حياة الإمام محَمَّد بن محبوب القرشي العماني وعصره- الجزء الثاني

المحور الثاني: مواقف محَمَّد بن محبوب العلمية

1) موقفه من الشائعات حول الإمام المهنا:

جاء في كشف الغمة: «إِلاَّ أني وجدت في سيرة الشيخ أبي قحطان([1]) خالد بن قحطان ـ رحمه الله ـ أَنـَّهُ قد ذكر لنا أن الشيخ محَمَّد بن محبوب وبشيرًا([2]) اطلعا على حدث من المهنا تزول به إمامته، وأنهما كانا يبرآن منه سريرة، والله أعلم»([3]).

وجاء في التحفة: «قال أبو الحسن([4]): وقد قيل: إن بعد موته تكلم بعض المسلمين فيه بشيء يكره، فقيل: إن محَمَّد بن محبوب تجهم في وجه ذلك الرجل وأسمعه كلامًا وزجره عن ذلك»([5]).

إن قضية الولاية والبراءة ليست بالأمر الهين في المجتمع الإباضي، خاصة إذا تعلق الأمر بالأئمة أو بكبار أهل العلم، فَإِنَّهَا تكون مثار جدل طويل؛ ذلك أن كلاًّ ينظر إليها من زاوية ما، لكن مهما يكن من أمر فإن هذه القضية لها قواعدها الأساسية، وقد عمل علماء الإِبَاضِيَّة على إرسائها وتوضيحها وتطبيقها، ورسالة الإمام أبي عبيدة لأهل المغرب تشهد بذلك في شأن الحارث وعبد الجبار([6]) وقد حرر السالمي القضية بِكُلِّ وضوح، وبما فيه الكفاية حيث أكد أن محَمَّد بن محبوب كان يميز بِكُلِّ دقة بين احتسابه على الإمام واختلافه معه في ما يمكن فيه الاختلاف، والتشدد في ذلك إلى حد الاستتابة والبراءة، أَمَّا أن يتحول ذلك إلى نشر بين العامة الذين لا يدركون بُعد هذه المسائل ويحوِّلونها إلى الفتنة وكسر عصا الطاعة فلا.

ولذلك تكررت المحاولات من العامة في الثلم في حياة الإمام المهنا وبعد وفاته، وكان موقف محَمَّد بن محبوب صلبًا قويًّا في الدفاع عن الإمام المهنا وعن شرعية إمامته.

ولقد أحسن أبو المؤثر الصلت بن خميس عندما نبه إخوانه من أهل العلم ـ وعلى رأسهم محَمَّد بن محبوب ـ عندما هموا بنشر ما ينكرونه على الإمام المهنا إلى مغبة ما هم فاعلون، فلم يكن منهم إِلاَّ أن احتسبوا الأمر لله. وتخيروا وحدة الأمة على افتراق الكلمة، مع ما لهم من حرية في البراءة الشخصية السرية.

وهذا نص أبي المؤثر: «أرأيتم من كنتم تتولونه من إخوانكم، وهم اليوم بولاية هذا الإمام (المهنا) الذي قد ظهر لكم منه ما ظهر؟ أليس هم على ولايتهم معكم حَتَّى تقوم الحجة عليهم بمعرفة حدثه، أو بإقامتكم الحجة عليهم بالذي كان منه؟ فإنا نسألك بالله يا أبا عبد الله (محَمَّد بن محبوب) لما أمسكتم كتابكم، فَإِنَّهُ لا يعدم من مجادل، فتفترق أهل عمان، وَإِنَّمَا هذه أحداث لا ينتحل فيها خلاف دعوتكم، ولا يدعو إلى بدعة شرعها، وَإِنَّمَا هو اقتراف ذنب أعجب به، فلم يقبل منكم النصح فيه، فباينتموه عليه، ولج هو، فأمسكوا كتابكم». ففعلوا، وقبلوا نصيحته، وأمسكوا عَمَّا هم عليه، وكان ذلك إلى اليوم غير متنازع فيه.

قلت [السالمي]: وذلك يَدُلُّ على بقاء الإمام على ولايته وإمامته، كما عليه حال العامة في حقه، وكل واحد مخصوص بعلمه، وقد انقرض من علم منه ما لا يَحسُنُ، وبقيت أخبار الخير منتشرة له، وذلك لا يحل لمن كان في ذلك الزمان أن يظهر البراءة منه عند العامة، ولو علم من الأسباب ما يستوجب به البراءة»([7]). واضح أن السالمي يساند أبا المؤثر في موقفه الداعي إلى غض الطرف عن الأمر الهين، إذا كانت إثارته تؤدي إلى ما هو أشد، ما دام الأمر يَتَعَلَّق بأمور يجوز فيها الخلاف، ولم يتحول إلى مخالفة المسلك الأصلي وإلى إحداث البدع.

والظاهر أن الإمام المهنا اشتد أكثر مِمَّا أُلِف من قبل على بعض أهل الفتن، ليكسب الدولة هيمنتها، ومن ذلك أَنـَّهُ يرى أن كلَّ من خيف على الدولة منه أَكَلَ ماله في السجن، يعني أَنـَّهُ يودع السجن وينفق عليه من ماله حَتَّى يأكله([8]).

وقد نوه أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش([9]) محقق التحفة بموقف الإمام المهنا أي تنويه فقال: «لو سلك بقية الأَئِمَّة بالإمامة، مسلك الإمام المهنا t، لكانت عظمة الإمام بالغة أوجها، وكانت من الدول العظمى إلى اليوم، فرحم الله أولئك الرجال العلماء الذين أبصروا منه الحق، فأيدوا الإمام إلى أن لقي الله وهو في عز الإسلام، راضيًا مرضيًا، وعفا الله عن الناقدين»([10]).

كما أن أبا إسحاق اطفيَّش يغتنم الفرصة ليزيل تهمةً كثيرًا ما تُوجَّه للإمامة في عمان، وتتمثل في أن النقد كان مثارًا للفتن، وعاملاً من عوامل الخروج على الأَئِمَّة فيقول: «من المعلوم أن مقام النقد هنا لأئمة العلم، ورجال الحل والعقد، وهم الذين يتولَّون مواجهة الإمام بما يستوجب البراءة منه واستتابته، لا كما زعم بعضهم أن الخروج شنشنة ذلك الوطن، كُلَّمَا ظهر أمر منتقد من أولي الأمر. وكفى شرفًا أن يكون أهل العلم على نسق الصحابة الذين قال منهم قائل لعمر t: “لو رأينا منك اعوجاجًا لقومناك بسيوفنا”، فإذا قام بعض من أرباب المكانة على الإمام فَإِنَّمَا يريد إصلاح الدولة واستمرار الأمر على طريق كتاب الله وسيرة رسول الله e والخلفاء الراشدين، ولكن للثائرين مآربهم، فهم في كل دولة كما في عمان، وتخصيصه بعمان ضرب من المكابرة، وقصد الطعن لا غير»([11]).

ذاك هو موقف محَمَّد بن محبوب: احتساب على الإمام، وسعي إلى ردعه، لكن دون أن يتجاوز الحدَّ، وحالما نصح انتصح، ذاك أن الرجل يرغب في أن يكون الأمر على ما كان عليه السلف الأَوَّل، بينما يعتبر الإمام أن الوضع تحوَّل وَأَنـَّهُ لِكُلِّ مقام مقال.

لهذا ظل محَمَّد بن محبوب وفيًّا لموقفه حَتَّى بعد موت الإمام المهنَّا، وظلَّ يدافع عن ذلك الإمام، ويرد شُبه من يريد أن يثير الشبه من العامة ـ الذين تجد الكثير منهم لغرض ما يعملون على إثارة الفتن ـ. وهكذا ندرك رصانة الرجل، وَأَنـَّهُ فهم أَنـَّهُ خلاف لا يجب أن يؤدي إلى الاختلاف.

2) محَمَّد بن محبوب وقضية القدر:

جاء في التحفة: «وفي زمانه (الإمام عبد الملك بن حميد: 208-226هـ) أظهر قوم من القدرية([12]) والمرجئة([13]) دينهم بصُحار، ودعوا الناس إليه، وكثر المستجيبون لهم، حَتَّى صاروا بـ«توام»([14]) وغيرها من عمان، فخاف هاشم بن غيلان ـ رحمه الله ـ تعالى على المسلمين من ذلك، فكتب إلى الإمام ما نصه:

«تذكير بسيرة السلف في منتحل هذه الأحوال: وكانوا رحمة الله عليهم إذا بلغهم من أحد أَنـَّهُ على غير دين المسلمين (يعني أهل الدعوة)([15]) أرسلوا إليه، وعرضوا عليه دينهم، فإن قَبِله كان له ما لهم وعليه ما عليهم، وإن أبى إِلاَّ أن يغير ما عليه دين المسلمين، أمروه بالخروج من بلادهم، فإن خرج تركوه، وإن لم يتب ولم يخرج لم يقاروه على ذلك وأكرهوه على قبول الإسلام، فأحيى الله بهم الدين، وأمات بهم البدع، وأظهر بهم الحق، وأطفأ بهم كل جور، حَتـَّى مضوا عليهم رحمة الله.

وَأَنـَّهُ بلغنا أنَّ قومًا من القدرية والمرجئة بصحار قد أظهروا دينهم، ودعوا الناس إليه، وقد كثر المستجيبون لهم، ثُمَّ قد صاروا بتوام وغيرها من عمان. وقد يحق عليك أن تنكر ذلك عليهم، فإنَّا نخاف أن يعلو أمرهم في سلطان المسلمين، فَأْمر يزيد([16]) أو اكتب إليه ألاَّ يترك أهل البدع على إظهار دعوتهم؛ حَتَّى يطفئ الضلال والبدع، واكتب إليه رحمك الله أن يظهر الإنكار عليهم، ويرسل إلى كل من بلغه شيء من ذلك، فيعرض عليهم الإسلام ويصف لهم الدين، وإثبات القدر، وتكفير أهل الإصرار، فإن قبلوا ذلك وإلا فاحبس وعاقب، ومن بلغه عنه تمادٍ في ذلك حبسه وعاقبه وأطال حبسه.

أحببنا أن نعلمك ونكتب إليك بالذي بلغنا من ذلك، وضاقت به صدورنا، فانظر في ذلك نظر الله إليك وإلينا برحمته، والسلام عليكم ورحمة الله»([17]).

نقلنا هذا النص الذي يثبت بوضوح موقف الإِبَاضِيَّة من القدرية في الربع الأَوَّل من القرن 3هـ/9م، وهو امتدادٌ لما كان عليه السلف الأَوَّل في هذه القضية، فهذا الإمام جابر([18]) يُسأل في شأن القدر، فيجيب السائل بأن الجواب وارد في مطلع الرسالة التي أرسل بها إليه، من يهد الله فلا مضل له.

وذاك صحار العبدي([19]) كان يقول في القدرية: «كلِّموهم في العلم، فإن أقرُّوا به نقضوا، وإن أنكروا كفروا».

أَمَّا أبو عبيدة فقد كان صريحًا مع واصل بن عطاء([20]) حيث بيَّن له أن الفرق واضح بين القدر والمقدور، وأن القول بأن المعصية مِن خَلْق الإنسان يؤدي إلى أن الله تعالى يُعصى بالاستكراه، وكان صارمًا، وأعلن البراءة منهم بعد أن ثبت إصرارهم على موقفهم([21]).

وتذكر المصادر عدة مناظرات بين الإِبَاضِيَّة والمعتزلة، أبرزها مناظرة وائل بن أيوب الحضرمي([22]) لكهلان المعتزلي([23]) ومناظرة مهدي النفوسي([24]) للفتى المعتزلي بمحضر الإمام عبد الوهاب الرستمي (171-221هـ/ 787-826م)([25]). والمهم أن جمهور الإِبَاضِيَّة استقرُّوا على أنَّ القَدَر كلَّّه من الله تعالى([26]).

وإن لم تشر المصادر إلى أنَّ لمحمد بن محبوب موقفًا في شأن هذه القضية في هذا الظَّرف. وإنَّما فصَّلنا الخبر فيها لنبين المحيط الثقافي الذي نشأ فيه.

فهذا أحد علماء تلك المرحلة ـ وهي تقابل مرحلة شباب محَمَّد بن محبوب ونشأته ـ يقف موقفًا صارمًا من هذه القضية ويحمِّل الإمام عبد الملك بن حميد مسؤولية كاملة، فيراسله بلهجة شديدة صريحة، ويذكِّره بموقف السلف من أهل البدع المتمثل في التثبُّت في شأنهم، ومناظرتهم، والسعي إلى إقناعهم، فإن حصل ذلك فهو المطلوب، وإن لم يقتنع هؤلاء يؤمرون بالخروج من المحيط الإباضي بسلام، أَمَّا إن لم يقتنعوا ولم يخرجوا وظلُّوا ينشرون رأيهم فالحبس والعقاب حتَّى لا ينتشر قولهم في المحيط الإباضي.

ثُمَّ بعد هذا التذكير يعيِّن هذا العالم للإمام خطة العمل، وذلك بتكليف السلطة القائمة في صُحار وتوام، وحيث انتشر ذلك الأمر أن تكون حازمة في مواقفها؛ لأن المسألة ليست بالأمر الهين، إنَّه صفاء العقيدة المتمثل في القول بإثبات القدر.

ولا ينبغي أن نغفل هنا عن أنَّ صحار هي موطن محَمَّد بن محبوب الأصلي، فلا غرابة حينئذ أن ينبِّه إلى هذه القضية؛ ذلك أن مثل هذه المواقف الصارمة سيكون له وقع على هذا الفتى، وذلك ما سيتجلَّى في موقفه من قضيَّة كلامية أخرى ظهرت في عمان، وقت بلغ الرجل سن النضج، ألا وهي قضية خلق القرآن.

3) محَمَّد بن محبوب وقضيَّة خلق القرآن:

جاء في التحفة: «وفي زمانه (الإمام المهنَّا بن جيفر) وقع الكلام بعمان في خلق القرآن، وهي مسألة جيء بها من البصرة([27]) فانتشر الكلام فيها، وعظمت البليَّة في عمان وغيرها، وسببها شبهةٌ ألقاها إلى أهل الحديث أبو شاكر الديصاني([28])، وكان ممن يقول بقدم الأشياء، فحسد المسلمين على حسن الحال الذي رآه فيهم، فأظهر الزهد والتقشُّف، ثُمَّ ألقى إليهم أن القرآن قديم ليس بمخلوق، فقبلها قوم وأنكرها آخرون، وانتشرت في الآفاق وتكلَّم فيها علماء الأمصار.

قال الفضل أبو الحواري([29]) اجتمع الأشياخ بدما([30]) منهم أبـو زياد([31])، وسعيـد بن محـرز([32])، ومحمد بن هاشم([33])، ومحمد بن محبوب، وغيرهم من الأشياخ فتذاكروا في القرآن.

فقال محَمَّد بن محبوب: أنا أقول إن القرآن مخلوق، فغضب محَمَّد بن هاشم، وقال: أنا أخرج من عمان ولا أقيم فيها.

فظنَّ محَمَّد بن محبوب أَنـَّهُ يُعرِّض به، فقال: بل أنا أولى بالخروج من عمان؛ لأني فيها غريب.

فخرج محَمَّد بن هاشم من البيت وهو يقول: ليتني متُّ قبل اليوم.

ثُمَّ تفرَّقوا، ثُمَّ اجتمعوا بعد ذلك، ثُمَّ رجع محَمَّد بن محبوب عن قوله، واجتمع من قولهم: إنَّ الله خالق كل شيء، وما سوى الله مخلوق، وإن القرآن كلام الله ووحيه وكتابه وتنزيله على محَمَّد e، وأمروا الإمام المهنَّا بالشدِّ على من يقول: إن القرآن مخلوق، هذا كلام الفضل بن الحواري»([34]).

معلوم أنَّنا إزاء قضيَّة كلامية ليست كبقية القضايا إذ لم يقف الأمر فيها عند الجدل الكلامي، وَإِنَّمَا تحول إلى محن وإحن([35]).

وفعلاً كادت هذه القضية حال وصولها إلى عمان أن تكسر وحدة الصف الإباضي لولا ما تحلى به محَمَّد بن محبوب من رصانة وبُعد نظر، ولا شك أَنـَّهُم بلغتهم الأخبار عَمَّا خلَّفته هذه القضية من بلاء في المجتمع العراقي.

وفعلا فقد تبنى محَمَّد بن محبوب القول بالخلق بصفة صريحة حالما عرضت القضية.

لكن عندما رأى شدة غضب محَمَّد بن هاشم تبين حسن نيته وإخلاصه، فلم يكن منه إِلاَّ أن بين أَنـَّهُ لا يريد أن يكون سببًا في تكسير وحدة الصف، وأثبت أَنـَّهُ الأولى بالخروج لأَنـَّهُ غريب، ولعله يشير هنا إلى أن إقامته إلى ذلك الحين لم تكن باستمرار بعمان، وَإِنَّمَا كانت بين البصرة والحرمين الشريفين.

وهكذا ينفض المجلس، ويخرج محَمَّد بن هاشم وهو يتمنى أَنـَّهُ مات قبل حضور مثل هذا المشهد، وهذه درجة قصوى في التعبير عن الغضب كما هو معلوم.

لكن الأمر لم يتوقف هنا، ولا شك أَنـَّهَا ظلت المشاورات بين أولئك العلماء المجتمعين إلى أن توصلوا إلى موقف وسط لا تصريح فيه بخلق القرآن ولا بقدمه، وهنالك لم يكن من محَمَّد بن محبوب عند أول اجتماع إِلاَّ أن صرح برجوعه عن القول بخلق القرآن، والاكتفاء بالقول المطلق كما اتَّفَقَت على ذلك الجماعة.

وهذا يَدُلُّ على عمق فكر الرجل وبعد نظره؛ ذلك لأننا نعلم أَنـَّهُ لا تعوزه الحجة للانتصار لموقفه، لكن وحدة الجماعة أَوْلى؛ خاصة وأن الأشياخ لم يذهبوا إلى القول بالقدم، القول الذي لم يقتنع به.

وبتراجعه هذا أدرك أن الأشياخ وإن منعوا من القول بخلق القرآن صراحة، فإنهم يجعلونه ضمن الأشياء المخلوقة لقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾([36]).

وعدم التصريح هذا أراد الأشياخ من خلاله أن يفروا من مقالة الجهمية([37]) الزاعمين أن صفات الذات محدثة، تعالى الله عَمَّا يقولون علوًّا كبيرا، ونحن نعلم أن القرآن كلام الله، وأن الكلام من صفات الذات. فعدم إطلاق الخلق على القرآن احتراز لعدم الوقوع في تصوُّر حدوث الصفات الذاتية.

فواضحٌ حينئذ أن الأشياخ يعتقدون أن القرآن من جملة المخلوقات بدون منازع، وصدق السالمي حيث قال: «ولم يكن مرادهم (الأشياخ) نفي حقيقة الخلق عن الكتب المنزلة، ولا أرادوا إثبات قديم مع الله، حاشهم عن ذلك».

كما أحسن السالمي في تصريحه بموقف محَمَّد بن محبوب والتنويه به حيث قال: «وقد تبين لأبي عبد الله (محَمَّد بن محبوب) الفرق بين المقالة ـ وهي القول بخلق القرآن ـ وبين مقالة الجهمية بحدوث الصفات الذاتية، فقال: القرآن مخلوق.

فَلَمَّا رأى أن الأصحاب لا يوافقونه على هذا التصريح، تركه ورجع إلى الإجمال الذي اتَّفَقُوا عليه، إذ ليس في ترك التصريح بذلك محذور، لدخول القرآن تحت الإجمال، وهي العقيدة التي كان عليها السلف، وحصلت بها السلامة العامة، وَإِنَّمَا المحذور كلُّ المحذور في إنكار صفة الخلق عن القرآن، وإعطائه صفة القديم تعالى، فتفطن لهذا المقام، فَإِنـَّهُ مزلة الأقدام، ومضلة الأفهام. والله ولي التوفيق».

هكذا نتبين أن موقف ابن محبوب كان صريحًا في القول بالخلق، وذلك ما كان يعتقده، إِلاَّ أَنـَّهُ عندما تبين أن الصلاح في الاكتفاء بالإطلاق دون التفصيل لم يتردَّد في أن يسلك هذا المسلك حفاظا على وحدة الصف.

ونحن نعلم أن قضية خلق القرآن دخيلة على البيئة الإسلامية نتيجة احتكاكها ببقية الحضارات، خاصة منها الحضارة اليونانية، والرسالة اليهودية والمسيحية، وقد خاضت كلها في مثل هذه القضية([38]).

ويبدو أن أول من تعرض لهذه القضية في المحيط الإباضي عبد الله بن يزيد الفزاري([39]) دون أن يكون لها أثر كبير في البيئة الإِبَاضِيَّة.

ثُمَّ إن المتتبع للفكر الكلامي عند الإِبَاضِيَّة يتبين أن هذه القضية لم تكن محط اتِّفَاق بين إِبَاضِيَّة المشرق وإِبَاضِيَّة المغرب. وكانوا يعذرون بعضهم بعضًا.

وملخص القول: إن للمشارقة ثلاثة مواقف إلى القرن السادس للهجرة/12م:

– فمنهم من يقول بالقدم.

– ومنهم من يقول بالحدوث.

– ومنهم من يتوقف دون أن يقطع عذر هؤلاء ولا هؤلاء.

ثُمَّ تحولوا بعد ذلك جميعًا إلى القول بالخلق، وهو القول الذي ذهب إليه محَمَّد بن محبوب من اللحظة الأولى التي طرحت فيها القضية في عمان.

أَمَّا المغاربة فقد استقر عندهم رأي واحدٌ من وقت مبكر مع رسالة الإمام أبي اليقظان الرستمي (231-281هـ/ 855-894م)([40])، ألا وهو القول بخلق القرآن، وقد استمروا في الدفاع عنه إلى يومنا هذا([41]).

4) محَمَّد بن محبوب وقضية قتل:

إن محَمَّد بن محبوب لم يكن يطمع في منصب ما عندما كان العنصر البارز بين أهل الحل والعقد في ترشيح الإمام الصلت والمبادرة لمبايعته، وَإِنَّمَا كان يحتسب الأمر لله تعالى، وهو يدرك تمام الإدراك أن المسؤولية تكليف وليست من قبيل التشريف، لا يجري وراءها أهل الصلاح، وَأَمَّا إن وجبت وتعينت فيهم فيُقبلون عليها بحزم ويؤدُّون حقها لينالوا من ورائها الأجر والثواب من الله، وليرعوا بها حقوق الأمة.

لذلك ظل محَمَّد بن محبوب اثنتي عشرة سنة واحدًا من أفراد الرعية من سنة 237هـ/851م إلى سنة 249هـ/863م.

والراجح أَنـَّهُ من أهل الحل والعقد، يتتبع أحوال الأمة، ويحتسب على الإمام وأعوانه، وينشر ما وهبه الله من علم بين الناس، ويجمع ما تحتاج إليه الأمة في مؤلفات، ويساعد الإمام على كتابة العهود، ويراسل الإِبَاضِيَّة في أطراف البلاد، ويحل المعضلات التي تطرأ بين يدي الإمام، وهو في كل ذلك فيما نتصوَّر ينتقل بين نزوى وعاصمة الإمامة، وغيرها من مدن عمان وخاصة صحار موطن عشيرته من الرحيليين، وبين مدينة البصرة التي بدأ يأفل نجمها ويتقلص دورها، وبين الحرمين الشريفين.

وهذا السالمي يحكي استفتاء الإمام الصلت إياه في قضية من قضايا الدماء، ونحن نعلم أن مثل هذه القضايا من أعوص المسائل المطروحة في الفقه الإسلامي، إذ ليس من اليسير الحكم بالقتل على نفس بشرية، أو الحكم ببراءتها، وإصدار مثل هذه الأحكام يحتاج إلى نَفَس نحرٍ كبير، وعلم واسع، وعدم تسرُّع، عسى أن يدرك الفقيه الحقيقة التي يرضى عنها الله تعالى، وتأخذ للمظلوم حقه من الظالم.

لقد جاء في التحفة ما يلي: «اتهم (رجل من أهل بسيا)([42]) بقتل رجل، فسجنه الإمام (الصلت) على التهمة، فطال حبسه، فأقر بالقتل، وَلَكِنَّهُ ادعى أَنـَّهُ قصد غيره فأخطأ فيه، فشاور الإمام في أمره من حضر من علماء المسلمين.

وكتب بذلك إلى أبي عبد الله محَمَّد بن محبوب فأجابه بقوله: “وذكرت رحمك الله ما يفسد به من أمور رعيتك، ما يحتاج فيه إلى مشاورة الإخوان، وأن محَمَّد بن عمر من أهل بسيا كان في الحبس على تهمة بقتل رجل، فأقر عندكم أَنـَّهُ أراد قتل رجل فقتل غيره، وكان عنده إِنَّمَا قتل الذي قصد إليه، إلى أن رآه حيًّا، ووقع القتل بغيره، فبان له ذلك بعد موت الرجل.

وذكرت رحمك الله أنك كتبت إلى القاضي تشاوره، فكتب إليك أن مثل هذا يستودع الحبس عمره، وأنك جمعت من كان بحضرتك وأبرزته إليهم، فأقر معهم بهذا الإقرار، فرأى من رأى عليه القَوَد، وذكرت أنك قد حبست هذا الرجل كثيرًا، وأحببت أن أعرِّفك رأيي في ذلك، فأسأل الله أن يهجم بك وبنا على الصواب. وأن يوفقك إلى الحكمة وفصل الخطاب.

واعلم ـ رحمك الله ـ أَنـَّهُ إِنَّمَا يُحبس أهل التهم بالدماء حَتَّى تقوم عليهم البينة العادلة، وأن يقروا بما كان عليهم، ولا يصح ذلك عليهم، فيرى الإمام أَنـَّهُ قد اجتهد وبالغ في حبسهم، فيرى بعد ذلك إطلاقهم.

ومن أقر منهم على نفسه بالقتل إقرارًا صحيحًا، كان حقًّا على الإمام إنفاذ الحكم فيه بما جاء في كتاب الله تعالى، فإن لم يجد في كتاب الله فمن سنة رسول الله e، فإن لم يجد فمن آثار أَئِمَّة الهدى والعلم بالله.

وَإِنَّمَا يُحبس من لم يَدْعُ إلى الإنصاف من نفسه، فأمَّا من دعا إلى أخذ الحق منه وأقر لأهله فلا حبس عليه.

واعلم ـ أسعدك الله ـ أن في مثل هذا عندنا أثرا عن أسلافنا وأئمة الهدى منا، وكان مثل هذا بنخل([43])، ذلك ـ أنت إن شاء الله قد عرفت ـ في قتل سعيد بن محَمَّد النخلي، فأقر ربيب سعيد بن عمر وإليه قصد، أَنـَّهُ قتله، وَإِنَّمَا أراد قتل عمه زوج أمه سعيد بن عمر وإليه قصد، وكان المقتول غيره، وهو: سعيد بن محَمَّد. ثُمَّ شاور عبد الملك الإمام([44]) في ذلك ـ رحمه الله ـ: فلم ير عليه موسى بن علي([45]) ـ رحمه الله ـ وغيره من المسلمين القود.

ووجدت في بعض آثار المسلمين في هذا أَنـَّهُ لا قود عليه، فأعلمت بذلك عليًّا([46]) فأعجبه وتمسك به، وقال: إِنَّمَا هذا إقرار من الرجل على نفسه فهذا الذي حفظنا.

وقد كان الأزهر بن علي([47]) قد خالفهم في ذلك، فلم يأخذوا بقوله.

والذي نأخذ به أَنـَّهُ لا قود على هذا الرجل، وَإِنَّمَا تلزمه الدية في نفسه، ولا تلزم عاقلته في شيء.

وإن أراد أولياء الدم يمينه، فعليه لهم يمين الله أَنـَّهُ ما قصد إلى قتل صاحبهم هذا، ولا تعمَّد ذلك، وما أراد إِلاَّ قتل رجل غيره فأخطأ به، وليس هذا ـ رحمك الله ـ عندنا، بمنزلة من أقر بقتل رجل فقال: «ابتدأ بي فضربني وبغى علي فقتلته»، هذا لا يقبل من دعواه إِلاَّ بالبينة، إِلاَّ أَنـَّهُ قد أقر أَنـَّهُ قصد إلى قتله وادعى بغيه عليه، وذلك بقول: «إني لم أقصد إلى قتل هذا ولا أردته، وَإِنَّمَا أردت قتل غيره» فقتله، وَإِنَّمَا وقع القتل بغيره، ولو أن رجلاً أقر بقتل رجل، وقال: «قد رأيته قتل ابني فقتلته»، لم يقبل دعواه إِلاَّ بشاهدي عدل، وإلا لزمه القود»([48]).

يتَّضح من هذه القضية الفقهية أن الإمام الصلت لم يلتجئ إلى محَمَّد بن محبوب إِلاَّ بعد أن ضاقت به السبل، ولم يطمئن إلى ما اقترح عليه من حلول حَتَّى من قبل القاضي، وفي ذلك دلالة على أن محَمَّد بن محبوب سلطة علمية عليا. وَأَنـَّهُ الغوث بالنسبة إلى أهل زمانه، وعلى أن الإمام ليس ممن يأخذون بأول رأي في مثل هذه الأحوال، وقد ذكرنا قبل حين ما لقضايا الدماء من شأن، وما فيها من إشكال.

وفعلاً، وإن يكن محَمَّد بن محبوب حاضرًا في العاصمة، فإن الإمام كاتَبَه في شأن هذه القضية يلتمس منه الجواب الشافي الذي تطمئن إليه النفوس في شأن هذا الذي تعمد قتل شخص معين، فوقع خطأ على شخص آخر ولم يتبين له في ما بعد أن الشخص الذي اعتقد أَنـَّهُ قد قتله ما يزال على قيد الحياة، وَأَنـَّهُ فعلاً قتل آخر مكانه.

ولقد استطاع محَمَّد بن محبوب أن يلخص رسالة الإمام بِكُلِّ دقَّة، ونحن نعلم أن الجواب على قدر السؤال، وأن الإصابة في الجواب تكون على قدر فهم السؤال.

ـ فعرض أوَّلاً موضوع القضية بدقة وافية.

ـ ثُمَّ عرض الحلول المقترحة على الإمام.

ـ رأي القاضي: يستودع الحبس عمره.

ـ رأي الآخرين: عليه القود.

ـ ثُمَّ عرض تطبيق الإمام: وقد تمثل في حبس الرجل طويلاً، لَكِنَّهُ لم يطمئن إلى ذلك.

ـ المرحلة الأخيرة: مكاتبة محَمَّد بن محبوب: «وأحببت أن أعرفك رأيي في ذلك».

وبعد هذا العرض الدقيق للقضية، والحلول المقترحة في شأنها يأتي محَمَّد بن محبوب إلى الجواب.

1 ـ الحبس لأهل التهم بالدماء مشروط بأحد أمرين:

ـ إِمَّا أن تقوم عليه البينة العادلة.

ـ وَإِمَّا أن يقروا بما كان عليهم.

ولا يكون الإطلاق إِلاَّ بعد الاجتهاد في الأمر.

2 ـ المقر بالقتل: إنفاذ الحكم بدليل:

أ ـ من القرآن الكريم.

ب ـ من السنة الشريفة.

ج ـ من آثار أَئِمَّة الهدى.

وبهذا قد أثبت محَمَّد بن محبوب التدرج مع مصادر الشريعة كما فعل معاذ بن جبل([49]) عندما سأله رسول الله e عن مسلكه في الحكم.

3 ـ لا حبس على من أقرَّ.

4 ـ الوصول إلى القضية المعينة.

لا شك في أن محَمَّد بن محبوب بحث عن الدليل في الكتاب والسنة فلم يجد فتحوَّل إلى الرتبة الثالثة، وهي آثار أَئِمَّة الهدى، وهنالك وجد الدليل حيث اجتهد أهل الذكر في بداية القرن في قضية مماثلة ووصلوا إلى الحل.

وكان ذلك زمن الإمام عبد الملك بن حميد (208-226هـ/824-841م) وبرأي الشيخ أبي علي موسى بن علي وغيره من أهل العلم آنذاك. فكانت الفتوى ألا قود على القاتل في مثل هذه الحال. ولم يكتف محَمَّد بن محبوب بل تتبع المصادر فوجد الحكم في قضية مماثلة في بعض آثار المسلمين، ووددنا هنا لو نسب محَمَّد بن محبوب هذا القول إلى أصحابه، ولعله وجده مكتوبًا غير منسوب، كما يحدث كثيرًا في كتب الفقه.

وهو مع ذلك يستشير من يثق فيه من أهل العلم، فيوافقه على ذلك مع اعتبار أن الرجل أقر على نفسه، ثُمَّ لا يقف عند هذا الحد بل يورد الرأي المخالف في القضية منسوبًا إلى صاحبه ويبين أن أبا علي موسى بن علي والإمام عبد الملك ومن معهما لم يأخذوا بقوله، وفي هذا دلالة واضحة على مرونة هؤلاء في موقفهم وتقديمهم رأيًا على رأي في ما يجوز فيه الخلاف.

وفي الأخير يقرر الرأي النهائي، ويتحمَّل فيه مسؤوليته أمام الله تعالى وأمام الإمام كاملة وبدون أي تردد «والذي نأخذ به»، نعم إِنَّهُ اختيار عن بينة، وبعد بحث وتمحيص.

الحكم:

1 ـ لا قود على الرجل.

2 ـ تلزمه الدية في نفسه.

3 ـ لا تلزم عاقلته منها شيء.

وزيادة في التحري: يمكن أولياء الدم طلب اليمين من القاتل على أَنـَّهُ ما قصد صاحبهم، وهذا من شأنه أن يشفي الغليل، ويطفئ نار الحقد.

ثُمَّ في النهاية يقيم مفارقة واضحة بين هذه القضية في ما يَتَعَلَّق باليمين، وبين يمين مَن قَتل بعد ادعاء بغي الطرف المقابل، إذ في هذه الحال لا بد من البينة حسب محَمَّد بن محبوب، وإلا لزمه القود.

هكذا نتبين أن محَمَّد بن محبوب استوفى القضية من جميع جوانبها، وتتبع جميع ملابساتها، وجميع ما يحيط بها من افتراضات، ذاك هو شأن أهل العلم إذا طلب منهم الناس، أو طلبت منهم القيادة الروحية الزمانية للأمة أن يفصلوا في قضية ما.

إِنَّهُ الإخلاص في الإنصاف بين الظالم والمظلوم في قضية من قضايا الدماء، إذ إِمَّا أن يكون القصاص ويُقتلَ الرجل وإن قَتَلَ خطأً، وما يترتب على هذا القتل من مسؤولية اجتماعية، وَإِمَّا الدية واليمين وما ترتب على ذلك من مسؤولية اجتماعية في مستوى آخر، وكل ذلك في مستوى العلاقة بين عاقلتي الطرفين عبر الزمان والمكان.

وودنا لو نقل السالمي الخبر عن الحل الذي اختاره الإمام الصلت بعد هذا السعي الطويل في التشاور. ولعلنا نرجح أَنـَّهُ اختار موقف ابن محبوب وأطلق سراح الرجل.

5) صرامة محَمَّد بن محبوب مع من يفسد في الأرض:

جاء في التحفة: «وفي سنة تسع وخمسين ومائتين (259هـ/872م)، قُتل خثعم العوفي بالسنينة من الظاهرة، وهو رجل كان محَمَّد بن محبوب قد أباح دمه لفساده في الأرض»([50]).

ندرك من هذا الخبر أن محَمَّد بن محبوب قد تحرى الأمر في شأن خثعم العوفي، فثبت عنده بأَدِلَّة لا نزاع فيها أن الرجل يعيث في الأرض فسادًا، ولعله يقطع الطريق ويفعل الأفاعيل التي توجب القتل لأمر القرآن الكريم، فلم يكن منه أن يتردد في مثل هذا الحال، بل أصدر حكمه عليه غيابيًّا، وأهدر دمه، وأوكل الأمر للقادرين على ذلك من حماة الشريعة ومن حماة المجتمع الإسلامي من الفساد، فلم يكن من هؤلاء إِلاَّ الامتثال لأمر قاضي المسلمين في صحار، فنفَّذوا الحكم في ذلك الفاسد وأراحوا من شره البلاد والعباد.

وهذا ما توصلنا إليه من مواقف محَمَّد بن محبوب العلمية وفيها دلالة واضحة على أن الرجل يتحرى الحق بقدر الإمكان، مَرِنٌ حيث تمكن المرونة لَكِنَّهُ شديدٌ في الحق عندما تجب الشدة.

ومن مواقفه العلمية، إلى المحور الثالث، لنلتقي به في مكة المكرمة.

يتبع…


([1]) انظر ما سبق.

([2]) أبو المنذر بشير بن محَمَّد بن محبوب بن الرحيل: من علماء القرن 3هـ/9م، صاحب كتاب «المحاربة» و«الخزانة» سبعون مجلدا، وكتاب «البستان» في الأصول، و«الرضف في التوحيد»، و«حدوث العالم». وله من الأولاد: مجبر وبشير. كشف، ص263 تعليق 2، وص293 تعليق 2.

([3]) كشف، ص263.

([4]) هو أبو الحسن البسياني: انظر ما سبق.

([5]) تحفة، 1/150.

([6]) الولاية والبراءة والوقوف من الأصول العقدية الاجتماعية عند الإِبَاضِيَّة، ومنبعها كتاب الله العزيز وسنة النبي u؛ ذلك أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، ولا يحق للمؤمن أن يتولى الكافر المشرك، أَمَّا من لم يثبت إيمانه وكفره فيتوقف في شأنه، وهذا تصور تتفق في شأنه الفرق الإسلامية ويطلق عليه عند الإِبَاضِيَّة مصطلح الولاية العامة والبراءة العامة.

لكن التصور الإباضي يزيد على هذا ما يعرف بالولاية الخاصة والبراءة الخاصة؛ وذلك بأن تتولى من ثبت لك صلاحه، وتتبرأ ممن ثبت لك عصيانه وهتكه لمحارم الله. ولهذا المبدأ شأن عظيم خاصة في مرحلة الكتمان في نظام الحلقة، حيث تعلن البراءة من كل من ثبت بالبينة الشرعية مجاهرته بالمحرمات، فيقاطع مقاطعة كلية إلى أن يتوب، كما فعل e مع الثلاثة الذي خلفوا في غزوة تبوك. قال تعالى: ﴿لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلآَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (سورة التوبة: 117-118).

وفي شأن الفُرقة بسبب مقتل الحارث وعبد الجبار يقول مبارك الراشدي: «وعندما حدثت الفرقة بين الإِبَاضِيَّة بالمغرب بسبب الولاية والبراءة من الإمام الحارث بن تليد الحضرمي، وعبد الجبار بن قيس المرادي، ووصل شررها إلى المشرق، فكثر الخلاف في أمرهما، إذ وجد سيف كل واحد منهما في جثة الآخر مقتولين، فتولَّتهما طائفة؛ لأَنـَّهُ لا يعلم المحق منهما من المبطل، فهما على أصل ولايتهما حَتـَّى يصح الخروج منها، وتبرأت منهما طائفة، إذ لا يخلو كل واحد منهما من البغي على صاحبه وللحكم علينا بالظاهر، وتوقفت طائفة عنهما، ولم تنطفئ نار الفتنة حَتَّى كتب أبو عبيدة وحاجب إلى أهل المغرب رسالة بالكف عنهما وعن الكلام في أمرهما، فخمدت الفتنة، ودل ذلك على مكانة أبي عبيدة بين معاصريه في المغرب والمشرق». ر. الدرجيني: طبقات، 1/24. الراشدي: الإمام أبو عبيدة، 372-373. ر. النامي: الأطروحة، وقد حلل قضية الولاية والبراءة تحليلاً وافيًا.

Ennami. A. K: Studies in Ibadism. A Thesis submitted to the University of Cambridge for the degree of Doctor of Power point philosophy, Fitzwilliam. College Cambridge May, 1970, p430.

ر. الجعبيري: نظام العزابة.

([7]) تحفة، 1/161.

([8]) تحفة، 1/159. قارن هذا الموقف بموقف الإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى (130هـ/748م) من والي الأمويين على صنعاء وعامله على حضرموت كيف سجنهما يومًا ثُمَّ أطلق سراحهما. وما كان السجن إِلاَّ خشية عليهما من العامة وقد اعتذر لهما. مهدي طالب هاشم: الحركة الإِبَاضِيَّة، ص97-164.

([9]) أبو إسحاق إبراهيم (1386هـ/1966م): ولد في يسجن بوادي ميزاب. وبها أخذ عن شيخه امحَمَّد اطْفِيَّشْ (1332هـ/1914م). نفاه الاستعمار الفرنسي إلى تونس، ثُمَّ إلى مصر نتيجة لنشاطه السياسي. استقر بالقاهرة في قسم المخطوطات المغربية بدار الكتب المصرية، وتفرغ للبحث والتدريس في بيته وفي دار الطلبة الإباضيين بوكالة الجاموس. وقد تتلمذ عليه عدد من الطلبة الجربيين والميزابيين والنفوسيين والعمانيين. حقق كثيرًا من النصوص الإِبَاضِيَّة الهامة في الحديث والتاريخ والأصول والفقه. ر. الجعبيري: البعد، ص84.

([10]) تحفة، 1/159، تعليق 2.

([11]) ن م، 1/160، تعليق 1.

([12]) القدرية: إن الناظر في كتب الفرق الإسلامية يتبين أن كلمة «قدرية» غلبت على تلقيب المعتزلة للتمييز بينهم وبين المجبرة، والأنسب أن يسموا: «أهل العدل والتوحيد». البعد، ص415.

([13]) المرجئة: هم القائلون بالإرجاء، وهي من الفرق الإسلامية المتقدمة في الزمن. ومن أسس المرجئة أَنـَّهُ لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة. وأن طاعة الإمام الجائر واجبة، فلا ثورة ولا خروج، ويرجون النجاة لِكُلِّ المؤمنين يوم القيامة وإن ماتوا على المعصية. البعد، ص102.

([14]) توام: هي البريمي حاليًا، وكانت تسمى «توام» قديما، وهي واحة تشتمل على مجموعة قرى، وهي قاعدة أرض الجو، وهي تلي أرض السر من عمان من الجهة القبلية. كشف، ص220، تعليق 12.

([15]) انظر ما سبق.

([16]) يزيد: يبدو أَنـَّهُ والي الإمام على مدينة صحار.

([17]) تحفة، 1/139- 140.

([18]) جابر بن زيد (93هـ/710-711م): هو أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي الجوفي البصري العماني، والجوفي نسبة إلى ناحية في عمان، وأصله من «فرق» وهي بلدة من أعمال نزوى بالقرب منها، وكان من اليحمد من ولد عمرو بن اليحمد. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب أي سنة 21هـ/641-642م. رحل في طلب العلم، وصاحب عبد الله بن عباس، وكان أشهر من صحبه وقرأ عليه، كما أخذ عن جمع غفير من الصحابة. يقول: «أدركت سبعين رجلا من أهل بدر فحويت ما بين أظهرهم إِلاَّ البحر»، يعني ابن عباس، لغزارة علمه. لقد استقر في البصرة ونسب إليها، وهو أصل المذهب الإباضي، وهو أول من جمع الحديث في ديوان (مفقود) تروي المصادر أَنـَّهُ وقر بعير. وقد أخذ عنه العلم ناس كثير، من بينهم الإمام الثاني للإِبَاضِيَّة، وهو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، وعنه أخذ الربيع كتاب الجامع الصحيح، وهو عمدة الإِبَاضِيَّة في الحديث. ط. القاهرة بالمطبعة السَّلَفِيَّة، 1349هـ/1930م. البعد، ص50.

([19]) صحار العبدي (ق1هـ/7م): من طبقة جابر بن زيد، ومن شيوخ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. ينسب إليه بحث في القدر. ر. الدرجيني: الطبقات، 2/223. ر. الشماخي: السير، ص81. ر. كوبرلي: الأطروحة، ص418.

([20]) واصل بن عطاء (80 – 131هـ/700 – 748م): ر. الزركلي: الأعلام، 9/121.

([21]) البعد، ص418.

([22]) وائل بن أيوب الحضرمي: من علماء النصف الثاني من القرن 2هـ/8م. يقول عنه الشماخي: «هو من أفاضل أصحابنا علمًا وزهدًا وتقى، وأمرًا ونهيًا». ر. الدرجيني: الطبقات، 2/278. ر. الشماخي: السير، ص105. البعد، ص419.

([23]) كهلان المعتزلي: تذكره كتب السير الإِبَاضِيَّة عند مناظرته لمهدي النفوسي بين يدي الإمام عبد الوهاب بن رستم، وقد أورد يوسف المصعبي نص هذه المناظرة في حاشيته على أصول تبغورين، ص81. وقد كانت المناظرة غاية في الدقة، وانتهت بفوز مهدي النفوسي. البعد، ص419.

([24]) مهدي النفوسي (أواخر ق2هـ/9م) من جبل نفوسة من علماء الكلام. هو المقدم في الجدال، الذي له اليد العليا في البرهان والاستدلال. ر. الدرجيني: الطبقات، 2/513. واشتهر باستعانة الإمام عبد الوهاب به لمناظرة المعتزلة. ر. أبو زكريا يحيى بن أبي بكر: كتاب السيرة وأخبار الأَئِمَّة، ص67. ر. الدرجيني: 2/313-314… البعد، ص420.

([25]) عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (171-211هـ/ 787-826م): ثاني أَئِمَّة بني رستم أخذ العلم عن أبيه. وتنوِّه المصادر بغزارة علمه ورجاحة عقله، وقد سلك والده مسلك عمر بن الخطاب، فجعل الإمامة شورى بين ستة ممن رأى فيهم الصلاح فانتخب إمامًا. ثار عليه يزيد بن فندين وخلف بن السمح فأخمد ثورتهما. استقر إمامًا طيلة 40 سنة، وكان غاية في سعة العلم والحنكة السياسية. البعد، ص57.

([26]) البعد، ص413-420.

([27]) البصرة: انظر الخريطة.

([28]) أبو شاكر الديصاني: يذكر أبو إسحاق اطْفِيَّشْ أَنـَّهُ يهودي الأصل، تظاهر بالإسلام لأجل إلقاء الفتنة بين المسلمين. تحفة، 1/128-129. وقد فصل الكلام في رواية الحادثة. ويذكر أبو مهدي عيسى بن إسماعيل من علماء الإِبَاضِيَّة أن الديصانية قوم من الدهرية الذين ينكرون حدوث العالم. الرد على البهلولي، مخ، 80. البعد، ص351.

([29]) انظر ما سبق.

([30]) دُما: سوق من أسواق العرب بعمان. ياقوت: معجم البلدان مدينة تقع قرب مدينة السيب، وهي تشرف على مدخل الطرف الجنوبي للباطنة من مناطق عمان. ر. كشف، ص234. تعليق 1.

([31]) أبو زياد: من طبقة محَمَّد بن محبوب، والراجح أَنـَّهُ أصغر سنًّا منه ودونه علمًا؛ ذلك أن أبا المؤثر لم يذكره ضمن الحديث عن أَئِمَّة المسلمين. من فقهاء ق2و3هـ/8و9م. وحضور مثل هذا المجلس في شأن خلق القرآن يَدُلُّ على أن له شيئًا من علم.

([32]) سعيد بن محرز: ذكره أبو المؤثر في سيرته عند ذكر أَئِمَّة المسلمين من أصحاب النبي ومن بعدهم قبل محَمَّد بن محبوب: «وموسى بن علي، وسعيد بن محرز، والوضاح بن عقبة، ومحمد بن محبوب، أَئِمَّة المسلمين وفقهائهم…». السير، 2/315.

كما روى عنه محَمَّد بن علي (سبقت ترجمته) خبرًا يَتَعَلَّق بأمر التثبُّت في الولاية والبراءة والوقوف. «قال محَمَّد بن علي رحمه الله قال: أخبرنا سعيد بن محرز عن هاشم بن غيلان…». السير، 2/106ـ107.

كما نقل أَنـَّهُ كان ضمن الأشياخ الذي ناقشوا قضيَّة خلق القرآن. فهو حينئذ من طبقة محَمَّد بن محبوب، والراجح أَنـَّهُ أسنُّ منه. ق2و3هـ/8و9م.

([33]) محَمَّد بن هاشم بن غيلان: ذكره أبو المؤثر في سيرته عند ذكر أَئِمَّة المسلمين مباشرة قبل موسى بن علي. انظر أعلاه تعليق 101. ويبدو أيضًا أَنـَّهُ أسنُ من محَمَّد بن محبوب، وهو من فقهاء ق2و3/8و9م السير: 2/315.

([34]) تحفة، 1/ 155- 156.

([35]) البعد، ص353.

([36]) سورة الأنعام: 102.

([37]) الجهمية: نسبة إلى جهم بن صفوان (128هـ/745م) فرقة غريبة حسب مقال دائرة المعارف الإسلامية، إذ يصعب العثور على أتباع بأتم معنى الكلمة لجهم بن صفوان. المبادئ المنسوبة إليهم هي: القول بالجبر، خلق القرآن. اتُّهموا بالقول بالتعطيل في الصفات. يقولون بتأويل المتشابه. دائرة المعارف الإسلامية، ص398. ط. فرنسية.

([38]) البعد، ص349-350.

([39]) عبد الله بن يزيد الفزاري (ق3هـ/9م) كان يعيش بالكوفة بين ق2و3هـ/8و9م. وقد ذكره ابن حزم في الفِصَل حيث يقول: «وأقرب فرق الخوارج إلى أهل السنة أصحاب عبد الله بن يزيد الفزاري الكوفي». ط. مصر، دار الفكر، 1317هـ/1899م، 2/112. ويقول النامي: إِنَّهُ عثر على كتاب له بزوارة بليبيا عنوانه: «كتاب الردود». الأطروحة، ص213. وقد اطلعت على نسخة من هذا الكتاب هناك بزوارة، في أوت 1982م.

([40]) أبو اليقظان الرستمي (231-281هـ/ 855-894م): هو محَمَّد بن أفلح بن عبد الوهاب خامس الأَئِمَّة الرستميين، ولد ونشأ في تاهرت أيام إمامة أبيه. حج سنة 238هـ/852م، فقبض عليه عمال بني العبَّاس، ونُقل إلى بغداد وسجن، ثُمَّ عاد إلى تاهرت بعد موت أبيه، وبويع سنة 241هـ/855م. له رصيد علمي وافر كأسلافه. وإلى جانب رسائله وأجوبته المخطوطة حفظ البرادي رسالته في خلق القرآن. الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات، ط. حجرية، البارونية، 1306هـ/1888م، ص183-200. البعد، ص353.

([41]) البعد، ص352-353.

([42]) بسيا: انظر الخريطة.

([43]) نخل: مدينة بالحجر الغربي من عُمان. كشف، ص349. تعليق 2. انظر الخريطة.

([44]) عبد الملك بن حميد: انظر ما سبق.

([45]) سبق التعريف به.

([46]) لا بد أن يكون من أهل العلم في عصره، وقد يكون علي بن صالح، أو علي بن خالد، ممن عاصروا محَمَّد بن محبوب، وقد حضروا معه بيعة الإمام الصلت.

([47]) الأزهر بن علي: لم يذكره أبو المؤثر ضمن ذكر أَئِمَّة المسلمين. السير 2/313-315. وموقفه يَدُلُّ أن له باعًا في الفقه مكَّنه من مخالفة عصره في قضية مثل هذه القضية في شأن الدماء، وقد ذكرنا صعوبة مثل هذه القضايا في الفقه الإسلامي.

([48]) تحفة، 1/ 194 – 195.

([49]) معاذ بن جبل (20 ق.هـ-18هـ/603-639م). انظر: الزركلي: الأعلام، 7/258.

([50]) تحفة، 1/166.

هذه المقالة تحتوي على التعليقات على حياة الإمام محَمَّد بن محبوب القرشي العماني وعصره- الجزء الثاني مغلقة

التعليقات مغلقة مع الأسف