من مات على كبيرة

الأسئلة المحيرة:

– هل يوجد في مجتمعنا من يرتكب الكبائر؟ وإن وجد، فكيف نتعامل معه؟ هل بما أمرنا الله تعالى به؟ أم بما نراه ونستحسنه بعقولنا، وإن خالف الشرع؟ أم أنـَّنا بدأنا نغيِّر عقيدتنا؟

– ثم، هل يوجد منَّا من يموت على كبيرة؟ وإن وجد، فهل نترحَّم عليه؟ وهل نعتقد أنـَّه في الجنَّة؟

– لبعض الكبائر تبعات دنيوية ودينية، فإلى أيِّ حدٍّ نتحرَّاها؟ فمثلا: زنى الرجل المحصن،  وزنى المحصنة، تقع به الحِرمة إن علما([1]). فهل نتحرَّى هذا؟

–  والربا مثلا- (يكفر فاعله عند الشروع فيه، وإن جهل، ويكفر الراضي به، والشاهد, والكاتب, فعنه e: «لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهده, وهم يعلمون». والذي يموت ولا يتوب من هذه الكبيرة سيموت كافرا بإجماع العلماء، ومآله إلى النار والعياذ بالله. والسؤال هو: ما مدى تطبيق هذه النصوص في واقعنا اليوميِّ؟ كيف نفسِّر جرأة أحد في اجتماع اقتصادي، بإحدى أوقافنا في العاصمة، وقوله: “اتركونا من هذا التخلف، وابحثوا لنا عن حلول تجيز المعاملات الربوية، وإلاَّ تخلَّفنا عن ركب الاقتصاد”! وكيف نفسِّر كون غالبية الموظفين في البنوك بميزاب من الميزابيين؟

– وتوجد كبائر أكبر من هذا، تصل إلى حدِّ الشرك والعياذ بالله: مثل سبِّ الربِّ، واستحلال المعصية، والحديث في الغيب (الله، الملائكة، الرسل، الآخرة…) باستهزاء وشكٍّ. فهل نطبِّق هذه الأحكام قبل موت المرتدِّ: تحرم زوجته، لا يؤاكل ولا يعاشر، يتبرَّأ منه… وعند موته: لا يرث، ولا يورث، ولا يدفن في مقابر المسلمين… الخ؟ أم أنًَّ هذه مجرَّد أحكام نزلت على قوم آخرين، وعلى عصر آخر غير عصرنا؟

– وفي اعتقادي أنَّ جهل الناس بحكم مرتكب الكبائر، هو الذي أوصلنا إلى هذا الحدِّ، ولقد غابت العقيدة الصحيحة من مجال التربية، وفي الإعلام، وفي الحياة اليومية…

مرتكب الكبيرة دون توبة، كافر عند المحققين:

– وعقيدتنا أنَّ مرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة، وجب عليه التوبة، والنصوص صريحة في ذلك، لا تقبل الشكَّ، منها قوله تعالى: ]ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فإنَّ الله غنيٌّ عن العالَمين[ (سورة آل عمران: الآية 97). أي ومن ترك الحجَّ مع الاستطاعة. وفي الحديث: «سباب المؤمن فسوق، وقتله كفر»([2])، وقال: «إن انتفى الرجل من أبيه كفر، ومن ترك الصلاة كفر»([3]). وقال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». ويعتقد البعض أنَّ هذه العقيدة خاصَّة بالإباضية، لكنَّ الصواب أنَّها للمحقِّقين من علماء الأمَّة، فنقرأ عند الإمام البخاري مثلا: «باب كفر دون كفر»، وهو كفر النعمة.

– والواجب على كلِّ مسلم أن يعتقد أنَّ «الكبائر دون الشرك كالدماء، والزنا، والربا، والسرقة، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك علينا أن نعلم مع قيام الحجة أنـَّه كفر وكبيرة ومعصية»([4]).

ليست الشفاعة لأهل الكبائر:

– الشفاعة حقٌّ، من كذب بها كذب بالقرآن؛ ولكن قوما أجازوها «لأهل الكبائر من أمَّة محمَّد e»؛ غير أنَّ العقيدة الصحيحة، هي أنَّ الشفاعة لا تكون إلاَّ للمسلمين الذين ماتوا على الطاعة، ولم يموتوا على كبيرة دون توبة، أو متلبسين بكبيرة، والنصوص القطعية من قرآن وسنَّة تجمع على ذلك، قال تعالى مخبرا عن أهل النار: ]فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم[ (سورة الشعراء: الآية 100-101). وكان جابر بن زيد إمام المذهب يحلف: «ما لأهل الكبائر من شفاعة».

– ولقارئ أن يقرأ كتاب الشفاعة للعالم المصري مصطفى محمود، الذي ذهب فيه إلى رأي الإباضية في هذا، ولاقى ما لاقى من العنت، لكنه أثبت أنـَّه هو الحقُّ الذي أخطأته الفرق الإسلامية، وكان سببا لتفسُّخها وتميُّعها، واستهتار أتباعها بالدين.

– يقول الشيخ عدُّون دوما: «الفرق الذي بيننا هو الاعتقاد في الشفاعة، فإن تركنا عقيدتنا هلكنا، ورجائي من كلِّ باحث للحقيقة أن يكتب فيها، وأن تعلَّم لكلِّ الناس»

باب التوبة مفتوح دائما:

– ليست هذا العقيدة بمثبطة، ولا صعبة، ولا هي من قبيل التقنيط في رحمة الله تعالى، بل هي مدعاة للإسراع في التوبة، والتنصُّل، والاستغفار.. ولأن أكون صريحا معك اليوم في الدنيا، خير لي من أن أكذب عليك، أو أغطي الحقَّ، فتكون خصيما لي يوم القيامة. ومن شأن المسلمين أن يتعاونوا على الطاعة، ولا يطلب منهم أن يتواطؤوا على المعصية، ويسكتوا عنها، ويراعوا عواطفهم ومشاعرهم؛ لأنَّ ذلك سيهلك الحرث والنسل، ويهلك التابع والمتبوع… ولن ينفع أمَّتنا في شيء.

وعلى الثلاثة الذين خلِّفوا:

– هذه قصَّة واقعية تبين أثر ارتكاب الكبيرة على المسلم، وتظهر جوانب خفية من صراع القلوب والمظاهر، وهل النجاة الحقَّة هي التي بينك وبين العباد، أم النجاة هي التي تكون من عند الله تعالى. ودعوتي لكلِّ مستمع وقارئ تقي مؤمن، إذا صادف أن ارتكب كبيرة، أن يضع نفسه في مكان كعب مالك راوي القصَّة، ويطلب النجاة كما طلبها، فينجيه الله تعالى، ويغفر له.

–        عن عبد الله بن كعب بن مالك t قال: سمعت كعب بن مالك يحدِّث حديثه حين تخلف عن رسول الله e في غزوة تبوك، قال كعب بن مالك: «لم أتخلف عن رسول الله e في غزوة غزاها قطُّ، إلاَّ في غزوة، إني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلَّف عنه إنما، خرج رسول الله e والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله e ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحبُّ أنَّ لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكرُ في الناس منها.

–        وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله e في غزوة تبوك أني لم أكن قطُّ أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة؛ والله ما جمعت قبلها راحلتين قطُّ حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله e يريد غزوة إلاَّ ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله e في حرٍّ شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفاوز، واستقبل عدوا كثيرا، فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، وأخبرهم بوجههم الذي يريد المسلمون مع رسول الله e، وكثيرٌ لا يجمعهم كتاب حافظ يريد بذلك الديوان.

–        قال كعب: فقلَّ رجل يريد أن يتغيب إلاَّ ظنَّ أنَّ ذلك سيخفى ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل، وغزا رسول الله e تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أصعر، فتجهز رسول الله e والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهَّز معهم فأرجع ولم أقض شيئا، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت. ولم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمرَّ بالناس الجد، فأصبح رسول الله e غاديا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلتُ، ثم لم يقدَّر لي ذلك، وطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله e يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلاَّ رجلا مغموضا عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء.

–        ولم يذكُرني رسول الله e حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل: بئسما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلاَّ خيرا. فسكت رسول الله e، فبينما هو على ذلك فرأى رجلا مبيضا يزول به السراب. فقال رسول الله e: كن أبا خيثمة، فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري. وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون.

–        قال كعب: فلمَّا بلغني أنَّ رسول الله e قد توجَّه قافلا من تبوك، حضرني همِّي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بما أخرج من سخطه غدا، وأستعين على ذلك بكلِّ ذي رأي من أهلي. فلما قيل إنَّ رسول الله e قد ظل قادما، راح عني الباطل، حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقه، وصبح رسول الله e قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس. فلمَّا فعل ذلك جاءه المخلَّفون فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم علانيتهم وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله عز وجل؛ حتى جئت فلمَّا سلَّمت تبسَّم تبسُّم المغضب ثم قال: تعال. فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قلت: يا رسول الله، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك عليَّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليَّ فيه، إني لأرجو فيه عقبى الله عز وجل. وفي رواية عفو الله. والله ما كان لي من عذر، ما كنت قطُّ أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك.

–        قال فقال رسول الله e: أمَّا هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك، فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا: والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله e بما اعتذر إليه المخلَّفون، فقد كان كافيك ذنبَك استغفارُ رسول الله e لك قال. فو الله ما زالوا يؤنِّبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله e فأكذِّب نفسي. قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد، قالوا: نعم. لقيه معك رجلان، قالا مثل ما قلت. وقيل لهما ما قيل لك: قال قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن ربيعة العامري، وهلال بن أمية الواقفي. قال فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة، قال: فمضيت حتى ذكروهما لي.

–        قال: ونهى رسول الله e المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه. قال: فاجتنبنا الناس أو قال تغيروا لنا. حتى تنكَّرت لي في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأمَّا صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأمَّا أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلَدهم. فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق، فلا يكلِّمني أحد. وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا، ثم أصلي قريبا منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، فإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إليَّ، فسلَّمت عليه فو الله ما ردَّ علي السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمنَّ أني أحبُّ الله ورسوله. قال: فسكت. فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته. فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسوَّرت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون له إليَّ حتى جاءني، فدفع إليَّ كتابا من ملك غسان، وكنت كاتبا فقرأته، فإذا فيه: أمَّا بعد، فإنـَّه قد بلغنا أنَّ صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. قال فقلت حين قرأتها: وهذه أيضا من البلاء. فتيمَّمت بها التنور، فسجرتها. حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي وإذا رسول رسول الله e يأتيني فقال: إنَّ رسول الله e يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال فقلت: أطلِّقها، أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها فلا تقربها. وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك قال، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.

–        قال فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله e فقالت: يا رسول الله، إنَّ هلال بن أمية شيخ ضائع، ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربنَّك. قالت: إنـَّه والله ما به حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. قال فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله e فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ قال فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله e، وما يدريني ما يقول رسول الله e إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب.

–        قال فلبثت بذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا. قال: ثم صليت صلاة الصبح صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحالة التي ذكر الله عز وجل منا، قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخٍ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر. قال: فخررت ساجدا، وعلمت أن قد جاء فرج.

–        قال: وأذن رسول الله e الناس بتوبة الله علينا، حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا. فذهب قِبل صاحبي مبشِّرون، وركض رجل إليَّ فرسا، وسعى ساع من أسلم من قبلي، وأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته. والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله e  فتلقاني الناس فوجا فوجا، يهنِّئوني بالتوبة، ويقولون: توبة الله عليك. حتى دخلنا المسجد، فإذا رسول الله e حوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني، وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره. قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلَّمت على رسول الله e  قال وهو يبرق وجهه من السرور قال: أبشر بخير يومٍ مرَّ عليك منذ ولدتك أمك. قال فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: بل من عند الله.

–        وكان رسول الله e إذا سرَّ استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر، قال: وكنا نعرف ذلك. قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إنَّ من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال رسول الله e: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك. قال فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. قال: يا رسول الله إنما أنجاني الله بالصدق، وإنَّ من توبتي أن لا أحدث إلاَّ صدقا. قال فو الله ما علمت أحدا أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله e  إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. قال: فأنزل الله عز وجل: ] لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة[ حتى بلغ ]إنه بهم رؤوف رحيم…[ ]وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت[ حتى بلغ ]اتقوا الله وكونوا مع الصادقين[ (سورة التوبة: الآيات 117-119).

–        قال كعب: والله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله e أن لا أكون كذبته فأهلك، كما هلك الذين كذبوا. إنَّ الله عز وجل قال للذين كذبوا حين نزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال: ]سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين[ (سورة التوبة: الآية 1).

–        قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله e أمرنا حتى قضى الله تعالى فيه بذلك. قال الله عز وجل: ]وعلى الثلاثة الذين خلفوا[  وليس الذي ذكره ما خلفنا تخلفنا عن الغزو وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. رواه البخاري ومسلم واللفظ له ورواه أبو داود والنسائي بنحوه مفرقا مختصرا وروى الترمذي قطعة من أوله ثم قال وذكر الحديث.

من سيرة الرسول e إلى العلاء بن الحضرمي:

–        العلاء بن الحضرمي صحابي جليل، أرسله الرسول e إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين، ثم ولاَّه على البحرين إذ فتحها الله عليه، وأقرَّه عليها أبو بكر وعمر… في رسالة أرسلها إلى الخلق كافة سيرة للعلاء، مما جاء فيها بعد تبين الحق، والإحسان: «ثم بيِّنوا لهم الكبائر فإنَّ الهلكة فيها، وهي الشرك بالله، والله لا يغفر أن يُشرَك به، والساحر ما له في الآخرة من خلاق؛ وقطيعة الرحم؛ أولئك الذين لعنهم الله، والفرار من الزحف؛ وباءوا بغضب من الله، والغلول؛ ومن يغلل يأت بما غلَّ يوم القيامة، ثم لا يقبل منه؛ وقاتل النفس التي حرَّم الله، جزاؤهم جهنَّم؛ والزاني، يضاعف له العذاب؛ وقاذف المحصنة؛ لعن في الدنيا والآخرة، وأكلة الربا؛ قد أذنهم الله ورسوله بحرب منه، فإن انتهوا عن الكبائر فقد استكملوا التقوى، فادعوهم إلى العبادة»([5]).

فاللهمَّ تب علينا، واغفر لنا ذنوبنا، كما غفرت ذنوب الثلاثة الذين خلِّفوا، واجعلنا مع الصادقين. آمين.

محمد موسى باباعمي

الحميز، 3 رمضان 1423هـ

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك