الشيخ عدون ،عندما تغيب شمس العلماء

 

ودعت الجزائر والعالم فقد العالم الإسلامي يوم الثلاثاء الماضي علمًا بارزا من أعلام النهضة الإصلاحية، والحركة العلمية المباركة في الجزائر طوال القرن العشرين وأوائل القرن الحالي. إنه الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي، الشهير باسم "الشيخ عدون".
كانت جنازة مهيبة يوم الإربعاء 20 رمضان 1425هـ/ الثالث من نوفمبر 2004م، بمسقط رأس

الفقيد بمدينة القرارة، حضرها آلاف المشيعين من مختلف جهات القطر الجزائري، من العلماء والزعماء، والقادة وعامة المسلمين، جاؤوا من كل حدب وصوب ليودعوا رجلا كان أمة يمشي بين الناس، ويغدقوا عليه من خالص الدعاء ما يكون شفيعا له عند رب الناس، يوم يقوم الناس لرب العالمين.
كانت لحظات مهيبة خالدة، وموقفا مشهودا في التاريخ، فيه تخرس الكلمات، ويقصر البيان، فينعقد اللسان، ويكبو فرس اليراعة دون المرام، لجلال الموقف وهيبة المقام.
ويتساءل السائلون: من هو الشيخ عدون؟ وماذا يقول عنه الواصفون والعارفون؟ وما موقعه بين مقامات أعلام التاريخ؟ ممن صنعوا أمجاد الدول، وبنوا شوامخ القلاع، أو فتحوا الأقطار، وسحروا الأنظار، وعرفتهم ساحات النجوم في دنيا المال والفن والسياسة. واحتضت أسماءَهم موسوعاتُ الأعلام، وتزينت بها صفحات الجرائد وشاشات الإعلام؟
لا شيء من هذا كان، إلا نزرا يسيرا لا يعدو تعريفا في جريدة محلية أو وطنية، وحفلة تكريم ووفاء إخوانية، بعيدا عن الأضواء وصخب الإثارة الإعلامية السحرية.
فمن هو الشيخ عدون؟ وأي رجل يكون؟ وهل يستحق أن يحج لجنازته المشيعون؟ ويذكره بين الزعماء الذاكرون؟ أو يكون له لسان صدق في الآخرين؟
الشيخ عدون رجل نشأ في وادي ميزاب بالقطر الجزائري، وكان مولده بمدينة القرارة التي تبعد مسافة 630 كلم جنوب الجزائر العاصمة، رأى بها نور الحياة سنة 1319 هـ/ الموافق لـ 1902 ميلادية.
عرف الفقر والعوز في خطوات حياته الأولى، ففقد والده في بواكير العمر، وكشرت له الأيام عن أنيابها، حين لم يخلف الوالد الراحل ما يرثه الأبناء من متاع الحياة، إلا زادا من التنشئة على الفضيلة والاستمساك بأهداب الدين، وديونا بذمة الأب عاجله الموت دون قضائها، فكانت تركته مغارم لا مغانم، تحمّلها الابن سعيد عن رضى بقضاء الله في اجتماع ألَمِ اليُتْم وهَمِّ الدَّيْن، وما كان أمامه من خيار إلا أن يسافر مغتربا إلى مدينة سَرْيَانة وهو صبي دون العاشرة من عمره، فعمل أجيرا لسداد دين أبيه، وقضى بتلك القرية النائية في جبال الأوراس ذات الشتاء القارس والثلوج بضع سنين.
ولكن شغفه بالعلم كان قد ملك عليه أقطار نفسه، ورأى نفسه ثمرة اختُضِرت قبل تمام نضجها، وازداد لهفه للعودة إلى منابع العلم ليشفي غليله، وظل يتحين الفرص بالانكباب على ما يجده في محيطه من قصاصات أوراق فيها بعض الكتابة، فيقرؤها ويسلّي نفسه بها.
وظلت نفسه الطماحة طُلَعَةً إلى العلم تهتبل منه فرصا نادرة، ولحظات سانحة، حتى بلغ سن الثامنة عشرة فرجع إلى بلدته الأم، وانضم إلى طلبة العلم في حلقة شيخ المدينة الصالح الحاج عمر بن يحي المليكي، رحمه الله.
وكان قد برز نجم إبراهيم بيوض في حلقة هذا الشيخ، فتآلفت روح الطالب الجديد مع الطالب القديم، وكانت نقطة انطلاق مسيرة حافلة مباركة تركت أثرها في ميزاب والجزائر وفي مواطن شتى من العالم الإسلامي.
وحين توفي شيخ الحلقة الحاج عمر بن يحي كانت مؤهلات الشيخ بيوض القيادية قد اختارته زعيما للحركة العلمية ثم النهضة الإصلاحية في القرارة، وفي جنوب الجزائر، وقضى في هذا الجهاد ستين سنة كاملة من عام 1921م إلى وفاته سنة 1981م.
كان الشيخ عدون طيلة هذه الفترة الحافلة وزير صدق للشيخ إبراهيم بيوض في جهاده الإصلاحي ومشاريعه العلمية والتربوية. لم يتخل عنه ولم يتوان عن نصرته يوما. حتى لحق الشيخ بيوض بربه، فخلفه في ريادة الحركة الإصلاحية قرابة ربع قرن من الزمان، إلى أن فاضت روحه إلى بارئها، ولحق بالرعيل الأول من رجال العلم السابقين، الذين كانوا معه فريقا متلاحما متضامنا، عاهد الله على نصرة الدين وتنوير الأمة، وإخراجها من ظلمات الجهل، وإنقاذها من براثن الاستعمار، فتحقق للجزائر النصر والاستقلال، ونعمت بظلال الأمن والازدهار، ثم شاءت الأقدار أن يودع الشيخ عدون الجزائر وهي في غمرة احتفالات الذكرى الخمسين لاندلاع ثورة التحرير الكبرى.
تاريخ حافل أَرْبىَ على قرن من الزمان، ومسار زاخر بجلائل الأعمال، قطعه الشيخ الراحل بعزيمة وإيمان، وصبر ويقين، لم يحِدْ عنه قيدَ أنملة، على تقلب الأحوال، واشتداد وطأة المستعمرين، وأعوانهم الطامحين، وأذنابهم الطامعين، وبرغم اشتداد الفتن، وتنكر عشاق التسلق في غفلة من الزمن، وقَلْبِ بعضِ اللئام ظهر المجن، فقد ظل وفيّا صامدا، لم تزعزعه الأعاصير، ولم تفتّ من عزمه حبليات الليالي وطوارق الأيام.
أجل كانت بداية المشوار من حلقة العلم مع رفاقه تلاميذ الشيخ الحاج عمر بن يحي، ثم تطور نشاطه فكان العضو الرئيس في تأسيس "مدرسة الشباب" بزعامة الشيخ بيوض، سنة 1921 إثر وفاة شيخهما المليكي، وكانت مدرسة حديثة تعلم النشء علوم الشريعة واللغة العربية وفق المناهج العصرية، تطورت بعد فترة من الزمن لتأخذ اسم "معهد الحياة".
معهد الحياة
يعرف الناس في وادي ميزاب أن معهد الحياة هو الشيخ عدون، وأن الشيخ عدون هو معهد الحياة. تلازما تلازُمَ الظل والإنسان، وما ذكر أحدهما إلا ورد الآخر على اللسان.
كان معهد الحياة أملَ الشيخ الأوحد، وهمّـهُ المقيم المقعد، فهو عصارة عمره، وروح رسالته منذ نشأته إلى يوم وفاته.
في رحاب معهد الحياة تولى الشيخ عدون تدريس قواعد اللغة العربية وظل أستاذا لها ما يربو عن خمسين سنة، كما أسند الإمام الشيخ بيوض إليه أمور تسييره منذ الأيام الأولى إذ شغلته قضايا الأمة العامة، فكان الشيخ عدون المديرَ الفعلي، والشيخ بيوض المدير الشرفي.
أجل لقد كان الشيخ عدون رجل الميدان وأساس البنيان، وإن لم يبدُ للعيان، وكان للشيخ بيوض وزيرَ صدق في ميادين الجهاد والكفاح، وكم مرةٍ صرح فيها أنه لولا الشيخ عدون لما حسم أمورا مصيرية عديدة في مسيرة الإصلاح الحافلة.
لكن هذا الوزير آثر البقاء في الظل، موقنا أن السفينة لا تحتمل إلا قائدا واحدا يزجيها، وإلا غرقت بمن فيها وما فيها. وكم من زعامات قامت بينها نزاعات بسبب شهوة السلطة وحب الرئاسة، فتآكلوا بداء التحاسد والتكاثر، وقضوا على الأمة في أتون التناحر.
في أحضان هذا المعهد لم يكن الشيخ رأسا في الإدارة يرقب المسيرة على الأوراق، مَحَاضرَ وتقارير تتلى عليه أو تملى، بل كان الأستاذ المربي، والمراقب الموجه، وفوق ذلك المديرَ المسؤول، يرعى كل صغيرة وكبيرة من شؤون الطلبة والمعلمين، رعاية الأم الحنون لفلذات أكبادها، على مدار السنين، يسبق إليه الفرح والحزن الذي أصابهم، ويناله منه أضعاف ما نالهم.
في ظل رعاية الشيخ عدون مضت من عمر المعهد أكثر من ثمانين عاما، في مسيرة مباركة، أثمرت ثمارا طيبة في تنوير الأمة، وبناء الأجيال، ولا يزال –بحمد الله- حصنا شامخا في سماء العلم والثقافة الأصيلة، يمدّ الجزائر وأمة الإسلام بأجيال من الهداة والدعاة الراشدين المرشدين.
ظل الشيخ عدون مشرفا مباشرا على أنشطة المعهد التعليمية من برامج ومقررات، وساعيا لتطوير مناهجه وتحديث أنظمته في الامتحانات وتحديد مستويات الدراسة، لم يأل جهدا في مده بكل جديد مفيد مما عرفته المدارس والمعاهد الحديثة في ربوع العالم العربي. إذ كان يحث الأساتذة وخريجي المعهد الذين توزعوا في بلدان شتى، على إمداده بكل نافع من هذه البرامج والكتب. ونجحت جهوده فعرف المعهد تطورا متسارعا، حتى عده الباحث السوري بسام العسلي تجربة رائدة في العالم العربي يحق للعرب أن يفخروا بها أمام العالم كما يفخر الروس بتجربة المربي الشهير بافلوف.
وكان لحصة الأخلاق نصيب الأسد في منهج المعهد، ولا يزال يحمل شعاره الخالد: الدين والخلق قبل الثقافة، ومصلحة الجماعة والوطن قبل مصلحة الفرد.
وتولى الشيخ عدون مهمة البناء الخلقي في دروس منتظمة للطلبة الجدد، توطئة لهم للانخراط في منظومة المعهد المتميزة، حتى يتخرجوا متميزين وممتازين في نتائج الأخلاق، قبل ما يسطرون من معارف في الأوراق. وقد يهون الرسوب في الامتحان، ولا يباح أن يرسب في السلوك أي إنسان، وإلا فهو الوبال والهم والهوان.
وظل هذا الدرس آخر ما تمسك به الشيخ حتى حال دونه ثقل السنين، فأسند الأمر لخلَف أمين، والموكب سائر بتوفيق رب العالمين.
وما ميز نظام المعهد قيامه على الربط بين الجانبين النظري والعملي في مجال التربية، إذ لا يكتفي بمنح الطالب معارف مجردة في دروس رتيبة، بل يشفعها بحصص تطبيقية في ما عرف باسم "الجمعيات الأدبية" كان الشيخ عدون قد ابتكرها، واتخذها مضمارا لاكتشاف المواهب وتشجيعها، وتفجير طاقات الشباب في ميادين الخطابة والكتابة، والشعر والأدب. فضلا عن التطبيق الأساسي الذي يرونه في أساتذتهم، استقامة والتزاما بتعاليم الإسلام، فيسلكون نهجهم ويتأسون بهم، ويكون لكلمتهم أثرها البالغ وصداها الخالد في أنفسهم، إذ عاينوها واقعا ملموسا، لا دعوى جوفاء، يتعلل مدعيها بقوله: "خذوا علمي ولا تعملوا عملي".
وكان الشيخ عدون في هذا المنهج الرائد والحارس، يربي تلاميذه على الأخلاق والفضيلة، ويحرص على أن يكونوا نماذج عليا في تمثّل قيم الإسلام بين الناس، يحاسبهم على التقصير فيما يستهين الناس به من الهفوات، ويغرس في وعيهم أنهم قدوة للناس، فلا يجوز أن يغفلوا عن هذه الحقيقة يوما، ويجسد لهم معنى الحكمة الشهيرة: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
علاقته بتلاميذه:
كانت علاقة الشيخ بتلاميذه علاقة الوالد الرؤؤف والأم الرؤوم بأبنائهما، يُعنى بهم ويسأل عن أحوالهم، ويسعى لحل مشكلاتهم، ويمدهم بالعون الأدبي والمادي لتجاوز عقبات التحصيل، وكان لا يكبر أمامه عائق في طريق العلم، ويبذل المستحيل ليذللـه، وكان يعقد الجلسات العديدة، يقضي فيها الساعات الطوال، لحل تلك المشكلات، وإزاحة المعوقات، كي يواصل هؤلاء مسارهم حتى بلوغ الغايات، ونيل أعلى الدرجات.
من هنا كان اهتمامه البالغ بالطلبة النجباء، كما اهتم بالمتمردين أيضا على حد سواء، هذا بالتشجيع والتأييد، وذاك بالتقويم والتسديد. وفي هاتين الجبهتين جهاد جليل، وفيهما كلام يطول، يقتضي بسطا تبخل به هذه الومضات وتقصر عنه هذه الصفحات.
وكان أكبر همه انقطاع الطالب عن العلم، بل كان يعدّ ذلك فرارا من الزحف، ويغضب لذلك أشد الغضب، ويردد على مسامع طلبته حُكم الفقهاء أن الفار من الزحف يقتل، تأكيدا منه على خطورة الأمر وفداحة العواقب ليس إلا. ولا غرو فقد ذاق مرارة الانقطاع عن التعليم، ورأى مصير الصغار حين يختضرون من رياض العلم، فيرمى بهم إلى أوحال الاستذلال والامتهان، فتُرزأ الأمة في قدراتهم ومواهبهم، ويضيع حاضرهم ومستقبلهم، ويخسرون دنياهم وآخرتهم، وذلك هو الخسران المبين.
وحنوُّ الشيخ على تلاميذه وحبه لهم ترك بصمات خالدة في ضمائرهم، وما رأيت أحدا ممن حظي بالتلمذة على يديه إلا أحبه حبًّا جمًّا لما كان يغْذُوهم به من هذا الحب والحنان، حب ينضح صدقا وإخلاصا ورغبة في أن يحقق كل طالب في مستقبله نجاحا كبيرا، ويكون بين الناس شيئا مذكورا.
أما جو الدرس فهو درس لمن رام نموذجا لطريقة التعليم المثلى، توضيحَ حقائقَ علمية، وزرعَ قيمٍ خلقية، وتوطيدَ محبةٍ ومودةٍ وتوقيرٍ واحترامٍ بين المعلم والتلاميذ، وفي تلك العلاقة سر التفوق وحافز على الجد في التحصيل، وفيه تختزل كثير من طرق التدريس العقيمة التي قصَرَتْ نظرها على الوسائل والشكليات، وأغفَلَتِ القدوة، وهي أُولىَ الأولويات، وأساس كل الخطوات.
ولكل طالب قضى عمرا في معهد الحياة، ذكرياتٌ عن حصص الدرس بين أحضان الشيخ عدون، لو جمُعت لكانت موسوعة ونبراسا يهتدي به المربون. وصدق من أرسلها قولةً حكيمة: حتى عصاه لمن عصاه رحيمة.
وبفضل معهد الحياة امتد نور الإصلاح فعم وادي ميزاب ومدن الجزائر، وتفيأت ظلاله بلدان أخرى مثل تونس وليبيا وعمان وتشاد ومالي وزنجبار. وغيرها من الأقطار.
وسطع نجم خريجي معهد الحياة حيثما حلوا وارتحلوا، وكانوا شموسا مضيئة، شرَّفوا المعهد وشرفوا أنفسهم وأوطانهم، وتبوؤوا مقاعد سامية في هيئات حكومية وخاصة، تعليمية وإدارية، ورصعوا صدور الجامعات والمؤسسات المختلفة، ونجحوا في شتى ميادين الحياة التجارية والصناعية والمهنية. وذلك بعض أثر بركة الإخلاص التي نفح بها الشيخ عدون ورفاقه أبناءهم في رحاب معهد الحياة.
ويكفيه شرفا في تشجيعه للنشاط الفكري والتأليف والطباعة والنشر، أن ينجب أمثال الشيخ علي يحي معمر، داعية الوحدة الإسلامية، ومنصف الإباضية من تهم أصحاب المقالات. والمؤرخ الكبير الشيخ محمد علي دبوز، والأديب الشيخ حمو فخار، كهف الحكمة والوقار، والفقهاء الشيخ الناصر المرموري والشيخ محمد ابن الشيخ والمرحوم الشيخ بكير ارشوم، وشاعر الجزائر والعروبة الدكتور صالح الخرفي، والأديب الشاعر والباحث الإسلامي الدكتورمحمد ناصر وبلبل الوادي وحكيم أم القرى الشيخ إبراهيم قرادي. ومن تلاميذه إطارات سامية بأرض عمان، أمثال سعادة الشيخ سعيد بن ناصر المسكري، والشيخ محمد بن ناصر السيابي، والشيخ يحي بن سفيان الراشدي، والدكتور خلفان بن محمد المنذري، وآلاف مؤلفة من الخريجين والنابهين، يقصر عن تعدادهم المقام، ويثقل بأثرهم ميزان الشيخ بين الأعلام.
جمعية الشباب وأثرها:
أما الجمعيات الأدبية التي عرفتها أنشطة الطلبة، فلم تكن مجرد ميدان للتكوين العلمي التطبيقي، والتدريب على تمثل القواعد النظرية وممارستها في ما يكتب أو يقال، فحسب، بل كانت فوق ذلك ميدانا لترويض العقل على البحث والنظر، والنقاش والحوار، والأهم من هذا كله، أنها كانت مجالاً لعمل أخطر، ومضمارا لتحقيق غاية أسمى، غاية تتمثل في بعث الروح الوطنية ومقارعة الاستعمار، إذ تُعرض في أحضان تلك اللقاءات قضايا الحرية وعزة المسلمين، وفداء الأوطان، والسعي لإنقاذها من براثن الكافرين، وكانت جلسات هذه الجمعية سرية لا علم للإدارة الفرنسية بها، ويتعهد أعضاؤها بكتم أمرها، وعدم إفشائه ولو لأقرب الناس وأعز الأصدقاء.
ومضت الجمعيات الأدبية في مقدمة القطار، تقود عرباتها من محطة نصر لأخرى، حتى كانت شرارة حرب الخلاص، فثار شعب الجزائر بتضافر جهود رجال الإصلاح العاملين في الشمال والجنوب، ووقف الشعب صفا واحدا يقول للمستعمر:
يا فرنسا قد مضى وقت العتابْ، وطويناه كما يطوى الكتابْ.
يـا فرنسا إن ذا يوم الحسابْ فاستعدي وخذي منا الجوابْ
إن في ثورتنا فصلَ الخطابْ
وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر.
فاشهدوا فاشهدوا فاشهدوا…
وتركت لنا هذه الجمعيات في أرشيفها كنوزا من النتاج الفكري والأدبي يكشف عمّا كان يجري في رحمها من مخاض عسير أفرز هذه الروح الوطنية الواعية، وينم عن مدى الرشاد الذي اتسمت به قيادة الشباب في هذه اللقاءات، حمل رايتها الشيخ عدون وأثمرت في ما دوّنه الطلبة من مقالات وقصائد، وأناشيد بلغت العشرات، كلها تشيد بالوطن وتدعو للسعي إلى تحريره من نير الاستذلال، وجاءت في أسلوب حماسي صادق، ولكنه ذكي حكيم، تدك قنابله معاقل المفسدين، ولا يُدان قائله من قبل الكائدين. وتلك صفحة بحاجة إلى دراسة مستفيضة تجلي فضل الجمعيات الأدبية بمعهد الحياة في إيقاظ الروح الوطنية في الشباب، ومحو خرافة أن فرنسا ستبقى في الجزائر إلى يوم الحساب.
علاقة الشيخ بالأساتذة:
أما عن علاقة الشيخ عدون بالأساتذة في المعهد فشيء فوق الوصف مما كان يفيضه عليهم أيضا من نبع المحبة والتقدير، ويشعرهم أنهم قلب المعهد وقدوة الطلبة، ويشيع في أوساطهم علاقة مودة تسامت عن المطامع والمصالح، وترسخت فجعلت منهم أسرة متلاحمة ضربت مثالا لنجاح الأسرة التعليمية وتعاونها، وتضحياتها وعملها بروح الفريق الواحد، لغاية واحدة هي بناء الأجيال ونشر النور، وإرضاء الله وراحة الضمير، لا مجرد أداء الواجب وانتظار موعد الأجور.
وما تقدم إليه أستاذ بشكوى إلا أشكاه، ولا في حاجة إلا أغناه، وقد بلغوا جميعا غايتهم منه ونال كلٌّ ما تمناه، وفازوا منه بدعوات الخير، ورضى الأمة وما عند الله خير وأبقى.
وكذلك كانت صلته بالمعلمين في مدارس التعليم الحرة التي أنشأتها جمعيات الإصلاح في مدن ميزاب وخارجه على امتداد القطر الجزائري، يهتم بهم ويتابع أخبارهم ويسأل عن أحوالهم، ويبذل قصارى جهده لتوفير الجو المناسب لهم حتى يقوموا برسالتهم أحسن قيام. ويدعو مَن حولهم من الناس وأهل اليسار لمؤازتهم ومدّ يد العون لهم، ويهيب بالأولياء أن يعضدوا جهود المدارس، مركّزًا على دورهم الأساس في إنجاح عملية التعليم. كما يغرس في ضمائر الناس وأذهانهم شرف ومقام المعلم، وأنه المنقذ الذي يقود الأمة ويتقدم القافلة في طريق الجنة، فعليهم أن يعرفوا مقامه ويقدروه حق قدره.
وكانت استجابة الناس مثالية لهذه التعاليم فاحتضنوا هذه المدارس بمعلميها وتلاميذها، وناصروها فانتشرت واتسعت وتطورت، ولا تزال نجوما تنير طريق الأجيال في كل مدينة وقرية.
ومدارسٍ بُثَّـت نجوما للسُّرى في القطر من بُعدٍ يراها القاصد
وفيها يستيقظ الصبي وهو دون البلوغ مع أذان الفجر يقصد المدارس لتلاوة القرآن لا يثنيه برد ولا زمهرير، ثم تشرق الشمس فيتجه إلى المدارس الرسمية ثم يقفل راجعا مساء إلى مدارس القرآن يختم فيها يومه بهدي الكتاب وسيرة الرسول، وتاريخ الإسلام، وأنعم به مسكا للختام.
جمعية الحياة:
وفي جبهات الشيخ عدون العديدة تتوارد إلى الأذهان جمعية عتيدة كانت محور الأحداث في القرارة وميزاب منذ نشأتها سنة 1937م، إنها جمعية الحياة التي أسسها الشيخ بيوض، لتكون مظلة لحركة التعليم، بما تقتضيه تنظيمات القوانين آنذاك، وكان صدور رخصة الجمعية في ظرف عصيب بعد مساع مضنية، ومماحكات السلطات الاستعمارية، ثم غدت الجمعية موئلا لأنصار العلم والإصلاح، تتولى الجانب المادي والتنظيمي للحركة العلمية في مدارس التعليم الحرة بالقرارة، على اختلاف مستوياتها من الابتدائي والإعدادي والثانوي والعالي. وتشرف على البناء والتجهيز والتسيير والتنظيم. وكان قلب الجمعية الشيخ عدون، لم يتخل عن موقعه فيها إلى آخر حياته، رغم ثقل السنين، واشتداد وطأة المرض، ولم يكن يعجبه قولة الشاعر:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسأم.
ويقول: أما أنا فلم أسأم بعد تكاليف الحياة.
ولا عجب، فتلك ثمرة الإيمان، وبركة الإخلاص. وأنى أن يسأم الحياة من ظل عمره يتمثل قولة المصطفى عليه السلام: «طوبى لمن طال عمره وحسن عمله»؟.
وظل مسؤولا عن جولات جمع المال لجمعية الحياة يقطع لأجلها آلاف الكيلومترات، لا يرده عن ذلك إنجاد ولا إغوار، ويتلقى في سبيل ذلك ما لا يعلمه إلا الله من الأخطار، ولم يتخل عن هذه المهمة إلى آخر عمره، رغم انعدام الأمن وخطورة الأسفار، بعد أن خيم ليل الفتنة على أرض الجزائر، وخشي الناس أن يبرحوا ديارهم، ولكنه واصل مسيره وأسفاره في إصرار وتحد عجيب، لا يفسره إلا تمام التوكل وقوة الإيمان.
دار البعثات العلمية
حين ذاع صيت معهد الحياة في ربوع الوطن تداعى الناس لإرسال أبنائهم للنهل من معينه، فأقبل طلبة العلم على القرارة يستسقون، وكان رائد النهضة بها الشيخ إبراهيم بيوض على وعي بأهمية نشر الفكرة بواسطة هؤلاء الطلبة، فأولاهم عناية منقطعة النظير وآواهم إليه، وخصص لهم دارا يقيمون بها، ثم تتابعت وفودهم وتكاثرت أعدادهم، فكان ميلاد نظام دار البعثات العلمية، وتطور عبر السنين، وكان للشيخ عدون اهتمام بالغ بأبنائه الوافدين.
وإدراكًا منه بما يحسه غريب الأهل من وحشة الغربة والشوق إلى الديار، بذل جهده ليعوض هؤلاء التلاميذ الوافدين ما يأنسون به، بل يجدون أنفسهم بين أهلهم وذويهم. وكان رحمه الله يكلؤهم بعناية خاصة، ويؤثرهم بجلسات متميزة، فملك عليهم قلوبهم وكان لهم رائدا في معترك الحياة، ومثالا ظلوا يشرئبون للسمو إلى مقامه السامق، جدّا وتحصيلا، وتواضعا وإخلاصا، فعمّ فيض هذه القدوة على أوطانهم، وسعدت الأمة بخيرهم، ونسبت للوالد المربي الشيخ عدون، سبب هذا الفضل المبين. وكلهم يلهجون بالثناء عليه قائلين: لولا أيام تلمذتنا بالقرارة ما بنينا لأمتنا هذه الحصون، من جمعيات ومؤسسات، ومدارس ومعاهد للبنين والبنات، فبفضل القرارة كنا شيئا مذكورا، وبفضل الله كان سعينا مشكورا.
وواصل الشيخ اهتمامه بتطوير المعهد ودار البعثات، على امتداد السنين، حتى دعت الحاجة لبناء جديد يسع أعداد الطلبة الوافدين، من أبناء المسلمين، وانطلق المشروع العملاق ثابت الخطى، وشاءت الأقدار أن يزوره قبل وفاته بيومين، ويسرّ باستمرار المشروع واطراده ومات وكله أمل أن يكتمل ولو لم يشهده بجسده، فروحه ترعاه من شرفات عليين.
موقفه من تعليم المرأة.
ظلت قضية تعليم المرأة تثير جدلا بين سدنة القديم وأنصار التجديد في العالم العربي، وأسالت من حبر الكاتبين أنهارا، وتوزع الفريقين سبيلان، اشتطّا بين متزمت متحجر وبين مندفع متحرر، فمنهم من رآها نسخة طبق الأصل للرجل إلا فوارق لا تغير من جوهر التطابق بينهما، مرددا دعوات غربية، أملتها أفكار شيطانية، فأطلق للمرأة العنان في كل ميدان، وتركها نهبا للثيران، وفريق آخر رآها فتنة مكنونة، واتخذها أمَة أمينة، أو متاعا للزينة، وحظر تعليمها خوفا عليها ومنها، وإلا أفلتت من الزمام، وشقيت بها الأنام. فتركها فريسة للجهل وصيدا للشيطان، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم.
وضاعت بين النقيضين أجيال، واصطرعت لأجلها الرجال، وقال الشيخ عدون فصل المقال، فرفض تجهيل المرأة خوفا من انحرافها، وتبنى تطبيق أمر الرسول لأمته "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، وأخذ بتفسير الراسخين من العلماء، أن خطاب التكليف يستوي فيه الرجال والنساء، وأمْرُ الله بالقراءة في قوله "اقرأ"، ليس خاصا برسوله، بل يعم أمته جمعاء.
ورغم معارضة فريق عريض من الناس لفكرة الشيخ عدون، ومنهم بعض رجال الإصلاح، إلا أنه أصرّ على رأيه، واقتنع أنه صواب ورشاد، وبدأ التطبيق منفردا بإدراج بنته في المدرسة، ولم يأبه بقوة المعارضة، ثم استبان للناس رشد ما فعل، فاقتدوا به وعمرت المدارس بالبنين والبنات، وحمد الناس غب سراهم بعد قرون الجهل الحالكات.
وفي وادي ميزاب اليوم مدارس عصرية نموذجية لتعليم البنت بأفضل المناهج، في محيط نقي كله طهر وعفاف، فيه تلقن البنت كل ما ينفعها من علوم الشريعة وعلوم العربية، وما يعضدها من علوم العصر، فضلا عما يؤهلها للقيام بمهمة تربية الجيل، من علم النفس والتربية، ومهارات الحياة التي تجعلها ربة بيت ذات خبرة ويد صناع، بأسلوب عز له نظير فيما عرف الناس من مناهج التعليم الحديث.
تطور المدارس:
من ثمار معهد الحياة تخريج نخبة من المثقفين توزعوا في مدن القطر الجزائري وخارجه، فسعوا لنشر هذا النور في أوساطهم، وتحركوا تدفعهم وصايا الشيخ عدون ومشايخ المعهد ليعم خيرهم مَن حولهم، وكان من نصائح الشيخ بيوض لأحد تلاميذ مودّعًا: "أنِر البقعة التي أنت فيها"، فتنافس الناس في إنشاء المدارس القرآنية العصرية، واطمأن الآباء على مستقبل أبنائهم بعد أن كان مهددا بمخططات المسخ الاستعماري، ومعاول الانحلال الخلقي الذي أفرزته الحضارة المادية الماجنة.
وكنت تسمع بين الحين والآخر عن ميلاد مدرسة في هذه المدينة أو تلك، حتى بلغ تعدادها مبلغا مباركا، دعا أهل النظر فيها إلى توحيد الجهود وتنسيق الخطط للقيام بالعمل التربوي، وتحقيق أفضل النتائج. فكان الشيخ عدون رئيس هيئة "وحدة التعليم" واختير مشرفا ومفتشا عاما لمدارس الوحدة في وادي ميزاب ومدن الجزائر المختلفة.
وأهّلَته خصال الحزم والجد لحمل هذه الراية أكثر من ثلاثين سنة، فكان يقوم كل عام بجولة عامة لتفتيش هذه المدارس، وتقديم تقرير مفصل عن نشاطها ومستوى طلبتها وكفاءة أساتذتها، وهي مهمة غير يسيرة وأيم الحق، تقتضيه أسفارا بعيدة تبلغ آلاف الكيلومترات، من شرق الجزائر إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها لا يقوى عليها إلا أولو العزم من الرجال، ولم يتوقف عن هذا العمل الشاق، إلا حين أقعده العمر المبارك وقد جاوز الثمانين.
وفي تقاريره الشاملة حول هذه المدارس صفحة ناصعة لجهاد الأمة وجنود الخفاء في هذا الثغر الهام من ثغور الإسلام.
جمعية قدماء التلاميذ
في سنة 1948 تأسست بميزاب جمعية قدماء التلاميذ من خريجي معهد الحياة المنتشرين في مدن وادي ميزاب، كانت رابطة للتواصل بينهم وتنسيق نشاطهم العلمي والاجتماعي، وأبرزت ثمارا طيبة في سنيها الأولى، ولكن يدا ماكرة حاولت وأدها لما رأت من خطرها على مصالح بعض المتنفذين، فتقلص نشاطها، واقتصرت على مدينة القرارة، وظلت مشرفة على النشاط الثقافي والاجتماعي في المدينة، برعاية الشيخ عدون، ولا تزال إلى اليوم.
الشيخ عدون والصحافة.
آزر الشيخ عدون رائد الصحافة العربية في الجزائر وعميدها الفقيد الشيخ إبراهيم أبا اليقظان في جهاده الصحفي، في أحلك ليالي الاستعمار، وبذل جهده لنصرته بالتشجيع والاكتتاب والكتابة والتحرير، في متابعة أخبار وادي ميزاب ومجريات حركة الإصلاح، ثم انتدبه الشيخ أبو اليقظان ليتولى تحرير افتتاحية إحدى جرائده الثمانية التي توالى صدورها طيلة اثنتي عشرة سنة، من عام 1926 إلى عام 1938م، كلما وأد المستعمر واحدة، دكّ أبو اليقظان في عرش المستعمر أخرى.
وكان الشيخ عدون يوقع مقالاته في تلك الجرائد باسم "سعيد"، وتبلغ تلك المقالات ما يقرب من مائة وخمسين مقالا، تشهد على ضلوعه في الأدب، وتملكه ناصية البيان.
وفي صحافة أبي اليقظان تاريخا وكفاحا ومقالات شواهدُ عن سفر ذهبي من جهاد "سعيد" في مقارعة الاستعمار العسكري والجمود الفكري.
دفاعه عن اللغة العربية:
عرف الشيخ عدون بأنه مدافع مستميت عن لغة القرآن، قضى العمر يبني النفوس عليها وينشئهم على قواعدها، نحوًا وصرفا، وأدبا وبلاغة، وتاريخا وفكرا، مؤمنا أن العربية وعاء القرآن، وإذا ضاع الوعاء ضاع ما فيه، ويرى الحفاظ عليها واجبا دينيا قبل أي اعتبار، ورأى ببصيرته ما يخططه الاستعمار للقضاء عليها في الجزائر، وما بذله من مساع جبارة لجعلها لغة ثانوية لا أصيلة، جاهدا ليستبدل بها لغته الدخيلة. وآتت جهوده في ترسيخ العربية في القلوب، فأحبها الناس وتعلقوا بها، ولمع فيهم شعراء وأدباء وخطباء بلغاء، وغدت ميزاب قلعة العربية في أحلك ليالي الاستعمار، ولا تزال بحمد الله نموذجا رائدا في نصرة الضاد، رغم تكالب أعدائها لمواصلة المشروع الاستعماري لفرنجة لسان الشعب الجزائري.
واشتهر الشيخ عدون في الأوساط العامة والخاصة أنه مدافع عنيد عن اللغة العربية، لا يرضى في شأنها مساومة ولا موازنة، ولو مع اللغة الأمازيغية لغة الآباء والأجداد، ويرى أن هذه لغة المصالح الآنية، تشكل جزءًا من الهوية، ولكنها في مأمن وعافية، أما العربية فلغة الدين، ولغة القرآن، ومفتاح سعادة الإنسان، وعليها يقع الرهان، وإن فقدناها كانت القاضية.
مع أنشطة الشباب.
كانت للشيخ عدون اليد الطولى في تشجيع الأنشطة الشبانية في الجمعيات الأدبية، والرياضية، والكشفية، والنوادي العلمية والثقافية، والمجموعات الصوتية ذات الفن الأصيل، يسندها ويشجعها، ويصوب مسارها، ويقوم اعوجاجها، لا ينفك مهتما بها غاية الاهتمام، وكأنها همه الأوحد، ومشكلته الأساسية، وهي في الواقع رقم في عدد كبير، وعنصر ضمن قائمة طويلة من ملفات المجتمع وقضايا الأمة، ولكنه الإخلاص والصدق، يمنحان الفرد الوحيد قوة جيش عتيد.
وتميز بفكره الذي ظل شبابا، لم تؤثر في مضائه واتقاده السنون، ولم يدركه المشيب، فكان إلى آخر عمره مشجعا لأنشطة الشباب داعيا للتطوير، وابتغاء الجديد من كل نافع مفيد، منكرا الجمود على القديم وتقديسه لمجرد أنه قديم. وشرطه الوحيد في مضمار التطوير التمسك بالثوابت من قضايا العقيدة وقيم الأمة، ثم البحث عن الأجدى والأفضل في كل ما أنتجت قرائح البشر في مشارق الأرض ومغاربها، لأنه من الحكمة التي أمرنا بالبحث عنها والأخذ بها.
وعرف الشيخ عدون لدى الجميع بأنه شيخ الشباب، ورائد التجديد، وأنه سباق بفكره لكثير ممن يصغرونه في السن بعقود، ولا غرو، فقد سبقهم إلى الحياة بأمد بعيد.
جمعية التراث
وفي سنة 1989 أنشئت بوادي ميزاب جمعية علمية حملت اسم "جمعية التراث" هدفها العناية بالتراث الفكري للمنطقة حفظا ودراسة وتحقيقا ونشرا، وتشجيعا للبحوث العلمية الجادة في مجال الفكر الإباضي وتاريخ أعلامه، وكان على رأس الجمعية الشيخ عدون، وقطع الوليد الجديد خطوات مباركة في هذا المضمار، وأنتج للأمة نتاجا طيبا من البحوث والدراسات، والكتب والكنوز، وعرّف الأجيال بتراثها وتاريخها، وما هي أصولها وهويتها، ولا تزال جهود العاملين متواصلة في سبيل هذه الغاية النبيلة، بفضل توجيهات رئيسهم الشيخ عدون، مؤمنين بأن هذا مشروع حضاري واعد، سوف يحقق تقاربا محمودا بين المسلمين، وإزالة لغشاوة الشك وسوء الظنون، وتصحيحا للرؤية القاتمة التي صنعتها كتب المقالات عن أهل الاستقامة، وتلك خطوة لازمة لتوحيد الصف ومواجهة العدو المشترك للمسلمين.
مجلس باعبد الرحمن الكرثي.
في ميزاب هيئات عرفية قديمة كانت ولا تزال تقوم بدور هام في الرعاية بشؤون المجتمع، ومنها مجلس يعرف باسم "مجلس باعبد الرحمن الكرثي" يعنى بقضايا العمران والاجتماع، واتخاذ المواقف المناسبة المتعلقة بمصير المجتمع، ومواجهة الأخطار ومستجدات الحياة. كما أن له اهتماما بقضايا السياسة التي أفرزها تطور المجتمع الحديث.
وقد ركن هذا المجلس العرفي إلى الظل أمدا طويلا، فدعا الغيورون إلى إحياء نشاطه، وكان للشيخ عدون يد طولى في ذلك، فعاد لمواصلة جهوده، وتصدر المجلس قيادة أحداث كثيرة عرفتها المنطقة في السنوات الأخيرة.
رئاسة مجلس عمي سعيد.
يتميز المجتمع الميزابي بأنه مجتمع مسجدي، تقوده هيئة العزابة من مقرها في المسجد، والمسجد يمثل قمة الهرم في بناء المدينة بوادي ميزاب، كما تمثل هيئة العزابة قمة البناء الاجتماعي، وتعمل جاهدة لتحوط المجتمع بالرعاية، وترقب استقامته وسلامته، وتحرص على أن تصطبغ حياة الناس بشريعة الإسلام، أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر. ولكل مدينة ممثل للهيئة في مجلس أعلى لمساجد وادي ميزاب ووارجلان يعرف باسم "مجلس عمي سعيد" نسبةً إلى الشيخ عمي سعيد الجربي الذي أحيا العلم بميزاب في القرن الثامن الهجري.
ودور المجلس فقهي ديني، يعنى بالقضايا الدينية أساسا، وقد أحيا نشاطه الإمام الشيخ بيوض إثر استقلال الجزائر، سنة 1962م، وترأّسه إلى حين وفاته، ثم تلاه في رئاسة المجلس شيوخ أجلاء، كان آخرهم الشيخ عدون استمر على رأسه منذ وفاة شيخه السابق الشيخ عبد الرحمن بكلي سنة 1986 إلى آخر حياته.
ولهذا المجلس جلسات أسبوعية لتداول مستجدات الحياة الدينية وما يحتاج إلى بت وفصل من قضايا الفقه والفتوى في ميزاب.
كما يُعنى المجلس برعاية أوقاف الميزابيين في ربوع الجزائر وخارجه، وبخاصة في البقاع المقدسة، ومتابعة ما يهم هذه الأوقاف من تنظيم وترسيم وتسيير.
الشيخ عدون وقضايا المسملين.
كان الشيخ عدون داعية حريصا على وحدة المسلمين، يبث ذلك في نفوس طلبته وفي دروسه ومواعظه للعامة والخاصة، لا يَنِي يذكّر بقضاياهم الأساسية وهمومهم الكبرى، وفي مقدمتها قضية فلسطين، ويذكر أن حلها لن يكون إلا على يد من يحمل راية التوحيد، ويعمل لدين الله أن يسود، وما سوى ذلك محاولات بائسة فاشلة.
كما ظل عمره يدعو لرأب الصدع وتقريب الشقة بين أبناء الأمة الواحدة، ومن نافلة القول الإشادة بواحدة من ثمراته، وهو تلميذه الفقيد الشيخ علي يحي معمر، رحمه الله، الذي أثرى المكتبة الإسلامية بسِفره الخالد "الإباضية بين الفرق الإسلامية" أزاح فيه النقاب عن أسباب التفرق، ووضع دستور الوحدة المنشودة بين المسلمين.
وكانت له جهود حميدة لإطفاء نار الفتنة التي اندلع لهيبها بأرض الجزائر، وأتت على الأخضر واليابس، وألح على وحدة صف المسلمين، وحرمة اتخاذ الاختلاف المذهبي سببا لشق الصف وإيقاد نار الفتنة، فما المذاهب إلا مدارس اجتهادية تنهل من معين الكتاب وسنة المصطفى عليه السلام.
غرامه بالمطالعة.
ذاق الشيخ عدون فقد العلم ومرارة الحرمان أول عمره، فانتصر للقراءة إلى حد الإدمان طول عمره، وأكب عليها بلهف منقطع النظير، وظل الكتاب أنيسه وسميره، لا يعوقه عنه سهر ولا سفر، ولا ينفك عن المطالعة مهما بلغ به الإعياء، وكان يختم ليله بقراءة تستمر على الأقل ساعة من الزمن، إن سبقها سهر، وإذا خلت ليلته من جلسة عمل –وقليلا ما تخلو- كان نصيب القراءة فيها موفورا، فاستمرت لعدة ساعات.
وكان حريصا على الكتابة والتأليف حرّض عليهما تلاميذه، فأبدعوا فيما كتبوا، وله مراسلات أدبية معهم في هذه المجالات. كما دون صفحات ناصعة من تاريخ الحركة الإصلاحية ومن دروس الشيخ بيوض في التفسير، لعل الله يقيض من ينشرها لتنصف الرجال العاملين، وتكشف حقائق ثمينة عن هذه الحقبة الذهبية من تاريخنا المعاصر.
وكان يتابع ما تصدره دور النشر من كتب وبحوث ودراسات، وما ينفحه به أبناؤه وأحباؤه من إنتاجهم، ولم يعجزه كثرة ما يرده عن استيعابه، فكان إذا بلغه كتاب وجدته قد أكمل قراءته بعد يومين أو ثلاث أو بضعة أيام حسب حجم الكتاب، وفوق هذا فما فتئ متابعا حريصا للصحف والدوريات تأتيه من داخل الوطن وخارجه، بصورة مستمرة، متابعة يومية قد يعجز عنها المتخصصون أو المتفرغون.
يقرأ كل ذلك الإنتاج وينقده نقدا موضوعيا ببيان ما له وما عليه، في الفكر والمنهج، والتحليل والأسلوب.
وقد حدث أن كان لجمعية التراث –وهو رئيسها- مشروع "معجم أعلام الإباضية" وقدمت له النسخة التجريبية للملاحظة عليها، كما وزعت على عدد من المشايخ والمفكرين للهدف نفسه، ولم يَرِدْ إلى لجنة المعجم جواب بالملاحظات إلا من قِبله. فأخبرته بذلك، شاكرا حرصه وجوابه، بعد أن نقد الكتاب بأجزائه وصوب ما فيه من أخطاء، وعلقت قائلا: أرى أن أعجز الناس عن الكتابة عندنا هم المثقفون. فأجابني على الفور: وأنا إمام العاجزين.
وتعجب لقدرته وجلده، وطول نفسه في القراءة رغم كبره، فلم تضعف السنون من بصره، حتى فتحها على رياض قبره، رحمه الله.
وكان له من الأسفار مدرسة أفادته في رسالته المقدسة، بما نال منها من اطلاع على أحوال المسلمين واتصال بعلماء الإسلام، وقد زار معظم الدول الدول العربية والأروبية، في جولات عديدة، وكانت حميمة بعلماء المسلمين في مواطن عدة، داخل الجزائر وخارجها، نذكر منهم الشيخ أحمد سحنون أحد مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وسماحة الشيخ أحمد الخليلي مفتي عام سلطنة عمان.
تقديسه للمواعيد
من خلال الشيخ الحميدة التي ندرت في زماننا، تقديس المواعيد، واحترام مواقيتها، فهو دائما مع أول الحاضرين وآخر المنصرفين، لا يعرف الأعذار ولا الاعتذار، إلا ما كان قاهرا منها، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
ومن حرصه على المواعيد حضوره لدروس تفسير القرآن الكريم للعلامة الشيخ بيوض في مسجد القرارة، وقد استمرت تلك الدروس خمسا وأربعين سنة من عام 1935 إلى 1980م، لم يتخلف عنها وهو في المدينة إلا يوما واحدا لضرورة قاهرة، وما عدا ذلك فلم يكن يغيب عنها مهما كانت الشواغل والأعراض، تقديرا منه لأهميتها القصوى، ورغبة في فوائدها الجُلّى، فكان أسوة لطلبة العلم في الجد والتحصيل، وقدوة لعامة الناس في علو الهمة وقطع الأعذار.
خفة روحه
لم يكن الشيخ عدون ممن يتصنع الوقار المتكلف وإن جلله المشيب، وما كان يخيم على مجلسه داكن السحاب الكئيب، بل يشيع فيه جو الأنس وتنطلق من أسارير وجهه بشائر الابتهاج والحبور، فتتفتح له القلوب، وتأنس إليه النفوس، وما زاده وقار المشيب إلا خفة روح تأسر الحاضرين فيودّون أن لو امتد لقاؤه عدد سنين.
حقًّا، لقد كانت مجالسه باقةً أدبية زاهية الألوان، زكية الشذى، يمازج فيها الجلالَ جمالُ الأدب، وتقترن الحكمة والنصيحة بالابتسامة الوديعة، تراه يتصيد المُلحة ويطرب لها، وينتشي للدعابة البريئة انتعاش الزهر في الروض النضير، إذا سقاه السحاب أو جرى في عروقه ماء الغدير.
بركة العمر والولد:
منح الله الشيخ عدون بركة العمر والبدن، فكان نسيجا فريدا عجز الطبب في استكناه أسراره، إذ جاوز القرن من الزمان، وما هدّت السنون من تماسكه وسلامته، إلا في شهوره الأخيرة، بل وخرق كل قوانين الصحة ومحظورات الشيخوخة، وكانت صحته مثار دهشة الأطباء، لا يعرف تحرزا من ماء مثلج، ولا وليمة دسمة، ولا شراب معسول، والدسوم والسكريات قاصمة الصحة في نظر الأطباء، وخبراء العلل، وكأنّه سبر أغوار العلة في قواعد اللغة العربية، وقد قضى في تدريسها سنوات عمره الذهبية، فنفعته لقاحًا واقيا للصحة البدنية، وقد يكون ذلك بعض جزاء الله العاجل في هذه الدار. ولله في خلقه شؤون. وأي شؤون.
وإن تعجب فعجب من طول نفَسه في الجلسات الطويلة، تستمر طول النهار ويمكث فيها على هيئة قارة حتى نهاية اللقاء، بينما ترى بعض الحضور من الكبار ومن الصغار، في تململ من طول الاصطبار، حتى يصرّح مغلوبهم بالاعتذار لقضاء حاجة أو استراحة، والشيخ يقرع الجميع ويجيبهم بحجة صامتة بليغة، تقطع الأعذار وترمي بها في سلة المهملات.
وتلك بعض معاني البركة في الصحة والعمر، كما ناله منها نصيب في المال والولد.
وأفاض الله عليه من متاع الحياة ما قضى به شطرا من دهره ميسورا، وكان مثال الأب الحاني على أبنائه الصلبيين كما كان مع أبنائه الروحيين، وتمثل في بساطته وحدبه على أهل بيته، وبذله قصارى جهده ليسعدهم، رغم توزع جهوده في مهام المجتمع المتكاثرة، فكلل الله سعادته بذرية طيبة، كانوا رجالا لامعين في شتى ميادين الحياة، أحدهم أستاذ جامعي قدير، قضى العمر في تفسير كلام العليم الخبير، وآخر طبيب ماهر خبير، نذر طبه لنفع الأرملة والفقير، وثالثهم خطاط بارع كتب المصحف الشريف ثلاث مرات، صار معتمد العالم الإسلامي في قراءة ورش بين القراءات، وخاتمة العنقود معلم رابط في البلد وظل لوالده سندا ولنهجه في بناء الأجيال مددا.
الإخلاص ثم الإخلاص:
كان الشيخ عدون إخلاصا يمشي على قدمين، وقد لخص تجربته في الحياة في كلمتين نصح بهما الشباب قائلا:
بعد طول عمر بلغ مئة من السنوات،
– ما رأيت مشروعا قام على الإخلاص وعاقت دون تمامه العقبات.
– وما رأيت أحدا أعطى درهما لله ولم يخلف الله عليه بالنماء والبركات.
ومن نظراته السديدة ونصائحه التي يزود بها الشباب؛ ضرورة ثقة الفرد بنفسه، وبالله أولا، وإخلاص القصد له دائما، والتزود بالصبر لبلوغ الغايات وتحقيق النجاح، ودون ذلك ستذهب جهوده أدراج الرياح، ولن يكون له دور فعال في التغيير والإصلاح.
إنكار التكريم:
ويأبى تواضع الشيخ إلا التنكر للذات، ونسبة الفضل لغيره، واستصغار ما بذل، واعتبار جهاده طيلة قرن من الزمان مجرد قطرة في محيط جهود العاملين، ونكرة في قاموس أعلام الإسلام السامقين.
وقد رغب منه أبناؤه إقامة حفل تكريم له احتفاء بجهوده في خدمة العلم والصالح العام، فأبى ذلك، وأصر على رفض الفكرة، ولكنه غلب على أمره تحت إلحاح أبنائه، الذين كانوا قد أعدّوا كل الترتيبات، فرضخ للأمر الواقع، وقَبل به على مضض، والدموع تنهمر من عينيه خشية أن تذهب تضحياته هباء. وكان ذلك يوم 14 فبراير من عام 2003م.
كما حظي بتقدير جميع فئات الشعب الجزائري من رئاسة الجمهورية ووزراء الدولة إلى مختلف السلطات الرسمية، واتفقت الكل على توقيره وتقدير، والاعتراف بفضله وسابقته.
ثم حملته قلوب علماء الجزائر فاختاروه رئيسا شرفيا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، اعترافا بفضله وأياديه، وقد كان من مناصري الجمعية والداعين لمباركة جهودها لإيقاظ الشعب الجزائري من ظلمات الجهل، والسعي لتحريرها من نير الاستعمار قبل سبعين سنت خلت، فكافأته حين وضعته تاجا على مفرقها، جزاء وفاقا.
مسيرة قرن وخمس سنين، حفلت بآلاف وآلاف، من حلقات علم تقام، ومجالس فكر وذكر تنصب، وجلسات صلح تعقد، وتتواصل أحيانا ليالي وأياما عديدة، ويمتد السهر فيها إلى منتصف الليل أو يزيد. كانت سعيا دؤوبا لصالح الأمة والدين في مختلف والميادين، لا انتظارا لشكر ولا ثناء، ولا نيشان ولا شهادة، إلا رضوان الله وفردوسه الموعود.
وبلغ به الجهد أشده وانهارت قواه البدنية، بيد أنه ظل محتفظا بكامل قواه العقلية رغم إجراء عملية جراحية في رأسه قبل بضع سنين إثر حادث سيارة أليم، ظل نجاح العملية لغزا بمقاييس علم الأطباء، وحفظ الله له وعيه وقلبه وبصيرته، ثم كانت له لقاءات وداع لأبنائه وبناته في مختلف المؤسسات في أواخر أيامه في هذه الحياة، أوصاهم فيها بالتمسك بأهداب الدين، والحفاظ على الوحدة، والاستمساك بالإخلاص والصبر والتضحية، حتى ينالوا رضوان الله رب العالمين.
ومضت تلك السنون في صمت عجيب، قضاها الشيخ عدون يصنع مجد الخلود حتى أتاه اليقين، فمضى إلى ربه في شهر القرآن المشهود، مستبشرا بإذن الله بجزائه الموعود، ليلقى الأحبة محمدا وصحبه.
أجل، لقد مضى الشيخ عدون إلى وعدٍ طالما تمناه، وقضى العمرَ يعمل له، فما تأفف ولا توانى، ولا تقهقر ولا تنكر، وصدق ما عاهد عليه ربه، وما زادته يَا)السنون والأسقام إلا يقينا ومضاء، ودعا ربه وما خاب من أخلص لربه الدعاء،  أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ () ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً .(مَرْضِيَّةً () فَادْخُلِي فِي عِبَادِي () وَادْخُلِي جَنَّتِي

د. مصطفى صالح باجو .
كلية الشريعة والقانون. مسقط.

مسقط صباح الجمعة 20 رمضان 1425هـ /5 نوفمبر 2004م

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك