حياة الإمام محَمَّد بن محبوب القرشي العماني وعصره- الجزء الثالث

المحور الثالث: محَمَّد بن محبوب في مكة

إن ما بين أيدينا من المصادر المشرقية لم تقف عند إقامة الرحيليين بالحرمين الشريفين سوى ما نقله كتَّاب السير من المغاربة عن أبي سفيان محبوب بن الرحيل نفسه من كتابه المفقود في السير، ذاك الكتاب الذي كانوا يتناصحون بدراسته كما جاء ذلك عن الإمام أفلح بن عبد الوهاب الرستمي (231- 281هـ/855-894م)، حيث كان يقول: «عليكم بدراسة كتب أهل الدعوة، ولا سيما كتاب أبي سفيان»([1]).

ولا يخفى على أي باحث في السيرة الإِبَاضِيَّة أن كتاب أبي سفيان هذا كان عمدة المغاربة والمشارقة في التعريف بنشأة المذهب وبعلمائه الأُوَل، كما ذكرنا ذلك في مطلع ترجمتنا لولده محَمَّد بن محبوب هذا([2]).

وقد لعب الوالد دورًا في الربط بين المشرق والمغرب، كما أثبت نص ابن سلام([3]) ذلك.

واستمر هذا الرباط وثيقًا مع ابنه محَمَّد بن محبوب الذي كان رأس الإِبَاضِيَّة بعد أبيه، وكانت إقامته بمكة، وبها التقى بعمروس بن فتح (283هـ/896م)([4]) من علماء جبل نفوسة([5])، هذا اللقاء ما فتئت مصادر الإِبَاضِيَّة تنوِّه بقيمته العلمية: «وذكروا أن عمروسًا وأصحابه توجهوا إلى بلاد المشرق حجَّاجًا، فَلَمَّا نزلوا مكة وجدوا فيها محَمَّد بن محبوب ـ رحمه الله ـ، فسلموا عليه، فهش بهم وقربهم من أجل الجنس، دون معرفة الأشخاص، فَلَمَّا تبوؤوا مقاعد المذاكرة، سأل عمروس أبا عبد الله عن مسألة، فقال ابن محبوب: إن كان أبو حفص في شيء من هذه البلاد فلا يصدر هذا السؤال إِلاَّ عنه، ولا يَرِدُ إِلاَّ منه، فقالوا له: إِنَّهُ هو السائل، فرفع ابن محبوب مجلس عمروس لما عرفه، وزاد في مجلسه، ثُمَّ جعل عمروس يسأل في مسائل الدماء عن مسألة بعد مسألة، حَتَّى قال له ابن محبوب: هذا من مكنون العلم لا يعلن به في قوم جهال، فعند ذلك قال عمروس لأصحابه: احفظوا السؤال وأحفظ لكم الجواب، حَتَّى نُقدِم على إخواننا فنخبرهم بما حفظنا، ففعلوا.

فَلَمَّا قدموا البلاد قال لهم عمروس: هلم ما تكلفتم به فقالوا له: “لم نحفظ شيئًا سوى قولك: احفظوا المسائل لنرد بها على إخواننا”. ثُمَّ إن عمروسًا أعادها مسألة فمسألة عن آخرها»([6]).

تلك ثمرة من ثمرات قيام إمام الظهور في تاهرت([7]) مع الدولة الرستمية في المغرب، وفي نزوى بعمان. إِنَّهَا شجرة العدل تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

إن لقاءًا بين رجلين من أهل العلم هنا وهناك يَدُلُّ على نهضة علمية واضحة المعالم في محيط أهل الدعوة.

ذاك هو تواضع عمروس يجلس بين يدي محَمَّد بن محبوب جلسة من يريد أن يستفيد، إِنَّهَا شيمة العالم الذي يمتثل لأمر الله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾([8])، ويدرك أن فوق كل ذي علم عليما.

ومعلوم أن حقيقة السؤال تَدُلُّ على درجة السائل، وما كان ذلك ليخفى عن محَمَّد بن محبوب، إِنَّهُ أدرك أن مثل هذا السؤال لا يمكن أن يصدر إِلاَّ عن رجل ضليع، ولن يكون ذلك من هذه الجماعة من أهل المغرب إِلاَّ من عَلَم من أعلامهم، ولم لا يكون عمروس بن فتح؟ وقد بلغته الأخبار من قبلُ عن تفقهه في الدين، ولعله وصلته بعض رسائله أو كتابه في العقيدة والفقه المعروف بالدينونة الصافية.

وهكذا قبل أن يرتقي مستوى المحاورة لم يكن محَمَّد بن محبوب إِلاَّ أن نزَّل عمروسًا المنزلة التي تليق به في المجلس. إِنَّهُ صِنوُهُ بدون منازع، فليكن بجانبه حَتَّى لا يكون بصفِّ الذين يطلبون التفقه.

إِنَّهَا محاورة تقطف من العلم ثماره، وتجني منه ما خفي من المسائل في الدماء وغيرها، وقد سبق أن أشرنا إلى ما لقضية الدماء من قيمة في الفقه الإسلامي.

وهناك لم يكن من ابن محبوب إِلاَّ أن صرح بأن هذه المسائل من مكنون العلم، نعم إِنَّهَا دقائق المسائل التي يَحسُنُ أن تُتناول في المجالس الخاصة، كما كان الأمر في حلقات أبي عبيدة في البصرة.

وهكذا يغتنم عمروس الفرصة، ولعل بعضًا من الحاضرين قد ظل حاضرًا لمجرد التبرك، ويكون الحوار بمثابة التشاور فيما يخفى من القضايا؛ حَتَّى يطمئن كل منهما إلى رأي الآخر.

ويالها من حافظة لدى الرجلين، وإن ألحَّ النصُّ على حافظة عمروس فقط إذ أعاد كل ما كان بينه وبين ابن محبوب من حديث صغر أو كبر عند وصوله إلى جبل نفوسه.

أَمَّا محَمَّد بن محبوب فلا نشك في أَنـَّهُ قد استوعب كل ذلك، وهو في مركز المسؤول.

وبهذا يتجلى التلاقح بين جناحي المدرسة الإِبَاضِيَّة: مغربًا ومشرقًا، وذاك ما سيدأب عليه الإِبَاضِيَّة عبر الزمان، كما بينا ذلك في بحثنا عن العلاقة بين إِبَاضِيَّة عمان وإِبَاضِيَّة المغرب([9]).

ولا شك في أَنـَّهَا كانت لقاءات أخرى ومحاورات، ومراسلات من هذا القبيل، ومن صنف آخر، لكن المصادر لم تسعف بذلك، وطمست تلكم الأخبار مع جملة ما انطمس من الآثار.

وبعد هذا لم يبق إِلاَّ أن نقف عند مؤلفات محَمَّد بن محبوب.

المحور الرابع: مؤلفات محَمَّد بن محبوب

1) كتاب في الفقه:

لقد قدَّرنا أن محَمَّد بن محبوب عاش سبعين عامًا، فيكون قد اشتغل بالتأليف من الثلاثين من عمره على أقصى تقدير، أي في حدود سنة 220هـ/835م.

وإذا علمنا أَنـَّهُ تولى القضاء في العقد الأخير من عمره، وقد يشغله بعض الشَّيْء عن الكتابة، وإن كان في بعض الأحوال يفسح له المجال لزيادة التوسع في الكتابة، والتحري فيها، لما يعايشه من قضايا الأمة.

فعلى أقل تقدير يكون محَمَّد بن محبوب قد تفرَّغ تفرُّغًا تامًّا للتأليف من نهاية العقد الثاني من القرن الثالث للهجرة/ التاسع الميلادي، إلى سنة 249هـ/863م، سنة توليه القضاء، إن اعتبرنا أَنـَّهُ مشغلة عن التفرغ للكتابة، فيكون قد قضى ثلاثة عقود من عمره في تحري المسائل وتدوينها.

فلا غرابة حينئذ أن تنسب إليه المصادر العمانية تأليف كتاب في الفقه في سبعين جزءًا، فيكون ذلك بمعدل جزأين وزيادة في العام. ولعل معترضًا يقول: إِنَّهَا أجزاء صغيرة، ولكن الواقع في ما نعلم من المؤلفات العمانية التي ظهر نصيب منها للوجود، لم يكن تعداد الأجزاء فيها ضربًا من المبالغة، وَإِنَّمَا كان حقيقة واضحة للعيان لا يمكن أن يجادل في شأنها مجادل([10]).

وإن ما وصل إلينا من القليل مِمَّا نسب إلى محَمَّد بن محبوب يثبت أَنـَّهُ قادرٌ على إنجاز تأليف كهذا وأكثر، ذاك أن المحيط الإباضي خاصة، والمحيط الإسلامي عامة يسمح بإنجاز تأليف بهذا الشكل. فأبواب العلوم الإسلامية عديدة، وحاجة الأمة إلى حلول مشاكلها أكيدة، فليس للعالم إِلاَّ أن يجلس لكتابة العلم بهمة، فلا تقف أمامه حدود، وذاك ما كان عليه ابن محبوب، ونحن نعلم أَنـَّهُ جمع من الزاد ما يمثل عصارة جهد المدرسة الإِبَاضِيَّة متمثلاً في ما تجمَّع لدى والده وبقية حملة العلم إلى عمان من رصيد علمي ضخم، مع استقرار الأمن، واستقامة إمامة الظهور في ربوع عمان.

كل ذلك يجعلنا لا نشك في ما نسب إليه من مثل هذا التأليف، وعسى ربنا تعالى أن يجود بهذا المؤلف ليزيد المدرسة الإِبَاضِيَّة أصالة إلى أصالتها، ويدفعها على الثبات أمام عوادي الزمن، ويدفع بقية المدارس الإسلامية لتتعانق في ما بينها، فتستمد قوتها من أصالة هذا الماضي العريق؛ حَتَّى تتهيأ لمستقبل نَـيِّر تكون فيه كلمة الله هي العليا.

ومما يؤكد ذلك أن الجزء السادس من هذا الكتاب كان موجودًا بجزيرة جربة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي.

جاء في طبقات الدرجيني ما يلي: «وكان أبو محَمَّد ويسلان([11]) (أول من رُتِّبت عليه حلقة العزابة)([12]) يقرأ على أبيه مختصر ابن محبوب، فكان أبو صالح([13]) يقول: “هذا كلامُ محقِّق، فقيه، أصولي، ولم يقع منه هنا إِلاَّ الجزء السادس وهو سبعون جزءًا”»([14]).

كما أن هذا الجزء كان متداولاً في القرن التاسع/15م، إذ يذكر البرَّادي ما يلي: «وكتاب محَمَّد بن محبوب، وقفت على جزء واحد من أجزائه، وجملته سبعون جزءًا، أذكر ذلك عن الشيخ أبي صالح بكر بن قاسم اليهراسني».

وفي مخطوطة أخرى من نفس الكتاب جاء النص كما يلي: «وكتاب محَمَّد بن محبوب، يذكرون أَنـَّهُ سبعون جزءًا، ورأيت أنا فيه جزءا واحدًا، ومؤلفه من أهل القرن 3هـ/9م»([15]).

وفي هذا القدر كفاية للدلالة على وجود هذا الكتاب ونسبته إلى أبي عبد الله محَمَّد بن محبوب.

2) سيرة محَمَّد بن محبوب لأهل المغرب:

إن كلمة «السيرة» في المصطلح العماني لا تعني ترجمة ذاتية مثلاً أو ذكر أخبار كما توهم بذلك اللفظة، وَإِنَّمَا هي أشبه بالرسالة([16]).

وهي هنا فعلاً رسالة جاءت جوابًا على مجموعة من الأسئلة الواردة من أهل المغرب.

وهذه السيرة مخطوطة تقع في ست وعشرين صفحة (26ص) من الحجم المتوسط: 19.5×10.5سم، مسطرتها: 25 سطرا، بخط مشرقي واضح، من ص118 إلى ص144 بنسخة من السير العمانية مصورة من نسخة الدمام، وقد صورتها عن نسخة الشيخ الناصر المرموري القراري([17]).

لقد عالجت هذه السيرة ثلاثًا وخمسين مسألة موجهة من أهل المغرب للشيخ محَمَّد بن محبوب، وقد جاء الجواب عن هذه المسائل واحدة بعد أن دعا الأمة إلى الالتزام بمسالك التقوى في خطبة السيرة وبيَّن فيها حسن أحوال الجماعة بالمشرق والمغرب.

وهذا نص خطبة السيرة:

«إلى جماعة ممن كتب إليه من المسلمين من أهل المغرب، من محَمَّد بن محبوب.

سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إِلاَّ الله حمدًا كثيرا، وهو لذلك أهل، وأسأله الصلاة على النبي e تسليما.

وأوصيكم ونفسي بتقوى الله وذكره كثيرًا، وذكر ما أنتم إليه صائرون، وعليه موقوفون، وعنه مسؤولون، وأحثكم على طاعة الله، والمحافظة على ما استحفظكم عليه من أمانته، وافترض عليكم من عبادته، بإتيان ما به أمر، والانتهاء عَمَّا منه زجر، في ما أخذ عليكم في الميثاق، ورضي لكم به من الأخلاق، من ترك المحارم، والكف عن المظالم، واجتناب الكبائر، والعمل على البصائر، آناء الليل والنهار، والعلانية والإسرار، فإن ذلك أحق ما كنتم له طالبون، وفيه راغبون، وعليه مواظبون، قبل انقطاع آمالكم، وحلول آجالكم، وما توفيقنا وإياكم إِلاَّ بالله»([18]).

الإعلام بوصول الكتاب وشكر الله على حسن الحال:

«أَمَّا بعد، وهب الله لنا ولكم العصمة، ومنحنا وإياكم الحكمة، ونجانا وإياكم من النار، ومن المصير إلى دار البوار.

كتبت إليكم ـ رحمنا الله وإياكم ـ وأنا ومن قبلي من الخاصة والعامة من المسلمين بأحسن حال وأتم نعمة، وأجمع كلمة، ونحمده على ذلك وعلى كل حال.

وقد وصل كتابُكم السارُّ لي من خبر سلامتكم وحالكم، وجميل صنع الله لكم، وآلائه عندكم، فحمدت الله على ذلك، وسألته المزيد لنا ولكم من كل فضل عتيد، وإن ربنا واسعٌ مجيب»([19]).

نماذج من الأجوبة:

انطلقت الأجوبة هكذا:

«وسألتم رحمنا الله وإياكم، في كتابكم عن الذي بلغكم عن الإمام والوالي والساعي، إذا وصلت إلى أحد منكم زكاة منهم، زكاة أموال المسلمين في جميع ما فرضها الله، وقسموا نصفها على الفقراء، والنصف اتخذوه وجعلوه دولة بين قرابتهم وعشائرهم وأهل ودهم وخواصهم هل ترى ذلك جائزًا؟

ثُمَّ يأتي الجواب([20]).

وعند التحول إلى السؤال يتكرر حرف الجر «عن»، مذكور بـ: «سألتم عن» في أغلب الأحوال، سوى في بعض المسائل المتولِّد بعضُها عن بعض.

المسائل العلمية:

ولقد غلب على هذه الأجوبة طابع التحاليل العملية وجاءت محاورها كالآتي:

1) مسائل تَتَعَلَّق بأمر الزكاة: ومحورها يتمثل في الجور فيها من حيث الجمع، أو من حيث التوزيع، مع التحري فيما يَتَعَلَّق بجمع الجبابرة لها، وهي المسائل الأولى من السيرة.

2) 29 مسألة تَتَعَلَّق بالإمام: في سيرته في حد ذاته، وفي علاقته بالرعية في وقوفه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي علاقة الرعية به من حيث احتسابها عليه، مع إبراز حدود كل من الطرفين في علاقته مع الآخر، وفي كل ذلك يقع الإلحاح على موجبات الولاية والبراءة والوقوف في جميع هذه الأحوال.

نموذج من مثل هذه القضايا:

الموضوع: إشكالية إمكانية وجود إمامتين في نفس الوقت.

متى يتلقب الإمام بأمير المؤمنين؟.

السؤال: «… وعن الذي فعله أهل عمان وأهل المغرب أَنـَّهُم عقدوا الإمامة يومئذ لعبد الله بن يحيى t، وذلك في زمان أبي عبيدة مسلم، وعن رأيه كان ذلك مع عقد أهل المغرب لأبي الخطاب ثُمَّ ابن رستم من بعده، ثُمَّ عبد الوهاب بعد ذلك([21]).

وقلتم: جاء في الحديث أن عمر بن الخطاب ـ رحمه الله ـ قال يوم كانت خلافة أبي بكر: «إن الله واحد والإسلام واحد، ولا يستقيم سيفان في غمد واحد، ولا تجوز الأمور إِلاَّ على واحد» أو كما قال. وما روت بعض العلماء أن رسول الله e قال: «إذا رأيتم أميرين فاضربوا عنق أحدهما» أو كما قال([22]). إنكم أحببتم علم ذلك، فكيف قول المسلمين ومذاهبهم في هذه الوجوه؟.

وهل يقال: لهم إمامان جميعًا كل واحد منهما في مكانه إمام، أم يجب على أحدهما إجابة الطاعة لمن كان عهد إمامته أم لا؟

وإن كان ذلك جائزًا فهل على أهل عمان الرضا على إمامة المغربي وولايته، وكذلك أهل المغرب يجب عليهم الرضا بإمامة العماني وولايته؟ وهل يقال لِكُلِّ واحد من هذين الإمامين أمير المؤمنين في نفسه، أم هو إمام مدافع؟

الجواب:

فاعلموا ـ رحمنا الله وإياكم ـ أن الذي سألتم عنه من هذا قد مضى فيه الأثر من أَئِمَّة المسلمين العلماء بكتاب الله وسنة رسوله e، وآثار أَئِمَّة الهدى قبلهم رحمهم الله.

فَأَمَّا ما ذكرتم من الحديث عن النبي e فهذا يجوز على معنى ما رأيتم إمامين فاضربوا عنق أحدهما إذ لا بد أن يكونا إمامين متضادين، ولا يكون الإمامان المتضادان إِلاَّ مهتديًا وضالاً، وعادلاً وجائزا، إِنَّمَا يؤمر بضرب المبطل الجائر الضال، وذلك عدل وحق، ولا يجوز على رسول الله e أن يكون يأمر بضرب عنق إمام عادل يتبع كتاب الله ويقفو سنة نبيه، فيكون يقول: إذا رأيتم إمامين يتبعان كتاب الله وسنتي فاضربوا عنق أحدهما. هذا لا يجوز على رسول الله e.

وَأَمَّا قول عمر فهو كما قال رحمة الله عليه، إن الله واحد والإسلام واحد، ولا يستقيم سيفان في غمد واحد، لعله يعني: إمامين، وكذلك قال المسلمون: لا يجتمع إمامان في مصر، وَإِنَّمَا ذلك إذا كانا في مِصر واحد فلا يكون للمسلمين إِلاَّ إمام واحد، وكذلك كان المسلمون في العقد لعبد الله بن يحيى t، ولم تكن تحل إمامة آخر معه لأن السمع والطاعة كانت له حقًّا عل كل امرئ، ولم يكن لمؤمن أن يخرج من عقد إمامته ويدعيها لنفسه.

فَلَمَّا زالت إمارة المؤمنين وولي أمر الإمارة الجبابرة والجورة على عباد الله وفي بلاده، ومضى أهل الإسلام وتفرقوا في الأمصار حلَّ لِكُلِّ مسلم أن ينكر المنكر، ويأمر بالمعروف، فإذا كان الخروج له حلالاً، واسم الإمامة له حلالاً ما لم يكن في مُلْكِ إمام قبله، وكان كل إمام خرج في موضعه كان إمامَ أناسه وبلده، وكانت ولايته واجبة على المسلمين إذا علموها، فيتولى كل واحد من الأَئِمَّة الآخر من مواضعهم، وليس على أحد منهم الانقياد لصاحبه أن يكون عاملاً له، ما لم تتصل أمصارهم وحكمهم فيها، أو لم يكن أحد منهم من الجبابرة ما لم تجز الإمامة إِلاَّ لواحد كان، وعلى الأَوَّل والآخر أن يردَّا ذلك إلى المسلمين، فيختار المسلمون لأنفسهم إمامًا، فإن اختاروا أحدَهما كان على الآخر أن يسمع له ويطيع، وإن انقاد أحدهما لصاحبه وأسلم الإمامة إليه كان وليَّها، إِلاَّ أن يكرهه أهل العلم الذين إليهم عَقْدُ الإمامة من أحد الفريقين، ويردَّ ذلك إلى الشورى.

وقد بلغني عن والدي محبوب بن الرحيل ـ رحمه الله ـ أَنـَّهُ حمله عنه ذلك بعض أشياخنا أَنـَّهُ ذكر له ذلك في أَئِمَّة عمان وحضرموت، فقال: الأَئِمَّة في الأمصار، وكل إمام في مصره، فإذا اتصل حُكْمُ المسلمين كانت شورى بين المسلمين.

ولا يجوز أن يسمى أمير المؤمنين؛ لأَنـَّهُ اسم جامع للمؤمنين في كل الأمصار، كما لا يجوز أن يقال: أمير الناس كلهم وإمامهم، إِلاَّ أن يملك جميع أرض الإسلام، فحينئذ يكون أمير المؤمنين، ويكون على كل إمام أن يسمع له ويطيع، وتبطل الإمامة عنه.

فهذا ما عليه المسلمون، وهذا حفظي عن أشياخ المسلمين، وقولي أدين به من دين ربي، فاتبعوه لعلكم تهتدون.

وفقنا الله وإياكم للعدل والصواب والحكمة وفصل الخطاب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على محَمَّد النبي، وu ورحمة الله وبركاته»([23]).

نعم، إِنَّهَا مشكلة الساعة آنذاك، فبعد أن كان الكل في طور الكتمان تحت لواء الإمام أبي عبيدة في البصرة، فرض عليهم الواقع أن يعلنوا إمامة الظهور في اليمن، ثُمَّ في طرابلس، مع وجود ملك آخر قائم في دمشق، فكيف يكون الحل؟ ذاك هو ما حير أهل المغرب، ويبدو في الظاهر كَأَنـَّهُ يصطدم مع حديث للرسول e وقولة لعمر.

وهنا يتصدى محَمَّد بن محبوب للإشكال بِكُلِّ رصانة وهدوء، وبُعد نظر ودقة واستدلال، فيبين كيف يجب أن يفهم حديث رسول الله e، ملحًّا على أن الأمر يَتَعَلَّق بوجود جائر وعادل، فضرب عنق الجائر واجب.

أَمَّا قول عمر فعين الصواب، ويكون الأمر مشروطًا بالمصر، إذ لا سبيل إلى قيام إمامين عادلين في مصر واحد.

أَمَّا إمرة المؤمنين قاطبة فلا يصح التلقب بها إِلاَّ لمن كان ـ مثل أبي بكر وعمر ـ مالكًا لأهل القبلة جميعا.

ثُمَّ بعد ذلك يفصل القول في ما صار إليه أمر المسلمين حيث تحولت إمرة المؤمنين إلى ملك عضوض. هنالك وجب الخروج على الجبابرة؛ وبهذا يكون كل من خرج إمام ناسه في مصره.

وعند تعدد مثل هؤلاء الأَئِمَّة في الأمصار، على كل منهم أن يتولى الآخر من موضعه.

أَمَّا إذا اتصل المصران أو الأمصار فوجب أن يسلِّم الواحد للآخر، أو الاثنان للواحد، أو الكل لواحد، إذ يكون المصر واحدًا… فإن استقام هذا بالاتِّفَاق فذاك ما ترجوه الأمة، وقد لا يرتضيه أهل الحل والعقد، فيرجع الأمر شورى.

أَمَّا إن لم يستقم الاتِّفَاق فيرجع الأمر إلى أهل الحل والعقد من المسلمين.

فَإِمَّا أن يختاروا أحدهما أو أحدًا منهم، فعلى الآخر أو الآخرين أن يسمعوا ويطيعوا.

وَأَمَّا أن يختاروا شخصًا آخر فعلى الكل أن يسمع ويطيع.

وبعد كل هذا التحليل يستدل بما نقل عن أبيه في هذا الشأن، وهو مدعِّم لِكُلِّ ما ذهب إليه وملخصه:

1- جواز وجود إمامين، بشرط اختلاف الأمصار وتباعدها، فكل إمام في مصره.

2- لا يلقب أمير المؤمنين إِلاَّ من يملك جميع أراضي الإسلام.

أَمَّا الخاتمة فجاءت تقريرًا قطعيا لما وصل إليه من نتيجة، ودعوة صريحة لأهل المغرب لاتِّباعها: «وقولي أدين به من دين ربي، فاتبعوه لعلكم تهتدون».

نعم، يَعتبر ابن محبوب أن الهداية تكمن في اتباع هذا المسلك الذي استقر في رأيه واعتقده دينًا من دين الله تعالى، والملاحظ أن هذه المسألة هي مسك الختام؛ لذلك توِّجت بالدعاء بالتوفيق للجميع و«للعدل والصواب، والحكمة وفصل الخطاب» مع الصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

إنَّ هذا الذي وصل إليه ابن محبوب، وهو نابع من صميم الواقع الإباضي آنذاك، مع ما جاء قبله من مواقف وأقوال في شأن الإمامة سيكون دعامة لنظرية الإِبَاضِيَّة في هذا الشأن، ولا يخفى على أحد اختلاف وجهات نظر الفرق الإسلامية في شأن هذه المسألة التي دوَّخت المسلمين، وما تزال تدوِّخهم وتدوِّخ العالمين.

3- جل المسائل الباقية: تتعلق بأحوال العمال، وحسن اضطلاع القضاة بمهمة القضاء، وما يطرأ في ذلك من الرشوات، أو قبول الهدايا، أو التحري وعدمه بالنسبة إلى البينة والشاهدين، ومن ذلك:

* المسألة 10: (ص124): حكم العامل إذا كان لا يعمل إِلاَّ برأيه دون الاستناد على علم وأثر.

عناصر الجواب:

لا يعذر من يركب معصية بجهل. الرأي تسبقه مراحل. تحديد شروط المجتهد. إنفاذ الرأي لا بد أن يكون عن علم أو عن استشارة من يعلم.

* المسألة 26 و27 (ص131): كيف يعامل من يجبي المال للجبابرة لا يوليه المسلمون أماناتهم، ثُمَّ يستتاب، فإن تاب وإلا سقطت ولايته عند المسلمين.

ولمزيد الاطلاع يمكن أن ينظر: في المسائل التالية:

– المسألة عدد 28، ص131.

– المسألة عدد 37، ص135.

– المسألة عدد 38، ص135.

– المسألة عدد 42، ص137.

– المسألة عدد 48، ص139.

هذا عن المسائل العملية فماذا عن المسائل النظرية؟

المسائل النظرية:

* المسألة عدد 39 (ص136): العقد للإمام:

السؤال: وعن عقد الإمام كيف هو؟ وهل ذلك كلام معروف عند المسلمين؟

الجواب: فالذي أدركنا عليه أسلافنا وأئمتنا في ديننا إذا عقدوا لأئمتهم بايعوهم على طاعة الله، وطاعة رسوله e، وعلى الشراء في سبيل الله، واتباع آثار أَئِمَّة الهدى، ومشاورة أهل العلم في أمر الله.

وله الطاعة على المسلمين ما أطاع الله ورسوله من بعد أن يكون عندهم أهلا للإمامة، أمينًا على ما قلدوه من أمر الله، وائتمنوه عليه من أمانة الله، وعلى الرعية والذين يلون عقد الإمامة خاصة المسلمين، وليس ذلك لعامتهم، إذ يتولى ذلك الخاصة، وكذلك هو عندهم أن أَمْرَ عَقْدِ الإمامة للخاصة العلماء والأشياخ دون العامة.

* المسألة عدد 44 (ص137): تعريف العدل والعدالة.

* المسألة عدد 10 (ص124): تحديد شروط المجتهد، وذلك عن الإجابة عن سؤال يَتَعَلَّق بحكم العامل الذي يعمل بما بدا له دون أن يكون عالِمًا بالنصوص:

«وَإِنَّمَا يجوز النظر بالرأي للحاكم ولمن يشاور فيه من العلماء، إذا كان وكانوا على ما وصفت لكم، من العلم بكتاب الله وأحكامه وأقسامه، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وسنة رسول الله e، وآثار أَئِمَّة الهدى العلماء؛ فإذا كان وكانوا كذلك جاز لهم الرأي إذا اجتهدوا فيه وقاسوه على الكتاب أو السنة، أو الأثر، فرأوه أشبه بالحق جاز لهم النظر بالرأي، وإذا لم يكن ولم يكونوا كذلك لم يجز له ولا لهم الرأي».

هذا ما جاء من الأجوبة في هذه السيرة، وقد تبينا أن الجانب النظري قليل إذا قورن بالجانب العملي، وذلك هو شأن الأجوبة، إذ يكون العالم جادًّا في البحث عن الحلول، وهذا يتطلب مزيدًا من التحليل والتعليل. على أن كل هذا سيكون دعامة لمن سيتولى التنظير لهذه القضايا في المدرسة الإِبَاضِيَّة في ما بعد.

التحليل الحضاري لهذه المسائل:

إن التحليل الحضاري لما جاء في هذه السيرة من المسائل يثبت أن البيئة الإِبَاضِيَّة في المشرق والمغرب عرفت من التعقيد الحضاري الشَّيْء الكثير، وذلك أن الخلاف الداخلي دب فيها، وهو من أكبر عوامل الوهن، إلى جانب ما تواجهه على الجبهة الخارجية من ضغط الدولة العباسية الناشئة، وهو ما وقعت الإشارة إليه في شأن التعامل مع الجبابرة.

وكتب السير المغربية تثبت أن فتنة النُّكَّار والخلفية([24]) قد زعزعت كيان المحيط الإباضي في المغرب، وأثارت فيهم عديدًا من الشبهات، إلى حد أن النكار يلقَّبون بالنجويَّة لكثرة إثارتهم لهذه الشبهات حول الإمام نفسه، وحول عمَّاله وقضاته، وذلك هو شأن المعارضة، مِمَّا جعل أصحاب الرسالة يتحرَّون الإجابة من المشارقة في مثل هذه المسائل الدقيقة.

كما أن عمان هي الأخرى عرفت ضربة قاسية من الجبابرة بعد سقوط إمامة الجلندى بن مسعود، ومثل هذا المحيط بما فيه من الصراع الداخلي من شأنه هو الآخر أن يثير عديدًا من القضايا في ما يَتَعَلَّق بأولي الأمر، خاصة وأن الفكر الإباضي اتسم من يومه الأَوَّل بالتحرِّي الكبير مع هؤلاء، وكانت ثورتهم حيثما قامت ثورة على الظلم والظالمين، مهما قلَّت نسبة هذا الظلم.

أَمَّا بلاد اليمن فقد ظلت تصارع بين الكتمان والظهور، بعد الضربة التي منيت بها حركة طالب الحق التي كانت طموحة إلى الإطاحة بالأمويين، والوصول إلى إمرة المؤمنين.

والملاحظ أن كل هذه الإجابات جاءت مدعَّمة بقضيَّة الولاية والبراءة؛ ذلك أن كل من تثبت عليه معصية من المعاصي المشار إليها في المسائل يستتاب، فإن تاب في بعض الأحيان تقبل توبته ويبقى على ولايته الأولى، وفي بعض الأحيان حَتَّى وإن تاب يخلع، أَمَّا إن لم يتب وأصرَّ فالخلع، ويصل الأمر إلى المحاربة والقتل، وفعلاً لقد كان وما يزال نظام الولاية والبراءة الشخصية الدرع الحصين في البيئات الإِبَاضِيَّة الملتزمة.

هذه بعض الملامح عن البعد الحضاري لسيرة محَمَّد بن محبوب لأهل المغرب وهي في الحقيقة ما تزال في حاجة إلى التحقيق، وإلى دراسة تحليلية ضافية، لِمَا طفحت به من القضايا السياسية والفقهية والأصولية، يعتمد فيها صاحبها على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وعلى مواقف أَئِمَّة الإِبَاضِيَّة وعلمائهم؛ ولذلك تتكرر في السيرة صيغة: «كما أمر كتاب الله تعالى ورسوله e»، وصيغة: «واعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي أدركنا عليه علماءنا وأسلافنا»، وما شابهها مثل: «على ما مضى عليه أوائلنا وأسلافنا».

3) العهد المرسل إلى الغزاة الذين توجهوا للدفاع عن سقطرى([25]):

يقول السالمي: «ووجد بخط الشيخ أبي عبد الله محَمَّد بن إبراهيم بن سليمان، مكتوبًا في بعض الكتب أَنـَّهُ عن أبي عبد الله بن محبوب ـ رحمه الله ـ([26]).

ويورد السالمي نص هذا العهد على أَنـَّهُ منسوب إلى الإمام الصلت بن مالك.

وليس لي في هذا التعريف المتواضع لمحمد بن محبوب أن أرجِّح بين الموقفين اللذين لم يرجِّح بينهما السالمي على جلالة قدره، وسعة علمه، وحسن اطلاعه على الآثار العمانية، وقدرته على التمييز بين النصوص وتمحيصها.

وَإِنَّمَا أحببت أن أنقل هذا الخبر الذي لم يغفل السالمي عن ذكره عسى أن يقع الوقوف في المستقبل ـ إن شاء الله تعالى ـ عند هذا النص، مع مقارنته بنصوص أخرى من كتابات الرجلين، للوصول إلى تحمل المسؤولية الأدبية بالدليل القطعي في نسبته إلى أحدهما؛ لأن كلا منهما أوتي من العلم ما يمكنه من تدبيج مثل هذا العهد.

وهو عهد ينهل من معين الشريعة الصافي بالنسبة إلى فقه شؤون الجهاد في سبيل الله، فيما يَتَعَلَّق بقيادة الجيش وأحوالها، وعلاقاتها مع المجاهدين، وفيما يَتَعَلَّق بطريقة معاملة العدو، وفيما يَتَعَلَّق بأحوال نتائج ذلكم الجهاد وما يحصل عنه من نصر وغنائم، أو ما يحصل عنه من تراجع مؤقت أو انهزام؛ لأن الهزيمة واردة كما أن النصر وارد.

وعسى أن يمن الله بفرصة لمزيد الوقوف عند هذا العهد الذي نلمس خلاله أثر خطب الأَئِمَّة الأُوَل، وخاصة منها خطب الإمام طالب الحق وقائده أبي حمزة الشاري([27])، ذاك هو قانون الجهاد في سبيل الله كما نظر إليه الإِبَاضِيَّة وعملوا به في كل معاركهم، مهما كلفهم من ثمن.

الخاتمـة

إن هذه المغامرة في اقتفاء أثر محَمَّد بن محبوب بن الرحيل القرشي العماني لم تصل بنا إلى متاهة والحمد لله. إذ علمتنا التجربة أن أخبار علماء السلف نادرة، ذاك أَنـَّهُم يسعون إلى إخفائها خشية الوقوع في الرياء والغرور، تلك سمة تكاد تكون قارة في الحضارة الإسلامية عامَّة، وعند الإِبَاضِيَّة خاصَّة؛ وذلك لأَنـَّهُم مطارَدون غالبًا، ويعيشون في حالة كتمان. بل إِنـَّهَا مغامرة مكنتنا من المرور على أخبار الإِبَاضِيَّة من نشأتهم الأولى منذ انفصالهم عن المحكِّمة سنة 64هـ/683م، حيث اختاروا القعود والبناء الداخلي، وانتظار الفرصة السانحة للظهور. وقد اختاروا البصرة منطلقًا لدعوتهم وأنشؤوا هناك حركة علمية دعوية متجذِّرة في أصولها، تواقة لمستقبل يرنو إلى سياسة العالم الإسلامي سياسة العُمَرين، وكاد يتحقق لهم ذلك بوصول أبي حمزة الإباضي إلى الحرمين الشريفين، والانطلاق من هناك إلى دمشق حيث كانت الخلافة الأموية تحتضر، لَكِنَّهَا رغم احتضارها هذا استطاع مروان بن محَمَّد الجعدي (72-132هـ/792-850م) آخر خلفائها أن يئد هذه الحركة قبل أن تدرك مبتغاها، إِلاَّ أَنـَّهُ نال وخلافته ما تناله الدول الهرمة من غلبة الخلافة العباسية الناشئة.

كما مكنتنا مغامرتنا هذه مع محَمَّد بن محبوب من أن نتابع مسيرة الإِبَاضِيَّة حيث ظلوا يقيمون الإمامات الواحدة تلو الأخرى، إلى أن تمكنوا من إقامة الإمامة الثانية بعمان، هذه الإمامة التي عاش في كنفها محَمَّد بن محبوب هذا، إذ أثبتت المصادر العمانية وفاته بِكُلِّ دقة في 3 محرم 260هـ/ 29 أكتوبر 873م. فمكننا هذا من افتراض تاريخ تقريبي لولادته (190هـ/805م)، إِنـَّهُ حينئذ نصف قرن تقريبا من العطاء.

وتستمر المغامرة مع هذا النصف قرن فتكشف لنا المصادر أَنـَّهَا ليست شحيحة بالأخبار عن الرجل ومحيطه كما هو الشأن غالبًا؛ ذاك أَنـَّهُ ثبت أن عمان آنذاك كانت وريثة مركز الدعوة بالبصرة وبمكة، إذ آل دورهما إلى الزوال، وذلك خاصة بانتقال الربيع بن حبيب آخر أَئِمَّة أهل الدعوة بالبصرة إلى عمان رفقة ربيبه ووالد محَمَّد بن محبوب، ألا وهو أبو سفيان محبوب بن الرحيل القرشي، أشهر مَن كَتَبَ في سير الإِبَاضِيَّة في زمانه.

وفعلاً أسفرت هذه الحركة العلمية عن قيام الإمامة الثانية بعمان ثلاث عشرة سنة قبل ولادة محَمَّد بن محبوب، تلك الإمامة التي زامن مترجَمنا نصف حياتها.

وبهذا ثبت لدينا أن نشأته زامنت ازدهارًا سياسيًّا منطلقهُ إمامة شورية بأتم معنى الكلمة على الراعي والرعية، فأنتج الكل عدلا وطمأنينة، كما زامنت ازدهارًا علميًّا ثبت معه ثقل العطاء الإباضي للحضارة الإسلامية، ولم تكن هذه النشأة بمعزل عَمَّا يجري في العالم الإسلامي؛ ذاك أن ديار أبي سفيان والد محَمَّد مشهورة بمكة، وإليه ثُمَّ إلى ابنه كانت ترجع إدارة موسم الحج سنويًّا، وليس هنالك محطة أنسب من الحرمين الشريفين للتعرف على أخبار المسلمين عامة، وأخبار الإِبَاضِيَّة خاصة. وقد تمكَّن شِقُّهم المغربي من أن يقيم هو الآخر إمامة ظهور بتاهرت، وهي الإمامة الرستمية التي أسسها رفيق الربيع بن حبيب العماني في مدرسة أبي عبيدة، وهو عبد الرحمن بن رستم.

وفعلاً قد آتت مثل هذه النشأة في تربة خصبة أُكلها بعد حين، فإذا بمحمد بن محبوب يشار إليه بالبنان في المحافل العلمية للبت في القضايا المطروحة في المحيط الإباضي، ثُمَّ إذا هو رأس مجلس أهل الحل والعقد لاختيار إمام الأمة، ثُمَّ للاحتساب عليه وعلى الأمة وحل مشاكل الجميع قبل أن يُختار قاضيا في صحار، عاصمة الإمامة الثانية.

وبهذا تجلَّت لنا أبرز سمات محَمَّد بن محبوب وعصره، ونلخِّصها في الخطوط التالية:

1 ـ إِنَّهُ شاهد على عصر من عصور الازدهار بأتَمّ معنى الكلمة ببلاد عمان (في القرن 3هـ/9م).

2 ـ إِنَّهُ ثمرة من ثمرات الحركة العلمية المنبثقة من مركز الدعوة الأَوَّل بالبصرة.

3 ـ دخول تدريجي في مجرى أحداث عمان، وذلك بما أوتي من غزارة علمية وفكر ثاقب، وجرأة مع مرونة في المواقف الحرجة.

4 ـ القدرة على التصدي للقضايا العقدية والنظرية والعلمية المطروحة على الساحة الإِبَاضِيَّة بعمان وغيرها من مواطن الإِبَاضِيَّة:

أ ـ عدم الخلط بين ما هو خاصٌّ وعامٌّ في قضية الإمام المهنَّا؛ فبراءته الشخصية منه لم تؤثر في القَدْح في إمامة الرجل حيًّا وميتًا؛ لأن الأمر يَتَعَلَّق بما يجوز فيه الخلاف، حيث كان الإمام يرى الشدة في قضية ما، ويرى محَمَّد بن محبوب المرونة فيها.

ب ـ صرامة واضحة مع القائلين بالقدر وتدعيم موقف الإِبَاضِيَّة الأوائل في شأن البراءة من هؤلاء، والدعوة إلى التمييز بين القدر والمقدور، وتحميل المسلم مسؤوليته أمام الله تعالى، ليكون مكتسِبًا مكلَّفا بحق.

ت ـ مرونة قصوى في شأن القول في القرآن الكريم، رغبة في المحافظة على وحدة الأمة، رغم شدة الطرف المقابل؛ ولذلك وقع الاكتفاء بالتعميم، وهو قول لا يخلُّ بالعقيدة.

ث ـ التحري الكامل في شأن الدماء، ومعلوم أن قضايا القتل من أدق القضايا في فقه المعاملات: ونعني القتل الخطأ.

ج ـ أَمَّا المفسد في الأرض فلا هوادة معه.

5 ـ إِنَّهُ الاجتهاد بأتم معنى الكلمة، ثبت معه مسلك الإِبَاضِيَّة في الاعتماد على القرآن الكريم والسنة الشريفة والإجماع والقياس.

6 ـ مواكبة مع ذلك للواقع السياسي الإباضي خاصة والإسلامي عامة:

أ ـ البيعة لمن يستحق البيعة، مهما كان جنسه ولونه.

ب ـ السكوت عَمَّا يجب السكوت عنه من عيوب الإمام إذا كان ذلك لا يخل بالشروط المعروفة.

ت ـ جواز إمامتين إذا تباعدت الأقطار.

ث ـ لا يطلق لقب أمير المؤمنين إِلاَّ على من كان بحوزته كل العالم الإسلامي.

7 ـ قاضٍ محنك، عدلٌ في أحكامه، يعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه.

8 ـ غزارة في الإنتاج العلمي؛ ذاك أننا أثبتنا ما نسب إليه من كتابة سبعين جزءًا في،الفقه وإن كان الكتاب مفقودًا، بالإضافة إلى كتابات أخرى تنمُّ عن عقل نيِّر في معالجة القضايا الدقيقة.

ذاك هو محَمَّد بن محبوب بن الرحيل كما بسطنا أبرز ملامح حياته وعطائه، مجتهدٌ من كبار مجتهدي زمانه وكفى.

عايش كبريات الأحداث في محيطه وكان موقفه منها في غاية النصاعة والتوفيق.

ولا يفوتنا في الختام أن نُثْبِت أن محَمَّد بن محبوب مع أبيه وابنيه وحفيديه يكوِّنون مدرسةً علميَّةً بحق، يمكن أن يطلق عليها اسم المدرسة الرحيلية، ولمن أراد أن يغامر معها فليغامر، ويكفينا أننا مهَّدنا السبيل لهذا المسلك، إذ لا ندَّعي أننا وفَّينا الرجل حقَّه في مثل هذا العمل المتواضع.


المصادر والمراجع (ترتيب ألفبائي حسب أسماء المؤلفين):

  • ابن حزم، علي (456هـ/1064م): الفصل في الملل والأهواء والنحل، مطبعة التمدن، نشر دار الفكر، 1321هـ/1903م.
    – م1، ط1317هـ. ج1: 224 ص، ج2: 193ص.
    – م 2، ط1320هـ. ج 3: 264ص.
    – م3، ط1321هـ. ج 4: 227ص، ج5: 142ص.
  • ابن خلدون، عبد الرحمن (808هـ/1406م): المقدمة وكتاب العبر، ط. بيروت، 1967م.
  • ابن خلفون، أبو يعقوب يوسف (ق6هـ/12م): أجوبة ابن خلفون. تحقيق وتعليق عمرو خليفة النامي. دار الفتح. بيروت 1394/1974. 128ص.
  • ابن رزيق، حميد بن محَمَّد (1274هـ/1857م): الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين، تحقيق: عبد المنعم عامر، ود. محَمَّد موسى عبد الله، مطابع سجل العرب، القاهرة، نشر: وزارة التراث العماني، 1379هـ/1977م. 614ص.
  • ابن سلام الإباضي، لوَّاب بن عمر (273هـ/887م): كتاب فيه بدء الإسلام وشرائع الدين، تحقيق فيرنر شفارتس والشيخ سالم بن يعقوب، ط. دار صادر، بيروت، 1406هـ/1986م. 200ص.
  • أبو زكرياء، يحيى بن أبي بكر الوارجلاني (ق5و6هـ/ 11و12م): كتاب السيرة وأخبار الأَئِمَّة، تحقيق: عبد الرحمن أيوب، الدار التونسية للنشر، تونس، 1985م.
  • الإزكوي، سرحان بن سعيد (ق12هـ/18م): تاريخ عمان المقتبس من كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، حققه: عبد المجيد حسيب القيسي، تحقيق أولي بسيط، عرض في التقديم لجميع الأبواب، والقسم المطبوع وهو قسم من أبواب الكتاب: 4- 33 – 36 – 37 – 39، مع إضافة فصل لمؤرخ مجهول عن البوسعيديين، ومنها السلطان قابوس. 164ص، عمان، مطابع سجل العرب, 1980م، نشر: وزارة التراث القومي بعمان، وهذا القسم تُرجم إلى الإنجليزية (E. G. Ross. Annals of Oman old days until 1728 J.C.) أخبار عمان من أقدم العصور حَتَّى عام 1728م. الجمعية الأسبيرية بالبنغال، 1974م.
    – وقد حققته الباحثة الألمانية هيدرج كلاين سنة 1938م، الفصل الرابع من كتاب كشف الغمة وجعلته رسالة للدكتوراه. ونِسبته إلى الإزكوي فيها نظر.
    – الباب التاسع والعشرون من كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة. في اعتقاد الفرقة الوهبية الإِبَاضِيَّة من ص16 إلى 22 ملحق بأطروحة كوبرلي نجد محاولة تحقيق 14×24سم، بالهوامش. 280ص.
  • الباروني، أبو الربيع سليمان (معاصر): مختصر تاريخ الإِبَاضِيَّة، طبع بالمطابع العالمية سلطنة عمان، الطبعة الثالثة، 79ص. د. ت.
  • الباروني، سليمان بن عبد الله (1359هـ/1940م): كتاب الأزهار الرياضية في أَئِمَّة الإِبَاضِيَّة، البارونية، القاهرة، د. ت. ج2: 311ص. ولم يطبع الجزء الأول.
  • الباروني، عبد الله بن يحيى النفوسي (1331هـ/1913م): رسالة سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أَئِمَّة الدين، ألفها سنة 1290هـ/1873م، محلاة ببعض كلمات كالحاشية ولا تخلو من فائدة حررها ابن المؤلف ـ رحمه الله ـ سليمان باشا الباروني. د. ت. 56ص.
  • الباروني، محَمَّد بن زكريا (997هـ/1589م): نسبة الدين، ط. حجرية، 1301هـ ملحق بسير الشماخي. ص587.
  • بحاز، إبراهيم بن بكير (معاصر): الدولة الرستمية (160-196هـ/ 777-909م)، دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية، ط1، مطبعة لافوميك، الجزائر، 1985م.
  • البرادي، أبو القاسم (ق9هـ/15م):
    – رسالة تآليف أصحابنا، ملحق بكتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي، تحقيق: عمار الطالبي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1398هـ/1978م.
    – كتاب الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات (للدرجيني). ط. حجرية، القاهرة، 1302هـ/1885م.
  • الجعبيري، فرحات بن علي (معاصر):
    – نظام العزَّابة عند الإِبَاضِيَّة الوهبية في جربة، المعهد للآثار بتونس، ط. العصرية، 1975م. 387ص.
    – البعد الحضاري للعقيدة الإِبَاضِيَّة، نشر جامعة السلطان قابوس، مطبعة الألوان الحديثة، عُمان، 1408هـ/1987م. 924ص.
    – عوامل الملل والنحل للشهرستاني، الجويني للنشر، تونس 2000م.
  • حمُّو الهادي (معاصر): أضواء على الشيعة، دار التركي للنشر، 1987م.
  • الدرجيني، أحمد بن سعيد (670هـ/1271م): طبقات المشايخ بالمغرب، حققه وقام بطبعه: إبراهيم طلاي, مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، ج1: 208ص, ج2: 544ص.
  • الراشدي، مبارك (معاصر):
    – الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وفقهه، (45-145هـ/ 885-762م)، دكتوراه مرحلة ثالثة، نوقشت بكلية الشريعة وأصول الدين بتونس، مطبعة الوفاء المنصورة، ط1، 1413هـ/ 1993م. 698ص.
    – نشأة التدوين للفقه واستمراره عبر العصور، محاضرة ألقيت بندوة الفقه الإسلامي بجامعة السلطان قابوس، 22-26 شعبان 1408هـ/ 9-13 أبريل 1988م، ص101-254.
  • السالمي، نور الدين عبد الله بن حميد (1332هـ/ 1914م): تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، نسخة مصورة عن الطبعة الأولى التي حققها أبو إسحاق إبراهيم اطْفِيَّشْ، نشر: مكتبة الاستقامة، د.ت. مجلد في جزأين: ج1: 404ص. ج2: 1324هـ، 162ص.
  • السعدي، جميل بن خميس (13هـ/18م): قاموس الشريعة، وعدد أجزائه 93، فهو موسوعة إسلامية قيَّد فيها جميع فنون الشريعة الإسلامية. ما تزال الوزارة تواصل طبعه وقد بلغت 30 مجلدا.
  • السيابي، سالم بن حمود (1326-1415هـ/ 1908-1994م):
    – أصدق المناهج في تمييز الإِبَاضِيَّة من الخوارج، تحقيق وشرح: د. سيدة إسماعيل كاشف، أستاذة التاريخ الإسلامي، كلية البنات، جامعة عين شمس، القاهرة، مطابع سجل العرب، 1979م، وهو القسم الأَوَّل، ص1-64 من كتاب يضم قسمين آخرين. القسم الثاني: كتاب وهب السّما في أحكام الدّما، ص65-106، منظومة. القسم الثالث: ص107-120 قصيدة ميميّة في القسامة.
    – إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء، نفس المحققة السابقة، ن. الطبعة، 1979هـ. 124ص.
    – طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي، مطابع سجل العرب، 1400هـ/1980م. نثر: 160ص، قسم1. تراجم: قسم2، عقيدة.
    – الحقيقة والمجاز في تاريخ الإِبَاضِيَّة باليمن والحجاز، ط. سجل العرب، 1400هـ/1980م. 154ص. نثر.
    – العقود المفصلة في الأحكام المؤصَّلة: 3 أجزاء دون ذكر الطبعة. نظم: عقد الزوجية وبقية العقود. 30 ألف بيت. 1402هـ/ 1982م.
    – هدى الفاروق، د. ط. 1403هـ/ 1984م، في القضاء، نثر، 165ص.
    – مقاصد الأبرار على مطالع الأنوار، المطبعة الشرقية، مطرح، عمان، 1404هـ/1983م. شرح لمنظومة عنوانها: مطالع الأنوار للشيخ أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي في الوصايا.
    – معالم الإسلام في الأديان والأحكام، د. مطبعة 264ص، نظم أغلبه في النكاح مع قضايا أصولية عقدية. 20 ألف بيت.
    – عمان عبر التاريخ، 4 أجزاء، مطابع سجل العرب، 1406هـ/1986م. تتبع فيه كامل تاريخ عمان من الجاهلية إلى هذا التاريخ.
  • الكباوي، أبو القاسم عمرو بن مسعود (معاصر): الربيع بن حبيب محدِّثًا، رسالة ماجستير، قدِّمت بجامعة الفاتح بكلية التربية، قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية، سنة 1983هـ. المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، نشر: جمعية التراث.
  • مصنف مجهول: كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، تحقيق ودراسة وتعليق: أحمد عبيدلي، رسالة ماجستير في الدراسات الإسلامية، نوقشت بالمعهد العالي للدراسات الإسلامية التابع لجمعية المقاصد الخيرية في بيروت، في 11 محرم 1405هـ/ 6 تشرين الثاني 1984م، دلمون للنشر، نيقوسيا، قبرص، 1405هـ/1985م، 447ص. ص263-293، ضمن (سلسلة الجزيرة العربية1). الراجع أن الكتاب ألف قبل القرن 8هـ/14م. – ندوة عمان في التاريخ. – عمان في التاريخ. دار أمبيل للنشر. لندن. نشر: وزارة الإعلام بعمان، 1995م. 560ص.
  • هاشم، مهدي طالب (معاصر): الحركة الإِبَاضِيَّة في المشرق العربي، نشأتها وتطورها حَتَّى نهاية القرن الثالث/9م، رسالة ماجستير نوقشت بكلية الآداب في جامعة بغداد، كانون الثاني 1977م، دار الاتحاد العربي للطباعة، ط1. 1401هـ/1981م. 351ص.
  • ابن منظور، محَمَّد بن مكرم (630-799هـ): لسان العرب, إعداد وتصنيف: يوسف خياط, مرتب حسب الألف بائية, قدم له: عبد الله العلائلي. 4 مجلدات. خصص الرابع للمصطلحات العلمية والفنية, عربي فرنسي إنجليزي لاتيني، دار لسان العرب، بيروت، د.ت.
  • الزركلي خير الدين: الأعلام، يحتوي على 8 مجلدات، دار العلم للملايين، بيروت، ط.6، 1984م.
  • محَمَّد فؤاد عبد الباقي: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مطابع الشعب، 1978م. المعجم المتوسط، أشرف على طبعه: عبد السلام هارون، مطبعة مصر، شركة مساهمة مصرية، 1960-1961م.
  • ونسنك (1358هـ/1939م): المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي عن الكتب الستة وعن مسند ابن حنبل. ابتدأ ترتيبه وتنظيمه ونشره أ.ب. ونسنك وي ب منسنج، واتبع نشره الاتحاد الأممي للمجامع العلمية، وب د ي هاس وي فن لون وعات ب دي بروين، مع مشاركة محَمَّد فؤاد عبد الباقي. 7 أجزاء من سنة 1936/1969م.
  • الحموي ياقوت (626هـ/1229م): معجم البلدان، 5 مجلدات. دار صادر للطباعة والنشر، ودار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، 1374هـ/1953م.
  • دائرة المعارف الإسلامية 2Ei. الطبعة الفرنسية.
  • Cuperley Pierre: Professions de foi ibadites: contribution a l’étude de L’ibadisme et de sa théologie, Paris – IV – Sorbonne, Lettres et Civilisation, Paris, 1982, 2 Tomes: 655 power point. 3èm tome: 208P. Textes arabes.
  • Ennami A. K.: Studies in Ibadism, Accompanied by a critical edition of:
    – 1- Section II, part 1 of K. Qawa’id al-slam of Isma’il b. Musa-el-Jitali.
    – 2- K – usul al-Din of Tibghurin, b. Dawud. a’issa al-Malshuti.
    – 3- Ajwibat Ibn halfun, by’Abu Ya’qub yusuf b khalfoun. Thesis submitted to the university of Cambridge for the degree of Doctor of Philosophy, Fitzwilliam College Cambridge, may 1971. 430 P.

المراجع العامة والمعاجم العربية (ترتيب ألفبائي):

المراجع الأجنبية:


([1]) أبو القاسم البرَّادي (ق9هـ/15م): رسالة في تأليف أصحابنا، ملحق بكتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي، تحقيق عمار الطالبي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1398هـ/1978م، 2/284.

([2]) انظر ما سبق.

([3]) لواب بن سلام اللواتي (ت: بعد 283هـ/887م) لقد كانت أسرة ابن سلام مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بتاريخ إِبَاضِيَّة المغرب القديم. فقد كان أعمامه على صلة بالإمام أبي الخطاب وكذا جده عمر الذي حضر معركة أبي الخطاب، التي انهزم فيها الإِبَاضِيَّة أمام العباسيين سنة 144هـ/752م. وكان أبو سلام بن عمر اللواتي عاملاً للإمام عبد الوهاب (208هـ/842م) على سرت ونواحيها. كما أن أباه كان على صلة بإِبَاضِيَّة مصر بالفسطاط.  لقد التقى المؤلف بأبي صالح النفوسي بتوزر سنة 240هـ/854م، وبعد سنة 250هـ/865م زار سدراتة من أهل ميري. وبعد سنة 260هـ/874م وصل إلى أجدابية وهو قافل من الحج، حيث التقى بأحمد بن الحسين الطرابلسي، أحد مشاهير علماء الإِبَاضِيَّة.  كما التقى في أحد شهري جمادى سنة 271هـ/884م في جندوبة بخلف بن السمح الذي ينتمي إليه الخلَفيَّة. كما أخذ بعض الأخبار عن نفاث بن نصر النفوسي الذي ينتمي إليه النفاثية. وكلٌّ من خلف ونفاث كانا معارضين للإمام أفلح. لكن ابن سلام لم يهتم بهذا الخلاف في كتابه. ومن المحتمل أن ابن سلام قضى سنين طويلة بجندوبة (أرض تقع على حدود غريان الغربية الجنوبية)، وعن بعض الحجاج نقل أخبار أهل عمان وعلمائهم بمكة. والراجح أن ابن سلام ألف كتابه بعد 273هـ/887م، وقد بلغ الخمسين من عمره، وتوفي بعدها بقليل دون أن ينتهي من كتابه.

لقد استخلصنا هذه الملاحظات من الترجمة التي توصل إليها محققا كتاب ابن سلام وهما: فيرنر شقارتس والشيخ سالم بن يعقوب. «كتاب فيه بدء الإسلام وشرائع الدين» تأليف ابن سلام الإباضي المتوفى بعد سنة 273هـ/887م، ص36-41. يطلب من دار النشر فرانزشتايز بفيسبادن التابعة لألمانيا الاتحادية، بإشراف المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت. على مطابع دار صادر بيروت، ويضم الكتاب 172 صفحة.

([4]) عمروس بن فتح: هو من علماء نفوسة، تقول كتب السير: إِنَّهُ تعلم بالمغرب عشرين سنة (تقصد: بلاد الجريد حاليا). تصدى بغزارة علمه مع أبي مهدي النفوسي لآراء نفاث المخالفة. أودع أبو غانم نسخة من المدونة عنده عند رحلته إلى تاهرت فنسخها. وعنها نُسخت بقية النسخ بالمغرب؛ لأن النسخة التي أودعت في تاهرت أحرقت مع ما أحرق من الكتب عند هجوم الشيعة. تولى القضاء لوالي الإمام عبد الوهاب، وهو أبو منصور إلياس، وكان حازما في أمره. قُتل صبرًا. أسندت إليه عدة مؤلفات لم يصلنا منها إِلاَّ كتاب «الدينونة الصافية». البعد، ص109.

([5]) جبل نفوسة: انظر الخريطة.

([6]) الدرجيني: الطبقات 2/324.

([7]) تاهرت: انظر الخريطة.

([8]) سورة طه: 114.

([9]) انظر: كتاب عمان في التاريخ، ص213-231، وهو ثمرة ندوة عقدتها وزارة الإعلام بعمان، عام 1415هـ/1994م بنفس العنوان، دار نبيل للنشر، لندن 1995م.

([10]) محَمَّد بن إبراهيم بن سليمان الكندي النزوي (12 رمضان 508هـ/9 فيفري 1114م): بيان الشرع، والكتاب يقع في اثنين وسبعين جزءًا، ويحتوي على جميع أبواب الشريعة؛ فهو موسوعة علمية ألفها رجل واحد، وقد صدر منها حوالي 23 مجلدًا من نشر وزارة التراث العمانية. أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي (15 ربيع الأَوَّل 557هـ/21 فيفري 1162م): كتاب المصنف، يقع في 43 جزءًا، قامت بطبعه وزارة التراث العمانية، وهو كتاب نفيس رتَّبه أحسن ترتيب، وهذَّب الفقه وأصوله فيه خير تهذيب؛ فيعتبر من أمهات كتب الإِبَاضِيَّة.  جميل بن خميس السعدي (ق13هـ/18م): قاموس الشريعة، وعدد أجزائه: 93، فهو موسوعة إسلامية قيَّد فيها جميع فنون الشريعة الإسلامية، ما تزال الوزارة تواصل طبعه وقد بلغت 30 مجلدا. ر. مبارك الراشدي: نشأة التدوين للفقه واستمراره عبر العصور، محاضرة ألقيت بندوة الفقه الإسلامي، بجامعة السلطان قابوس، 22-26 شعبان 1408هـ/ 9-13 أبريل 1988م، ص101-254.

([11]) ويسلان: هو أبو محَمَّد ويسلان اليهراسي (ق5هـ/11م) نشأ في بادية بني يهراسن، في الجنوب التونسين، ثُمَّ حضر دروس أبيه والشيخ فيصل بن أبي مسور بالجامع الكبير بجربة. نشط في الدعوة في جبال دُمَّر. ثُمَّ استقر بجربة في الجامع الكبير، حيث صار مرجع الفتوى. أُسِّست حوله أول حلقة للعزابة بجربة، فقام بها أحسن قيام. ر. الجعبيري: نظام العزابة عند الإِبَاضِيَّة الوهبية في جربة، نشر المعهد القومي للآثار بتونس، ط. العصرية، 1975م، ص188-193.

([12]) حلقة العزابة أو الحلقة: نظام داخلي للجماعة الإِبَاضِيَّة في مرحلة الكتمان. أخذ أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة أُسُسه من حياة الصحابة في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وأرسى قواعده في البصرة، ثُمَّ بعث من جديد في المغرب سنة 409هـ/1019م على يدي أبى عبد الله محَمَّد بن بكر الفرسطائي (ت: 440هـ/1048م)، واستقام في كل مواطن الاباضية في المغرب، وانقرض اليوم فيها جميعًا سوى وادي ميزاب، ر. الجعبيري: نظام العزابة.

([13]) أبو صالح بكر بن قاسم اليهراسي (ق4هـ/10م): معاصر لأبي مسور يَسْجَا ولابنه فصيل، درس ودرَّس معهما بجربة بعد أن انتقل إليها من بادية بني يهراسن. تتلمذ عليه مؤسس نظام العزابة أبو عبد الله محَمَّد بن بكر الفرسطائي (ت: 440هـ/1048م). لقد كان داعية للوهبية. اشتهر بشدته على الطغاة. نظام، ص170، تعليق 4.

([14]) الدرجيني: طبقات، 2/357. الشماخي: السير، ط. تونس، 1995م، ص338.

([15]) البرَّادي: تآليف أصحابنا، 2/284- 285.

([16]) انظر السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان.

([17]) ناصر بن محمد المرموري (معاصر): ولد بمدينة القرارة سنة 1929م، وبها حفظ القرآن الكريم، ونشأ في كنف شيخيه شريفي سعيد (الشيخ عدون) وبيوض إبراهيم. برع في فقه المذهب وسير علمائه. أستاذ العلوم الشرعية بمعهد الحياة بالقرارة. له دروس في الوعظ في جميع أطراف ميزاب، يخصص جانبًا منها للنساء، ما يزال على قيد الحياة.

([18]) السير العمانية، خ. ص117.

([19]) ن. م. ص118.

([20]) ن. م.

([21]) أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري الحميري اليمني (140-144هـ/757-761م): التقى مع طلبة العلم المغاربة في حلقات أبي عبيدة، فأشار عليهم أن ينتخبوه إمامًا، ففعلوا سنة 140هـ/757م، فسلك مسلك الإِبَاضِيَّة في الحكم في طرابلس. وأنقذ القيروان من ظلم ورفجومة الصفرية، وعيَّن عليها عبد الرحمن بن رستم واليًا وقاضيًا. حاربه العباسيون إلى أن تغلبوا عليه سنة 144هـ/761م.

([22]) الحديث رواه مسلم، إمارة، 46. ابن ماجه، فتن، 9. ابن حنبل، 2: 2، 61. ونص الحديث في مسلم: «ومن بايع إمامًا، فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر».  وفي ابن ماجه نفس النص لَكِنَّهُ استعمل يمينه مع صفقة عوض يده.

([23]) ن. م. ص145-146. والملاحظ أن هذه المخطوطة قد أخرجت نصها مع تحقيق أولي لسيدة إسماعيل كاشف ضمن «السير والجوابات لعلماء ولأئمة عمان»، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، ونص سيرة محَمَّد بن محبوب يقع في ج2/ من ص113-268.

([24]) النكار: هم الجماعة الذين انشقوا عن الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، وكان على رأسهم يزيد بن فندين وذلك سنة 171هـ/787م. يقول الشماخي: النكار هم فرقة من الإِبَاضِيَّة اتبعوا في الكلام عبد الله بن يزيد الفزاري (انظر ما سبق)، ويأخذون في الفقه بقول ابن عبد العزيز وأبي المؤرج. البعد، ص106. نظام، ص155.  الخلفية: هم أتباع خلف بن السمح بن أبي الخطاب عبد الأعلى المعافري. عيَّن خلف هذا نفسه واليًا على جبل نفوسه عند وفاة أبيه دون انتظار أمر الإمام عبد الوهاب، فأمر هذا الأخير بعزله، فشق عليه عصا الطاعة مع جماعة فجابههم والي الإمام وهو أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني، إلى أن شردهم زمن الإمام أفلح في 13 رجب 221هـ/22 جوان 837م. نظام، ص157.

([25]) سقطرى: «جزيرة طولها ثمانون فرسخا، وبها الصبر، وبها نخل كثير، ويسقط إليها العنبر، وبها دم الأخوين، وهي جنوب عمان، بينها وبين عمان بحر الحبشة». تحفة، 1/166.

([26]) تحفة، 1/184.

([27]) أبو حمزة الشاري (130هـ/748م): المختار بن عوف بن سليمان بن مالك الأزدي السليمي البصري الإباضي. من الخطباء القادة، ولد بعمان. أرسله أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وبلج بن عقبة إلى نجدة عبد الله بن يحيى (طالب الحق)، وتوجه أبو حمزة من اليمن يريد الشام لقتال مروان بن محَمَّد، وتبعه جميع أهلها (اليمن) ومر بالمدينة فقاتله أهلها في قديد، فقاتلهم، ودخلها عنوة، ثُمَّ تابع زحفه نحو الشام، وقد ألقى خطبة بمكة وأخرى بالمدينة ما تزال كتب الأدب تنوِّه بقيمتها البلاغية. فوجه مروان بن محَمَّد إليهم جيشًا بقيادة عبد الملك بن محَمَّد بن عطية السعدي، وانتهت المعركة بمقتل أبي حمزة سنة 130هـ/748م. ر. الدرجيني: الطبقات، 2/258-267. وقد أورد الخطبتين ص266-267. ر. الشماخي: السير، 98-100. ر. الزركلي: الأعلام، 8/71. ملاحظة: يعرفه الإِبَاضِيَّة بأبي حمزة الشاري أو الإباضي ولا يستعملون «الخارجي».

هذه المقالة تحتوي على تعليقات (2)

2 تعليقات ل “حياة الإمام محَمَّد بن محبوب القرشي العماني وعصره- الجزء الثالث”

  1. موضوع ولا اروع مشكور حيل الي كنت ابحث عنه حصلته بهالصفحه

  2. ثااااااااااااااااااااااااانكس

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك