قراءة جديدة في الفتاوى الاقتصادية للشيخ البكري

إنَّ البحث في مجال الاقتصاد الإسلاميِّ يتطلَّب إلمامًا بعلمي الاقتصاد والشريعة، على درجات متفاوتة؛ وإنَّ إصدار الفتاوى الشرعية في المسائل الاقتصادية عامَّة، وفي المعاملات المالية والمصرفية خاصَّة، يستوجب تفهُّما كاملا ودقيقا لطبيعة هذه المسائل؛ ذلك لأنَّ الملاحَظ في بعض

علمائنا وفقهائنا على غزارة علمهم، وسعة اطِّلاعهم، أنـَّهم يخوضون في هذه المسائل من جانبيها الشرعيِّ والاقتصاديِّ، مع أنَّ هذا البعض تجده إمَّا فقيها شرعيا، ليس له إلمام كاف بتقنيات هذه المعاملات الاقتصادية التي تتطوَّر باستمرار، وإمَّا اقتصاديا خبيرا لكن لا يجيد استنباط الأحكام الشرعية، لجهله بالقواعد الفقهية والأصولية.

لذا كان لزاما والحال هذه، أن يتعاون الاقتصاديُّ مع الفقيه، في الوصول إلى الحكم الشرعي المناسب لمثل هذه المعاملات، كما هو الشأن في تعاون مسؤولي المصارف الإسلامية مع هيئات الرقابة الشرعية لديها؛ أو تكوين مجامع فقهية عالمية، تضمُّ خبراء في الاقتصاد والشريعة لإصدار الفتاوى الاقتصادية، على غرار ما يقوم به مجمع الفقه الإسلامي، لمنظَّمة المؤتمر الإسلامي (مقرُّه جدَّة/السعودية)، والذي يعتبر أنشط المجامع في هذا المجال.

ولعلَّ من بين هؤلاء الفقهاء الشرعيين الذين أشرنا إليهم، نجد أحد أعلامنا وعلمائنا الأجلاَّء، فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وطيَّب ثراه، والمعروف بالشيخ البكري، الذي جمع فتاواه في كتاب “فتاوى البكري”، هذه الفتاوى (خاصَّة الاقتصادية منها) التي أفتى بها الشيخ في حياته، وقد يكون الكثير من المسلمين عمل بها، أجدني مضطرًّا – بعد اطِّلاعي عليها – أن أنبِّه إلى ما جاء فيها من تعارض مع فتاوى الخبراء والفقهاء المتخصِّصين في علمي الشريعة والاقتصاد، والذي نرجعه إلى عدَّة أسباب أهمُّها: أنَّ هذه الأخيرة ناتجة عن التخصُّص والفهم الدقيق لمثل هذه المسائل، وكذلك كونها صادرة عن اجتهاد جماعيٍّ وهو أرجح في نظرنا من الاجتهاد الفرديِّ، وهذا لا يُنقص من قيمة الشيخ شيئا، ولن يقلِّل إن شاء الله من جهده في إرشاد الناس، وأجره على هداية المجتمع، فرحم الله الشيخ وجزاه عنا خير الجزاء.

ونشير هنا إلى أنـَّنا لن نتطرَّق إلى جميع هذه الفتاوى، فذلك ما لا يسمح به هذا المقال، ولكننا سوف نأخذ منها على سبيل المثال تلك الواردة على تساؤلات كثيرا ما يطرحها الناس، إذ أنـَّها ترد في معاملات معاصرة وشائعة، في حياتهم اليومية.

نماذج من الفتاوى الاقتصادية للشيخ البكري، ومناقشتها:

جاء على سبيل المثال في ص209، من الجزء الأوَّل ما يلي:

«سألتَ أيها الأخ عن القرض الذي تقدِّمه الحكومة إعانة للفلاَّحين، وأرباب الصناعات وغيرهم: هل يسوغ أخذه، لكونه يشتمل على فائض، وإن كان زهيداً؟»

الجواب: «القرض الذي تقدِّمه الحكومة إعانة للفلاَّحين وأرباب الصناعات وغيرهم – وإن بفائض زهيد – لا يُعتبر فيما يبدو من المعاملات الربوية التي حرَّمها الله بنصِّ الكتاب، لا، ولا مما ورد في السنَّة النبوية تحريمه، ذلك بأنَّ علَّة تحريم الربا هو استغلال ضرورة المحتاج، وأكل ماله بالباطل، وهي هنا منتفية كمال الانتفاء».

إنَّ العلماء اتفقوا على أنَّ كلَّ قرض جرَّ منفعة فهو ربا، مهما كان نوعه أو مصدره، ومهما كان النفع أو الزيادة صغيرة أم كبيرة، ومهما كان الغرض من القرض للتعمير والتنمية، أو للإنفاق والاستهلاك، ثمَّ إنَّ القول بأنَّ الفائض هنا كان زهيدا، يعني أنَّ الربا لا يكون إلاَّ كبيرا أو فاحشا، وهذا اصطلاح أوروربي مستحدث، إذ من المعلوم أنَّ الأوروبيين استحلُّوا الربا على هذا الأساس[1].

ثم يقول الشيخ بعد ذلك: «وهبْه قرضا جرَّ نفعاً، فالإثم لا يكون إلاَّ على المستقرض، بل على المقرض»، مع أنَّ فضيلة الشيخ لم يتغافل عن قوله صلى الله عليه و سلم: «لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه»[2]، وقال بإنَّ إشراك الموكل هنا كان لأنَّه أعان على محرَّم في الظاهر، فإذا لم يقصد بذلك تمكين الآكل وإعانته على المحرَّم حقيقة، كان غير آثم، على ما ذهب إليه بعض العلماء!. والغريب هنا أنَّ فضيلة الشيخ جعل العلَّة في تحريم الربا سابقا في استغلال ضرورة المحتاج، وجعلها هنا في إعانة الموكل للآكل على المحرَّم، فأين العلَّة الحقيقة في نظره؟

جاء في ص 211 ردًّا على سؤال حول إيداع المال في صندوق التوفير، ما يلي:

«صندوق التوفير مصلحة حكومية، تودع فيها الأموال وتستغلُّها، والذين يودعون أموالهم فيها يودعونها لا على أنها قرض، وإنـَّما يتقدَّمون بها طائعين مختارين ملتمسين قبول المصلحة إياها، ويقصدون بهذا الإيداع تعويد النفس على الاقتصاد، ومساعدة الحكومة، وهما غرضان شريفان، كلاهما خير وبركة يستحقُّ أصحابها التشجيع، فإذا ما عيَّنت المصلحة لهذا التشجيع قدرا من أرباحها، منسوبا إلى المال المودَع أيَّ نسبة تريد، وتقدَّمت به إلى صاحب المال، كانت بدون شكٍّ معاملة ذات نفع تعاونيٍّ عامٍّ، يشمل خيرها صاحب المال والعمَّال والحكومة، وليس فيها مع هذا النفع أقلُّ شائبة لظلم أحد أو استغلال لحاجة أحد».

وقد جاء في “دليل الفتاوى الشرعية في الأعمال المصرفية” الذي أعدَّه مجموعة من خبراء الاقتصاد وعلماء الشريعة، ما يلي: «… ولما كان الوصف القانوني الصحيح لشهادات الاستثمار أنـَّها قرض بفائدة، وكانت نصوص الشريعة في القرآن والسنَّة تقضي بأنَّ الفائدة المحدَّدة مقدَّما من باب ربا الزيادة المحرَّم، فإنَّ فوائد تلك الشهادات، وكذلك فوائد التوفير أو الإيداع بفائدة، تدخل في نطاق ربا الزيادة، لا يحلُّ للمسلم الانتفاع به»[3].

ويُفهم من هذه الفتاوى أنَّ خبراء القانون يُجمعون على أنَّ الوديعة المصرفية – ووديعة التوفير نوع منها – ينطبق عليها عقد القرض، وتطبَّق عليها أحكامه؛ كما أنَّ الفقهاء يؤكِّدون على أنَّ فوائد التوفير من ربا الزيادة المحرَّم، لأنـَّها محدَّدة مقدَّما، ولا يغيِّر من هذا التحريم كونُ الأفراد يتقدَّمون بها طائعين مختارين، أو يقصدون بها تعويد النفس على الاقتصاد، أو يساعدون بها الحكومة… إلى غير ذلك من الحجج.

ويستشهد الشيخ البكري بأنَّ الشيخ الإمام محمد عبده، وكذلك تلميذه رشيد رضا، أجازوا إيداع الأموال في صندوق التوفير وأخذ أرباحها، والذي يبدو لنا أنَّ هؤلاء المشايخ – مع احترامنا لهم وتقديرنا لمجهوداتهم – لم يفقهموا جيِّدا طبيعة الفوائد، وكيفية حسابها في صناديق التوفير، بحكم عدم التخصُّص الذي أشرنا إليه سابقا، ومن جهة أخرى فإنَّ الحجج التي ساقها الشيخ البكري في إجازة بعض المعاملات الربوية، مثل: إعانة الفلاحين وأرباب الصناعات، وتقديم الشخص أمواله للبنك أو لصندوق التوفير طائعا مختارا، وبغرض تعويد النفس على الاقتصاد… كلُّ هذا ينتفي في حال وجود البنوك الإسلامية في العالَم الإسلاميِّ، وفي الجزائر، وفي منطقتنا ميزاب (غرداية) بالذات، وهو الشيء الذي لم يكن في عهد الشيخ محمد عبده أو الشيخ رشيد رضا، أو حتى الشيخ البكري نفسه؛ لأنَّ هذه الفتاوى تمَّ تحرير الجزء الأوَّل منها سنة 1981م، والجزء الثاني سنة 1982م، كما جاء في مقدِّمة الجزأين، ومعنى ذلك أنـَّها صدرت من الشيخ قبل ذلك بسنوات على الأقلِّ، ومعلوم أنَّ أوَّل بنك إسلاميٍّ بدأ العمل في العالم الإسلامي كان سنة 1975م، وفي الجزائر (بنك البركة الجزائري) سنة 1991م.

هذا وقد أجاب الشيخ على نفس السؤال في الجزء الثاني من فتاواه، ص 416، بطريقة أخرى، حيث أشار إلى أنَّ هناك رأيين في أخذ أرباح صندوق التوفير: رأي أجازه واعتبره من قبيل المضاربة (وما أبعد هذه الأرباح عن طريقة المضاربة)، ورأي تحرَّج (ولم يقل حرَّم) من أخذ هذه الأرباح، ورأى دفعها للفقراء، ثم قال في الأخير بأنَّ الرأيين اختلفا في أخذ الأرباح، واتفقا في وضع المال في صندوق الادخار، لما فيه من التعود على الاقتصاد، وإعانة الحكومة في مشاريعها العمرانية، ونفع الغير. ولا ندري هنا ما فائدة ذكر الشيخ لهذا الاتفاق؟ فإذا كان هناك رأي (وهو رأي الأغلبية الساحقة من العلماء) تمنع أخذ الفوائد من صندوق التوفير، فما فائدة وضع المال فيه أصلا؟ وأين تشجيع الفرد هنا على الاقتصاد؟ أليس من الأفضل له في هذه الحال أن يضع ماله في صندوق خاصٍّ في بيته؟

ثم يجيب الشيخ بعد ذلك بطريقة أخرى مختلفة تماما على نفس المسألة، أي صندوق التوفير، ص69 من الجزء الثاني، قائلا للسائل: «إذا فتحت عنوانا جاريا في صندوق التوفير، فليكن بنيـَّة تعويد النفس على الاقتصاد، والادخار لوقت الحاجة، وإسعاد الحكومة على البناء والتعمير، لا بنيـَّة التنمية والاستثمار، وتنـزَّه عمَّا ينتجه من فائض، لا تأكلْه، بل وزِّعه على الفقراء».!!

وإذا قارننا هذه الفتوى مع الفتوى الواردة في ص 211 من الجزء الأول، وجدنا تضاربا واضحا، ولا أدري شخصيا ولحدِّ الآن ما موقف الشيخ من فوائد صندوق التوفير، أهي حلال أم حرام؟ وهل يعتبر الجزآن الأوَّل والثاني من فتاواه مثل القديم والجديد بالنسبة للإمام الشافعي رحمه الله؟

جاء في ص217 من الجزء الأول هذا السؤال: «… إنَّ من يريد شراء سيارة بتسهيلات، يقصد الشركة ويتفاوض معها في ثمنها ويعرِّفها بالآجال التي يطلب، والأقساط التي ينوي تقسيم المبلغ عليها، أمَّا الشركة فتعرِّفه بدورها بمبلغ كلِّ قسط، وقد أضافت (طبعا) إلى قيمة البيع الأصلية مبلغ الفائض الذي يستلزمه اختياره، ليرى هل يقدم على الشراء أو لا يقدم».

وهنا نجد أنَّ الشيخ يسمِّي الفائدة فائضا، ربـَّما لأنَّ مصطلح الفائدة يدلُّ بوضوح على ربوية العملية، مع أنـَّه لا تهمُّ الأسماء إذا اتضحت المسميات، كما أنـَّه يورد مرَّة أخرى فكرة الاختيار، وكأنـَّها مبرِّر كاف للتعامل بالربا، ثم يقول بعد ذلك: «وهناك يقدِّم المشتري للشركة – متى قرَّر الشراء – سندات في المبلغ، فتدفعها الشركة بدورها للبنك، وهذا يدفع لها المبلغ،  فتكون الشركة قد باعت سيارتها نقدا حاضرا، والديْن حوَّلته الشركة على البنك، بعد أن يتأكَّد هذا من صلاحية المشتري، فيصبح المشتري حريفا للبنك مباشرة، ولم تعد له صلة بالشركة بتاتا»، ثم يسترسل: «فشراؤه إذن شراء صحيح، ليس فيه ما يمنع انعقاده، ولا ما يوجب انفساخه».

هنا أشار الشيخ إلى الدور الأساسي الذي تلعبه الشركة في هذه العملية، حتى يجعل منها أشبه بعملية المرابحة، التي تطبقها البنوك الإسلامية، وفي نفس الوقت حاول التقليل قدر الإمكان من دور البنك فيها، لأنـَّه قال عن المشترين: «ولم يكن بينهم وبين البنك أي اتفاق، ولا فاوضه في أخذ الفائض منه أم لا»، مع أنـَّه من المعلوم أنَّ البنك يلعب الدور الأهمَّ في هذه العملية؛ لأنـَّه يتفاوض مع الزبون في المبلغ الإجمالي وكيفية تقسيطه ودفعه، والآجال المحدَّدة لذلك، ومبلغ الفوائد على هذه الأقساط، وكيفية احتسابها، وفوق هذا كلِّه يفتح البنك للزبون حسابا ليحوِّل إليه أجرته الشهرية، ليستقطع البنك منها مبلغ الأقساط والفوائد.

أمَّا إذا تمت العملية بالشكل الذي شرحه الشيخ، وأمضى الزبون إيصالات وأوراقا تجارية لصالح الشركة، التي تحوِّلها بدورها إلى البنك، فإنها لن تستوفي الثمن كاملا، لأنـَّه يستحقُّ بعد أجل بل أقلَّ من ذلك، وهذا ما يسمَّى بعملية الخصم، وقد أثبت الفقهاء ربوية هذه العملية بعد تحليل شامل ودقيق لآلياتها([4]).

خلاصة القول:

بعد هذا العرض الموجز لأهمِّ الفتاوى الاقتصادية للشيخ البكري، نريد أن نؤكِّد ما ذكرناه في البداية، وهو أنـَّنا لا نقصد من وراء هذا العرض مجاراة لأحد علمائنا الأجلاَّء، وإنما أردنا فقط التنبيه إلى ما شاب فتاواه في مجال معيَّن، وهو المعاملات المالية والمصرفية، بسبب عدم الإلمام بها، وما نتج عن ذلك من مخالفة هذه الفتاوى لتلك الصادرة عن علماء الأمَّة الإسلامية، والتي أصدروها بعد تحليل عميق لهذه المعاملات، ودراستها دراسة مستفيضة مع خبراء الاقتصاد والبنوك، كما نؤكِّد مرَّة أخرى أنَّ هذا لن ينال من قدر الشيخ أو من أجره عند الله، فقد وعد سبحانه وتعالى المجتهد بالأجر في كلِّ الحالات، فرحم الله الشيخ رحمة واسعة، ووفَّقنا لما فيه خير أمَّتنا وصلاحها، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالَمين.

بتاريخ 8-10-1424 هـ

= = = = = = = = = = =

[1] – د. رفيق المصمودي، ود. محمد الأبرش: الربا والفائدة، دراسة اقتصادية مقارنة؛ ط1: دار الفكر، بيروت؛ 1999م؛ ص158.

[2] – رواه مسلم وأحمد وابن ماجة.

[3] – مركز الاقتصاد الإسلامي للمصرف الإسلامي الدولي للستثمار والتنمية: دليل الفتاوى الشرعية في الأعمال المصرفية؛ القاهرة، 1989م؛ ص26

[4] – انظر- رسالتنا للماجستير تحت عنوان: تطوير صيغ التمويل قصير الأجل للبنوك الإسلامية؛ معهد العلوم الاقتصادية، جامعة الجزائر؛ 1998. ص169، 170، 171.

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك