حياة الإمام محَمَّد بن محبوب القرشي العماني وعصره- الجزء الاول

حياة الإمام محَمَّد بن محبوب القرشي العماني وعصره *

للباحث:
د. فرحات بن علي الجعبيري
محاضر بالجامعة التونسية الأولى

لقد مهدنا للبحث ببطاقة تعريف محَمَّد بن محبوب، على شكل ما يعرف اليوم بـ«السير الذاتية»؛ وذلك ليتمكن القارئ من معرفة الخطوط العريضة لحياة الرجل.

ثُمَّ أقمنا بقية العمل على أربعة محاور:

المحور الأَوَّل: وسمناه بـ«محَمَّد بن محبوب والمحيط العماني»: وقد عرَّفنا فيه بنشأته الأولى بين عمان والبصرة والحرمين الشريفين، وبالأئمة الذين عاصرهم، وبالازدهار العلمي في بيئته، وبموقفه الخاص من الإمام المهنا، وبتولِّيه رئاسة مجلس أهل الحل والعقد للبيعة للإمام الصلت، ثُمَّ بتولِّيه خطة القضاء بصحار، إلى أن توفي بها سنة 260هـ/873م.

أَمَّا المحور الثاني: فقد خصصناه لمواقفه العلمية وتمثلت في:

1- موقفه من الشائعات حول الإمام المهنا.

2- موقفه من قضية القدر.

3- موقفه من قضية خلق القرآن.

4- موقفه من قضية قتل…

5- موقفه ممن يفسد في الأرض.

أَمَّا المحور الثالث: ـ وقد جاء غير موازن لبقية المحاور ـ فقد تعمَّدنا تخصيصه لحياة محَمَّد بن محبوب في مكة، نشأة وإقامة، خاصة عند الإشراف على موسم الحج؛ وذلك لما لهذه الحياة في مكة من أهمية لربط العلاقات مع بقية الإِبَاضِيَّة ولنشر الدعوة.

أَمَّا المحور الرابع: فقد سعينا فيه إلى التعريف بمؤلفات محَمَّد بن محبوب:

1- كتاب في الفقه سبعين جزءًا، وإن كان هذا الكتاب مفقودًا، فقد حاولنا أن نثبت صحة وجوده ونسبته إلى صاحبه.

2- سيرة محَمَّد بن محبوب، وقد حرصنا على أن نعرِّف بهذا النص تعريفًا متكاملاً؛ لنثبت في النهاية البعد الحضاري للمسائل المطروحة فيه، وهي مسائل عملية ونظرية جاءت في صيغة أسئلة من أهل المغرب أجاب عليها محَمَّد بن محبوب سؤالاً سؤالاً بِكُلِّ دقة.

3- العهد المرسل إلى الغزاة الذين توجهوا للدفاع عن سقطرى، وهي جزيرة عمانية أرادت قوى معادية احتلالها، وقد ذكرنا التردد في نسبته إلى محَمَّد بن محبوب أو إلى الإمام الصلت، وَإِنَّمَا أوردنا ذكره لما له من أهمية للتعرف على فقه شؤون الجهاد في سبيل الله عند الإِبَاضِيَّة.

ثُمَّ تأتي الخاتمة لتثبت أن محَمَّد بن محبوب إِنَّمَا هو شاهد على عصر من عصور النهضة العلمية في عمان. وقد أسعفه القدر أن يُتوفى قبل أن تنطلق الفتنة التي أطاحت بالإمامة الثانية بعمان، وقسَّمت أهلها إلى رستاقية ونزوانية، فجاء النصف قرن الذي منَّ به عليه الله تعالى زاخرًا بالعطاء المثمر، والذي وضع لبنة زكية في صرح الحضارة الإسلامية.

أَمَّا المضمون: فقد كان بمثابة التحقيق بالنسبة إلى العمل الأَوَّل، إذ عرَّفنا فيه بِكُلِّ ما يجب أن يعرَّف، مع التوثيق العلمي المطلوب، بحيث تحوَّل حجمه إلى الضِّعف.

ونرجو أن نكون بهذا قد وفقنا إلى التعريف بهذه الشخصية، وهي ما تزال مغمورة حَتَّى في الأوساط الإِبَاضِيَّة.

﴿حَسْبِي اللَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾([1]).

فرحات بن علي الجعبيري.

تونس، في: 5 شعبان 1420هـ/ 13 نوفمبر 1999م.

تمهيد: بطاقة تعريف:

– الاسم: محَمَّد.

– اسم الأب: محبوب بن الرحيل بن هبيرة.

– الكنية: أبو عبد الله.

– القبيلة: قريش.

– اسم الأبناء: أبو المنذر بشير، وأبو محَمَّد عبد الله([2]).

– أخواه: سفيان ومجبر ويعرف الأخير بالثقة([3]).

– حفيداه: مجبر بن بشير، سعيد بن عبد الله.

– مكان الولادة: صحار أو البصرة أو مكة.

– تاريخ الوفاة: 3 محرم 260هـ/ 29 أكتوبر 873م.

– مكان الوفاة والقبر: صُحار بعمان([4]).

– مكان التعليم: المحيط المكي والعماني.

– المكانة العلمية والاجتماعية: من أهل الحل والعقد.

تولى القضاء بعاصمة الإمامة صحار، للإمام الصلت بن مالك (237-273هـ/ 852-889م) من سنة 249هـ/863م إلى سنة وفاته 260هـ/873م.

شيوخه([5]):

حملة العلم إلى عمان، وعلى رأسهم أبوه: أبو سفيان محبوب بن الرحيل، وموسى بن أبي جابر، وأبو المنذر بشير بن المنذر، ومحمد بن المعلا الكندي، ومنير بن النير الجعلاني.

وترجَّح أَنَّهُ أخذ عن غيرهم أمثال: أبي علي موسى بن علي (177ـ230هـ/844م). وهاشم بن غيلان.

تلاميذه: لم يؤثر عنه أن له تلاميذ.


المحور الأَوَّل: محَمَّد بن محبوب والمحيط العماني

1- نشأة محمَّد بن محبوب الأولى في رعاية والده:

ما يزال أهل الدعوة([6]) يدعون كل أتباعهم إلى قراءة كتب أبي سفيان محبوب بن الرحيل([7])، ليستقوا الأخبار الصحيحة من المنبع، ولم يكن محبوب هذا سوى والد محَمَّد بن محبوب، فكيف يمكن أن تكون نشأته؟ وما هو الرصيد الذي يمكن أن يحصل عليه من التربية والعلوم الإسلامية؟

إِنَّهَا حصيلة تجربة المدرسة الإِبَاضِيَّة في البصرة مع أئمتها الذين أرسوا قواعدها في كل الفنون. نعم لقد أخذ الأب عن أبي عبيدة([8])، ولازم الربيع([9]) ملازمة الوالد لأبيه؛ ذاك أَنـَّهُ كان ربيبه لأمه، كانت أمُّه تحت الربيع، إِنَّهُ حجة أهل المذهب في النصف الثاني من القرن الثاني والثُّلث الأَوَّل من القرن الثالث/8 و9م، خاصة في السيرة والسير، إذ لا يكاد يشذ عنه شيء من سيرة الرسول e، ولا سير المسلمين من بعده. كما أَنـَّهُ روى عنه أبو غانم الخراساني([10]) في مدونته أقواله في الفقه، وما بقي من آثاره المكتوبة، مثل: نصيحته لطالب الحق([11])، ورسائله لأهل اليمن ولأهل عمان في شأن هارون بن اليمان([12]) وغيرها تَدُلُّ دلالة واضحة على امتلاكه نواصي فهم الكتاب العزيز، وسنة المصطفى e، مع اجتهاد حيث يجب الاجتهاد في قضايا العقيدة وغيرها، وإذا كان الأب هكذا فإن الولد نسخة من أبيه، وسيتضح ذلك بعد حين.

والملاحظ هنا أن مثل هذا العالم لا يمكن أن يستقر في وطن واحد، وبذلك تكون نشأة محَمَّد بن محبوب في أحضان مراكز الدعوة الأساسية بالبصرة بالعراق، وبصحار([13]) ونزوى([14]) بعمان وبالحرمين الشريفين، حيث كان تنقُّل أبيه باستمرار. ومهما يكن من أمر فإن ولادته يصعب أن تخرج عن هذه المحيطات الثلاثة.

وَأَمَّا التعلُّم فالراجح أَنـَّهُ كان هناك، وكلنا يدرك أن هذه المراكز لم تعرف والده فحسب، وَإِنَّمَا عرفت علماء آخرين، أبرزهم: حملة العلم إلى عمان، كما ذكرنا ذلك سابقًا، وأكثر من هذا فإن أباه كان يرعى هؤلاء جميعًا في بيت الله الحرام، والدليل على ذلك ما ذكره ابن سلام: «ودار محبوب بمكة، وله خيامات تسمى مضارب محبوب بمنى أيام الحج بمقامهم بمنى، الثلاثة أيام التشريق، خلف الجمرة الكبيرة التي يرميها الحاج أول ما يقدمون من المزدلفة غربي منى، وغربي الجمار الثلاث، خلف عقبة منى، وهي مضارب خيامات فيها مورد حجاج أهل عمان وجماعاتهم أيام التشريق بعد يوم الأضحى. أخبرني بذلك صاحب لأبي حماد النفوسي، وهو رجل عالم لقي حجاج عمان وعلماءهم في أيام منى مقيمين في تلك المضارب. وَإِنَّمَا لقيته بجندوبة مع أبي حماد النفوسي بعد ثلاث وسبعين ومائتين (273هـ/ 887م)»([15]).

ولا يفوتنا أن نذكِّر بعناية هذا الجيل باللقاء في بيت الله الحرام، ذلك أَنـَّهُم كانوا لا يتخلف منهم إِلاَّ من لهم عذر قاهر؛ لأَنـَّهَا تلك فرصتهم الذهبية للتشاور، ولتنظيم أحوال أهل الدعوة، وللتعريف بمذهبهم بين الحجيج الوافدين من أطراف العالم الإسلامي.

فهنالك في مكة خاصة يكون محَمَّد بن محبوب قد استفاد من جميع أعلام أهل الدعوة، وقد أوتي الفرصة ليخدمهم؛ لأَنـَّهُم ينزلون في دارهم، أو يزورون تلك الدار إن كانوا يقيمون في مضارب أخرى، وسنرى بعد حين تلقيه للحجيج المغاربة عندما آلت إليه المسؤولية([16]).

وإن كانت النشأة بين تلك المواطن فيترجح لدينا أَنـَّهُ اختار بعد ذلك الاستقرار في عمان، حيث كانت إمامة الظهور قائمة على قدم وساق، مع عدم التخلف عن مكة في موسم الحج.

2- الأَئِمَّة الذين عاصرهم:

جاء في كتاب كشف الغمة ما يلي: «وكانت تلك الأيام صدر الدولة وقوتها والعلماء»([17]) وإن قدَّرنا تاريخ ولادة محَمَّد بن محبوب في العقد الأخير من القرن الثاني (190هـ/850م، إذ توفي 260هـ/873م) فيكون عاش العمر العادي، إذ لم يذكر أحد أَنـَّهُ عمِّر أو أَنـَّهُ مات صغير السن، فَإِنَّهُ قد عاصر الأَئِمَّة الآتي ذكرهم:

– الإمام غسَّان بن عبد الله الفجحي (189-208هـ/804-824م. 192-207هـ/807-823م)([18]).

– الإمام عبد الملك بن حميد (208-266هـ/824-841م)([19]).

– الإمام المهنا بن جيفر الفجحي (266-237/841-852م)([20]).

– الإمام الصلت بن مالك الخروصي (237-273هـ/852-887م)([21]).

والمقام هنا ليس مقام تفصيل، وَإِنَّمَا هي إشارات خفيفة للدلالة على ما يجنيه الناس من خير إذا استقام العدل واستتبَّ الأمن.

3- الازدهار العلمي بعمان:

والشاهد الأَوَّل الذي نقلنا في مطلع العنصر الثاني جاء مصوِّرًا لدولة الإمام غسَّان، إِنَّهَا بحقٍّ صدر الدولة وقوتها، ويختم صاحب كتاب كشف الغمة حديثه عن هذه الإمامة بقوله: «ولم يزل غسان قائمًا بالحق والعدل، حَتَّى مرض يوم الأربعاء لثمان بقين من ذي القعدة سنة سبع ومائتين (8/11/207هـ) ومات من مرضه هذا».

أَمَّا الإمام عبد الملك بن حميد: فقد سار سيرة الحق والعدل، واتبع السلف الصالح، وصارت عمان يومئذ خير دار([22]).

وقد ازدانت إمامته بعالمين من علماء عمان:

– أولهما أبو علي موسى بن علي، وقد كان قاضي الإمام ومدار الفتوى (177-230هـ/844-893م). ويتجلى ذلك فيما يروى أنَّ له جامعا لم يصل إلينا، ومما نقله السالمي من النصائح التي كان يسديها للإمام([23]).

– وثانيهما هاشم بن غيلان، وهو أيضا ممن يستنصحه الإمام ويستشيره فينصح ويشير([24]).

4- إمامة محَمَّد بن محبوب العلمية والبيعة للإمام الصلت:

أَمَّا الإمام المهنا بن جيفر «فله ضبط وحزم…»([25]). «ولم يزل المهنا إمامًا حَتَّى مات… ومات والمسلمون عنه راضون وله موالون ومؤازرون…»([26]). وخلال إمامته توفي أبو علي موسى بن علي سنة 230هـ/844م. وجاء ذكر محَمَّد بن محبوب عند وفاة الإمام المهنا. كما ورد في تحفة الأعيان ما يلي: «قال: وأحسب أَنـَّهُ كان في المسجد محَمَّد بن محبوب، ومحمد بن علي([27])، ولم أبصرهما ولكن توهمت ذلك؛ لأَنـَّهُم اجتمعوا في بيت المشورة فيمن يقدِّمونه إمامًا…»([28]).

وجاء في كشف الغمة: «ثُمَّ ولَّى المسلمون من بعده الصلت بن مالك في اليوم الذي مات فيه المهنا، وكان هناك بقايا من أشياخ المسلمين وفقهائهم، ورئيسهم وإمامهم في العلم والدين محَمَّد بن محبوب، فبايعوا الصلت بن مالك على ما بويع عليه أَئِمَّة العدل من قبله، فسار بالحق والعدل…»([29]).

وجاء في التحفة: «قال أبو المؤثر([30]): إِلاَّ أن محَمَّد بن علي، وبشير بن المنذر([31]) ومحمد بن محبوب والمعلا بن منير([32]) وعبيد الله بن الحكم([33]) كانوا هم المقدمين في البيعة للصلت بن مالك ـ رحمه الله ـ»([34]).

إن هذه النصوص تثبت إمامة محَمَّد بن محبوب العلمية وتحمُّله مع أهل الحل والعقد مسؤولية بيعة الإمام الصلت بن مالك.

5- محَمَّد بن محبوب يتولى القضاء بصحار:

وجاء في التحفة: «ولَّى الصلت بن مالك صحارًا محَمَّد بن الأزهر العبدي([35])، وقدم محَمَّد بن محبوب صحار في سنة تسع وأربعين ومائتين، فولي القضاء بها (249هـ/863م)»([36]). وجاء في التحفة أيضًا: «وفي سنة تسع وخمسين ومائتين (259هـ/872م) قتل خثعم العوفي([37]) بالسنينة([38]) من الظاهرة([39])، وهو رجل كان محَمَّد بن محبوب قد أباح دمه لفساده في الأرض»([40]).

«ولم يزل محَمَّد بن محبوب ـ رحمه الله ـ بصحار على القضاء، حَتَّى مات يوم الجمعة لثلاث خلون من شهر المحرم سنة ستين ومائتين (260هـ/29 أكتوبر 873م) وصلى عليه غدانة بن محَمَّد»([41]).

وجاء في كشف الغمة: «وفي أيامه([42]) توفي العالم العلامة إمام العلماء محَمَّد بن محبوب ـ رحمه الله ـ»([43]).

تلك إحدى عشرة سنة قضاها محَمَّد بن محبوب يتولى خطة القضاء في جناح من أجنحة الإمامة، إِنَّهَا مدينة صحار موطن الرحيليِّـين، ومركز من أهم مراكز الإمامة؛ لأَنـَّهَا تطل على المحيط، وقد عرفت من الحركة الاجتماعية والاقتصادية ما لم تعرفه كثير من مدن عمان الداخلية؛ لأَنـَّهَا مركز ملتقى الحضارات، إذ تروح منها السفن شرقًا وغربًا، وتلتقي فيها الأجناس من أطراف البلاد العربية والفارسية والهندية وغيرها، إِنَّهَا كما عرَّفنا بها سابقًا غاية في الرقي الحضاري، وصلها الإسلام مع عمرو بن العاص([44]) مبعوث رسول الله e، فقبل أهلها الإسلام ونشروه في أطراف بلادهم، ودافعوا عنه بِكُلِّ ما أوتوا من قوة، ودعا لهم رسول الله e بالخير، فظل ذلك الخير منتشرًا ما داموا محافظين على أداء الأمانة.

إِنَّهُ حينئذ محيط يرفل بالحضارة والبهاء، تتعقد في تركيبة المجتمع، وتختلط الأحوال، فتصعب بذلك مهمة القاضي، لكن عدل الإمامة وهيبتها يحوِّلان طينة البشر، ويجعلان فيهم الصلاح، فيُهاب جانب القاضي، ويتناقص غليان الفساد.

وهنا تسكت المصادر تمامًا عَمَّا كان ينظر فيه محَمَّد بن محبوب من القضايا، سوى قضية واحدة، ولعل ذلك يرجع ـ كما ذكرنا ـ إلى انتشار الصلاح، فلم يكن هنالك ما يشدُّ الرواة من الأحداث الغريبة، من أمثال القضية التي سنفصِّل الحديث في شأنها في المحور الثاني، وهي تَتَعَلَّق بمن يفسد في الأرض. والراجح حينئذ أن محَمَّد بن محبوب كان يقضي حياته في هذا العقد الأخير منها بين الجلوس إلى القضاء، والجلوس إلى التعليم، والجلوس إلى التأليف وإلى الإجابة عمَّا يرد إليه من الرسائل من الإمام نفسه، ومن أهل العلم ومن عامة الناس، يستنيرون بما وهبه الله من علم فيما يشكل عليهم من القضايا العلمية من مختلف فنون العلوم الإسلامية، وخاصة منها ما يَتَعَلَّق بالحياة العلمية من فقه وفتوى.

وهكذا يشاء الله أن يستمرَّ محَمَّد بن محبوب في خطة القضاء بصحار حَتَّى وافاه أجله المحتوم بها، حيث يوجد قبره كما يذكر ذلك ابن رزيق.

6- منزلة محَمَّد بن محبوب بعمان:

من هذه الأخبار نتبيَّن أن محَمَّد بن محبوب لم يكن شخصية مغمورة، وَإِنَّمَا كان في المرحلة الأولى في ظل علماء كانت لهم السلطة العليا، ومنهم هاشم بن غيلان، أولئك الذين كانوا أهل الحل والعقد، ومنهم من كان يتولى القضاء في مركز الإمامة، وهو ما يعرف بخطة قاضي القضاة.

أَمَّا وقد توفي هؤلاء فكانت له الصدارة بعد أن اكتسب منهم من الخبرة ما اكتسب.

وفعلاً لم يكن محَمَّد بن محبوب مجرد عضو من أعضاء مجلس الشورى عند اختيار الإمام الصلت بن مالك، وَإِنَّمَا كان «رئيس (أشياخ المسلمين) وإمامهم في العلم والدين»([45]).

وَإِنَّهَا لمهمة صعبة في الربع الأَوَّل من القرن الثالث هـ/9م أن ينتخب إمامًا للظهور في محيط أهل الدعوة في عمان مع توفر شروط الإمامة في عدد من الفقهاء الصالحين، ومع أن وقت المشورة لا ينبغي أن يطول؛ لأن البلاد لا ينبغي أن تبيت بدون إمام.

وإذا علمنا أن الإمام المهنا قد تقدمت به السن، ولكن أهل العلم رأوا صلاحيته وضرورة بقائه، وأدركوا أن شيبته أقوى من شباب غيره، فلا شك أن التفكير قد دار مرات في ذهن الشيخ محَمَّد بن محبوب في شأن الخلف، ونتصور أَنـَّهُ وقع تطارح الموضوع في هذا الشأن بين الفقهاء، ولا حرج في ذلك.

ورغم طول عمر الإمام المهنا فإن وفاته كانت في لحظة دقيقة: «وتوفي الإمام ـ رحمه الله ـ يوم الجمعة والناس في المسجد قد حضروا لصلاة الجمعة بعد الأذان، فصلى بالناس ذلك اليوم خالد بن محَمَّد المعدي»([46]). وفي بعض الأثر: «كان الإمام مريضا، وقام الخطيب على المنبر، فبينما هو في الخطبة إذ جاء رجل فأخبرهم بموت الإمام، فقطع الخطيب الخطبة، وصلى على النبي e، ودعا من المنبر وصلَّوا أربع ركعات، وذلك لست عشرة خلت من ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين ومائتين (16 ربيع الآخر 237هـ/16 أكتوبر 851م).

وحال الانتهاء من الصلاة انتقل الجمع وعلى رأسهم الشيخ محَمَّد بن محبوب إلى دار المشورة. ولا شك في أَنـَّهُ كان في المسجد ـ وإن شك الراوي في ذلك ـ؛ لأن حضوره في المشورة يفرض وجوده في الجامع لصلاة الجمعة؛ لأَنـَّهُ لا يمكن أن يتخلف عنها، وسعة الجامع بعاصمة الإمامة تبرِّر تحري الراوي في نقل الخبر»([47]).

ويطبِّق هؤلاء الحضور سنة المصطفى e، فيودِّعون إمامهم الراحل إلى مثواه الأخير، ويصلي عليه ابنه جيفر بن المهنا([48])، وألقيت مواعظ المقبرة عبرة لمن يعتبر.

ثُمَّ تفرق الجمع، واشرأبت الأعناق نحو دار المشورة، حيث تعودت الأمة أن يلتقي أهل الشورى لانتخاب الإمام الجديد، ومبايعته البيعة الخاصة، قبل أن يتحول إلى الجامع لتتم البيعة العامة. ولقائل أن يقول هنا: هل كانت في ذمة هؤلاء بيعة لولي العهد؟.

الجواب: لا بالطبع؛ ذلك لأن أهل الاستقامة([49]) لم يرفضوا خلافة بني أمية إِلاَّ لِمَا رأوا فيها من حيف في أمور كثيرة، وخاصة في هذا المبدأ بالذات، وكذا كان رفضهم لإمامة أهل البيت؛ لأنهما تقومان على ولاية العهد وعلى الوراثة: الأولى في قريش مطلقًا، والثانية في قريش بالتعيين في أحفاد الإمام علي، مع بعض الاختلافات الجزئية، كما تذكر ذلك كتب الملل الشيعية والكتب التي نقلت عنها([50]).

كما يمكن أن يقول: هل عين الإمام المهنا مجموعة تكون الشورى بينهم لاختيار واحد من بينهم إمامًا؟

الجواب: لا كذلك، وإن كانت الإِبَاضِيَّة لا ترفض هذا المسلك، حَتَّى وإن كان واحد منهم من أبناء الإمام إذا توفرت فيه شروط الإمامة، كما وقع في القرن الثاني في المغرب عند وفاة الإمام عبد الرحمن بن رستم (171هـ/787م)([51]).

فماذا بقي حينئذ؟ البيعة المطلقة لمن يستحق الإمامة، اقتداءً بسنة المصطفى e عندما انتقل إلى الرفيق الأعلى دون أن يعين أحدا. نعم إِنَّهُ اجتماع بين من حضر من أهل الحل والعقد شبيه في عفويته باجتماع سقيفة بني ساعدة، قامت في المشورة، يقودها الشيخ محَمَّد بن محبوب برصانة العلم الخبير المحنك، وهو في العقد الخامس من عمره، وقد آلت إليه الرئاسة العلمية عن جدارة وحب واعتراف من فقهاء أهل زمانه الذين كانوا يعيشون في عاصمة الإمامة، وعددهم يقارب العشرين، عدَا من كان دونهم علما ممن لم يحضروا ذلك المجلس.

وهنا نلاحظ أن المصادر لا تسعفنا بتفصيل ما دار من حوار في ذلك المجلس المغلق، وليس في إمكاننا إِلاَّ أن نتصور حدة النقاش والمقارنة بين تفاصيل من وقع اقتراحهم، إِنَّهَا السرية الكاملة، والكتمان الخالص، والمجالس أمانات كما هو معلوم، وليس لمن كان خارج المجلس إِلاَّ أن يعرف النتيجة، وفي تلك الأثناء يتساءل المرء: أين كان الشخص الذي سيقع اختياره ليكون على قمة الهرم الاجتماعي؟ فهل كان يتربع على آرائك قصر أبيه؟ وهل كان يختفي في مكان ما في انتظار نتائج حملته الانتخابية؟ كلا، إِنَّهُ كان واحدًا من أفراد الرعية، ينتظر مع المنتظرين ليبايع الإمام المنتخب، ذلك هو الصلت بن مالك الخروصي، عشية تلك الجمعة من شهر ربيع الآخر سنة 237هـ/ أكتوبر 851م.

إن الله هو الذي ألهم ذلك الجمع بقيادة محَمَّد بن محبوب الحكمة ليقع اختياره عليه إمامًا للمسلمين لما علموا من سيرته وعلمه وورعه وشجاعته، تلك هي شروط الإمامة كاملة في هؤلاء، وأن يقبل ما طلب منه، وإلا فليتحمل مسؤوليته أمام الله تعالى وأمام الأمة.

وقبل أن يُدعى الصلت إلى مجلس الشورى، استمع إلى أبي المؤثر الصلت بن خميس يقول: «كنا في المشورة لَمَّا مات المهنا، فوقع في ثوبي دم، قال: فذهبت أغسله، فرجعت وقد بايعوا للصلت، أو قال: قد انقطعت الأمور، فسأل أو قال لي ـ يعني أبا عبد الله محَمَّد بن محبوب ـ: أين كنت؟! أو ما أخرجك من الناس؟! فقلت: وقع في ثوبي دم، فذهبت أغسله، فاستتابني»([52]). نعم إن الخروج من مثل هذا الظرف معصية في ميزان أبي عبد الله يجب أن يستتاب منها، وفعلاً يلبي أبو المؤثر ـ وهو يروي عن نفسه ـ طلب ابن الرحيل ويتوب، رغم أَنـَّهُ خرج للضرورة؛ لأَنـَّهُ أدرك أن ضرورة تولية الإمام مقدمة على طهارة ثوبه، وما كان يتصور أن يتم الأمر في ذلك الوقت القصير الذي خرج فيه لتطهير ثوبه!.

ثُمَّ يذكر أبو المؤثر أسماء أهل العلم آنذاك([53]). ويختم ذلك بقوله: «منهم من شهد البيعة، ومنهم من غاب عنها، ولم يعلم منهم خلاف عليه»([54]).

وقد نقلنا قبل حين أن محَمَّد بن محبوب كان من «المقدَّمين في البيعة للصلت بن مالك ـ رحمه الله ـ»([55]). وينتهي المجلس بالإجماع على اختيار الصلت بن مالك الخروصي إمامًا للمسلمين خلفًا للإمام المهنَّا قبل غروب الشمس.

فيعرض الأمر على الرجل ويبيِّن بين يدي الحاضرين خشيته من تحمل هذه الأمانة؛ لأَنـَّهُ يدرك أَنـَّهَا تكليف وليست تشريفًا، لكن أمام إجماع الحاضرين ووعدهم إياه بالمؤازرة التامة لم يكن منه إِلاَّ أن ينزل عند رغبتهم. وهكذا امتدت الأيدي لتبايع، والراجح أن أول يد كانت يد الشيخ محَمَّد بن محبوب. وأعلن الأمر في الملأ، وعمَّ البشر من جديد في أنحاء نزوى، بيضة الإسلام وعاصمة الإمامة، وأقبلت الوفود على المسجد الجامع لتجمع بين فريضتين، فريضة صلاة المغرب، وفريضة بيعة الإمام المنتخب.

وهذا أبو قحطان([56]) يروي خبر الإجماع: «أجمعوا على إمامة الصلت وولايته، وولاية من قدَّمه من المسلمين»، قال: «وأجمعوا على نصرته، وتحريم غيبته، والامتناع عن طاعته»([57]).

وقيل في موطن آخر: «…فبايعوه على ما بويع عليه أهل العدل قبل»([58]).

ويقول السيابي: وصدق أبو الحواري([59]) فيما نقله عن أبي الحسن البسياني([60]) في شأن هذه العبارة: بايعوا لعبد الملك بن حميد على ما بويع عليه غسَّان بن عبد الله، وغسَّان إِنَّمَا بويع على ما بويع عليه الوارث. والوارث ـ رحمه الله ـ([61]) بويع على ما بويع عليه أَئِمَّة العدل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الشراء في سبيل الله U، وعلى إظهار الحق، وإخماد الباطل، وعلى الجهاد في سبيل الله، وقتال الفئة الباغية، والمراد بأئمة العدل الذين بويع الوارث بن كعب على ما بويعوا عليه، وهم أبو بكر([62]) وعمر([63]) رضي الله عنهما، وأمثالهما من أَئِمَّة المسلمين([64])؛ لأَنـَّهُ لم يكن قبل الوارث بعمان إمام إِلاَّ الجلندى بن مسعود ـ رحمه الله ـ([65])،([66]). ويقول السيابي([67]) تعليقًا على هذا الخبر: «وكانت هذه البيعة هي الأصل في الإمامة، وعليها يدور محور إمامة المسلمين منذ الخلفاء الراشدين»([68]).

هكذا تمت البيعة للإمام الصلت برئاسة الفقيه محَمَّد بن محبوب بن الرحيل.

وماذا بعد هذا عن مواقفه العلمية؟

يتبع…..


([1]) سورة التوبة: 149.

([2]) مصنف مجهول: كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، تحقيق ودراسة وتعليق: أحمد عبيدلي. رسالة ماجستير في الدراسات الإسلامية، نوقشت بالمعهد العالي للدراسات الإسلامية التابع لجمعية المقاصد الخيرية في بيروت، في 11 محرم 1405هـ/ 6 تشرين الثاني 1984م، دلمون للنشر نيقوسيا. قبرص، 1405هـ/1985م (447 صفحة)، ص263 و293 ضمن (سلسلة الجزيرة العربية 1) الراجح أن الكتاب أُلف قبل القرن 8هـ/14م.

([3]) المصدر نفسه.

([4]) حميد بن محَمَّد بن رزيق (1291هـ/1874م): الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين، تحقيق: عبد المنعم عامر، ود. محَمَّد موسى عبد الله. مطابع سجل العرب القاهرة، نشر: وزارة التراث العماني 1379هـ/1977م (614ص) ص233. وذلك بشهادة المؤلف سنة 1274هـ/1857م.

([5]) مهدي طالب هاشم (معاصر): الحركة الإِبَاضِيَّة في المشرق العربي. شأنها وتطورها حَتـَّى نهاية القرن الثالث/9 رسالة ماجستير نوقشت بكلية الآداب في جامعة بغداد. كانون الثاني 1977. دار الاتحاد العربي للطابعة. ط1. 1401/1981 (351ص). ص86: أَمَّا بالنسبة إلى الدعوة الإِبَاضِيَّة في عمان، فقد حفظ لنا العوتبي (4/10) في كتابه الأنساب أسماء حملة العلم من تلاميذ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة 145/762 ومنهم الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي وهو أحد العلماء الأربعة الذي حملوا العلم ونقلوه من البصرة إلى عمان، وكان يسكن البصرة بمكان يسمى الخريبة، ومنصور الرباحي، وبشير بن المنذر النزواني، ومحمد بن المعلا الكندي فشحي من الفشح بن حاضر بن حديد، وأضاف إليهم الرقيشي هاشم بن غيلان السِيجاني، والمنير بن النير الجعلاني. هاشم: الحركة الإِبَاضِيَّة ص85.

([6]) أهل الدعوة هذا هو الاسم الذي أطلقه الإِبَاضِيَّة على أنفسهم، إلى جانب اسمين آخرين، في بداية حركتهم، قبل أن يطلق عليهم مخالفوهم اسم الإِبَاضِيَّة، نسبة إلى إمامهم عبد الله بن إباض (86هـ/705م) وهما: «جماعة المسلمين»، و«أهل الاستقامة». الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة الإِبَاضِيَّة، ص31-89. راجع بحثنا: الشهرستاني وتسمية الفرق وألقابها.

([7]) أبو سفيان محبوب بن الرحيل (النصف الثاني من القرن 2هـ/ النصف الثاني من القرن 8م وبداية القرن التاسع الميلادي): أخذ عن أبي عبيدة مسلم (145هـ/762م) والربيع بن حبيب (175هـ/791م). وكانت والدته تحت الربيع بن حبيب. كان حجة في السيرة. وهو ممن دوَّن أخبار أهل الدعوة. وروى عنه أبو غانم الخراساني (ق2هـ/8م) في مدونته في الفقه الإباضي. وقد أورد الدرجيني نص النصيحة التي وجهها إلى عبد الله بن يحيى طالب الحق (130هـ/748م). وجل أخبار المشارقة من الإِبَاضِيَّة مروية عنه في كتب الطبقات والسير. 117-119. ابن خلفون: أجوبة ابن خلفون، 116. التعريف للمحقق عمرو خليفة النامي. ر. الجعبيري: البعد، ص108 تعليق (47). كشف، ص299.

([8]) أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة (145هـ/771م): تميمي بالولاء. أخذ العلم عن جابر بن زيد (93هـ/771م) وجعفر السماك (ق2هـ/8م) وصحار العبدي (ق2هـ/8م). وإليه انتهت رئاسة الإِبَاضِيَّة بعد موت جابر. وبإشارته أسس الإِبَاضِيَّة في كلٍّ من المغرب وحضرموت دولا مستقلة، وتخرج على يديه رجال من مختلف البلاد الإسلامية آنذاك عرفوا بحملة العلم، وعن طريقهم انتشر المذهب الإباضي وفقهه في مختلف البلاد الإسلامية. ر. الدرجيني: الطبقات، 2/236)، الشماخي: السير، ص82. الجعبيري: البعد، 104 تعليق 38. ر. مبارك الراشدي (معاصر): الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وفقهه. (45- 145هـ/665-762م). دكتوراه مرحلة ثالثة، نوقشت بكلية الشريعة وأصول الدين بتونس، مطبعة الوفاء المنصورة، مصر، ط1، 1413هـ/1993م (698ص).

([9]) الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي الفراهيدي البصري (حوالي 75-170هـ/694-786م): ولد بإحدى قرى السهل الساحلي بـ«ودام» من الباطنة في عمان. رحل إلى البصرة لطلب العلم، وفيها أخذ عن الإمام جابر بن زيد، وتتلمذ خاصة على الإمام أبي عبيدة وعدة من الشيوخ الإِبَاضِيَّة بالبصرة، ثُمَّ تولى إمامة الإِبَاضِيَّة هناك بعد وفاة شيخه أبي عبيدة، وقد اعتنى بجمع أحاديث رسول الله e مروية عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن جمع من الصحابة، أبرزهم عبد الله بن عباس (68هـ/619-687م) في كتاب يَعتبره الإِبَاضِيَّةُ عمدتَهم في الحديث. وإلى جانب نشاطه العلمي بالبصرة كانت له مراسلات مع إِبَاضِيَّة المغرب زمن الإمامة الرستمية (160-296هـ/776-908م). ر. الدرجيني: الطبقات، 2/273. ر. الشماخي: السير، 102. ر. عمرو بن مسعود أبو القاسم: الربيع بن حبيب محدِّثًا، رسالة ماجستير قدمت بجامعة الفاتح بكلية التربية قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية، سنة 1983م، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، نشر: جمعية التراث. ر. الجعبيري: البعد الحضاري: ص105.

([10]) أبو غانم بشر بن غانم الخراساني: درس بالبصرة وأخذ عن تلاميذ أبي عبيدة (ق2هـ/8م)، وعنهم دوَّن كتبه، وأهمها المدوَّنة التي دوَّن فيها أقوال تلاميذ أبي عبيدة في الفقه ورواياتهم واختلافهم. وقد رحل في أوائل القرن الثالث الهجري إلى تاهرت عاصمة الدولة الرستمية مارا بجبل نفوسة. ورويت عنه المدونة في تاهرت، ونسخها عمروس بن فتح الملوشائي (280هـ/853م) في جبل نفوسه، وعنها نسخت بقية النسخ ببلاد المغرب. ر. الدرجيني: الطبقات، 2/323. ر. الشماخي: السير، ص288. ر. الجعبيري: البعد، ص105.

([11]) أبو يحيى عبد الله بن عمر بن الأسود الكندي الجندي الحضرمي المعروف بطالب الحق (130هـ/748م): نشأ في اليمن حيث وصلت الدعوة الإِبَاضِيَّة سرًّا، فالتحق بحلقة أبي عبيدة بالبصرة، حيث كان يقع التفكير في الثورة على الدولة الأموية، رجع إلى حضرموت موطنه الأصلي حيث ولي القضاء لإبراهيم بن جبلة عامل الأمويين هناك في انتظار وصول المدد من البصرة. وحال وصوله مع أبي حمزة الشاري بويع طالب الحق إمامًا للظهور، فخير العامل الأموي بين الانضمام إليهم أو الخروج، فالتحق هذا الأخير بصنعاء التي كان عليها القاسم بن عمر الثقفي، ثُمَّ استطاع طالب الحق بعد ذلك أن يعلن الإمامة بصنعاء بعد انتصاره على واليها من قبل الأمويين. ثُمَّ يمم نحو الحجاز، فضم إليه مكة والمدينة بعد حروب. هناك وجه إليه مروان بن محَمَّد آخر خلفاء بني أمية جيشًا بقيادة عبد الملك بن محَمَّد السعدي، استطاع أن يهزم أبا حمزة في الحجاز، ثُمَّ طالب الحق باليمن سنة 130هـ/748م. وبذلك انتهت إمامة الظهور باليمن، لكن الكيان الإباضي استمر بها إلى ق7/13م. ر. الشماخي: السير، ص96. مهدي طالب هاشم: الحركة الإِبَاضِيَّة، ص89-164. مبارك الراشدي: الإمام أبو عبيدة، 275-293. الزركلي: الأعلام، 4/144، ط. 1984م.

Radhi Daghfous: Le Yaman islamique. Des origines jusqu’ I’avènement des dynasties autonomies (1-3/ VII IX) I.M.P. stag Tunis Publications de la faculté des Sciences Humaines et sociales Série 4: Histoire Volume: XXVL. Université de Tunis I 1995. T1. 509 power point T2 513-1079. 610-6690.

([12]) السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان، تحقيق وشرح: سيدة إسماعيل كاشف، مطبعة دار إحياء الكتب العربية، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة، عمان، (ج1/429ص. ج2/512ص). ص276 – 324. حيث بويع الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي (192 – 208هـ/807 – 823م). اختلف في زمانه هارون بن اليمان الشعبي ومحبوب بن الرحيل، فبيَّن محبوب في هذه الرسالة لأهل عمان بدعة هارون وجماعته، وأوضح ضلالتهم. القضايا المطروحة عقدية دقيقة منها: متى تثبت التقوى ومتى لا تثبت. قضية الشك. قضية الوقوف…الخ.

([13]) صُحار: (بالضم وآخره راء): قصبة عمان مِمَّا يلي الجبل، و«توام» قصبتها مِمَّا يلي الساحل. وصحار: مدينة طيبة الهواء والخيرات، مبنية بالآجر والساج، كبيرة ليس في تلك النواحي مثلها. وقال البشاري: «…بلد عامر آهل حسن طيب نزوه، ذو يسار وتجار وفواكه، أجلُّ من ربيد وصنعاء، وأسواق عجيبة، وبلدة ظريفة، ممتدة على البحر… والجامع على الساحل له منارة حسنة طويلة في آخر الأسواق, ولهم آبار عذبة وقناة حلوة, وهم في سعة من كل شيء, وهو دهليز الصين، وخزانة الشرق والعراق، ومغوثة اليمن, والمصلى وسط النخيل, ومسجد صحار على نصف فرسخ, وثمة بركت ناقة رسول الله e, ومحراب الجامع بكوكب يدور، فتارة تراه أصفر وتارة أحمر وأخرى أخضر». هكذا قال ولا أدري كيف كان بروك الناقة!. وفتحها المسلمون في أيام أبي بكر الصديق t في سنة 12هـ/ 633م صلحا. وإليها ينسب أبو علي محَمَّد بن ذوزان الصحاري العماني الشاعر. ياقوت الحموي: معجم البلدان، دار الفكر، دار صادر، بيروت، د ت. 3/393–394، مادة: «صحار». والصحيح أن عمان عرفت الإسلام قبل هذا التاريخ الذي ذكره ياقوت، إذ قد وفد على رسول الله u مازن بن غضوبة سنة 6هـ/627م، وأسلمم، ثُمَّ دعا إلى الإسلام. كما أن الرسول u كانت له مراسلات مع حاكِمَيْ عمان، وعاصمتها صحار، وهما جيفر وعبد ابنا الجلندى فيما بين 6 و8هـ/628 و630م. كما أرسل إليهما عمرو بن العاص. وقد جاء في كتاب عمان في التاريخ ما يلي: «ومهما يكن من أمر فإن العلامة ابن خلدون يضع لنا مساحة زمنية للمراسلة تمتد من صلح الحديبية وحتى وفاة النبي محَمَّد e… كما ذكر ابن الأثير في أسد الغابة أن عمرو بن العاص قدم على الجلندى…». ص114–115. دار أمبيل للنشر، لندن، نشر: وزارة الإعلام بعمان 1995م (560 صفحة).

([14]) نزوى: تقع في المنطقة الداخلية بعمان، على بعد 180 كم من مسقط.

لقد اتخذ أَئِمَّة عمان منذ إمامة محَمَّد بن عفان سنة 177هـ/793م نزوى عاصمة لهم بعد صحار وقلهات. ويقول سالم بن حمود السيابي: «تعرَّضت عمان من الفرس وقراصنة الهند إلى هجمات متعددة، فرأى المسلمون تحويل عاصمة الإمامة من صحار إلى نزوى، ورأى ذوو الشأن أن نزوى أمنع لهم وأحصن لزعامتهم وأقرَّ لسلطانهم، فاتَّفَق نظرهم إلى أن يكون الإمام بها، ولا يخرج منها إِلاَّ لمهم يبدو أو لداعٍ يستدعي، وأصبحت نزوى كرسيَّ الإمامة في عمان، وكان مقام الإمام في الحصن، وفي عهد الإمام غسَّان. سميت نزوى “ملك العرب” كما سميت “بيضة الإسلام”. اشتهرت هذه المدينة بحصونها وبمدارسها العلمية التي تخرج منها علماء، انطلاقًا من إمام الإِبَاضِيَّة جابر بن زيد. عمان في التاريخ، ص296-289.

ووصف ابن بطوطة ـ الذي زار بلاد عمان في القرن الثامن هـ/14م ـ مدينة نزوى بِأَنـَّهَا «قاعدة هذه البلاد». وكان ابن بطوطة رجلاً سنِّـيًّا من أهل المغرب من مدينة طنجة. وأولى بذلك الجانب السياسي ـ المتمثل في الوظيفة الحكومية لمدينة نزوى ـ العناية الأولى. واكتفى على المستوى التفكير المذهبي بالقول بأن أهل عمان: إِبَاضِيَّة المذهب، وأهمل بذلك الوظيفة الدينية للمدينة.

ووصف نور الدين في خطابه الخاص بنزوى المدينة بِأَنـَّهَا تخت الملك وكرسي مملكة العرب، ويضيف فينعتها «بيضة الإسلام» فجمع في إيمائه إلى المدينة حينئذ بين التركيز على وظيفتها الحكومية ودورها الديني والعقائدي.

وشغلت نزوى وضع العاصمة السياسية إلى عهد تولي اليعاربة الحكم في القرن 11هـ/17م. وكانت في نفس الوقت مدرسة دينية وعلمية إِبَاضِيَّة.

وركز سليمان الخروصي من جهته على الدور العلمي والديني الذي قامت به وتقوم المدينة إلى اليوم، إلى جانب تركيزه على دورها كعاصمة سياسية «تحت مملكة عمان».

وعدت هيلين هيلنبورغر ـ وهي باحثة ألمانية ـ مدينة نزوى التي زارتها خلال رحلتها إلى عمان، بِأَنـَّهَا المدينة التي كان لها دائما أثر كبير في تاريخ البلاد. فرأت فيها المركز الفكري، والمدينة ذات الصبغة الحضرية وإحدى مدن العلم في البلاد…الخ.

([15]) لوَّاب بن سلام الإباضي (273هـ/ 887م): بدء الإسلام وشرائع الدين، تحقيق فيرنر شفارتس والشيخ سالم بن يعقوب، ط. دار صادر، بيروت، 1406هـ/ 1986م (200 صفحة)، ص109.

([16]) انظر ما يلي من الصفحات.

([17]) كشف الغمة، ص259.

([18]) الإمام غسان بن عبد الله الفجحي اليحمدي الأزدي: بايعه المسلمون على ما بويع عليه الوارث بن كعب، فقام بالحق وعز الحق في أيامه، وظهرت دعوة المسلمين بعمان وكان في أيامه حمة العلماء (أي جملة العلماء). وكان مقامه بنزوى في بيت الإمامة في العقر، وفي زمانه سميت نزوى «بيضة الإسلام»، وكانت قبل ذلك تسمَّى «تخت ملك العرب». تمكن من إخماد عديد من الفتن، كما تصدى لغزوات كفار الهند، وهو من اتخذ الشذاة (سفن تكون أسطولا) لحماية السواحل العمانية من هذه القرصنة الهندية. وكان كثير التردد على صحار. كما اشتهر بإشرافه بنفسه على أمور الحسبة. وكانت وفاته إثر مرض ألَمَّ به سنة 207هـ/823م. السالمي: تحفة الأعيان، 1/122-123. نلاحظ بعض الاختلاف في شأن بعض التواريخ.

([19]) الإمام عبد الملك بن حميد من بني سودة بن علي بن عمرو بن عامر ماء السماء الأزدي: سار سيرة الحق والعدل، واتبع أثر السلف الصالح، وصارت عمان يومئذ خير دار. ولي يوم الاثنين لثماني ليال بقين من شهر شوال سنة ثمان ومائتين 208هـ/824م. فلم يزل مقيم العدل حَتَّى كبر وضعف وزمن، فكانت تقع الأحداث في عسكره، فشاور المسلمون موسى بن علي في عزله، فأشار عليهم أن يحضروا العسكر ويقيموا الدولة، فحضر موسى بن علي وأقام الدولة ومنع الباطل، وشدَّ عسكر المسلمين وعبد الملك في بيته فلم يعزلوه ولم يزيلوه حَتَّى مات وهو إمام لهم. وكانت ولايته ثماني عشرة سنة. كشف الغمة، ص259-260. وقد ظهرت في زمانه بعض الفتن تمكن من التصدي لها وإخمادها. وقد أورد السالمي مجموعة من الرسائل في نصح الإمام بالصراحة والجرأة في قول الحق. السالمي: تحفة، 1/134-149.

([20]) الإمام المهنا بن جيفر الفجحي اليحمدي الأزدي: عقد له في يوم الجمعة من شهر رجب سنة ستة وعشرين ومائتين (226هـ/ماي 841هـ) فوطئ أثر المسلمين، وسار بسيرتهم، وكان له ضبط وحزم ولا يتكلم أحد في مجلسه ولا يعين خصمًا على خصم، ولا يقوم أحد من أعوانه ما دام قاعدًا، ولا يدخل أحد ممن تجري عليه النفقة من العسكر إِلاَّ بالسلاح، حازم في الحق. وقد اجتمعت له من القوة البرية والبحرية ما شاء الله. قيل: إنَّهُ اجتمع له ثلاثمائة مركب مهيأة لحرب العدو، وكان عنده بنزوى سبعمائة ناقة وستمائة فرس تركب عند أول صارخ. وكثرت الرعايا في زمانه حَتَّى بلغ سكان سعال (وهي محلة نزوى) أربعة عشر ألفًا، وفي زمانه وقع الكلام بعمان في خلق القرآن (انظر ما يلي). وقد مات والمسلمون عنه راضون وله موالون ومؤازرون, وإن ذكر أنَّ هناك من طعن في إمامته. كشف الغمة، ص260-263. السالمي: تحفة، 1/150-161.

([21]) الصلت بن مالك الخروصي الأزدي: لقد جاءت أخباره مفصَّله في النص. ر. كشف الغمة، ص264-265. ر. السالمي: تحفة، 1/164-215.

عن هؤلاء الأَئِمَّة انظر: مهدي طالب هاشم: الحركة الإِبَاضِيَّة، ص223-253. وجاء هذا في الفصل الخامس بعنوان: الإمامة الإِبَاضِيَّة الثانية: أولا عصر القوة والازدهار (177-237هـ/793-851م). وقد حلل الأوضاع السياسية الداخلية والخارجة للإمامة مثبتًا أَنـَّهَا إمامة قائمة على الشورى، كُلَّمَا انتهت حياة إمام نظر أهل الحل والعقد فيمن تتوافر فيه شروط الإمامة فيبايعونه دون أن تكون له صلة نسب مع الإمام السابق سوى أَنـَّهُم أزديون عمانيون، كما بيَّن مواطن القوة التي أدت إلى الازدهار. وبعض مواطن الضعف التي أدت إلى مرحلة ثانية من مراحل هذه الإمامة تجلَّت فيها بدايات التدهور والسقوط.

فاروق فوزي عمر (أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة آل البيت): الإمامة الإِبَاضِيَّة في عمان، دراسة تاريخية لأحوال عمان في ظل الأَئِمَّة الإِبَاضِيَّة في الحقبة من منتصف القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، حَتَّى منتصف القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، المفرق، الأردن، نشر جامعة آل البيت، 1417هـ/1997م، ص39-56.

([22]) كشف الغمة، ص259.

([23]) هو أبو علي موسى بن علي بن عزرة، من بني سامة بن لؤي: ولد ليلة العاشر من جمادى الأخرى سنة 177هـ/22 سبتمبر 793م. وتوفي لثمان ليال خلون من ربيع الأَوَّل سنة 230هـ/23 نوفمبر 884م (تحفة، 1/151). ويذكر السالمي أن موسى بن أبي جابر بن غالب، ورد ذكر أخباره في إمامة الإمام غسَّان (189-208هـ/804-824م) حيث عينه الإمام ضمن السرية التي يقودها أبو الوضاح والي سمائل، لإلقاء القبض على صقر بن محَمَّد من أجل ستره أمر أخيه الذي كان مع البغاة الذين يقودهم راشد بن شاذان بن غسان الهنائي من بني محارب، حين خرجوا على الإمام غسان. (تحفة، 1/134). وهو فقيه ولي القضاء للإمام عبد الملك، ثُمَّ للإمام المهنا (تحفة، 1/134ـ151). يقول عنه أبو إسحاق في تعليق له: «وهو شيخ الإسلام يومئذ، ومرجع أهل الفتوى في الإمامة، ورأس أهل الحل والعقد، ولذا يرجع إليه أهل الرأي والمشورة في أمر الإسلام من بيع وخلع» (تحفة، 1/151). وكان له دور كبير في الحفاظ على إمامة عبد الملك بن حميد عندما كبر وضعف وزمن (كشف، ص260). ولا نشك في أَنـَّهُ ممن حضر بيعة الإمام المهنا وإن لم تنص المصادر على ذلك؛ لأَنـَّهُ كان له شأن في مؤازرة الإمام الأسبق، واستمر في القضاء للإمام المهنا. تحفة، 1/134-151. كشف، ص259-260. الفتح المبين، ص227-232. وقد أورد السالمي نص رسالة من رسائله في النصح للإمام عبد الملك (ص145-149) تنم عن فقه الرجل وورعه. محورها الدعوة إلى عزل أحد الولاة لعدم صلاحه، وقد جاءت هذه النصيحة صريحة جريئة، من ذلك قوله: «واعلم رحمك الله أنك بمكان لا يحل فيه خذلانك ولا كتمانك في معونة على صواب، ولا نصيحة في خطأ، وقد نكره من خطئك كما نسر به من صوابك، ونصيحتك علينا حق، وغيبتك علينا حرام… واعلم رحمك الله أنا وإخوانك المشفقون عليك، قد قلَّت ثقتهم بشأنك اليوم وأهل أمانتك التي أنت عليها اليوم عزيز». (ص147-148).

([24]) هاشم بن غيلان: من علماء وفقهاء عمان في القرنين 2و3هـ/ 8و9م. من أهل سيجا من أعمال سمائل، وقبره بها معروف إلى الآن، ويكنى: أبا الوليد.

ورد ذكر أخباره مع الإمام عبد الملك، وكان ممن يسدون له النصائح بمفرده ومع علماء عصره. وفي زمان هذا الإمام أظهر قوم من القدرية والمرجئة مذهبهم في صحار، ودعوا الناس إليه، وكثر المستجيبون لهم، فخاف هاشم بن غيلان على المسلمين من ذلك، فكتب إلى الإمام هذه السيرة. (السير والجوابات، م. س. هامش2 ص36). وتشير سيدة إسماعيل كاشف بقولها: «هذه السيرة» إلى الرسالة التي تحققها مع بقية من الرسائل التي تعرف عند العمانيين بالسير، (ص36-38). وقد أوردها السالمي كاملة: تحفة، 1/138-140. والرسالة تقوم على محورين: الأَوَّل: تذكير بمسلك السلف في التصدي لأهل البدع. والثاني: دعوة إلى تكليف الوالي باتخاذ موقف حاسم. وسنورد فقرة من هذه الرسالة تبين مرونة الإِبَاضِيَّة في التعامل مع مثل هؤلاء في البداية، ثُمَّ صرامتهم في النهاية. (انظر ما يلي)، وهي من التحفة، 1/139. وقد أورد له السالمي رسائل أخرى قائمة على استنصاح الإمام للعلماء ومن بينهم هاشم بن غيلان، وإسداؤهم النصيحة بِكُلِّ إخلاص. تحفة، 1/140-144. ر. سالم السيابي السمائلي: أصدق المناهج في تمييز الإِبَاضِيَّة من الخوارج، ص51.

([25]) كشف، ص260.

([26]) ن. م، 27.

([27]) محَمَّد بن علي: ورد ذكره ضمن مجلس الشورى الذي عقد الإمامة للإمام الصلت يوم 16 ربيع الآخر 237هـ/17 أكتوبر 851م؛ فهو من فقهاء الأمة، عاش بين القرن الثاني والثالث للهجرة. تحفة، 1/162.

([28]) تحفة، 1/152.

([29]) كشف، 264. ابن رزيق: الفتح، ص232.

([30]) أبو المؤثر الصلت بن خميس البهلوي: من علماء الأزد الخروصيين العمانيين. كان ضريرًا، وكان من أجلِّ فقهاء عمان، وكان ممن يؤخذ عنه العلم في القرن 3هـ/9م. كما شارك في الأحداث السياسية في عمان. أدرك إمامة المهنا بن جيفر، وإمامة الصلت بن مالك الخروصي، كما عاصر راشدًا وموسى، وكذلك عزان بن تميم في نهاية القرن 3هـ/9م. السير والجوابات، تعليق 1و2، ص269. وذلك عند تحقيق رسالته التي تقوم على 12 محورا في العقيدة تنطلق من التوحيد والقدر لتنتهي بالوقوف على أمر الولاية والبراءة. من ص269-319. كشف، تعليق1.

([31]) أبو المنذر البشير بن المنذر (178هـ/794م): من بني نافع، من بني سامة بن لؤي، من عقر نزوى، وهو جد بني زياد، يعرف في المؤلفات العمانية بالشيخ الأكبر، وقد توفي عام 178هـ/794م، في ولاية الوارث بن كعب الخروصي، وكان أحد حملة العلم من البصرة من لدن الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي (175هـ/791م). وقد قدم عمان، وسكن بغضفان منها، ويصنِّفه السيابي ضمن الطبقة الثانية للعلماء بعمان. عبيدلي: كشف، تعليق1، ص254. وقد نسب إليه عبيدلي خطأً هذه المؤلفات: كتاب «المحاربة» و«الخزانة»، سبعون مجلدًا، و«كتاب البستان» في الأصول و«الرضف في التوحيد»، و«حدوث العالم»، وهي من تأليف أبي المنذر بشير بن محَمَّد.

([32]) المعلا بن منير: من العلماء العمانيين البارزين في القرن الثاني والثالث هـ/ 8و9م. وكان من المقدمين في البيعة للإمام الصلت بن مالك (237هـ/851م). تحفة، 1/162.

([33]) عبيد الله بن الحكم: الأخبار عنه ضنينة؛ ذاك أَنـَّهُ لم يرد ذكره إِلاَّ ضمن أهل الحل والعقد الذين بايعوا الإمام الصلت سنة 237هـ/851م، ومثل هذا ليس بغريب عن كثير من فقهاء عمان الذين لم يتركوا مؤلفات، إذ يجنح أغلبهم إلى التواصل وعدم الظهور رغم ما أوتي بعضهم من غزارة علم، وفي حضور مثل هذا المجلس دلالة على أن علماء العصر يشهدون له بالعلم، وقد عاش كما هو واضح بين القرن الثاني والثالث هـ/8 و9م.

([34]) تحفة، 1/62.

([35]) محَمَّد بن الأزهر: لم نجد من أخباره إِلاَّ توليه على صحار، بتعيين من الإمام الصلت، بدلاً لأبي مروان الذي كان واليًا على صحار للإمام المهنا. كشف، ص263.

ونرجِّح أن الرجل عايش محَمَّد بن محبوب، وكانا يتعاونان على إدارة هذه المدينة التي تحولت إلى المنزلة الثانية بعدما كانت العاصمة. وقد اضطر إلى معايشة ظرف قاس بها لِمَا اجتاحها من السيول التي أفسدت كل شيء، سنة 252هـ/866م. تحفة، 1/163-165.

([36]) تحفة، 1/163.

([37]) خثعم العوفي: لم تفصل المصادر الحديث عن نوع الفساد الذي كان يأتيه هذا الرجل، ولعله كان نهبًا وترويعًا للناس؛ مِمَّا جعل القاضي محَمَّد بن محبوب يحل دمه، وقتله يَدُلُّ على تضافر الأمة مع قاضيها في تنفيذ الحدود. وكان قتله سنة 259هـ/872م، عشر سنوات بعد تولي محَمَّد بن محبوب القضاء على صحار. تحفة، 1/116.

([38]) السنينة: من مدن الجو، والجو أرض (قرب البريمي حاليا)، قرب ضنك، تلي أرض السر من عمان من الجهة القبلية. كشف، ص391.

([39]) الظاهرة: انظر الخارطة.

([40]) تحفة، 1/166.

([41]) غدانة بن محَمَّد: لسنا ندري لماذا قدِّم للصلاة على محَمَّد بن محبوب، أبتوصية من الرجل أم باختيار من أهل العلم، إذ عادة لا يقدم للصلاة على العلماء إِلاَّ باختيار من أهل العلم، إذ عادة لا يقدمهم هؤلاء لورعهم. فمثل هذا التقديم شهادة للرجل بالعلم والتقوى. ويورد السالمي أن غدانة هذا تولى خطة الولاية على صحار، وكانت رجفة بصحار في ولاية غدانة بن محَمَّد، في غداة الأحد لاثنتي عشرة خلت من جمادى الآخرة من سنة 265هـ/7 فبراير 879م، وذلك خمس سنوات بعد وفاة محَمَّد بن محبوب. ولسنا ندري متى ولي عليها أبعد محَمَّد بن الأزهر العبدي مباشرة أم لا. وكان ذلك طبعًا في إمامة الإمام الصلت. تحفة، 1/166.

([42]) تحفة، 1/166.

([43]) كشف. ابن رزيق: الفتح، ص233. وقد جاء فيه أيضًا: «وكانت وفاته بمدينة صحار، وقبره مشهور بها إلى هذه الغاية سنة الألف والمائتين والأربع والسبعين (1274هـ/1857م)».

([44]) تحفة: 1/166.

([45]) كشف، ص264.

([46]) خالد بن محَمَّد المعدي: لا يمكن أن يتولى خطبة الجمعة في عاصمة الإمامة إِلاَّ فقيه ضليع؛ فهو في الحقيقة ينوب الإمام لأداء هذه الفريضة، والراجح أن الإمام عينه لمرضه؛ لأَنـَّهُ هو الذي يتولى الجمعة عادة. وقد وقف الرجل عند حده عندما أعلم بوفاة الإمام، فحوَّل الجمعة ظهرا، إذ لا تصح الجمعة بدون إمام (الإمامة الكبرى). تحفة، 1/151.

([47]) ن. م.

([48]) جيفر بن المهنا: لم يكن ليتقدم إلى الصلاة على أبيه لو لم يكن من أهل العلم، إذ عادة ما ينوب ذوو أرحام المتوفى في مثل هذه المواقف أحد الفقهاء البارزين. فصلاته حينئذ على أبيه تشهد له بنصيب من العلم. ولم يكن الرجل طبعًا وليًّا للعهد، ذلك أن نظام الإمامة لا يعرف مثل هذه المسالك، قد ينتخب إمامًا، وهذا ممكن والنظرية الإِبَاضِيَّة تقبل ذلك، على أن يكون باختيار أهل الحل والعقد، وفي الغالب يكون أمرًا مستبعدا.

([49]) أهل الاستقامة: الإباضية. (انظر ما سبق).

([50]) سعد بن عبد الله الأشعري القمي (301هـ/913م) من كبار أعيان الشيعة ومحدثيهم: كتاب المقالات والفرق. أبو القاسم نصر بن الصباح البلخي (ق3هـ/9م): كتاب فرق الشيعة.

ر. الحسن بن موسى النوبختي (310هـ/922م): كتاب الفرق والديانات.

أحمد حميد الكرماني الملقب بحجة العراقيين (411هـ/1021م): المصباح في إثبات الإمامة. نقلاً عن الهادي حمو: أضواء على الشيعة، دار التركي للنشر، 1989م، ص77. ر. الشهرستاني (548هـ/1254م): الملل والنحل، تحقيق: أمير علي مهنا وعلي حسن فاغور، دار المعرفة، بيروت، 1415هـ/1995م.

([51]) عبد الرحمن بن رستم (160-171هـ/ 777-787م): مؤسس الدولة الرستمية. أخذ العلم عن أبي عبيدة في البصرة مع طلبة العلم، وعمل واليًا وقاضيًا على القيروان زمن إمامة أبي الخطاب (140-144هـ/ 757-761م) وعندما قضى العباسيون على هذه الإمامة فر إلى جبال أوراس، ومن هناك استطاع أن يعدَّ كيان الإِبَاضِيَّة، وتمكن من تأسيس الإمامة الرستمية سنة 160هـ. اشتهر بالعلم والورع والعدل. وتذكر له المصادر تفسيرًا للقرآن الكريم ما يزال مفقودًا. بحاز إبراهيم بكير: الدولة الرستمية (160-196هـ/777-909م)، دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية، ط1، مطبعة لافوميك، الجزائر، 1985م، ص92-97, وقد أحال على جميع المصادر.

([52]) تحفة، 1/ 162.

([53]) انظر ما سبق.

([54]) تحفة، 1/ 163.

([55]) ن. م، 1/162.

([56]) أبو قحطان خالد بن قحطان: من علماء وفقهاء عمان في القرن 3هـ/9م. وكان معاصرًا لأبي المؤثر الصلت بن خميس، وللإمام المهنا بن جيفر. وقد جاء عن أبي قحطان في حديثه عن أبي المؤثر (في ص266 من المخطوط): «فقد صحبنا أبا المؤثر ما شاء الله من الدهر رحمه الله وغفر له…». وكان أبو قحطان ممن يبرأ من موسى وراشد بسبب عزلهما للإمام الصلت عن الإمامة. سيدة إسماعيل كاشف: تعليق 1، السير والجوابات، 1/86، عند تحقيق سيرته بعنوان: سيرة تنسب إلى أبي قحطان خالد بن قحطان رحمه الله، ص86-154. كشف، ص263، تعليق 1.

([57]) تحفة، 1/163.

([58]) ن. م.

([59]) أبو الحواري محَمَّد بن الحواري العماني: هو أبو الحواري القري المعروف بالأعمى. وكان من علماء عمان الأجلاء في القرن الثالث/9، ومن أثرت عنهم الأخبار العمانية… وكان أبو الحواري ممن يقف عن موسى وراشد، لا يتولاهم ولا يبرأ منهم (تحفة 1/153). سيدة إسماعيل كاشف: تعليق 1. 1/338 السير والجوابات عند تحقيق سيرته إلى أهل حضرموت ص338 ـ 365. كشف 275 تعليق 4.

([60]) أبو الحسن علي بن محَمَّد بن علي البسيوي أو البسياني (ق5هـ/11م): من قرية بسيا، من كبار علماء عمان. صنفه السيابي في الطبقة الرابعة. وله من المؤلفات: «جامع أبي الحسن في الأديان والأحكام»، وله مختصر معروف بـ«مختصر البسيوي». وله أيضا سيرة كبيرة مشهورة بـ«سيرة البسياني»، ذكر فيها بعض الفرق وأحكام المختلفين وحكم الإمامة، وله غيرها سير عديدة. مقدمة كتاب مختصر البسيوي. المنهج، 1/263. اللمعة، ص25-26. أصدق المناهج، ص52. عن الكشف، ص323.

([61]) الوارث بن كعب الخروصي الشاري اليحمدي الأزدي (177-192هـ/ 793-807م): اشتهر بالحزم قبل أن يبايع إمامًا. تمت بيعته بنزوى برئاسة الشيخ موسى بن أبي جابر (181هـ/797م)، فأظهر العدل وأعز الحق وأهله، وأخمد الكفر والنفاق والبغي والشقاق (فتح، ص255). وتذكر المصادر تصديه للجيش الذي أرسله هارون الرشيد لاحتلال عمان بقيادة فارس بن محَمَّد بن عبد الله الأزدي. فكان النصر حليف الإمامة. وقد توفي غريقًا عندما سعى إلى إنقاذ بعض المساجين من السجن. وقبره مشهور بين العقر وسعال، وهما محلتان بنزوى. كشف، ص254-265. فتح، ص226-244. تحفة، 1/102-114.

([62]) أبو بكر الصديق: عبد الله بن عثمان (5 ق.هـ – 12هـ/573-634م). ر. الزركلي: الأعلام، 4/102.

([63]) عمر بن الخطاب (40 ق.هـ-23هـ/ 584-644م). الأعلام، 5/45.

([64]) كنا نود لو حدد أمثالهما من أَئِمَّة المسلمين. ويمكن أن نذكر عمر بن عبد العزيز على سبيل المثال، إذ تولاه أهل الاستقامة حالما بويع بالخلافة، وأرسلوا وفدًا من علمائهم لمؤازرته.

([65]) الجلندى بن مسعود (134هـ/751م). يقول الشماخي: «وكان الجلندى رحمه الله إمامًا فاضلاً عادلا حليمًا تقيًّا عالمًا عاملاً بالكتاب المبين وسنة النبي الأمين محَمَّد عليه الصلاة والسلام». سير، 1/109. أخذ العلم عن الإمام أبي عبيدة، ووجَّهه إلى طالب الحق واشترك في بيعته، ثُمَّ لما قتل طالب الحق رجع الجلندى إلى عمان فبايعوه إمامًا. أقام بصحار إذ كان مقر الإمامة فيها. وتوفي شهيدًا في المعركة التي دارت بينه وبين خازم بن خزيمة، الذي أرسله السفاح إلى عمان ليُدخلها تحت سلطانه سنة 134هـ/751م. مبارك الراشدي: الإمام أبو عبيدة مسلم ابن أبي كريمة التميمي وفقهه، ص14-45، مطابع الوفاء، المنصورة، 1412هـ/1992م، ص253-254.

([66]) سالم بن حمود السابي: عمان عبر التاريخ، مطابع سجل العرب، 1406هـ/1986م، 2/71.

([67]) سالم بن حمود بن شامس السيابي (1326-1415هـ/1908-1994م) ولد بقرية غلا من أعمال بوشر قرب العاصمة مسقط، وحفظ القرآن الكريم وهو ابن سبع سنين، وألم ببعض المتون اللغوية والأدبية والفقهية، ثُمَّ استقر في سمائل، حيث تتلمذ على الشيخ خلفان بن جميل السيابي، والشيخ أبي عبيد حمد بن عبيد السليمي، فأخذ عنهما أصول الدين وأصول الفقه والفقه والفرائض، وعايش مشايخ آخرين من أمثال: الإمام محَمَّد بن عبد الله الخليلي وغيره. وتولى تدريس أولاد الشيخ علي بن عبد الله الخليلي في محافظة بوشر مع جمع من التلاميذ (1350-1352هـ/1931-1933م)، ثُمَّ انفصل عن القضاء سنة 1359هـ/1940م، واستقر بسمائل إلى نهاية سنة 1369هـ/1949م. ثُمَّ نقل بنفس الخطة إلى جعلان بني بوحسن. ثُمَّ انفصل عن العمل ثانية. ثُمَّ عينه السلطان سعيد بن تيمور رئيسًا لمحكمة الاستئناف، ثُمَّ ولاه محافظة السيب، ثُمَّ محافظات أخرى، ليستقر قاضيًا في المحكمة الشرعية بالعاصمة، واستمر على خطته في مقدمة قضاة العاصمة في عهد السلطان قابوس بن سعيد، ونقل سنة 1403هـ/1982م من وزارة العدل إلى وزارة التراث القومي والثقافة، ليتفرغ للتأليف في شتى الفنون.

([68]) السيابي: عمان، 2/71.

 

* بحث مقدم لندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الثالث الهجري

الإمام محَمَّد بن محبوب الرحيلي نموذجا

المنعقدة خلال الفترة
الاثنين 30 شوال 1422هـ/ 14 يناير 2002م.
حتى 2 ذي القعـدة 1422هـ/ 16 يناير 2002م.

وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – سلطنة عُمان

 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك