الإمام محَمَّد بن محبوب إشعاع حضاري

الإمام محَمَّد بن محبوب إشعاع حضاري *

للباحث:

الشيخ محمَّد بن بابه الشيخ بالحاج

مدرِّس بمعهد القرارة، بالجزائر

 

قد انغرست وتأصَّلت المدارس والمذاهب الفقهية أواخر القرن الأَوَّل وأوائل القرن الثاني للهجرة النبوية، بما في ذلك المذهب أو المدرسة الإِبَاضِيَّة في مقدمتها أو طليعتها. ومهما يكن من تحديد أطوار الفقه الإسلامي أو التشريع الإسلامي بحدود زمانية، كما ذهب إليه البعض، حسب القرون أو العصور السياسية للدولة الإسلامية، أو تحديدها بحسب المميزات الموضوعية فحدَّدها أو صنَّفها إلى:

1- طور التشريع الحقيقي: بالمعنى الصحيح للتشريع وهو خاص بالوحي من الله  إذ هو المشرِّع الحقيقي، والوحي غير المتلو، وهو السنة المبيِّنة للقرآن، قولا وفعلا وتقريرا، وهذا الطور خاص بفترة النبوة عهد النبي ، من بدء الوحي بنزول قول الله : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبـِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبـُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾(1)، وانتهاء بنزول قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾(2).

2- طور الاجتهاد المطلق الحر: اجتهادا غير مقيد إِلاَّ بكتاب الله وسنة رسول الله الثابتة الصحيحة، وكلها آنذاك صحيحة، إذ لما يدخلها الدسُّ والزيف والوضع، مهما كانت: قولا أو فعلا أو تقريرا، مهما ثبتت، وأينما وُجدت. وهذا الطور كان ميزة الصحابة ، خاصة المجتهدين منهم، الراسخين في العلم، ممن حباهم الله بحمل شرعه، وفقه دينه من منابعه، بل من منبعه الصافي الوحيد: رسول الله ، قولا وعملا وسيرة وسلوكا وخلقا ومعاملة، مع الله ، ومع خلق الله جميعا، وقد كان على خلق عظيم، ولقد كان خلقه القرآن، كما منّ الله عليه بذلك، كما قالت عنه أحبُّ أزواجه إليه أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «كان خلقه القرآن». وقد أشاد الله تعالى بكريم خلقه حيث يقول له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾(3).

3- طور نشأة المذاهب الفقهية: وتأصيلها على أيدي أئمتها المؤسسين لها، بدءا من بعض كبار التابعين أمثال جابر بن زيد، والأوزاعي، والثوري، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ثُمَّ من صغار التابعين وتابعيهم، ومنهم أَئِمَّة المذاهب المشهورة الباقية، وهي حسب الترتيب التاريخي:

• أبو حنيفة النعمان، المعروف بالإمام الأعظم.

• إمام دار الهجرة: الإمام مالك بن أنس.

• الإمام محَمَّد بن إدريس الشافعي.

• الإمام أحمد بن حنبل، على تميزه وشهرته بمسنده في الحديث.

• أَئِمَّة آل البيت شيعة الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، مثل الإمام زيد بن علي بن الحسين، والإمام جعفر الصادق بن محَمَّد الباقر.

• داود بن علي السجستاني الظاهري.

• وقد يكون هناك غيرهم، وقد يكون بعضهم مزامنا لبعض بزمن قليل عنه، أو يتأخر عنه بأمد قصير.

4- الطور الرابع للفقه أو للتشريع الإسلامي: طور التفريع أو الاستنتاج: وظهر به كبار تلاميذ كل إمام مثل أبي يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني، كبيري تلاميذ أبي حنيفة النعمان. وابنُ القاسم وابن وهب ويحيى بن يحيى وأمثالهم من كبار تلاميذ الإمام مالك بن أنس. والبويطي وأنداده من كبار تلاميذ الإمام الشافعي أيام إقامته بالعراق أو أيام استقراره بمصر. وكذا كبار تلاميذ أَئِمَّة الشيعة.

سمي هذا الطور طور التخريج والتفريع؛ لأن هؤلاء التلاميذ الكبار اعتكفوا على أقوال أئمتهم، والتفوا حولها، يستنطقونها ويستولدونها الأحكام الفرعية للمسائل المستجدة أو المتوقعة، وفق الحياة ومتطلباتها آنذاك، أو المتوقعة حسب اتساع الدولة الإسلامية من تخوم الصين وما وراءها شرقا، إلى شواطئ بحر الظلمات أو المحيط الأطلنطي غربا. فوُضعت الموسوعات الفقهية للمسائل الفرعية الواقعية أو المحتملة، في ظل الدولة أو الدول الإسلامية الكبرى آنذاك: الدولة العباسية وبنيَّاتها أو ربيباتها في المشرق، والدول الغربية وشمال أفريقيا، كالدولة الأموية في الأندلس وما عاصرها من الدولة الرستمية الإِبَاضِيَّة في معظم شمال أفريقيا: الجزائر وتونس وليبيا والمغرب الأقصى وموريتانيا والصحراء الغربية حاليا، وما عاصرها من دولة الأغالبة شمال تونس وشمال شرق الجزائر، ودولة الأدارسة شمال المغرب وشمال غرب الجزائر. وفي تلك الفترة وبهذا التفريغ تكونت الموسوعات الفقهية، مثل: المبسوط للسرخسي، وكتاب الأم للشافعي أو البويطي، والمدونة لسحنون و… و… وغير ذلك كثير.

5- الطور الخامس طور الجمود والانكماش والاندحار والتقلص والتقليد والتبلد الذهني: كرد فعل وانتكاص على عقب النكسات والانهزامات التي منيت بها الدول الإسلامية والمسلمون بصفة عامة، في المشرق على أيدي المغول والتتر، وفي المغرب على أيدي الإسبان والبرتغال. وانقرضت الدولتان العظيمتان الدولة العباسية من بغداد (العراق)، والدول الأموية من غرناطة وقرطبة أيام ملوك الطوائف، فاستكان المسلمون، خاصة العلماء وطلبة العلم منهم، فتفرقوا وانطووا على أنفسهم، ورأوا أن لا داعي للاجتهاد وإعمال العقل، إذ لم يعد يدفعهم العالَم أو الحياة إلى التجديد، وكل شيء مستطر في الموسوعات، وما على طالب العلم والمعرفة إِلاَّ أن يستوعب ما فيها حفظا؛ فأغلقوا على أنفسهم باب الاجتهاد والجهاد بإجهاد عقولهم، وأقبلوا على حفظ بل اختصار تلك الموسوعات وحفظ مختصراتها، فصبغ واصطبغ الفقه وعلومه كلها ـ بل وكل العلوم اللسانية ـ بصبغة الاختصار والألغاز، مِمَّا دعاهم مرة أخرى إلى شرح وحل تلك الألغاز، وفك غموضها، وحل معضلاتها، وقد دارت العلوم الشرعية وآلياتها وطلابها ومريدوها في دوامة وحلقات مفرغة، من الموسوعات إلى مختصرات، ومن المختصرات الملغزة إلى الرجوع إلى مصادرها لشرحها وحل رموزها، ومن الشروح إلى الحواشي، ومن الحواشي إلى التعاليق ومن التعاليق إلى التعقيبات، ومن التعقيبات إلى الردود ـ ردود البعض على بعض ـ إلى ما لا يكاد ينتهي، وإذا استطاع ذو همة وإرادة وصبر الوصول إلى نهاية فَإِنَّهُ قلما يحصل على نتيجة يطمئن إليها، ويستمسك بها، ويعضُّ عليها بكلتا يديه وبنواجذه، اللهم إِلاَّ على أساس التقليد أو التعصب المذهبي. وتلك أخطر فترة مرت بها الأمة الإسلامية، وقد دامت عدة قرون تجمَّد فيها الفكر الإسلامي، وتبلد فيها العلماء المسلمون وتلاميذهم، ونضبت عقولهم أو عقمت فلم تعد تنجب أو تنتج شيئا جديدا؛ فأصبحوا يجترون الماضي، وقلما يفقهون منه شيئا، والأمة الإسلامية سادرة في نوم عميق، كاد يكون موتا، ولعله كذلك، وَكَأَنـَّهَا قد نالها الإعياء والإرهاق والانهيار مِمَّا حقَّقته في عصور عزِّها وقرون ازدهارها، وتلك الأيام نداولها بين الناس، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْـبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾(4) ولله في خلقه شؤون.

بينما الأمم الأخرى خاصة الأمم الغربية منها ـ أوروبا وغيرها ـ قد أخذت قبسا من نور الإسلام، من مشرقه ومغربه، يستنيرون به دون إيمان أو اعتراف بفضله، بل على حرص منهم على إطفائه، فساروا بذلك القبس النوراني الإلهي، وعرفوا له ـ وجحدوا ـ فضله ونوره، فأنار لهم سبل حياتهم الدنيوية في الأرض، بَرًّا وبحرا، ثُمَّ في الفضاء، في السماء الدنيا وطباقها. غير أنها ألقت ظلالها ـ بل ظلماتها ـ في الأمة الإسلامية، وهي تغطُّ في سباتها العميق، ولم تصْحُ ولم تُفِقْ وتستيقظ إِلاَّ على وقع المدافع وطلقاتها المدوية ونيرانها المحرقة وقذائفها المدمِّرة!.

6- الطور السادس والأخير إلى تاريخ اليوم: وما بعده غيب لا يعلمه إِلاَّ الله، وهو طور الانبعاث والتجديد، أو طور النهضة واليقظة والصحوة الإسلامية، بحثا عن الماضي واعتزازا به، واستمدادا للإحالة منه ـ إن صدقت النوايا، وخلصت الأعمال والمقاصد، وتشوفا وتفتحا وتطلعا إلى المستقبل الأخَّاذ ببريق زخارفه ومغرياته ـ حرصا على الجمع بين الحسنيين: حسنة الدنيا وحسنة الآخرة، وهل في وسعنا ذلك على أساس قول الله : ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَّقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾(5)، وقوله: ﴿وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾(6). وهل يتحقق ذلك ونصل إليه عن طريق «أسلمة العصر»؟ أو عن طريق «عصرنة الإسلام»؟. وهذه الجدلية المطروحة ينبغي ـ بل يجب ـ أن تكون بؤرة التفكير والعناية من مثل هذه التظاهرات والندوات والمؤتمرات واللقاءات للحوار بين الثقافات، أو بين الحضارات، وبين الديانات، بل ولو حَتَّى بين المذاهب والانتماءات الإسلامية عبر المذاهب، فيجب أن يطرح للبحث بجد وعمق، بل يجب ويتعين علينا أن نسعى إلى أسلمة الحياة وصبغها كلِّها بصبغة الإسلام، ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾(7). وهذا ما فعله أسلافنا من الصحابة  ومن جاء بعدهم، فقد صبغوا معظم إن لم نقل كل الأمم والشعوب والدول والأقطار التي أكرمها الله بفتح الإسلام، صبغوا كلَّ مجالات حياتها بالإسلام. وهذا ما يجب علينا اليوم، ونبدأ بنفوسنا وأهالينا وعشائرنا الأقربين، وأممنا وشعوبنا ودولنا وحكوماتنا وسلطاتنا، انطلاقا من قول الله : ﴿يَآ أَيـُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلآَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾(8)، وقوله لرسوله المبعوث رحمة للعالمين: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾(9)، وقال: ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اَهْتَدَيْـتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَـبِّـئُـكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾(10).

أَمَّا لقاءنا هذا اليوم فحول عَلَم من أعلام الفكر الإباضي في أرقى وأزهر أطوار التاريخ الإسلامي، بعد خير قرونها قرن النبي  وأصحابه الطيبين، من الأنصار والمهاجرين وكبار التابعين، إِنـَّهُ عصر نشأة المذاهب وتأسيسها وتأصيلها، بدءا كما سبق قولنا بالإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد، وقد وضع معالم المذهب الأولية وأصوله وأسسه، وإن لم يقصد إنشاء أو انتحال مذهب معين مستقل متميز عن الكتاب والسنة؛ وذلك شأن معظم ـ إن لم نقل كل ـ أَئِمَّة المذاهب الإسلامية، خاصة أَئِمَّة التابعين. وقد توفي الإمام جابر ـ رحمه الله ـ أواخر القرن الأَوَّل الهجري سنة 93هـ/95هـ، وخَلَفَه مِن بعده تلاميذه، وعلى رأسهم الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، الذي يعتبر مرسي قواعد وأصول المذهب، فحدد معالمه العقدية والعلمية والفقهية والسياسية، وتخرج عليه نخبة من حَمَلَة العلم إلى المغرب، وعلى رأسهم: أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح، مؤسس الدولة الخطابية الإِبَاضِيَّة بطرابلس المغرب (بليبيا) فبويع بيعة شرعية بضاحية “صياد” سنة أربعين ومائة من الهجرة (140هـ). ومعه من طلبة العلم زملاؤه: عبد الرحمن بن رستم، مؤسس الدولة الرستمية ببيعة شرعية سنة مائة وستين هجرية (160هـ)، ومسعود الأندلسي، وأبو داود القبلي، وأبو المنيب إسماعيل بن درار الغدامسي.

كما تخرج على يد أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة أو من مدرسته السرِّيـَّة حملة العلم إلى المشرق: عمان واليمن وحضرموت وخراسان، ومنهم أبو موسى الإزكوي، والربيع بن حبيب، وأبو نوح صالح الدهان، ومحبوب بن الرحيل و… و… ممن أنجبوا الإمام المحتفل به اليوم «محَمَّد بن محبوب بن الرحيل» المتوفى سنة 260هـ، مِمَّا يثبت ويؤكد أَنـَّهُ عاش الفترة الزاهرة الذهبية الراقية للمذاهب الإسلامية، وللمذهب الإباضي خاصة، مذهب أهل الدعوة والحق والاستقامة، ويكون معاصرا لأرقى فترات الدولة الرستمية بالمغرب، بتيهرت ـ تيارت حاليا، غرب الجزائر ـ وقد تأسست سنة مائة وستين هـجرية (160هـ)، وعاشت وامتدت ودامت مائة وستة وثلاثين (136) سنة إلى غاية 296هـ.

وكأني بالإمام محَمَّد بن محبوب ـ وإن كنت لا أجزم ـ قد عاش فترة الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن، فقد يكون ضمن العلماء الذين كان لهم تواصل مع الأَئِمَّة الرستميين، بالتراسل والتشاور في كثير من انشغالات عصرهم وزمانهم ومستجدات الأحداث، شرقا وغربا، خاصة أيام نشأة الدولة الرستمية والدعم والإعانة والمساعدة التي قدَّمها الأصحاب المشارقة لها أوَّلَ عهدها أيام الإمام عبد الرحمن بن رستم، فتقبلها في المرة الأولى ـ بعد مشورة أهل المشورة ـ لمجيئها في الوقت المناسب، وموقعها الموقع الملائم من حاجة الدولة للدعم والمساندة والعزة والتمكين والاستقرار، بينما المساعدة الثانية من العام الموالي أو بعده، جاءت وردها الأَئِمَّة المغاربة على أصحابهم المشارقة عسى أن يكونوا أحوج إليها من الدولة. وقد استقرت وتمكنت بعز الله ونصره وتمكينه لهم، مستخلفين في الأرض، ولكن الأصحاب المشارقة رحمهم الله بدل أن يستهلكوا تلك المساعدة المالية فيكون بمثابة الرجوع في الصدقة وقد أخرجوها ونذروها لله، وباعوها واشتراها الله منهم ـ فقد استنسخوا بها كتبا، فبعثوا بها وقر أربعين بعيرًا؛ وذلك ما يقرب من ثمانين 80 قنطارًا، فأدركت إمامة عبد الوهاب بن عبد الرحمن، قال عن نفسه: إِنَّهُ قرأها كلها فقال: «ما استزدت منها علمًا، إِلاَّ ثلاث مسائل اجتهادية لو سئلت لأجبت بمثل ما ورد فيها»! إن صح هذا، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾(11)، ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَّشَآءُ وَمَنْ يُّؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إلآَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾(12)، وقوله ذلك تحدُّثا بنعمة الله عليه، وبمدى رسوخ الأَئِمَّة في العلم والفقه والاجتهاد، وأنَّ توليهم وتولياتهم ومبايعاتهم بالإمامة كان عن تأمل وجدارة واستحقاق، ولم تكن مجرد إرث لها بعلاقة النسب، كما زعم بعض الغافلين أو الجاهلين ممن كتبوا عن الدولة والإمامة الرستمية. ولقد كانت تلك الكتب نواة أو دعمًا وإثراءً للمكتبة «المعصومة»، مكتبة الدولة الرستمية، والتي كانت مفخرة وميزة أهل الحق والدعوة والاستقامة، ومكتبة الدولة الرستمية شأنها شأن مكتبات الدولة العباسية ببغداد أو البصرة أو الكوفة، أو مكتبات الدولة الأموية بالأندلس بقرطبة واشبيليا أو غرناطة، وَلَكِنَّهَا أتلفت كما أتلفت ـ وتتلف ـ معظم المكتبات على أيدي الغزاة المغيرين، مثل: التتر والمغول على مكتبات أو تراث العباسيين في المشرق، ومثل الإسبان والبرتغال الذين تسلطوا على مكتبات وتراث الأمويين وملوك الطوائف بالأندلس، وكذلك أتلفت ـ وقيل: أحرقت ـ المكتبة المعصومة الرستمية على أيدي العبيديين الفاطميين بقيادة أبي عبد الله الشيعي الداعي أو الداعية لإمامة عبيد الله المهدي الفاطمي، وذلك عند تقويض وانقراض الدولة الرستمية سنة 296هـ. قلت: وأقول: لعل إمامنا المحتفل به اليوم محَمَّد بن محبوب بن الرحيل كان من جملة العلماء الذين أرسوا قواعد المذهب وأصوله العقدية ـ الكلامية ـ وأصوله الفقهية والسياسة لما قامت فتنة أو ثورة ابن فندين حول قضية جواز إمامة الفاضل مع وجود الأفضل، وقضية الإمامة أو البيعة له مع شرط، وهي قضية أثيرت حول إمامة الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، وقد تولى أو بويع وقُلِّد الإمامة بعد عبد الرحمن بن رستم، وقد كان رأي أهل الحل والعقد أول الأمر بعد وفاة الإمام عبد الرحمن منصبًّا أو متَّجهًا ومركَّزًا على مسعود الأندلسي، وهو المرشح الأَوَّل للإمامة قبل عبد الوهاب، وهو الثاني، ولكن مسعود لما أحس بذلك خرج من تيهرت على حرص وجدية الباحثين عنه، فلم يسَعْ أهلَ الحلِّ والعقد أن يبقى منصب الإمام شاغرًا أكثر من ثلاثة أيام تأسِّيًا بفعل الصحابة  بعد شغور منصب الخلافة بمقتل عمر بن الخطاب ، وبوصية أو تعليمة منه، فبايع أهل البيعة في تيهرت ـ ومنهم نفاث بن نصر ـ عبدَ الوهاب بن عبد الرحمن بيعة شرعية بالإمامة، واشترط يزيد بن فندين في بيعته أن لا يقضي الإمام أمرًا دون استشارة جماعة معلومة، فقال له الإمام: البيعة حجة والشرط باطل، ما سمعنا بمثل هذا في أسلافنا الصحابة الأولين.

وَلَمَّا تمت البيعة الشرعية بالإمامة للإمام عبد الوهاب، وثبتت في عنقه، وتعينت طاعته على المسلمين ما أطاع الله ورسوله فيهم، ظهر مسعود الأندلسي فبايع الإمامَ عبدَ الوهاب بدوره بيعةَ الإمامة بالسمع والطاعة، واستقرت الإمامة، قامت قيامة ابن فندين ورفاقه، حسدًا من عند أنفسهم، وقد كان يطمح إليها أو إلى مقام معتبر فيها، بحكم العلاقة النسبية، أو علاقة رحم بينه وبين الإمام، فلم ينله؛ فنادى ببطلان إمامة المفضول (عبد الوهاب) مع وجود الأفضل (مسعود الأندلسي)، ونادى أيضًا بوجوب التزام الإمام بما اشترط عليه يوم البيعة ألا يقضي أمرًا دون استشارة ومشورة أهل الشورى من أهل الحل والعقد. إزاء الإفرازات والمضاعفات والشغب والهرج والمرج التي أفرزتها هذه الفتنة كاتَبَ الإمامُ عبدُ الوهاب وأهلُ شُورَاه ممن معه من أهل الحل والفقه أَئِمَّةَ الأصحاب من العلماء المشارقة، في عمان وحضرموت ومصر وخراسان، ومعظم مواطن الأصحاب يستفتونهم في هذه المستجدات والمستحدثات، وهم على علم بأحكامها، ولكن من باب قول إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾(13)، فجاءت كل الكتب والأجوبة موافقة ومؤيدة ما عليه الإمام مع وجود من يفضله في بعض مميزات وخصائص، ومثله في ذلك صحة خلافة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، بإجماع الأمة الإسلامية آنذاك، وفي الصحابة  من هو أفضل منهما في القضاء مثل: علي، وأقرأ منهما مثل: أُبَي، وأعلم منهما بالحلال والحرام مثل معاذ بن جبل، وأفرض منهما في الميراث مثل: زيد بن ثابت، وأن لا شرط مع البيعة إِلاَّ شرط الالتزام بكتاب الله وسنة رسوله الصحيحة، وسيرة السلف الصالح من هذه الأمة، مثل: الخلفاء الراشدين . إلى غير ذلك، حيث يطول في هذه الوقائع أو الواقعة التي انقسم إزاءها الأصحاب المغاربة إلى وهبيَّة ونُكَّارٍ، ولعله قد نال الأصحاب المشارقة بعض شظايا من ذلك عبر التاريخ الذي سجَّلته كتب السيرة، وإن كان أنصار ابن فندين ـ النُّكَّار ـ قد انقرضوا أو لم يعد لهم ذكر أو وجود منذ أمد بعيد ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾(14)، ﴿فَاعْتَبِرُوا يَآ أُولِي الأَبْصَارِ﴾(15).

أيها السادة، أصحاب السماحة والفضيلة، إننا اليوم في هذه الندوة نحيي ذكرى أولئك الشيوخ والأئمة الأمجاد وما كانوا عليه من تواصل وتكامل وتشاور وتحاور في المستجدات والمستحدثات، على بُعد الشقة بينهم من جهة، ومن جهة أخرى: ألا فليكن لنا بهم أسوة حسنة في التزاور والتحاور والتشاور؛ بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب، على مستوى العالم الإسلامي والمذاهب الإسلامية وعسانا ـ أو كدنا ـ نقول: وعلى مستوى المذاهب والديانات السماوية، فضلا ـ ومن باب أولى وأحرى ـ على مستوى المذهب الواحد، مذهب أهل الحق والدعوة والاستقامة، وليكن كل مذهب كذلك وقد توفرت لدينا ـ أو وُفِّرت لنا والحمد لله، خاصة على مستوى السلطنة ـ كلُّ الوسائل والإمكانيات المادية والعلمية والفنية أو التقنية للتواصل والتزاور البدني، على مستوى هذه الندوات والملتقيات والمؤتمرات والتظاهرات العلمية والثقافية والفكرية، على مختلف الأصعدة، والتواصل عبر المواصلات السلكية واللاسلكية، من القنوات الفضائية والشبكة المعلوماتية العالمية (الإنترنت)، والكتب والرسائل والنشريات والمجلات بمختلف اللغات. فما أحوجنا إلى كل هذا في هذا العصر أكثر من كل زمان مضى؛ لنواجه التحديات من المستجدات والمستحدثات، وما تتطلب من توحيد التصور وتوحيد الرأي والمدارك إزاءها وأبعادها خيرها وشرها، خاصة أمام الحملة أو الهجمة الشرسة المعلنة اليوم ضد الإسلام ـ أصالة أوَّلاً وبالذات ـ وضد المسلمين الحقيقيين أينما وجدوا، تحت شعارات مختلفة مقنَّعة حَتَّى تحقَّق قول الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾(16).

ألا فلتكن لنا في محتفلنا به هذا وفي سلفنا أسوة حسنة، وإلا فقد قال الله : ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾(17)، وقال: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّـئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾(18).

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

1- سورة العلق: 1-5.

2- سورة البقرة: 281.

3- سورة القلم: 4.

4- سورة الروم: 54.

5- سورة البقرة: 201.

6- سورة القصص: 77.

7- سورة البقرة: 138.

8- سورة التحريم: 6.

9- سورة الشعراء: 214.

10- سورة المائدة: 105.

11- سورة المؤمنون: 14.

12- سورة البقرة: 269.

13- سورة البقرة: 260.

14- سورة الأنبياء: 105.

15- سورة الحشر: 2.

16- سورة الأنفال: 73.

17- سورة البقرة: 134، 141.

18- سورة التوبة: 105.

* بحث مقدم لندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الثالث الهجري

الإمام محَمَّد بن محبوب الرحيلي نموذجا

المنعقدة خلال الفترة
الاثنين 30 شوال 1422هـ/ 14 يناير 2002م.
حتى 2 ذي القعـدة 1422هـ/ 16 يناير 2002م.

وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – سلطنة عُمان

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك