبق إِلاَّ ذكره في التراجم، وقد اطلع البرادي على جزء منه. وفي ظل حياة ابن محبوب تبوأت عمان مكانة علمية مرموقة، وبفضله أحيى ابناه بشير وعبد الله دوره، فكانا امتدادا للعطاء العلمي الذي أرساه محبوب بن الرحيل وابنه محَمَّد وإخوته سفيان ومنير ومجبر.

من أشهر مشايخ ابن محبوب العلامة موسى بن علي الإزكوي (ت: 230هـ/845م)، وتزوج العلامة ابن محبوب ابنة شيخه فكان نتاج هذا الزواج ابنين هما بشير وعبد الله، فورثا العلم والفضل من أبويهما، فهل كان لهذين الابنين دور في تطوير التشريع الفقهي وغيره بعمان؟

يعد أبو المنذر بشير وعبد الله من العلماء البارزين في القرن الثالث الهجري، ولأبي المنذر بشير كتب عديدة تَدُلُّ دلالة واضحة على إضافات المدرسة الرحيلية وإسهاماتها في تلك الفترة إِلاَّ أن أكثر تلك الكتب قد فُقد. ومنها:

·    كتاب البستان: في الأصول.

·    كتاب المستأنف: وهو في التوحيد وأحكام القرآن.

·  كتاب الإمامة وأسماء الدار وأحكامها: وتوجد نسخة في مكتبة السيد محَمَّد بن أحمد البوسعيدي مخطوطة تحت رقم 1358.

·    كتاب الخزانة: ويذكر أَنـَّهُ كان في سبعين سفرا.

·  كتاب المحاربة: وتوجد نسخة منه في مكتبة السيد محَمَّد بن أحمد تحت رقم (77)، ونسخة بمكتبة وزارة التراث القومي والثقافة، ونسخة ثالثة بمكتبة العلامة إبراهيم بن سعيد العبري، ويتألف كتاب المحاربة من ثمانين بابا أولها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وآخرها في تفسير الحماية وجواز الجباية.

وندعو الله U أن ييسر لنا الوقت يوما من الأيام لنقدم دراسة تحليلية وإعطاء لمحة مفصلة عن أحد هذه الكتب، وأثرها في تطوير التشريع والفقه، وما هي مجالات التطور الذي عالجته؟.

أَمَّا العلامة عبد الله فإن إسهاماته تمثلت في آرائه العلمية والفقهية التي بُثَّت في مصادر الفقه الإباضي، وهذا يكفي دلالة على أَنـَّهُ من العلماء البارزين في عصره وإن لم يؤثر بأن له تأليفا مستقلا، ومن الدلائل التي نستشف منها أثر هذا العالم في ذلك العصر أَنـَّهُ كان خطيبا في صلاة الجمعة للإمام عزان بن تميم (277هـ-280هـ/ 890م-893م) وفي هذا دلالة على أن وفاته متأخرة عن وفاة أخيه بشير، وكان من نسل عبد الله ابنه أبو القاسم سعيد بن عبد الله بن محَمَّد بن محبوب، الذي تولى الإمامة في عمان أوائل القرن الرابع سنة (320هـ).

ومن هذا العرض الموجز الذي تقدم عن أسرة آل الرحيل يتبين لنا مدى دورهم الفاعل في إثراء الحياة العلمية بعمان، فكان لهم مدرسة علمية فقهية نمت في صحار من عهد محبوب بن الرحيل، وازدهرت في عهد ابنه محَمَّد وتتابع أبناؤه عليها، فاستقطبت كثيرا من طلبة العلم، وقد ساهم آل الرحيل في إثراء المكتبة العمانية التي ضاع الكثير من كنوزها، إِلاَّ أن بعض تلك المؤلفات مازال باقيا في المؤلفات التي ألفت في تلك الفترة من قبل العلماء الذين تخرجوا من مدرسة آل الرحيل ومن جاء بعدهم في العهود اللاحقة, إضافة إلى إسهامهم في الجانب السياسي إذ كانوا في مقدمة العلماء الذين ارتكزت عليهم شؤون الإمامة.

الخاتمة:

ما أود التنبيه إليه في خاتمه ورقة العمل هذه أن ما غاب من تراث عمان الفقهي أكثر مِمَّا بقي؛ إذ أدت العوامل السياسية السائدة في ذلك الوقت وغيره إلى تلف الكثير منه، إِمَّا بالحرق، وَإِمَّا بهدم المنازل عليه. ولا يُنسى الحريق الذي شب في ولاية نزوى في أوائل القرن الخامس أيام دخول بني بويه نزوى، فقد أتى على كثير من الكتب التي لا نظير لها، وكذلك في القرن السادس حرقت مكتبة العلامة ابن النضر التي كان بها مؤلفاته ومؤلفات أجداده. كما ذكر أن مكتبة الشيخ خلف بن سنان الغافري كانت تحتوي على تسعة آلاف وثلاثمائة وتسعين مخطوطا، ولا يعرف عنها شيء. كذلك الحريق الذي شب في الرستاق خلال القرن الثاني عشر أيام الخلافة اليعربية، فلله الأمر من قبل ومن بعد.

هذه بعض الإشارات الخاطفة، واللمحات السريعة، والخطوط العريضة، عن تطور التشريع الفقهي بعمان حَتَّى القرن الثالث الهجري، وإلا فإن البحث الدقيق العميق يقتضي التوسع والدقة أكثر مِمَّا كُتب، وعسى أن يقيض الله باحثا ينظر في ذلك نظرة فاحصة، يفصِّل فيها التطورات الفقهية حسب القرون.

وأخيرا نرفع أكف الضراعة إلى المولى U أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وأن يوفقنا إلى تطويره وتحسينه في مستقبل الأيام، وأن يغفر لنا خطأنا وزللنا فيه. ولا حول ولا قوة إِلاَّ بالله العلي العظيم.

المـراجـع:

ابن بركة، أبو محَمَّد عبد الله بن محَمَّد (ق4هـ): كتاب التقييد، بمكتبة الإمام نور الدين السالمي، ببدية، سلطنة عمان.

ابن جعفر، أبو جابر محَمَّد بن جعفر الإزكوي (ق3هـ): كتاب الجامع تحقيق: د. جبر محمود الفضيلات وزارة التراث والثقافة، بسلطنة عمان، 1414هـ/1994م).

ابن رزيق، حميد بن محَمَّد (ت: 1290هـ/1873م):
– الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أَئِمَّة عمان، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان 1405هـ/1984م.
– الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين، تحقيق: عبد المنعم عامر، ومحمد مرسي عبد الله، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1983م.

الإزكوي، سرحان بن سعيد (ق 2هـ):
– تاريخ عمان المقتبس من كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة, تحقيق: عبد المجيد حسيب القيسي، دار الدراسات الخليجية.
– كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، تحقيق ودراسة: أحمد عبيدلي طبع دلمون للنشر، نيقوسيا قبرص، 1405هـ/1985م).

إمام، محَمَّد كمال الدين: نظرية الفقه في الإسلام (مدخل منهجي)، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1418هـ/1998م.

البطاشي، سيف بن حمود بن حامد: إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، ط1، 1413هـ/1992م.

الجعبيري، فرحات بن علي: البعد الحضاري للعقيدة الإِبَاضِيَّة، مطبعة الألوان، مسقط، 1408هـ/1987م.

الجهضمي، زايد بن سليمان: حياة عمان الفكرية، مطابع النهضة، مسقط، 1998م.

الدرجيني، أبو العباس أحمد بن سعيد (ق7هـ): طبقات المشايخ بالمغرب، حققه وطبعه: إبراهيم طلاي، بدون مكان وتاريخ الطبع.

الراشدي، مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي: الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقهه (45-145هـ)، مطابع الوفاء بالمنصورة، مصر، 1412هـ/1992م.

الرقيشي، خلف بن أحمد (ق11هـ): مصباح الظلام، دار الوثائق والمخطوطات، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، رقم 52190.

السالمي، عبد الرحمن بن سليمان: السير العمانية كجنس أدبي ودورها في السياسة والتطورات العقائدية الإِبَاضِيَّة بالمشرق بالإشارة للوثائق الخاصة لخوارزم، وخراسان والمنصورة، رسالة دكتوراه، من جامعة درهم بالمملكة المتحدة.

السالمي، عبد الله بن حميد السالمي (ت: 1332هـ/1914م): تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان مكتبة الاستقامة، مسقط عمان، 1417هـ/1997م.

السهيل، نايف عيد جابر: الإِبَاضِيَّة في الخليج العربي في القرنين الثالث والرابع الهجريين.

السيابي، سالم بن حمود بن شامس السيابي:
– طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي، وزارة التراث القومي والثقافة مسقط، 1400هـ/1980م.
– عمان عبر التاريخ، وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، ط2، 1406هـ/1986م.

الشقصي، خميس بن سعيد بن علي الشقصي الرستاقي (ت548هـ/1153م): منهج الطالبين، تحقيق: سالم بن حمد بن سليمان الحارثي، وزارة التراث القومي والثقافة، عمان، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، 1979م.

الشماخي، أحمد بن سعيد بن عبد الواحد: كتاب السير، تحقيق: أحمد بن سعود السيابي، وزارة التراث القومي والثقافة، 1407هـ/1987م.

الصوافي، صالح بن أحمد:
– جابر بن زيد وآثاره في الدعوة، وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط.
– مقال «رجال من التاريخ»، نشر في حصاد أنشطة المنتدى الأدبي، سلطنة عمان، 1989-1999م، ص387.

العوتبي، سلمة بن مسلم الصحاري: الضياء، وزارة التراث القومي والثقافة، ط1411هـ/1991م.

غباش، حسين: عمان الديمقراطية الإسلامية، دار الجديد، بيروت، الطبعة الأولى، 1997م.

الكدمي، أبو سعيد محَمَّد بن سعيد: كتاب الجامع المفيد من جوابات أبي سعيد، وزارة التراث القومي والثقافة، 1405هـ/1985م.

الكندي، محَمَّد بن إبراهيم بن سليمان (ت508هـ/1114م): بيان الشرع، وزارة التراث القومي والثقافة، 1408هـ/1988م. انظر جزء 68، دار الوثائق، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، رقم: 80.

كولسوت. ن. ج: في تاريخ التشريع الإسلامي، ترجمة وتعليق: د. محَمَّد أحمد سراج، مراجعة: د. حسن محمود عبد اللطيف الشافعي، الطبعة الأولى، 1421هـ/1992م، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بلبنان، ص140-157.

مجهول: تواريخ العلماء ومعرفة أسمائهم وكناهم وبلدانهم، دار الوثائق والمخطوطات، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، رقم: 61.

المنذري، محَمَّد بن ناصر بن راشد: صحار وتاريخها السياسي والحضاري منذ ظهور الإسلام وحتى نهاية القرن الرابع الهجري، بحث لنيل شهادة الماجستير، إشراف: الأستاذ الدكتور عبد الرحمن سالم، 1421هـ/2000م.

ناصر، محَمَّد صالح:
– مكانة الإِبَاضِيَّة في الحضارة الإسلامية، الحلقة الثانية، ط. الأولى، 1413هـ/1992م، مكتبة الاستقامة.
– منهج الدعوة عند الإِبَاضِيَّة، مكتبة الاستقامة، مسقط، 1997م.

ندوة الفقه الإسلامي المنعقدة بجامعة السلطان قابوس سنة 1408هـ/1988م، ط1، 1410هـ/1990م.


([1]) سورة هود: 91.

([2]) سورة الإسراء: 44.

([3]) سورة الأنعام: 98.

([4]) سورة لقمان: 11.

([5]) سورة الجاثية: 18.

([6]) سورة المائدة: 48.

([7]) الكدمي: المعتبر، 2/152.

([8]) سورة النحل: 120.

 

* بحث مقدم لندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الثالث الهجري

الإمام محَمَّد بن محبوب الرحيلي نموذجا

المنعقدة خلال الفترة
الاثنين 30 شوال 1422هـ/ 14 يناير 2002م.
حتى 2 ذي القعـدة 1422هـ/ 16 يناير 2002م.

وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – سلطنة عُمان

 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك